طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الإسْلاَمُ والمسلِمُونَ في إنجلتِرَا مَاضيهمْ وَحَاضرهم وَمسْتقبلهمْ (2)

للدكتور محمد إبراهيم الجيوشي

أستاذ بالدراسَات العليَا

 

 

مشاكل المسلمين: بعد أن عرفنا حال المسلمين في إنجلترا يبلغون زهاء المليون ونصف، وأنهم اتخذوها وطنا لهم، فإننا نتساءل:

كيف يباشرون عباداتهم اليومية في تلك البلاد وكيف يحصلون على طعام حلال لا شبهة فيه؟ وكيف تتعرف الأجيال الناشئة في وسط هذا المجتمع الغريب عن الإسلام على مبادئ الدين وسلوكه وأخلاقه ومنهج حياته؟

في الحقيقة إن كل سؤال من هذه الأسئلة يمثل مشكلة تواجه كل مسلم يستقر في هذه البلاد، ويحاول أن يجد لها حلا، وبعض هذه المشاكل قد وجدت لها حلول كاملة، وبعضها الآخر اهتدت إلى حلول جزئية تحتاج إلى متابعة.

1- فبالنسبة لمشكلة الطعام الحلال: لقد حلت هذه المشكلة، بواسطة المحلات والمطاعم الإسلامية المنتشرة في كل مدينة وحي وقرية يسكنها المسلمون، وقد يدرك ذلك إخواننا الذين يترددون على لندن من وقت لآخر.

2- وأما بالنسبة لأماكن العبادة: فقد واجهها المسلمون باتخاذ أماكن للعبادة مؤقتة أو دائمة، وسبيلهم إلى ذلك يبدأ بتجمع السكان المسلمين في كل حي، ثم يؤلفون جمعية من أنفسهم تتخذ لها مقرا مؤقتا في الحي، وغالبا ما تبدأ باستئجار أحد المنازل تجتمع فيه لتدارس أمورها، ثم تخصص جانبا منه للصلاة وجانبا للاجتماعات، وجانبا لتعليم الأطفال إن أمكن، وينمو هذا الاتجاه بسرعة أو ببطء حسب نشاط القائمين على الجمعية، وغالبا ما ينتهي بشراء مكان خاص يتخذ مسجدا، وتقوم من حوله أوجه النشاط الأخرى، وعن هذه الطريقة أصبحت لا تجد حيّا في مدينه لندن أو سواها من المدن التي يقطنها المسلمون إلا وبه مسجد يصلي فيه المسلمون، ويباشرون أنشطتهم الدينية الأخرى، وترتب على ذلك أن أقيمت مساجد جديدة على الطراز الإسلامي كما هو الحال في المركز الإسلامي ومسجد لندن المركزي، وهو أكبر المؤسسات الإسلامية هناك، وسنعود للحديث عنه، ومسجد ويمبلدن، مسجد شرق لندن، ومسجد نور الإسلام بكارديف، ومسجد ساوث شيلد، ومساجد برينجهام ومنشستر، وليفربول وشيفيلد وسواها كثير.

وأحيانا يشتري المسلمون كنيسة أو معبدا يهوديا ثم يحولونه إلى مسجد كما هو الحال بالنسبة لبرسيتول ونيوكاسل، وأماكن متعددة في لندن، ومن ألطف ما يذكر في هذه المناسبة أن عددا من التجار السوريين يقيمون في مدينة منشستر كانوا أول من اشترى كنيسة وحولوها إلى مسجد وأطلقوا عليه اسم الجامع الأزهر تيمنا بالأزهر ودوره في نشر الثقافة الإسلامية.

وأحيانا يشتري المسلمون بناية ويحولونها إلى مسجد وهذا هو الغالب في الأماكن التي تتخذ مساجد في إنجلترا الآن لأن تكاليفه أقل من إقامة مبنى جديد، وحسبك أن تعلم أنه يوجد في لندن وحدها الآن قرابة مائتي مكان للصلاة منتشرة هنا وهناك، وبهذه الوسائل حلت هذه المشكلة. وقد أصبح من المألوف الآن أن ترى في مدن إنجلترا المختلفة مآذن المساجد مرتفعة هنا وهناك، وليس غريبا أن أصبح مسجد لندن المركزي أحد المعالم الرئيسية للمدينة، وقد تكلف بناؤه الجديد أكثر من خمسة ملايين جنيه استرليني، ويتألف البناء من المسجد الذي يتسع من داخله لأكثر من ألفي مصلّ. يرتفع العدد إلى سبعة آلاف حينما يستعمل الطابق السفلي والرحبات المحيطة بالمسجد من الغرب والشمال والشرق، ويلمس الزائر للندن في الصيف هذه الأعداد الضخمة فعلا، تحضر صلاة الجمعة في المسجد الذي يقدم صورة صادقة للأخوة الإسلامية الخالصة تلتقي في رحاب بيت من بيوت الله.

 ويضم المبنى أيضا مكتبة إسلامية ضخمة صمّمت لتسع خمسمائة وسبعين ألف كتاب عن الإسلام باللغات المختلفة، وكان الأمل معقودا أن تتخذ هذه المكتبة مركز انطلاق للدراسَات الإسلامية في قلب أوربا يقوم على توجيهها علماء مسلمون، ولعل ذلك يتحقق قريبا إن شاء الله تعالى.

ويضم المبنى أيضا إدارة المركز الإسلامي وصالات الاجتماعات التي تعقد فيها الندوات والمؤتمرات، ويستقبل فيها وفود الزوار من الراغبين في التعرف على الإسلام، وعادة ما يكون هؤلاء من طلاب المدارس العليا والجامعات حيث يستمعون إلى محاضرة عن الإسلام يعقبها نقاش حول بعض القضايا وموقف الإسلام منها، وأحيانا يسبق ذلك أو يلحقه عرض أحد الأفلام الذي يقدم صورة إسلامية حضَارية أو تاريخية أو عبادية.

ومن معرفة الفضل لأهله أن نذكر هنا أن المغفور له جلالة الملك فيصل قد أسهم بالنصيب الأكبر في تكاليف إقامة هذا البناء، وأن المغفور له جلالة الملك خالد قد وقف على المسجد والمركز مبلغ مليون ومائتي ألف جنيه إسترليني يستغل في بعض المشاريع النافعة وينفق من ريعه على احتياجات المسجد ونشاطات المركز التي تزيد سنويا عن مائتي ألف جنيه إسترليني.

ومن طريف ما يذكر هنا أن أقدم مسجد أقيم في لندن كان في حديقة أحد القصور المطلة على نهر التيمس، أقامته سيدة إنجليزية تدعى ليدلى استانلى هوبSTANLY HOP LADY  منذ حوالي ثمانين عاما، كانت معنية بالبحث في تاريخ طائفة الدروز، ورحلت إلى دمشق، وأقامت في ضيافة إحدى الأسر السنية هناك ثم استضافت فيما بعد رب ا الأسرة في لندن، وأقامت له مسجدا في حديقة القصر حتى يؤدي صلواته فيه أثناء إقامته بلندن، وقد حافظ أحفاد هذه السيدة على المسجد وظلوا يفتحونه لصلاة العيدين في كل عام، ومنذ اثني عشر عاما عرض القصر للبيع، وجاء مالكوه إلى المركز الإسلامي يعلنون عن رغبتهم في أن يشتريه أحد المسلمين حتى يحافظ على المسجد، إلا أننا للأسف لم نوفق في ذلك الوقت إلى من يرغب في شرائه من المسلمين. ولست أدرى ماذا آل إليه أمره الآن.

جـ- أما كيف تربى الأجيال المسلمة الناشئة: فهذه هي المشكلة التي يتوقف على النجاح في علاجها مستقبل الإسلام في هذه البلاد وقد تجسم الإحساس بهذه المشكلة بعد أن نشأت أجيال ولدت في إنجلترَا وشعر الآباء بالحاجة الملحة في تنشئة أبنائهم حسب تعاليم دينهم، ولم يشعر الجيل الأول القادم إلى تلك البلاد بهذه المشكلة، لأنه قدم إليها بعد ما استوى عوده، ونشأ في بلاده على الأخلاق الإسلامية، والسلوك الإسلامي ومرن على القيام بواجباته الدينية، فلم يكن من السهل أن تجرفه التيارات والاتجاهَات المخالفة لما ألفه في بلاده وتربى عليه، بل إن عددا منهم كان يبنى مسجدا صغيرا في حديقة منزله مماثلا للمساجد في بلده التي عاش فيها ونشأ وكان إذا اضطر لبيع المنزل يشترط على المشترى أن يحافظ على المسجد ويبقيه مفتوحا للمسلمين في الصلوات الخمس، رأيت هذا المثل في مدينتين ساحليتين من ضواحي كارديف تسمي إحداهما نيوبورت يعني الميناء الجديد، وتسمي الثانية بارى أيلند يعني جزيرة بارى، لذلك لم يكن هناك خوف على هؤلاء الذين قدموا ولهم من الحصانة الدينية ما يحميهم من المغريات.

فلما نشأت أجيال جديدة ليست وثيقة الصلة ببلادهم الأولى، ولا يستطيعون أن يتحدثوا لغة الآباء إلا بصعوبة بالغة بدت في الأفق دلائل الخطر التي تهدد الأجيال الناشئة بالضياع، فتحرك الآباء والمهتمون بأمر الدعوة الإسلامية هناك، وأخذوا في البحث عن علاج لهذه المشكلة، قبل أن يستفحل خطرها، وتستعصي على الحل. وسارت الحلول في اتجاهات متعددة، تمثلت في افتتاح فصول في آخر الأسبوع في أماكن تجمعات المسلمين يتعلم فيها أبناؤهم الضروري من أمور دينهم وتسمي  هذه الفصول مدارس آخر الأسبوع week and schools  واستطعنا أن نرتفع بعدد تلاميذ هذه الفصول في لندن وحدها في فترة ما إلى ألفي تلميذ، وحاولت بعض الجمعيات الإسلامية أن تهيئ فترة يومية لأبناء المسلمين في المساجد والجمعيات الإسلامية بعد انتهَاء اليوم الدراسي، وقام آخرون بالاتصال بمديري المدارس الحكوميَة التي يوجد بها تلاميذ مسلمون، وخصصت لهم أوقات محددة حوالي عشرين دقيقة في الصباح قبل بداية اليوم الدراسي مرتين أو أكثر أسبوعيا يسمح فيها لأحد المدرسين المسلمين بالتحدث إلى التلاميذ المسلمين بالمدرسة عن الإسلام، وهو جهد قليل الجدوى على الرغم من الإخلاص البادي في القائمين عليه ومماَ لاشك فيه أن هذه المحاولات تعكس اهتمام الآباء بمصير الأبناء إلا أنها ليست كافية لمواجهة المشكلة والتغلب عليها، وذلك لأن الأوقات المخصصة للدراسة ليست مناسبة لأنها إما أن تكون بعد أن يقضى التلميذ يوما مرهقا في المدرسة يحتاج بعده إلى الراحة والاستجمام. أو أنها في يوم الراحة الأسبوعية وهو ضروري من الناحية التربوية لاستمرار نشاط التلميذ في الإقبال على دروسه بدون ملل أو سأم، أو أنها في أوقات مبكرة قبل بداية اليوم الدراسي مما يجعلها ثقيلة على الأطفال غير محببة إليهم وآثارها النفسية في هذه الحالات معروفة للجميع هذا بالنسبة للوقت أما بالنسبة للأمكنة فإن كثيرا من القائمين على هذه الفصول لم تساعدهم إمكاناتهم المادية والتربوية على تهيئة الاستعداد الكافي الذي يناسب مستويات هذه البلاد وطبيعتها وتبدو الآثار الضارة لهذا التفاوت في الاستعدادات حينما يقارن الطفل بين ما يجده في مدرسته التي يشارك فيها الآخرين من أبناء الشعب الإنجليزي، وبين هذه الفصول التي يتلقى فيها تعليمات باسم الإسلام مما يجعله يحس بالفرق بين ما ينتسب للإسلام وما ينتسب إلى سواه، وهذا يسبب خَطرا نفسيا يتعرض له أطفال المسلمين في تلك البلاد.

وبالنسبة للمدرس والكتاب فلم يكن هناك مدرس متخصص أو منهج متكامل، وقد دعانا ذلك إلى الاستعانة بعدد من طلاب الدراسات العليا بين المسلمين ليقوموا بعملية التعليم، وأما موضوع الكتاب فقد أمكن التغلب على النقص في المنهج بإعداد سلسلة من  الكتب المدرسية باللغة الإنجليزية تقدم المعلومات الضرورية للناشئة المسلمين من سن الخامسة حتى الخامسة عشرة.

وعلى الرغم من كل ذلك فإن المشكلة لا تزال قائمة تحتاج إلى حلّ عاجل، ومن استعراض هذه النماذج التي أشرنا إليها نرى أن مدارس آخر الأسبوع أكثرها فائدة، وقد أشرف المركز الإسلامي في لندن على إدارة أعداد منها في لندن وضواحيها وقدم المساعدات المالية والثقافية للقائمين عليها في الأماكن المختلفة، ولكن ذلك كله لا يقدم حلا جذريا لهذه المشكلة.

لكل هذه الظروف وانطلاقا من الإحساس بالخطر المقبل، ومحاولة تأمين مستقبل النشء المسلم في تلك البلاد إلى جانب ما لاحظناه من أن عددا من أسر المسلمين في الشرق العربي والإسلامي يبعثون بأبنائهم إلى المدارس الإنجليزية الخاصة ويقدمون في سبيل ذلك نفقات باهظَة ليتلقى أبناؤهم تربية تختلف في أهدافها ومناهجها وقيمها عن أهداف الإسلام وقيمه ومناهجه فإذا ما أكملوا دراستهم وعادوا إلى بلادهم شعروا أنهم غرباء بين أَهليهم  وذويهم وعاشوا في صراع معلن أو خفي والخاسر في كل الحالات هو العالم الإسلامي لهذا رأينا أن نتقدم بمشروع إنشاء مدرسة إسلامية كاملة تحقق للنشء المسلم ما نريد، وتحميه من الضياع وتكون نموذجا يحتذى لمن يريد أن يشارك في هذا المجال ويتلخص المشروع فيما يلي:

1- تتكون المدرسة من مراحل التعليم المختلفة من الروضة إلى نهاية المرحلة الثانوية.

2- تزود المدرسة بكل ما تستلزمه التربية الحديثة من استعدادات من ملاعب وصالات اجتماعات ودور للعرض وحمامات للسباحة إلى جانب المسجد الذي ترتبط المدرسة به ارتباطا وثيقا، ويراعى في مواعيد الدراسة عدم تعارضها مع أوقات الصلاة.

3- يدرس الطلاب المناهج الإنجليزية كاملة، مضافا إليها دراسة الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخا وحضارة وأخلاقا وسلوكا، ودراسة اللغة العربية وآدابها دراسة تمَكن الطلاب من إتقانها فهما ونطقا وكتابة.

4- إعطاء عناية خاصة للقرآن الكريم والسنة النبوية وتقديم جوائز لم يثبت تقدما في حفظ الكتاب والإلمام بالسنة.

5- إعداد مساكن خاصة بالطلاب، ومعلوم أن هذا الاقتراح لو أخذ في تطبيقه فسيكون هناك مدارس خاصة بالبنات على نفس المستوى ونتيجة هذا الاقتراح حينما يطبق أن المتخرج من هذه المدارس سيكون من الممكن بالنسبة له الالتحاق بأي جامعة في أي بلد إسلامي أو عربي بدون إحساس بوجود أي فرق بينه وبين الطلاب الآخرين لأن ما درسه من العلوم الإسلامية والعربية سيهيئ له ذلك على أحسن وجه، فإذا التحق بجامعة في بلد أوربي لا يخشى عليه من الاندفاع وراء الدعوات البراقة لأنه قد تلقى من الدراسات  الإسلامية والعربية ما زوده بزاد كاف للصمود في وجه الإغراءات السلوكية والفكرية التي تعج بها الحياة في تلك البلاد.

وقد قدم نص المشروع كاملا إلى مجلس أعضاء المركز الإسلامي بلندن منذ أكثر من اثني عشر عاما، ولكنه لازال ينتظر من يوفقه الله فيضعه موضع التنفيذ، ومن الممكن  الحصول على نسخ منه لمن يريد ويا حبذا لو تبنت الجامعة الإسلامية تحقيقه، فسيكون ذلك بلا شك حسنة تضاف إلى حسناتها المتعددة.

وإني على يقين أن هذا المشروع لو رأى النور بصورة شاملة فلن يكون هناك خطرا على ناشئة الإسلام في تلك البلاد.

هذه هي المشكلات الرئيسية التي تواجه المسلم هناك وقد بقيت بعض المشكلات السهلة الحل مثل عقود الزواج حسب الشريعة الإسلامية، وقد نظم ذلك منذ البداية وأصبح واحدا من المهام الرئيسية التي يباشرها المركز الإسلامي في لندن والمراكز المماثلة في المدن الأخرى وإيجاد مقابر خاصة بالمسلمين وإجراء مراسم الدفن والغسل حسب الشريعة الإسلامية.

 

مهمة المؤسسات الإسلامية:

أ- تهتم المؤسسات الإسلامية في تلك البلاد بالدرجة الأولى بالحفاظ على أبناء المسلمين وحمايتهم من الذوبان في المجتمع الأوربي، وذلك عن طريق التعليم واللقاءات والندوات والاهتمام بالمناسبات الإسلامية والإعداد الخاص لها مثل شهر رمضان والاحتفال بالعيدين الفطر والأضحى والأيام الهامة في تاريخ المسلمين، والهدف من ذلك هو ربط الناشئة بتاريخهم، ومن الوسائل التي تعكس هذا الاهتمام طبع مواقيت الصلاَة على مدى العام وإعداد إمساكية شهر رمضان، وإعداد تقاويم إسلامية يبين فيها التاريخ الهجري مع التاريخ الإفرنجي.

ب- إعداد ونشر المطبوعات الإسلامية التي يحتاج إليها المسلمون والراغبون في التعرف على الإسلام من غير المسلمين، وقد كنا منذ حوالي خمسة عشر عاما نعاني نقصا كبيرا في تقديم مطبوعات إسلامية باللغة الإنجليزية تمثله الصورة التالية: كنا نملك في مكتبة المركز عددا محدودا من ترجمة معاني القرآن الكريم يطالع فيها من يتردد على المكتبة، فإذا جاء راغب في الازدياد من المعرفة بالإسلام لم نجد ما نقدمه له إلا الكتب العربية وهو لا يعرف العربية، وحدث ذات يوم أن كنت في أحد الشوارع التي تقام فيها الأسواق أيام السبت من كل أسبوع، فوجدت قسيسا يدعو الناس إليه ويوزع عليهم نسخا من الإنجيل مطبوعة طبعا أنيقا باللغة الإنجليزية، وأغراني المنظر أنا وصاحبي فتقدمنا منه، فدفع بنسخة إلى كل منا، ولما تفرس وجوهنا أدرك أننا لسنا من أهل البلاد فسألنا عن لغتنا الأصيلة وما كاد يعرف أنها العربية حتى مد يده إلى أحد الرفوف فاستخرج نسختين من الإنجيل باللغة العربية، ونسختين من اسطوانات عليها تراتيل باللغة العربية أيضا وأخذني العجب من استعداد هؤلاء الناس ونشاطهم، وأخذت أقارن في نفسي بين اهتمام هؤلاء بالترويج لباطلهم، وبين تهاوننا في إيضاح الحق الذي بين أيدينا، وعدم قيامنا بها يجب علينا نحو الدعوة إلى عقيدتنا أو اتخاذ الاستعداد الضروري لتقديم بيان لمن يسأل أو يريد أن يعرف.

والدليل على هذا الفرق تلك الصورة التي عرضتها من الواقع الذي لمسته، وفيها تقدم الكنيسة نسخ الإنجيل إلى من تلقاه عرضا باللغة العربية في قلب لندن، ويعجز المركز الإسلامي هناك أن يقدم ترجمة لمعان القرآن الكريم لمن يريدها. وكلما زار المركز أحد الفضلاء من المسلمين قصصت عليه هذه القصة، ولكن الله تداركنا برحمته، فلم نلبث إلا قليلا حتى أخذت تتوارد على المركز مئات النسخ من ترجمة معاني القرآن الكريم، وكان السيد حسن الشربتلي صاحب النصيب الأوفر في ذلك العمل جزاه الله خيرا، وقد غادرت المركز منذ قرابة أربع سنوات، وبه آلاف النسخ والحمد لله غير ما كنا نبعث به لكل طالب فردا أو مؤسسة أو هيئة، ويندر أن تجد مدرسة أو جامعة أو مركزا من مراكز الثقافة أو سجنا إلا وتجد في مكتبة كل منها عددا من نسخ ترجمة معاني القرآن الكريم والكتب الإسلامية الأخرى.

وأصبح من الممكن لأي راغب في التعرف على الإسلام أن يجد من المطبوعات الإسلامية باللغة الإنجليزية ما يقدم له صورة وافية عن مبادئ الإسلام وعقائده وعباداته.

جـ- استقبال وفود الطلاب أو المؤسسات الراغبة في التعرف على الإسلام من شباب المعاهد والجامعات وأعضاء الهيئات والجمعيات ويقدم لهم برنامج يبدأَ بعرض فيلم عن الإسلام يتناول موقفا تاريخيا أو صورة حضارية أو يقدم عرضا لبعض العبادات في الإسلام كالحج مثلا، ثم يعقب ذلك حديث عن الإسلام، تدور بعده مناقشة حول النقاط التي يرغب الحاضرون في مزيد من الاستيضاح عنها سواء حول ما شاهدوه أو سمعوه أو كان من القضايا التي يريدون أن يعرفوا موقف الإسلام منها وبخاصة ما يتعلق بالزواج أو الطلاق أو حقوق المرأة في الإسلام أو نظرة الإسلام إلى أهل الديانات الأخرى وكيفية تعامله معهم.

وقد تبين من واقع التجربة أن عرض فيلم لبعض المشاهد الإسلامية يعتبر وسيلة ناجحة في جذب انتباه أبناء تلك البلاد. وقد لوحظ أن كثيرين ممن يحضرون في هذه الوفود يبعثون بعد عودتهم مباشرة في طلب مطبوعات إسلامية يستعينون بها في إعداد بحوت عن الإسلام في معاهدهم، وبخاصة هؤلاء الذين ينتسبون إلى المدارس العليا التي تسمى high schools.

د- وأحيانا توجه هذه المؤسسات الدعوة إلى أحد العلماء المسلمين للتحدث إلى طلابهم عن الإسلام بالصورة التي قدمنا تفصيلا لها، وقد يستبد العجب بالكثير منا حينما يعلم أن الكنائس أيضا كثيرا ما توجه الدعوات إلى المتخصصين للحديث عن الإسلام في صالات اجتماعاتها إلى جمهور المترددين على الكنيسة، لأنهم يرون في ذلك وسيلة إلى جذب أكبر عدد ممكن للتردد على الكنيسة.

هـ- استقبال الراغبين في التعرف إلى الإسلام واعتناقه، وتنظيم لقاءات متعددة بهم يتم خلالها عرض شامل لمبادئ الإسلام، ثم يزودن بعدد من الكتب الإسلامية لدراستها، ومناقشتهم في محتوياتها في اللقاءات التالية، وعادة ما ينتهي كل ذلك بدخول هؤلاء في الإسلام وحصولهم على وثيقة من المركز بدخولهم في الإسلام.

وقد لوحظ أن أعداد هؤلاء الراغبين في اعتناق الإسلام في تزايد مستمر في السنوات الأخيرة، وأن أغلبهم من الشباب من الجنسين، ويتضح من المناقشات التي تدور مع هؤلاء ضعف ارتباطهم بالدين المسيحي وعدم اقتناعهم بما تسير عليه الكنيسة من طقوس لا تمس القلوب. وإنما تهتم بالشكليات فقط، ولقد حاولت الكنيسة إغراءهم بالتردد عليها حتى إنها لجأت إلى بعض الأساليب التي تنفر منها الأديان، وسهلت التقاء الفتى بالفتاة، ولا عليها بعد ذلك أن تكون الكنيسة موئلا للعشاق والمراهقين.

والحقيقة أن انصراف الشباب عن الكنيسة قد دفع الكثيرين من علماء اللاهوت إلى البحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى موقف الشباب، واضطروا إلى إعادة النظر في المسيحية ككل، ومن الغريب أنهم وصلوا بعض ما قرره الإسلام منذ البداية بالنسبة للعقيدة المسيحية من أنها غير مقنعة حتى انتهوا إلى إعلان أن فكرة ألوهية المسيح فكرة خرافية، ودعوا إلى تطوير العقيدة المسيحية لتتمشى مع الواقع وتقبلها العقول، وقد وصلوا إلى هذه النتيجة من خلال بحوث عكفوا عليها وسجلوها ونشروها في كتاب طبع عام 1976 م بعنوان The Myth of God In Carnate وترجمته خرافة الإله المتجسد، ولاشك أن مثل هذه الاتجاهات والبحوث تعكس الأزمة التي تمر ّ بها الكنيسة، وهذا يتطلب منا أن نتقدم بذكاء لنقدم البديل الذي يقنع العقل، ويملأ القلب، ويلبي هواتف الروح، ويقدم المنهج العملي الذي يحقق التوازن النفسي بالمواءمة بين حاجات الجسد، ورغائب الروح عملا بقول الله تعالى: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، حينئذ تجد الحياة طريقها السويّ، وتخلو من المادية القاسية الجافة التي تميت نوازع الخير في الإنسان، وتفيض منابع الحب فيه وتقضي على الرهبنة السلبية التي تعتبر هروباً من الحياة لا يتفق مع المقصود من حكمة خلقها. { هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا }.

والحق الذي لا مرية فيه أن الطريق مهيأ أمام الإسلام، ولكن العقبة الحقيقية تكمن في المسلمين أنفسهم، ويوم أن يغيروا من أوضاعهم سيتغير كل شيء، كما يقول الحق سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }.

و- وتقوم المؤسسات الإسلامية في إنجلترا بدور اجتماعي فعال، نابع من منطق الأخوة الإسلامية، فهناك العَديد من الأسر المسلمة التي تتلقى معونات مادية تساعدها على التغلب على مشاق الحياة، وتحفظ لها ماء وجهها، وهناك كذلك الكثير من الطلاب الذين انقطعت بهم السبل يجدون من المؤسسات الإسلامية وبخاصة من المركز الإسلامي عونا صادقا يتحمل عنهم نفقات دراساتهم عند الأزمات التي يمرون بها، وتستغل حصيلة الزكاة في القيام بهذه الالتزامات إلى جانب ما يقدمه القادرون من أهل الخير واليسار للإنفاق منه في هذه الحالات.

نظرة إلى المستقبل: تقوم حركة نشيطة الآن في أنحاء إنجلترا تهدف إلى بناء مساجد ومراكز إسلامية، وهي حركة يسودها في الغالب الإخلاص، ولكنها ينقصها التخطيط وحسن القيادة، وقد يترتب على انعدام التخطيط وحسن القيادة أن تضيع أموال لمسلمين وتنفق في غير الهدف الذي جمعت من أجله، إذ كثيرا ما أدى التنافس الشخصي أو التعصب لبلد أو إقليم أو جماعة إلى تعطيل أعمال هامة كان من الممكن أن يستفيد منها المجموع، ولم يخل الجو الإسلامي هناك من انتهازيين يريدون ركوب موجة التدين، والتظاهر بالغيرة الإسلامية لتحقيق نفع مادي لأنفسهم، ولهذا تجد أعدادا ضخمة من الرسائل والطلبات تقدم إلى الحكومات والمؤسسات الإسلامية في العالم العربي تطلب مساعدات مادية لإقامة بعض المشروعات الإسلامية، وقد تكون الحقائق الواقعة لهذه المشروعات أقل بمراحل مما هو مسطر في الكتابات أو تكون مجرد فكرة فقط يبغى صاحبها من ورائها أن يجد وسيلة للسفر والوجاهة عند بعض المسئولين، وضمانا لأن توجه المساعدات التوجيه الصحيح أضع الاقتراحات التالية.

أ- أن تنشأ لجنة تسمى لجنة المساجد والمؤسسات الإسلامية يمثل فيها أعضاء من سفارات الدول التي تقدم المساعدات المالية للأغراض الإسلامية وعضو من المركز الإسلامي بلندن ويحال إلى هذه اللجنة كل الطلبات التي تأتي من الجمعيات لطلب المساعدة لتدرسها وترى مدى جديتها وأهميتها، وتحول في الوقت نفسه الدول والمؤسسات المبالغ التي ترصدها للعمل الإسلامي في ذلك البلد مثلا إلى نفس اللجنة، وتعطى صلاحيات توزيع ما تراه مناسبا على أصحاب هذه الطلبات حسبما يبدو من الدراسة التي تجريها حول المشروع ومدى أهميته للمسلمين والاطمئنان إلى استقامة القائمين عليه وجديتهم. وأعتقد أننا نستطع بهذه الطريقة أن نؤدي خدمة جليلة للمسلمين في تلك البلاد ونوجه أموال المسلمين إلى الوجهة النافعة.

ب- أن تعد لجنة أخرى من المهتمين بأمر التعليم والثقافة الإسلامية، وتضع خطة منظمة لإقامة مدارس إسلامية على غرار الاقتراح السابق تعد له ميزانية خاصة، وتتولى اختيار الأساتذة الصالحين للتدريس بهذه المدارس، وهذا اللون من المدارس موجود في بلادنا للجاليات غير الإسلامية التي تعيش في العالم الإسلامي فلماذا لا نقيم لأبناء المسلمين مدارس مماثلة.

وعن هذا الطريق نكون قد خطونا الخطوة الأولى في تأمين مستقبل الأجيال القادمة تزويدهم بثقافة إسلامية كافية إلى جانب ما يتلقونه من معارف العصر وعلومه، والواقع أن هذا هو العمل الباقي الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ".

جـ- إقامة دار نشر متخصصة تقوم بطبع الكتب الإسلامية وإصدار صحف ومجلات إسلامية للكبار والصغار على السواء من رجال ونساء، وتتعقب ما ينشر عن الإسلام والعالم الإسلامي فتقر الصحيح وترد على غير الصحيح.

د- إقامة مصرف إسلامي وشركات بناء إسلامية يقوم المصرف بالأعمال التجارية والاستثمارية حسب شريعة الإسلام، ويحمي التجار المسلمين من المضاربات غير المأمونة، ومن التعامل بالربا مع البنوك الأجنبية.

وقد دفعني إلى تقديم هذا الاقتراح حوار دار بيني وبين أحد التجار المسلمين في لندن، قال لي فيه: إنه يكون أحيانا أمام بعض الصفقات التجارية، ويحتاج إلى التقدم لشرائها، ولكنه ليس في يده مال سائل في ذلك الوقت، فهل يلجأ إلى البنك يقترض منه بالفائدة ليتم صفقته؟

فقلت له: إن الفائدة ربا، والربا حرام.

فعلق قائلا: وماذا نصنع، وسيؤول الأمر أن نترك المجال للتجار غير المسلمين، إذا أخذنا بما تشير به.

فقلت له: إن ذلك لا يبرر أن يتعامل بالفائدة.

فتساءل: وما الحل إذن؟

فأجبت: إن علينا أن ننشئ شركات استثمار وبنوك إسلامية تقدم العون للتجار المسلمين في هذه الحالات، وتدخل شريكا معهم حسبما هو معروف في المضاربة في الفقه الإسلامي، وأعتقد أن الأوان قد آن لتحقيق ذلك، فإن المال بيد المسلمين كثير، وسبل الكَسب الحلال ميسر للجميع.

أما شركة البناء الإسلامية فاقتراحها نابع من الظروف التي يعيش في ظلالها المسلمون في إنجلترا، فقد يرغب أحدهم في شراء مسكن له ولأولاده، ولكنه ليس لديه من الثمن إلا بعضه، فيتقدم إلى شركة البناء التي تدرس الموضوع من جانبها، وتعرف مستوى دخل الشخص وقيمة البيت، فإن اقتنعت قبلت أن تدفع باقي الثمن، وتمكن الشخص من استغلاله نظير مبلغ يدفع شهريا لمدى عشرين عاما مثلا يؤول المسكن بعده إلى المشتري، فإذا ذهبت تحسب المبلغ الذي استردته الشركة وجدته قد زاد أضعافا مضاعفة على المبلغ الذي دفعته، وقد نصحنا المسلمين أن لا يتعاملوا بهذه الطريقة، ونرى أن البديل لذلك أن تنشأ شركات مباني إسلامية يتوفر لديها رأس المال، وتكون على استعداد لأن تحل محل شركات البناء الأجنبية، ولكن من منطلق إسلامي، يهيئ لها ربحا حلالا، ويريح المسلم من التعامل بالربا، وكيفية ذلك أن يتقدم الراغب في الشراء إلى الشركة فتجرى الدراسات اللازمة للاطمئنان إلى سلامة الإجراءات. فإذا اقتنعت قبلت أن تدخل مع المشترى بصفة شريك حسب المبلغ الذي تقدمه، ويتم البيع على هذه الصفة، ثم تمكن الشركة المشتري من استغلال المسكن نظير مبلغ يدفع شهريا، تحتسب نسبة منه إيجار نصيب الشركة، ويعتبر القدر الباقي سدادا من ثمن نصيب الشركة، فإذا استوفي الأجل الذي اتفق عليه آل المنزل كله إلى ملك المشتري، وبذلك تربح الشركة ربحا حلالا، وينجو المسلم من استغلال الشركات الأجنبية له استغلالا ربويا، ويتحقق بذلك التعاون بين أفراد المجتمع المسلم وهيآته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

والذي لا ريب فيه أننا لو أخذنا في الاعتبار هذه الخطوات جميعها لأمنّا مستقبلا زاهرا للإسلام والمسلمين في الغرب، وصدق الله العظيم: { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.