طباعة

 توثيق النص

 

 

 

كَيفَ أقامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أوَّل دَوْلة إسلاميَّة عَلى التضَامُنِ وَالوَحْدَة ؟

الدكتور محمد السيد طنطاوي

رئيس شعبة التفسير بالدراسات العليا بالجامعة

 

 

كلمتا التضامن والوحدة، من الكلمات المحببة إلى النفوس، لأنهما تدلان على التكافل، والترابط، والتراحم، بين الأفراد والجماعات.

وقد سما الإسلام بهاتين الكلمتين، فجعلهما رمزاً للتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، بعد أن كانتا في الجاهلية، تخضعان للروابط العنصرية، وللنزعات القبلية، ولإرضاء ما جبلت عليه النفوس - التي استحوذ عليها الشيطان- من حب للسيطرة، ومن التعالي على الغير، وإخضاعه لسلطانه... فمثلا، قبل الإسلام، تضامنت واتحدت قبيلة الأوس فيما بينها، وقبيلة الخزرج فيما بينها، على أن تنتقم كل قبيلة من الأخرى، وأن تخضعها لسلطانها...

أما بعد أن وفق الله- تعالى- هاتين القبيلتين للدخول في الإسلام فقد صار هذا التضامن، يقوم على الحب والإخاء والتعاطف بين الجميع، بدون تفرقة بين قبيلة وأخرى.

ولقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم أول دولة إسلامية على التضامن والوحدة، عن طريق التوجيهات القرآنية، والإرشادات النبوية.

وذلك لأن القرآن الكريم، هو الكتاب الذي أنزله الله- تعالى- على نبيه صلى الله عليه وسلم لكي يخرج الناس به من الظلمات إلى النور، وليكون هداية لهم إلى ما هو أقوم، وليرشدهم إلى ما يسعدهم ويصلحهم، وليجنبهم الوقوع في الأخطاء  التي لا تحمد عقباها.

أما السنة النبوية فمن أهم وظائفها: تفصيل ما جاء في هذا القرآن من إجمال، وتأكيد ما أمر به أو نهى عنه...

روى الإمام أبو داود في سننه عن المقداد بن معد يكرب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع"[1].

وهذه التوجيهات القرآنية، وتلك الإرشادات النبوية، قد سلكت في إقامة أول دولة إسلامية على التضامن والوحدة، مسالك متنوعة، أن أهمها ما يأتي:

أولاً: أن القرآن الكريم، قد بين للناس جميعا، أن الله- تعالى- قد خلقهم بقدرته من نفس واحدة، فعليهم أن يعيشوا في هذه الحياة متآخين متحابين.. قال - تعالى- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} ]النساء:[1.

والمعنى: يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه، وبأن تشكروه فلا تكفروه، فهو وحده الذي أوجدكم من نفس واحدة، هي نفس أبيكم آدم، وهو وحده الذي أوجد من هذه النفس الواحدة زوجها حواء، وهو وحده الذي "بث " أي: نشر وفرق، من تلك النفس الواحدة وزوجها، على وجه التوالد والتناسل، رجالا كثيرا، ونساء كثيرة.

فأنت ترى أن هذا النداء لجميع المكلفين، قد نبههم إلى أمرين:

أولهما: وحدة الاعتقاد بأن ربهم واحد لا شريك له، فعليهم أن يخلصوا له العبادة، لأنه هو الذي خلقهم وهو الذي رزقنهم، وهو الذي يميتهم وهو الذي يحييهم، وهو الذي أوجدهم جميعاً - بقدرته النافذة- من نفس واحدة.

وثانيهما: وحدة النوع والتكوين، إذ الناس جميعاً على اختلاف ألسنتهم وأشكالهم وأجناسهم، قد انحدروا عن أصل واحد..

ومادام الأمر كذلك فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم، وأن يبنوا علاقاتهم فيما بينهم على التضامن والتكافل والإخاء  وأن يوقنوا بأنه لا فضل لجنس عَلى جنس، ولا للون على لون، إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم، وطاعتهم لخالقهم- عز وجل-.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في كثير من أحاديثه، ومن ذلك ما جاء في خطبته الجامعة في حجة الوداع فقد جاء فيها:

"أيها الناس ألا إن ربكم واحد, لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود, إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: فليبلغ الشاهد الغائب".

ثانياً: لقد صرح القرآن الكريم، بالحكمة التي من أجلها خلق الله- تعالى- الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل، فقال- تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ]الحجرات: 13[.

وقوله "شعوباً" جمع شعب، وهو الجمع العظيم من الناس يجمعهم أصل واحد.

وقوله " قبائل" جمع قبيلة. والقبيلة: الجماعة من الناس يضمهم أب واحد.

والمعنى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وهما آدم وحواء { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.

أي: وجعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً، فتصلوا الأرحام، وتتبينوا الأنساب، وتتعاونوا على ما ينفعكم، ويصلح شأنكم.

فالتعارف- لا التناكر- هو أساس العلائق بين البشرِ، وهو الحكمة التي من أجلها خلق الله- تعالى- الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل. ويجب أن يعود الناس إلى هذا التعارف والتآلف، وأن يزيلوا ما نشب بينهم من خلاف، وما دب فيهم من خصام، حتى تتحقق الحكمة المنشودة من وجودهم في هذه الحياة.

ثالثاً: لقد بين القرآن الكريم في كثير من آياته، أن الأمة الإسلامية، أمة واحدة في عقيدتها وفي شريعتها، مهما تناءت ديارها، وتباعدت أوطانها، واختلفت لغاتها، ومن هذه الآيات قوله- تعالى-: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} ]الأنبياء: 92[.

وقوله- تعالى-: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} ]المؤمنون:52[.

أي: إن هذه الأمة الإسلامية، التي هي أمتكم- أيها المسلمون- " أمة واحدة" لأن إلهها واحد، ودينها واحد، وشريعتها واحدة، وقبلتها واحدة، وأهدافها واحدة...

{وَأَنَا رَبُّكُمْ } لا شريك لي في الربوبية {فَاعْبُدُونِ} أي: فأخلصوا لي العبادة والطاعة، ولا تشركوا معي أحداً من خلقي في ذلك.

وهذه الوحدة للأمة الإسلامية، قد أكدها الرسول صلى الله عليه وسلم تأكيداً قوياً، عن طريق إرشاداته المتنوعة، وتوجيهاته السامية.

وفي هذا المعنى يقول بعض العلماء: لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله، الوحدة الإسلامية الجامعة لأمته، فقد تضافرت عنه الروايات الدالة على الأخوة الإسلامية التي لا تفرق بين عربي وأعجمي، ولا بين شريف وضعيف، ولا بين إقليم وإقليم، وقال في عبارة جامعة: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً..."

وغير هذا مشهور مستفيض، حتى إن ذلك ليتواتر في المعنى، فهو من المعاني التي تفهم من تعاليم الإسلام بالضرورة، ولا يعد من المسلمين من ينكرها، أو يخالفها جحودا بها.

وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم المبينة لهذه الوحدة الجامعة، فهي تلك المؤاخاة التي ربط بها بين القرشي، والخزرجي، والأوسي، ومن كان من أصل غير عربي...

المسلمون إذن أمة واحدة، وتلك حقيقة يعد من نافلة القول بيانها، فضلاً عن إقامة الدليل عليها، لأنها مجمع عليها[2].

رابعاً: أن القرآن الكريم، قد بين للناس، أن الرسالات السماوية جميعها، قد اتفقت على إقامة الدين على إخلاص العبادة لله- تعالى- وعلى نبذ التفرق والاختلاف في أحكامه..

قال- تعالى-: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} ]الشورى: 3 ا-14[.

والمعنى: إن الله - تعالى- سن لكم- يا معشر المسلمين- من الدين، ما سنه لنوح والذين من بعده من الأنبياء إلى زمن نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم بين- سبحانه- ما أمرهم به جميعاً فقال: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}.

أي: أن أقيموا الدين على ما أمركم به الله- تعالى-، من توحيده وطاعته، ولا تختلفوا في أحكامه التي أجمعت على صحتها شرائع الأنبياء السابقين، فإن هذا الاختلاف يؤدى إلى فشلكم وذهاب ريحكم...

ثم بين- سبحانه- موقف المشركين من دين التوحيد فقال: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}.

أي: شق وعظم على المشركين ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لله- تعالى-، ومن ترك الاختلاف في أحكامه الدين الحق.

ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة ببيان من هم أهل لرضاه وهدايته فقال:  {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}.

أي: الله- تعالى- يصطفي من يشاء من عباده، فيقربهم إلى محل كرامته، ويوفق للعمل بطاعته من ينيب إليه، ويسلم له وجهه.

ثم يبين- سبحانه- الأسباب التي أدت بالناس إلى التفرق في أحكام الدين الحق، فقال - تعالى-: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم...}.

أي: وما تفرق هؤلاء السابقون بعد موت أنبيائهم {إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْم} الدال على صدق هؤلاء الأنبياء، وكان الدافع لهم على هذا التفرق والاختلاف، هو البغي والحسد وتجاوز الحدود التي شرعها الله- تعالى.

وقوله: {إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} وهو زيادة في تقبيح أفعالهم، فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أشد في القبح والعناد.

فهم قد اختلفوا في الحق مع علمهم بأنه حق، لأن العلم كالمطر، فكما أن المطر لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية، فكذلك العلم لا ينتفع به إلا أصحاب النفوس الصافية، والقلوب الواعية، والأفئدة المستقيمة.

وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين، قد بينتا للناس، أن جميع الأنبياء قد دعوا أقوامهم إلى عبادة الله – تعالى- وحده، وإلى اجتناب التفرق والاختلاف في أحكام الدين، التي أجمعت عليها الشرائع الإلهية، والتي لا يترتب على الاختلاف فيها سوى الفساد والخسران.

خامساً: لقد ذكَّر القرآن الكريم المؤمنين في كثير من آياته، بسوء عاقبة الاختلاف والتنازع، وحذرهم من طاعة أعدائهم، وحرضهم على الاعتصام بحبل الله - تعالى-، وعلى التآلف والتضامن فيما بينهم، وهذه بعض الأمثلة لذلك:

أ- في أعقاب غزوة بدر، تطلع بعض الناس إلى الغنائم، واختلفوا في شأن تقسيمها، فنزل قوله- تعالى-: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ]الأنفال:ا[.

وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، عدداً من الروايات التي وردت في سبب نزولها، ومن هذه الروايات، ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه - واللفظ له-، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال:

لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنع كذا فله كذا، فتسارع في ذلك شبان القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت الغنائم، جاءوا يطلبون الذي جعل لهم. فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا رِدْءاً لكم، لو انكشفتم لثُبْتمُ إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله- تعالى- {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَال......} الآية.

وروى الإمام أحمد- بسنده- عن أبى أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت، عن هذه الآية فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، وجعله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقسَّمه بين المسلمين عن بواء - أي على السواء- "[3].

والمعنى: يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تُقسَّم؟ ومَن المستحق لها؟ قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه - سبحانه-، ولرسوله صلى الله عليه وسلم فهو الذي يقسمها على حسب حكم الله وأمره فيها.

فاتقوا الله- تعالى- أيها المؤمنون، وأصلحوا ما بينكم من أحوال وروابط، بأن يكون ما بينكم من صلات، يقوم على الألفة والمحبة والمودة وترك الخلاف...

وفي هذه الإجابة على سؤالهم، تربية حكيمة لهم- بعد أول لقاء بينهم وبين أعدائهم-، حتى يجعلوا جهادهم بعد ذلك خالصاً لوجه الله- تعالى-، وحتى لا تكون أعراض الدنيا، سببا في اختلافهم...

ب- وفي السورة نفسها، وفي أعقاب غزوة بدر- أيضاً-، ناداهم بصفة الإيمان، ودعاهم إلى الثبات عند لقاء الأعداء، وإلى الإكثار من ذكر الله- تعالى-، وإلى التزام طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونهاهم عن التنازع، وبين لهم سوء عاقبته فقال ـ تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ]الأنفال: 45-46[.

فقوله- سبحانه-: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} نهي لهم عن الاختلاف المؤدي إلى الفشل وضياع القوة، بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله- تعالى- وطاعته.

والمتأمل في هاتين الآيتين الكريمتين، يراهما قد رسمتا للمؤمنين في كل زمان ومكان، الطريق التي توصلهم إلى الفلاح والظفر.

إنهما تأمران بالثبات عند لقاء الأعداء، والثبات من أعظم وسائل النجاح، وأقرب الفريقين إلى النصر، أكثرهما ثباتاً...

وتأمران بمداومة ذكر الله، لأن ذكر الله هو الصلة التي تربط الإنسان بخالقه الذي بيده كل شيء، ولا يعجزه شيء...

وتأمران بطاعة الله ورسوله، لأن طاعتهما دليل على قوة الإيمان، وصفاء النفوس، وطهارة القلوب...

وتنهيان عن التنازع، لأنه يؤدى إلى الضعف، والتخاذل، وهوان الأمر، وذهاب القوة...

ثم تختمان بالأمر بالصبر، الذي هو توطين النفس على ما يرضى الله، وعلى احتمال المكاره والمشاق في جَلَد. وهذه الصفة لابد منها لكل من يريد الوصول إلى آماله وغاياته.

 ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريمتين: "هذا تعليم من الله- تعالى- لعباده المؤمنين، آداب اللقاء، وطريق الشجاعة، عند مواجهة الأعداء"[4].

سادساً: أن القرآن الكريم قد أمر المؤمنين، بأن يصلحوا بين إخوانهم في العقيدة، إذا ما دب نزل فيهم، وأن يجبروا الفئة الباغية، على الخضوع للحق والعدل، حتى ولو أدى ذلك إلى قتالها...

قال- تعالى-: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ]الحجرات: 9 , 10[.

ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها، ما أخرجه الإمام أحمد - بسنده- عن أنس بن مالك قال: قلت: يا نبي الله، لو أتيت عبد الله بن أبي؟ قال: فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم فركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون...

فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني، فو الله لقد آذاني نَتْن حمارك.

فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك.

فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم حرب بالجريد والأيدي.. فبلغنا أنه نزل فيهم قوله- تعالى-: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا...} الآية"[5].

ومن المعروف بين العلماء، أن هاتين الآيتين وإن كانتا قد نزلتا في حادثة معينة، إلا أن ما اشتملتا عليه من أحكام وآداب يعم الأمة الإسلامية كلها، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقوله أهل العلم.

والمعنى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} أي: تقاتلوا أو دبّ بينهما ما يوجب حجزهما وردهما إلى المحبة والسلام.

{فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} عن طريق النصح، وإزالة الشبهة وأسباب الخصام، والدعاء إلى حكم الله- تعالى- والرضا به.

والأمر هنا للوجوب، والخطاب لأولي الأمر، ولكل من في إمكانه الإصلاح بين المسلمين.

وقوله- سبحانه-: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} أي: تعدت إحداهما على الأخرى بغير حق، وأبت الصلح، والاستجابة لحكم الله- تعالى-.

{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} أي: قاتلوا الباغية حتى ترجع إلى حكم الله - تعالى-، وتقبل قضاءه عن سمع وطاعة.

قال الإمام القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: قال العلماء: لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما، إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً أولا.

فإن كان الأول فالواجب في ذلك أن يُمشَى بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافَّة والموادعة.

فإن لم يتحاجزا ولم يصلحا وأقامتا على البغي، صِيرَ إلى مقاتلتهما.

وأما إن كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلا أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط والعدل"[6].

 وقوله- سبحانه-: {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} بيان لما يجب اتباعه مع الفئة الباغية، إذا ما ثابت إلى رشدها، وقبلت حكم الله  - تعالى-.

أي: فإن رجعت الفئة الباغية إلى حكم الله، فأصلحوا بين الفئتين بالعدل الذي أمر الله- تعالى- به، وأقسطوا في كل الأمور، لأن الله- تعالى- يحب العادلين في أحكامهم. وجمع- سبحانه- في هذه الجملة بين الأمر بالعدل وبالقسط، لتأكيد هذا الأمر؛  لأن عدم العدل في الأحكام، كثيراً ما يؤدي إلى ازدياد التنازع والخصام.

ثم بين- سبحانه- الأسباب الداعية إلى وجوب المسارعة إلى الإصلاح بين المؤمنين فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}.

أي: إنما المؤمنون إخوة في العقيدة والدين، فهو يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب.

بل إن أخوّة الدين أثبت من أخوة النسب، لن أخوة النسب تنقع بمخالفة الدين، أما أخوة الدين فلا تنقطع بمخالفة النسب.

قال الجمل في حاشيته على تفسير الجلالين: "وخص الاثنين بالذكر في قوله {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد في شقاق الجماعة، أكثر من في شقاق الاثنين"[7].

ولقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله ما دعا إليه القرآن من وجوب الإصلاح بين المسلمين إذا ما نشب بينهم نزاع.

أما قوله صلى الله عليه وسلم  في ذلك فمنه ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل سُلامى[8]  من الناس عليه صدقة، وكل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة".

وأما عمله فقد كان صلى الله عليه وسلم يسعى في الإصلاح بين الناس، حتى ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة..

أخرج الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس معه، فحبس صلى الله عليه وسلم وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس، وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال:

نعم إن شئت.....الحديث" [9].

سابعاً: أستطيع أن أقول ـ على سبيل الإجمال ـ : إن  تعاليم الإسلام، قد  أمرت باعتناق  كل  فضيلة، تؤدي  إلى  وحدة  المسلمين، وتضامنهم، وترابطهم، وتكافلهم...  

وحاربت كل رذيلة من شأنها التفريق بينهم، وتشتيت كلمتهم، وتمزيق وحدتهم، وإشاعة البغضاء فيهم...

ولقد سقنا قبل ذلك من توجيهات القرآن الكريم، ما فيه العبر والعظات، لقوم يعقلون.

وبقي أن نسوق المزيد من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي من أهم وظائفها، تفصيل ما أجمله القرآن الكريم، وتأكيد ما أمر به أو نهى عنه...

أ- لقد حض النبي  صلى الله عليه وسلم أتباعه على التضامن والاتحاد، في عشرات الأحاديث، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري - رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وشبك بين أصابعه[10].

ب- وحض على التمسك بكل فضيلة توصل إلى غرس روح المحبة والمودة بين المسلمين، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم: أمر بالتزاور والتواصل والتحاب في الله، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله - تعالى- على مَدْرَجته ـ أي ـ طريقه- ملكا، فلما أتى عليه قال له: أين تريد؟ قال أريد أخا لي في هذه القرية.

قال: هل لك من نعمة تَرُبُّها عليه؟[11] قال: لا غير أنى أحببته في الله- تعالى-.

قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته"[12].

جـ- وأمر بالتهادي، وبالطيب من الكلام، وبطلاقة الوجه عند اللقاء. روى الإمام الترمذي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تهادوا فإن الهدية تذهب وقر الصدر"  أي تذهب غله وغشه وبغضه.

وعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وروى الشيخان عن عدي بن حاتم- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة".

وروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق"[13].

د- هذه بعض الفضائل التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه بالتخلق بها، لأنها مدعاة إلى غرس روح الإخاء والمحبة فيهم..

وقد نهى صلى الله عليه وسلم وفي مقابل ذلك عن كل ما من شأنه أن يزعزع وحدة المسلمين، أو يضعف تضامنهم وتعاونهم على البر والتقوى.

وحسبنا أن نسوق في ذلك هذا الحديث الجامع، الذي رواه الشيخان، عن أبي هريرة   ـ رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث. ولا تجسسوا[14]، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا[15]، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم.

المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا، التقوى ههنا،  ـ ويشير إلى صدره- صلى الله عليه وسلم.

بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم وصوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"[16].

هـ- هذه بعض أقواله صلى الله عليه وسلم قالها الداعية إلى وحدة المسلمين وتضامنهم، والناهية عن تفرقهم وتناكرهم وتباغضهم.

فإذا ما اتجهنا إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم وجدناها تقوم على تأكيد هذا المعنى وتحقيقه عمليا، ومن أبرز الأدلة على ذلك ما يأتي:

و- حرصه صلى الله عليه وسلم على المؤاخاة بين المسلمين، منذ السنوات الأولى للدعوة الإسلامية، فقد ذكر أصحاب السير، أنه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، آخى بين أبي بكر وعمر، وبين الحمزة وزيد بن حارثة، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين أبي عبيدة وسالم - مولى أبي حذيفة-، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف... وهذه المؤاخاة في الدين والعقيدة، تعتبر أول تنظيم للجماعة الإسلامية الأولى، يقوم على الترابط، والتكافل، والتكاتف...

ز- فلما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وسَّع دائرة هذا التضامن والإخاء، فجعله بين المهاجرين والأنصار.

قال ابن إسحاق- رحمه الله-: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال- فيما بلغنا عنه ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل-: "تآخَوا في الله أخوين أخوين"، ثم أخذ بيد عليّ بن أبى طالب فقال: "هذا أخي"، وكان جعفر بن أبي طالب ومعاذ ببن جبل أخوين، وأبو بكر الصديق وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعِتْبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، وعثمان بن عفان وأوس ابن ثابت أخوين، وطلحة بن عبيد الله، وكعب بن مالك أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب خالد بن زيد أخوين، وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أخوين...

وبلال بن رباح وأبو رُوَيْحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي أخوين...

فلما دون عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مجاهدا، فقال عمر لبلال: "إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبدا، للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدها بينه وبيني، فَضُمّ إليه"[17].

حـ- وقد استمر صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا الإخاء بين المسلمين- بقوله وعمله- إلى أن لقي ربه.

ولقد بلغ من حرصه على ذلك، أنه عندما كان في سفر مع أصحابه، ورأى أن القافلة حين تستريح يتفرق أهلها، لم يعجبه هذا التفرق، بل دعاهم إلى التجمع والتقارب...

روى أبو داود عن أبى ثعلبة الخُشَني قال: كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن تفرقكم هذا من الشيطان" فلم ينزلوا بعد منزلا، إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى قال: لو بُسِط عليهم ثوب لعمهم"[18].

هذه بعض الأحاديث من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأعماله، ومنها نرى، كيف كان صلى الله عليه وسلم يحرص كل الحرص على وحدة المسلمين، وعلى تضامنهم، وعلى إخائهم وترابطهم، ويسوق الإرشادات المتنوعة، التي من شأنها أن تجعل المسلمين- متى اتبعوها- كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ويحذر من الفرقة والتباغض وشق عصا المسلمين تحذيرا شديدا، وأختتم هذه الأحاديث بما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"[19].

أي: ولكنه لم ييأس من الإفساد بينهم، وتغيير قلوبهم، والعمل على تقاطعهم..

وبما رواه- أيضا- الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه - أي خيمته -، ومنا من ينتضل،- أي يسابق بالرمي- ومنا من هو في جَشَره - أي في رعاية دوابه -، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلم لهم. وإن أمتكم هذه جُعِلت عافيتها في أولها[20]، وسيصيب آخرَها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقِّقُ بعضُها بعضا[21]، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلِكَتِي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يُزَحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يُؤتَى إليه. ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه، وإن جاء آخرُ ينازعه، فاضربوا عنق الآخر. ومن مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية " [22].

أما بعد: فإن التضامن والتراحم والاتحاد، يزيد الأقوياء قوة على قوتهم، ويرفع عن الضعفاء ضعفهم...

أما الشقاق والتفرق والتدابر... فيضعف الأمم القوية، ويمحق الأمم الضعيفة...

وقد فطن إلى هذا المعنى رجل حكيم، فقد جمع أولاده عندما أحس بدنو أجله،      ـ ليلقنهم درسا في فوائد الاتحاد-، ثم أحضر حزمة من العصي قد اجتمعت عيدانها، وطلب منهم أن يكسروها فعجزوا، فلما فرق عيدانها سهل عليهم كسرها، فقال لهم:

كونـوا جميـعـا يا بـني إذا اعـترى

خطـب، ولا تتـفـرقوا آحـاد

تأبى الـرمـاح إذا اجتمعن تكسـرا

فإذا انـفـردن تكـسـرت أفـرادا

وإذا كان أهل الباطل يتجمعون من أجل نصرة باطلهم...

فأولى ثم أولى بأهل الحق أن يتضامنوا ويتحدوا، لإحقاق الحق، وإزهاق الباطل.

إن العقلاء من الناس يختلفون في وجهات نظرهم، ولكنهم لا يتباغضون ولا يتنابذون... بل يعيدون التشاور فيما بينهم، حتى يصلوا إلى الحق الذي ينشدونه.

إننا نتطلع إلى تضامن بين المسلمين، يقوم على تعاليم الإسلام، وتحرسه تشريعاته الحكيمة، وتحميه من الانحراف آدابه القويمة، وتوجهه إلى البر والتقوى آدابه الكريمة...

وهذا إنما يتأتى، متى صلحت النيات، وصدقت العزائم، وطهرت النفوس من الغل والحسد والأنانية والميل مع الهوى...

وصدق الله إذ يقول: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }

{