طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

آيةُ العَدَدِ

للشيخ أبي بكر الجزائري

رئيس قسم التفسير بالجامعة

 

 

قوله تعالى: {يا أيُّهاَ الّذِينَ آمَنُواْ اْتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأنتُم مَّسلِموُنَ. واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وآله وصحابته أجمعين.

وبعد فهذه آية العدد نقدم شرحها لأبنائنا طلبة العلم على طريقتنا في التفسير التحليلي فنبدأ بذكر مناسبة الآية لما قبلها من الآيات، ثم نذكر الغرض الذي سيقت له الآية ثم نشرح مفرداتها، ثم نذكر معنى الآية المراد فهمه منها ثم نختم الشرح للآية بذكر ما فيها من هداية قرآنية راجين أن يهتدي بها الطالب إلى ما يزكي نفسه، ويكمل أخلاقه ومعارفه، وبسم الله نبدأ، ومنه نستمد العون والتوفيق فنقول:

 

مناسبة الآية لما قبلها:

لقد جاء في السياق قبل هذه الآية قول الله تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}. وهو إخبار منه تعالى لعباده المؤمِنين بأنهم إن أطاعوا بعض أفراد اليهود أو النصارى بأن سمعوا منهم واستجابوا لما يقولون لهم أدَّى بِهِمْ ذلكَ إلى الردَّة والعياذ بالله تعالى، وهو إخبار بمعنى الإنشاء؛ إذ مراد الله تعالى من هذا الخبر نهيه عزّ وجل المؤمنين عن طاعة أهل الكتاب لما قد تُفْضي بهم تلك الطاعة إلى الكفر والعياذ بالله. ومن هنا ناسب أن يأمرهم بما يكون عصمة لهم من الوقوع في الردَّةِ والكفر بعد الإيمان والإسلام فقال عزّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . {اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}. فهذا وجه المناسبة بين الآيتين وهو ظاهر والحمد لله.

 

الغرض الذي سيقت له الآية:

إنّ الغرض الذي سيقت له هذه الآية هو الأمر بتقوى الله عز وجل وذلك بفعل مأمور الله عز وجل وهو الإيمان والعمل الصالح، وترك منهيه تعالى وهو الشرك والمعاصي بترك واجب أو فعل منهيّ وبذل الجهد في تحقيق هذه التقوى، والصبر عليها مع الاعتصام بدين الله وعدم التفرّق فيه، حتى الموت على الإسلام.

 

مباحث الألفاظ:

من مباحث ألفاظ هذه الآية ما يلي:

التقاة: اتّقى يتقي اتّقَاءً وتُقَاةً، وهى بمعنى التقوى التي هي الاسم من اتقى.

حق تقاته: هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، إذ الأصل اتقوا الله التقاة الحقة.

ولا تفرقوا: تفرّقوا أصلها: تتفرقوا فحذفت إحدى التائين تخفيفا.

إلا وأنتم مسلمون: الجملة حالية، والاستثناء فيها مفرّغ من أعم الأحوال إذ

المعنى: ولا تموتن على أيِّ حال من الأحوال إلاّ على حال أنتم مسلمون.

 

شرح الكلمات:

آمنوا: اذعنت قلوبهم للتصديق بوجود الله تعالى ربّاً لكُلِّ شيء وإلهاً لكل العالمين. موصوفاً بكل كمال، منزّها عن كل نقصان، وللتصديق بمحمد  صلى الله عليه وسلم  نبيًّا ورسولاً للعالمين، وبكل ما جاء به من الدين، وأخبر عنه من أمور القدر والغيب، وللتصديق بالبعث والجزاء في الدار الآخرة بالنعيم المقيم، أو العذاب المهين.

اتقوا: أمر بالتقوى، والتقوى الاسم من فعل، اتّقَى، ومعناه: اتخذوا الإيمان والاعتصام بالطاعة وقاية تقيكم وتحفظكم مما تخافون من العذاب المترتب على الكفر والمعاصي.

الله: اسم الجلالة الأعظم: وهو عَلَمٌ على ذاتِ الربّ المعبود بحق، واشتقاقه من اله ياله إلهة وتألّهاً. إذا عبد فأذعن وأطاع حبًّا وتعظيماًَ. فمعنى الله: المعبود الذي تتحير الأفكار في حقائق صفاته، وتطمئن القلوب إلى ذكره، وتفرح النفوس بمعرفته، وتولع الخليقة بدعائه والتضرع إليه، ولا تفزع عند الشدائد إلا إليه سبحانه لايدرك كنه ذاته، ولا تعلم حقائق صفاته.

حق: يقال حَقّ الشيء يحق إذا ثبت ووجب.

التقاة: مصدر بمعنى التقوى، ومعنى المتضايفين{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}: اتقوا الله التقاة الحقة الواجبة للّه تعالى الثابتة له بما له من قوة لاتحد، وقدرة لا تعجز، وسلطان لا يقهر.

ولا تموتن: الـواو [1] عاطفـة للجملة على سابقتها وهى: اتقوا اللّه حق تقاته. ولا: أداة نهى وجـزم وتمـوتن: مضارع مات يمـوت؛ إذا فارقته الحياة، وهو مسند إلى واو الجماعة دخـل عليـه الجـازم فحـذف نون الرفع، فصار ولا تموتوا، فأكد بنون التوكيد فالتقى ساكنان فحذفت الواو لوجود ما يدل عليها وهى الضمة فصارت الكلمة ولا تموتن.

إلا وأنتم مسلمون: إلا أداة استثناء وهو هنا مفرغ من أعم الأحوال، والواو للحال وجملة "أنتم مسلمون " خبريّـة مؤلفـة من مبتدأ وخـبر في محل نصب على الحـال. ومعنى الجملة: لا تموتن أيهـا المؤمنـون على أي حال من الأحـوال إلا على الحـال التي أنتم فيْها مسلمون، والجملة متضمنـة النهي عن الرّدّة بعد الإسلام، فلا يحل للمؤمن أنْ يكفر بعد إسلامه. كـما يريد ذلك كفار أهل الكتاب.

واعتصموا: الاعتصام: التمسـك بالشيْء بشـدة حتى لا يسقـط منه، مأخوذ من معصم اليد، إذ قوة التمسك بالشيء تابعة لقوة معصم الإنسان وساعده.

حبل اللّه: الحبل لغةً ا لسبب، وما يتوصّل به إلى الشيء أو ما يتمسّك به طلبا للنجاة والمراد به هنا: القرآن الكـريم، والـدّين، وجمـاعة المسلمين، إذ التمسّك بهذه يُنجي من السقوط والهبوط في الدنيا والآخرة.

جميعا: حال من ضمير واعتصموا، والمعنى تمسّكوا بكتاب اللّه ودينه وجماعة المسلمين حال كونكم مجتمعين لا يتخلف منكم أحد أبداً.

ولا تفرقوا: الواو عاطفة، ولا ناهية جازمة. وتفرقوا مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل. والتفرق لا يكون إلا بعد الاجتماع، وعليه فالجملة مؤكدة لسابقتها؛ إذ الأولى فيها أمر الله تعالى للمؤمنين بالتمسك بدينهم، وفي هذه نهيه تعالى عباده المؤمنين عن التفرق المفضي بعدم التمسك المأمور به.

 

معنى الآية الكريمة:

ينادى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين بوصف الإيمان: يا أيها الذين آمنوا؛ إذ بالإيمان حياتهم فهم بإيمانهم أحياء غير أموات يقدرون على فهم الخطاب، وعلى القول والعَمل، يناديهم ليأمرهم بما فيه سلامتهم من كل مرهوب، وظفرهم بكل مرغوب محبوب من سعادة الدارين ألا وهو تقوى الله الحقة الواجبة له على عباده، والمتمثلة في امتلاء القلب بخشيته ومحبّته، وانقياد الجوارح كل الجوارح لطاعته، حتى يطاع فلا يُعصى، ويذكر فلا يُنْسى ويشكر فلا يكفر. ولينهاهم عن الكفر بعد الإيمان، والردة بعد الإسلام {وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. فليثبتوا على إيمانهم، وليستمرّوا على إسلامهم لربهم مطيعة قلوبهم وجوارحهم لا يفارقون الطاعة حتى تفارقهم الحياة، ابقاء على نور قلوبهم، وزكاة أنفسهم، وطهارة أرواحهم؛ ليكونوا أهلاً لمواكبة الرفيق الأعلى والنزول في منازل الأبرار، والفوز بالنعيم المقيم في جوار الربّ الرحيم.

وناداهم ليأمرهم بالاعتصام بكتابه ودينه، وعهده الذي أخذه عليهم لمّا شهدوا له بالوحدانيّة، ولنبيّه بالرسالة، والاعتصام بكتابه يعنى العمل بما فيه فيعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويُحلّون حلاله ويحرمون حرامه، ويلتزمون بآدابه، ويتحلون بأخلاقه. والاعتصام بدينه يعنى التمسك بعقائده، وأداء فرائضه، وإقامة حدوده، والتأدب بآدابه، والتجمّل بأخلاقه، مع ملازمة أهله القائمين به والداعين إليه. والاعتصام بعهده يعني الوفاء للّه تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وذلك في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وفاءً دائماً، لا يُخلُّون به حتى تفارق الحياة أبدانهم، وتباينهم أرواحهم، وناداهم أيضاً لينهاهم عن التفرق بعد التجمع، وعن الاختلاف بعد الائتلاف؛ لما في تفرقهم من فشلهم وذهاب ريحهم، و لما في اختلافهم من سوء أحوالهم وفساد بالهم، والقعود بهم عن مواكبة الصالحين في الدارين.

 

هداية الآية:

إن من بين الهدايات القرآنية التي تضمّنتها هذه الآية الكريمة الهدايات التالية:

ا- تقوى الله عز وجل، وذلك لأن الله تعالى بيده ملكوت السموات والأرض يحيي ويميت ويعطى ويمنع ويضر وينفع، يُغنى ويفقر، يُعزّ ويذل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قدرته لا تُحدّ، وسلطانه لا يقهر، فهو لذلك يجب أن يتقى، ولكن لا بالحصون والأسوار العالية، ولا بالقوات الضاربة، من رجال وسلاح، على اختلافه وتطوره حتى لو كان سلاح الذرّة والهدروجين، وإنما يُتّقى الله جل جلاله وعزّ سلطانه، وهو الذي ذلّت له رقاب الجبابرة، وانحنت أمام جبر وته هامات القياصرة والأكاسرة، يتقى بشيء واحد ألا وهو العبودية الحقة المتمثلة في إسلام القلوب والجوارح له، فالقلوب تؤلّهه رهبةً ورغبةً، ومحبّةً وتعظيماً. والجوارح انقياداً لأمره، ولنهيه تركاً. بهذا فقط يتقى الله ذو الجبروت والملك والملكوت، فمن طلب النجاة من العار والنار، وأحب الفوز بالجنة دار الأبرار فليتّق الله الواحد القهار، فإن ذلك له، ومردّه إليه، وتقواه عز وجل هي مفتاح بابه، وسلم الوصول والارتقاء إليه، وهاهي آيات كتابه تنبئ عما قلناه، وتترجم للقارئ معناه، قال تعالى في كتابه الكريم:

{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب}  ]الطلاق: 2، 3[.

إن مما تهدي إليه هذه الآية: الموت على الإسلام، والموت على الإسلام هو الغاية التي ما وراءها غاية، والأمل الذي دونه كل أمل ولنشهد هذه الحقيقة من خلال القصة التالية: جلس على عرش مصر نبي الله ورسوله الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليه السلام- ورفع أبويه فوق عرشه فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وجلس إخوته الأحد عشر أخاً بين يديه وقد تم له الملك بحذافيره، وجاءته الدنيا طائعة، وحفل الكون به من حوله. هنا ابتهل يوسف إلى ربّه قائلا: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.

إن هذه القصة تقول: إن المال والملك والسلطان واجتماع الشمل بالأهل والإخوان ليس بالغاية المطلوبة ولا بالأمل المرجو عند الأبرار الأطهار الأخيار، وإنما الغاية المرغوبة والأمل المنشود: الوفاة على الإسلام، واللّحاق بمواكب الصالحين.

وإن قيل: وهل الإنسان يملك أن يموت على الإسلام، أو على غيره من ا لأديان؟.

قيل له: نعم؛ إذ عدم الردة عن الإسلام هي الموت عن الإسلام، ومن شبّ على شيء شاب عليه، ومن لازم شيئا في حياته وآثره على غيره مات علَيه، يضاف إلى هذا أن التكليف بملازمة الإسلام وعدم الارتداد عنه ليس تكليفا بما لا يطاق، لاسيما وأن الإسلام دين الفطرة فلا يوجد في النفس البشرية من نوازع تدافع الإسلام وتأباه، والردة المحذر منها قد تأتي من خارج النفس لا من داخلها، تأتى من طريق الاستجابة للشيطان وإخوان الشيطان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}.

 

هذه هداية وثالثة:

3- الاعتصام بحبل الله تعالى:

إن مما تهدي إليه هذه الآية من أسباب الكمال والسعادة الأمر بالاعتصام بحبل الله تعالى الذي هو كتابه الكريم، ودينه القويم، وجماعة عباده الصالحين.

 

2- الموت على الإسلام:

إن مما تهدي إليه هذه الآية: الموت على الإسلام، والموت على الإسلام هو الغاية التي ما وراءها غاية، والأمل الذي دونه كل أمل ولنشهد هذه الحقيقة من خلال القصة التالية: جلس على عرش مصر نبي الله ورسوله الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليه السلام- ورفع أبويه فوق عرشه فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وجلس إخوته الأحد عشر أخاً بين يديه وقد تم له الملك بحذافيره، وجاءته الدنيا طائعة، وحفل الكون به من حوله. هنا ابتهل يوسف إلى ربّه قائلا:  {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.

إن هذه القصة تقول: إن المال والملك والسلطان واجتماع الشمل بالأهل والإخوان ليس بالغاية المطلوبة ولا بالأمل المرجو عند الأبرار الأطهار الأخيار، وإنما الغاية المرغوبة والأمل المنشود: الوفاة على الإسلام، واللّحاق بمواكب الصالحين.

وإن قيل: وهل الإنسان يملك أن يموت على الإسلام، أو على غيره من ا لأديان؟.

قيل له: نعم؛ إذ عدم الردة عن الإسلام هي الموت عن الإسلام، ومن شبّ على شيء شاب عليه، ومن لازم شيئا في حياته وآثره على غيره مات علَيه، يضاف إلى هذا أن التكليف بملازمة الإسلام وعدم الارتداد عنه ليس تكليفا بما لا يطاق، لاسيما وأن الإسلام دين الفطرة فلا يوجد في النفس البشرية من نوازع تدافع الإسلام وتأباه، والردة المحذر منها قد تأتي من خارج النفس لا من داخلها، تأتى من طريق الاستجابة للشيطان وإخوان الشيطان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}.

 

هذه هداية وثالثة:

والاعتصام بكتاب الله تعالى يكون باعتقاد الحق الذي جاء به من التوحيد والنبوة، والبعث والجزاء، وتحليل حلاله وتحريم حرامه من المقول والمفعول: كالصدق وقول الحق والمعروف، والمطاعم والمشارب والمناكح والمكاسب، كما يكون بإقامة حدوده والتزام آدابه ومحاسن أخلاقه بعد دراسته وفهمه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار.

والاعتصام بدينه يكون بإقامة فرائضه والمحافظة على سنته، وتطبيق شرائعه والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه بعد معرفة أحكامه وحفظ قواعده، كما يكون بالدعوة إليه، والموالاة فيه، والمعاداة عليه.

والاعتصام بجماعة عباده الصالحين يكون بموالاتهم، وتحريم معاداتهم، وبحبِّهم، والحب لهم وصدقهم وتصديقهم، والصلاة معهم وعليهم، والجهاد مع إمامهم وحرمة الخروج عليه وعليهم ما أقيمت الصلاة فيهم.

 

هذه هداية ورابعة:

4- حرمة الفرقة والاختلاف:

إن هداية هذه الآية تقول: إن الفرقة والاختلاف محرمان ممقوتان، وكونهما بعد الاجتماع والائتلاف اشدّ حرمة وأكبر مقتاً، إن من هداية هذه الآية تحريم الفرقة والاختلاف في الكتاب والدين والجماعة، أما الاختلاف في الكتاب فإنه لا يكون في ألفاظه وكلماته؛ إذ قد تولى الله منزّله سبحانه وتعالى حفظه من الزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، حيث جمع أمة الإسلام عليه منذ نزوله فلم تختلف فيه ولن تختلف بإذن الله تعالى فيه. وإنما الاختلاف في الكتاب يكون في معانيه وما يدل عليه، والعصمة من ذلك في الأخذ بالسنة والتمسك بها؛ إذ هي الشارحة لألفاظه ومعانيه، والمبيّنة لمجمله، والمخصّصة لعمومه، والمقيدة لمطلقه. وذلك بأقوال الرسول  صلى الله عليه وسلم  وأفعاله وأحكامه وأقضيته، وسياساته، وفي سيرة أصحابه من بعده حصن حصين، وسياج منيع من الفرقة والاختلاف في كتاب الله أيضا. ولهذا فالأمة المرحومة وهى أهل السنة والجماعة لم تختلف في كتاب الله، وإنما اختلف فيه من رد سنة رسول الله التي وردت من غير طريق من فتن بهم، وكفر أصحاب رسول الله، وغض من شرفهم وأهدر كرامتهم، ولعنهم وأبغضهم. والعياذ بالله تعالى من ضلال الطوائف والفرق المنتسبة إلى الإسلام باطلا وزوراً. وكذباً وميناً.

وأما الاختلاف في الدين فإنه ذو خطورة كبيرة على أمة الإسلام، ولذا كان من هداية هذه الآية التصريح بتحريمه والتحْذير من آثاره المدمرة، وفي الكتاب الكريم الأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه، والتوصية بذلك قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}.

 

ولكي تُتجنب الفرقة في الدين يلزم اتباعُ ما يأتي:

(1) اعتقاد أن الدين هو ما شرع الله ورسوله، ورفض كل تشريع يخالفهما، أولا ينبع منهما.

(2) تقديم الكتاب في الاستدلال ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس، ولا يجوز العمل بقياس لا يشهد له كتاب ولا سنة ولا إجماع بصحة ولا اعتبار.

(3) اعتبار المذاهب الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي مذاهب حق، وذلك لاتفاقها في أصول الدين وشرائعه، وعدم تعمد أصحابها الخروج عن الكتاب والسنة بأيّ حال من الأحوال. وعدم وجود خروج فيها عن الكتاب والسنة وإن قل.

(4) اعتبار هذه المذاهب الأربعة مَذْهَباً واحداً موسّعاً يستعان بها على فهم الكتاب والسنة والعمل بهما، ولذا على هيئة الإفتاء في البلد الإسلاميّ أن تنظر فيها مجتمعة ثم تصدر فتواها نابعة عنها مؤثرة في ذلك الدليل من الكتاب والسنة وشواهد الإجماع والقياس الصحيح.

(5) تأليف كتب فقهية على غرار"بداية المجتهد" و"منهاج المسلم" تعرض للمذاهب الأربعة وتؤيد ما يؤيّده الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وتنشر تلك الكتب الفقهيّة الجامعة الموحدة وتعممها على سائر المسلمين.

(6) ترويض الأفكار الخاصة والعامة على انتهاج هذا المنهج الذي يجمع أمة الإسلام ولا يفرقها، ويوحدها ولا يخالف بينها، عملا بقول الله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. وأخذاً بهداية هذه الآية في الاعتصام بالدين وعدم التفرق فيه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا }.

وترويض الأفكار يكون بإلقاء الدروس والمحاضرات في المعاهد والمساجد في كل ديار المسلمين بأن الله تعالى لم يتعبدنا إلا بما شرع لنا في كتابه وعلى لسان رسوله، وأن التعصب لما في مذهب معين ولو خالف الحق لا يجوز أبداً لما يلزم عنه من ردّ الكتاب والسنة وردهما ردة أوشبهها، والعياذ بالله تعالى. وأن العلماء مجمعون على أن لا معصوم في هذه الأمة إلا رسولها محمد صلى الله عليه وسلم .

وبذلك يتقارب أهل الحق من هذه الأمة، وتتم وحدتهم، وتنتهي الفرقة بينهم ويسيرون صفاً واحداً يحيون ميّت الإسلام ويجددون بناء ما انهدم منه بعامل الفرقة والخلاف قرونا طويلة.

وأما الاختلاف في الجماعة فإنه وإن كان أقل خطراً من الاختلاف في الدين فإنه معوق لأمة الإسلام عن النهوض والتقدم، ومعرّض لها أيضا لأوخم العواقب، وأسوأ الأحوال، ودليل ذَلك أنها ما وقعت في براثن الاستعمار الغربي ردحا من الزمن غير قليل يسومها الخسف ويصب عليها سياط العذاب والإهانة إلا بعد أن تفرقت جماعتها، وقاتل بعضها بعضاً، وإنها- والله- اليوم لعرضة لمحنة قاسية أشد من محنة الاستعمار السابقة وذلك لما تعيش عليه من الفرقة والاختلاف في كل شيء فلذا وجب على المصلحين أن يسارعوا إلى تلافي الموقف بجمع الأمة المحمدية تحت لواء واحد وهولا إله إلا الله محمد رسول الله فلا يعبد في ديارها إلا الله، ولا يتابع إلا رسول الله  صلى الله عليه وسلم .

وأحسب أن ما تقدم في الأرقام الستة السابقة كاف في بيان الطريق الذي يتم به وحدة المسلمين وجمعهم على منهج الله ليكملوا ويسعدوا عليه دنيا وأخرى... والله المستعان، وعليه وحده التكلان. وسلام

 

 

 

 

 



[1] إن قيل: لم شرح هذه الجزئيات، والتعرض للإعراب؟ قلنا: إن المجلة مجلة طلبة العلم وهم ينتفعون بمثل هذا التحليل اللفظي والمعنوي.