طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الدَّعوَة إلى الله وَالوَاقِع المعاصِرْ

الدكتور عبد الله الصالح العبيد

رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

 

 

الحمد لله العزيز القائل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد النبي الأمين خير من دعا إلى الله وآمن به وعمل لشرعه فكان القدوة المثلى والأسوة الحسنة ورضي الله عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. وبعد:

فإنه لشرف للجامعة الإسلامية أن تحتضن المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة الذي ينعقد تحت موضوع ( سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين) وفي نطاق الاستعداد لهذا المؤتمر يشرفها كذلك أن تصدر هذا العدد الخاص من ( مجلة الجامعة الإسلامية ) الذي يضم بعض المقالات والبحوث والدراسات عن الدعوة من خلال اهتمامات المؤتمر.

وبين يدي هذه المناسبة أطرح هذه الأسطر التي تتعلق بمنهج الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ومتطلباتها إذ لعل في مناقشتها ما يلقي بعض الضوء في طريق الوصول إلى الحكمة المنشودة في هذا السبيل.

 

أهمية الدعوة:

تكتسب الدعوة إلى الله أهميتها من أنها رسالة الله إلى الخلق وأمر الله الذي أراد من عباده أن ينهجوه، ومن هذه الأهمية يتسابق محبّوا الخير، وفي السباق يكون التنافس ومعروف أنه إذا لم يحكم التنافس منهج وضوابط فإنه يورث الحقد والكراهية والحسد. والضوابط التي يضعها الله سبحانه هي القول الحسن في الدعوة، والعمل الصالح في سبيلها، والانتماء الصادق لجماعة المسلمين، حيث يقول سبحانه {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وهي مع هذه الالتزامات لا تقف على وسيلة معينة ولا على جماعة مخصصة أو بلاد محددة، إنها رسالة المسلم حيث وجد على ظهر الأرض أياً كان عمله وأينما كان مركزه وكيفما كان موقعه {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وللحكمة أبعادها وآفاقها وللموعظة حكمها وأساليبها وللمجادلة أسبابها وآدابها والأمر مع كل ذلك لا يعني أن العمل في مجال الدعوة مطلق للفرد على عواهنه فالفرد يخسر بمفرده لكن للنجاة من الخسار عليه أن يعمل مع الآخرين لهدايتهم ومع الآخرين للاستعانة بهم يقول عز وجل {وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.

ومع هذه المسئولية الكبيرة والرسالة العظيمة يصبح من نافلة القول الإطالة في الحديث عن أهمية العلم والمعرفة للإنسان ولجماعة المسلمين قبل الدخول في مجالات العمل، ذلك أن المعرفة في دين الله وفي أصول الدعوة إذا لم تقم  وتبنى على العلم الشرعي فسوف تقام وتبنى على غيره وأمر الله لا يقوم إلا على شرعه {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} ومن المسلم به عقلاً وشرعاً ألا يعبد الله إلا بما شرع. فالعلم بشرع الله أولا ثم الالتزام بالدعوة إليه ثانياً. من خلال المسئولية الفردية والتعاون الجماعي وعلى الأصل المشار إليه يتشكل منهج الدعوة إلى الله سبحانه ثم إن الدعوة بهذا تعتبر حركة مستمرة لا تنتظر مؤتمرات تعقد ولا اجتماعات ترتب إلا أن الاجتماع على الخير أمر مطلوب وتدارس أحوال الدعوة والدعاة إلى الله أمر مرغوب " ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ".

 

واقع الدعوة:

ويعيش المسلمون هذه الفترة من حياتهم على الكثير من الخلافات والصراعات القائمة بينهم وبين أعدائهم من جهة وبينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى. ويصعب في الوقت الحاضر التفريق بين الواجهتين الداخلية والخارجية ذلك أن الأعداء نقلوا المعركة من المواجهة العسكرية المكشوفة بعد فشلهم فيها وتحرر بعض البلدان الإسلامية من ربقة الاستعمار، نقلوها في كثير من المواقع إلى مواجهات بين المسلمين أنفسهم من خلال زرع بذور الفتنة والخلافات العنصرية والعصبية والقبلية وأن يتسمى بالمسلمين من ليس منهم فيؤسسون الجمعيات ويقيمون الجماعات كيما يضرب المسلمون رقاب بعض ويستعين بعضهم بأعداء الله لقتال البعض بل لقتال المستقيمين منهم على أمر الله. لقد كان من المقبول في السابق أن تعيش القبيلة على تعدد فصائلها والدولة على شتات أقاليمها واختلاف تضاريسها وخلفياتها أيام الاستعمار. أما الآن فأصبح ذلك من سمات التخلف وصفات الماضي التي يجب أن لا تعود وأضحى من اللازم أن تتفرع القبيلة وتتشتت الأسرة الكبيرة وتتوزع الدولة إلى دويلات كيما تكون دواعي الافتراق أقوى من دواعي الالتقاء وعوامل الاختلاف أكبر من عوامل الائتلاف وليس بخاف على كل مسلم مدرك ما يعايشه المسلمون اليوم من جراء ذلك ولكن بفضل الله ومنته- تولدت بين المسلمين عودة إلى دين الله واستعادة لمنهج الله فبقدر ما لقوا من العناء وما كابدوا من الشقاء عملوا بقوة واندفاع لاستعادة المكانة وإعادة البناء، وفي ظل هذه الظروف وملابساتها كانت الصحوة الإسلامية المعاصرة التي بدأت بيئية وإقليمية بحكم المعايشة للظروف المحلية ثم انتقلت إلى صيغة الشمول والعالمية بحكم ما جد في العلاقات والاتصالات والمصالح والروابط الدولية، لقد حققت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث جانبا هاما في سبيل التضامن الإسلامي وتحقيق وحدة المسلمين، ولكن ما يخشى هو ألا تستمر الجماعات والجمعيات الإسلامية في أداء هذا الدور بل إن ما يخشى منه أكثر أن تكون بعض تلك الجماعات والجمعيات نقطة ضعف في تضامن المسلمين وتحقيق وحدتهم ولذا فلابد من مواجهة الواقع من قبل العاملين في مجال الدعوة الإسلامية ومن قبل القادة والمسئولين في مجال تلك الجماعات والجمعيات بدراسة الوضع ومعالجته. وليست هذه العجالة مكانا لتشخيص الداء ولا لوصف الدواء، ولكن بقدر ما تقدم من لمحة عن أهداف الدعوة إلى الله وما يستعرض من أسباب أدت إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة بما فيها من سلبيات وإيجابيات ما يمكن أن ينظر على ضوئه - وما يمكن أن يضاف عليه- في منهج للتفكير في مواجهة التحديات الجديدة والصراعات القائمة.

 

من أسباب وظواهر الصحوة الإسلامية:

إن من أهم الأسباب التي أدت إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة وما اكتنف تلك الأسباب من سلبيات ما يلي:

أولاً: إن المسلمين قد تجاوزوا مرحلة من مراحل الجهل التي ضربت أطنابها على بقاعهم فانتشر التعليم وتوسعت دوائر المعرفة وتعددت وسائل الإعلام والنشر وأصبحت وسائل التعريف بالدعوة بين المسلمين في وضع أفضل مما كانت عليه في الفترة الممثلة لعصر التخلف والانحطاط. ومع أن المناهج والبرامج التعليمية والإعلامية لم توجه التوجيه الديني الكافي إلا أن التوجيه الديني كان قويا حتى بين صفوف المشتغلين بالعلوم التطبيقية والذين حصيلتهم الدينية من خلال المناهج التربوية بسيطة وعامة. إلا أن الوسائل والمؤسسات العاملة في مجالي التعليم والإعلام لم تسلم من التأثيرات الخارجية وضعف التجربة الذاتية. كما أن الكتاب الإسلامي لم يسلم من سبل الارتزاق والمتاجرة.

ثانياً: قيام بعض الحركات الإصلاحية في الجزيرة العربية والهند ومصر والسودان وتونس وغيرها من بلاد المسلمين مثل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والمهدية والسنوسية وأهل الحديث وأنصار السنة والجماعات الإسلامية والإخوان المسلمون وما تولد عن تلك الحركات من نشاطات وما صاحب ذلك من تضحيات بالأموال والأنفس والثمرات وما نتج عن ذلك كله من تمدد وانكماش وما رافق العنف الذي حوربت به تلك الحركات والنشاطات من تعاطف مع التوجيه الديني فالملاحظ أن الضربات التي واجهت تلك الحركات قد أضعفت الحركة نفسها لكنها ضاعفت من النشاط الإسلامي من المتعاطفين مع العمل الإسلامي حتى أصبحنا نرى ما بين فينة وأخرى ميلاد جماعات جديدة وأصبحت العواطف وردود الفعل هي الموجه حتى كان حرب القلم واللسان التي مر بها العالم الإسلامي في مرحلة ما تعود اليوم وقد حملت مع القلم واللسان السيف والسنان.

ثالثاً: الاتجاه الرسمي الجديد من قبل بعض القيادات السياسية في العالم الإسلامي إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية مثل ما حصل في الباكستان والسودان مما يدل على فشل النظم والمبادئ المستوردة، وإن الممارسات المبنية على تلك النظم والمبادئ لم تحقق آمال وتطلعات المسلمين في تحكيم شريعة الله في الأرض. لقد أعطى هذا الاتجاه التوجه لمراجعة حصيلة المسلمين من العلوم والمعارف الشرعية وإجراء المزيد من الدراسة والبحث في تلك العلوم والمعارف من أجل التطبيق على أرض الواقع كما بعث روح التفكير في طبيعة الحياة الإسلامية المتكاملة لدى المسلمين وغيرهم وما يمكن أن تقدمه التجربة الإسلامية في مثل تلك البلدان بعد أن مرت بالعديد من التجارب ذلك أن النظام العام لا يمس كل فرد في الدولة فقط بل يتعداه إلى من هم خارج الدولة بحكم العلاقات المتبادلة ووسائل الاتصال المترابطة وعلى كل فليس ما تم أو أعلن عن التوجه إليه في تطبيق أحكام الشريعة هو نهاية المطاف إذ أن ذلك إنما يمثل جانباً من جوانب تحقيق حكم الله سبحانه وتعالى في الأرض. ذلك أن الأمر يتطلب إعادة النظر في البناء الاقتصادي والسياسي والتربوي في تلك البلدان.

رابعاً: اهتمام الطبقة المثقفة والمتعلمة من غير المسلمين بدراسة الإسلام والتعرف عليه وإعلان العديد منهم اعتناق الإسلام وكان من أشهر من أسلم منهم من رجال الدين خليل إبراهيم ومن الأدباء ميشيل سركيوسكي ومن الباحثين فنسان منتيل ومن المؤرخين بنواميشان ومن الفلاسفة روجي جارودي.

قد دفع إسلام هؤلاء وما يقومون به من أبحاث ودراسات، دفع من يختلط بهم من المسلمين بحكم التعامل إلى العودة لتاريخهم وتراثهم كما وفر الكثير من القناعة لدى الشباب المسلم الذي انبهر بحضارة الغرب بضرورة العودة إلى دينه الأصيل والنهل من منابعه الصافية التي لم تكدرها التحزبات والطوائف والتجمعات المنحرفة.

خامساً: دعم بعض الدول الإسلامية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية- التي قامت على أساس تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية- والمؤسسات والهيئات والأفراد في تلك الدول للنشاط الإسلامي مادياً ومعنوياً مما ساعد الهيئات والمنظمات والجماعات الإسلامية على تخطي بعض الصعاب وتجاوز بعض العقبات. إلا أن تلك المساعدات قد لا تنفق في وجهها المشروع مما جعل الثقة في بعض المشاريع الإسلامية تضعف وتهتز.

سادساً: قيام بعض التنظيمات والروابط الدولية وشبه الدولية بين بلدان العالم الإسلامي مثل رابطة العالم الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية والدعاة للتضامن الإسلامي التي تولاها جلالة الملك فيصل رحمه الله وما أسفرت عنه من عقد مؤتمر القمة الإسلامي وما انبثق عنه من منظمات ومقررات ومواقف. وقد كان لهذه الجوانب تأثيراً إيجابياً في سبيل تحقيق الشعور بالذات بين المسلمين وتقوية وتنمية الروابط فيما بينهم كأمة واحدة دولا وأقليات ولاجئين إلا أن هذه التنظيمات والروابط تحتاج إلى المزيد من الشعور بالأهمية والالتزام بالمسئولية من جانب جميع الدول الإسلامية من أجل تنفيذ القرارات وتحقيق الأهداف الإسلامية في كافة المجالات.

 

الحاجة لمراجعة واقع الصحوة:

وعند الرغبة في التفصيل فإن هذه العناصر تحتاج  إلى المزيد من التسبير والتفريع، إلا أن الحاجة القائمة تدعو إلى تجاوز ذلك إلى النظر في توجيه هذه الصحوة من حيث الدوافع والمقاصد والنتائج.

إن هذه الصحوة في معظم دوافعها ومقاصدها قد ارتبطت بمواجهة التخلف من جهة ومقاومة الاستعمار من جهة أخرى ولذا فقد اتسمت بالاندفاع الشديد المرتبط بالقوة العسكرية من جانب والاندفاع الفكري والجدلي من جانب آخر وهي أمور فرضتها الظروف وقد حققت تلك الأمور الكثير مما نتج عنه هذه الصحوة الإسلامية التي تعم ليس فقط أرجاء العالم الإسلامي بل العالم أجمع. وإذا كان ذلك أمر تطلبه وضع الدفاع فإن الأمر يحتاج اليوم إلى إعادة النظر في الأمور من أجل ترميم المواقع وترتيب الصفوف والاستعداد للمرحلة ا لقادمة.

لقد كان من نتائج هذه الصحوة عودة الأذان إلى منابر الأندلس في الغرب وإلى منائر الصين في الشرق وإلى مواقعه القديمة في عمق العالم الإسلامي التي اسكت فيها فترة من الزمن كما امتد الأذان إلى مآذن جديدة في مواقع جديدة في أوربا وأمريكا واستراليا وأفريقيا وآسيا ولكن السؤال المطروح هو هل متطلبات ودوافع العمل الإسلامي في المستقبل هي نفس متطلبات ودوافع ذلك العمل في الماضي؟

ولن تكون الإجابة على هذا السؤال متطابقة نتيجة للظروف التي يعايشها المسلمون وهي ظروف متعددة ومتغايرة، ومع أن هذا التعدد والتغاير يكون في كثير من الأحيان مجالا للخلاف في الرأي والتباين في وجهات النظر إلا أنه ينبغي ألا يخرج إلى حد نقل المعركة من المسلمين وأعدائهم إلى ما بين المسلمين أنفسهم.

لقد بات من الملاحظ وجود فراغات في بنية العمل الإسلامي وأخطاء في الممارسات القائمة في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فالدعوة تعاني من تشتيت الجهود بل تعارضها وتصادمها في كثير من الأحيان حتى انشغلت بعض الجماعات الإسلامية في محاربة بعضها بدلاً من توجيه السهام إلى العدو المشترك، كما تعاني من الشقاق داخل الجماعة الواحدة حتى أصبح منها اليمين واليسار والحمائم والصقور واندست في صفوف الدعوة جيوش النفاق التي كانت عاملا من عوامل ذلك الشقاق وتشتيت الجهود. كما كان من اهتمام بعض الجماعات الإسلامية بتكثير السواد وتجميع الأتباع أن يتحدث عن الإسلام من لا يعرفه ويدعو إليه من لا يلتزم به.

 

متطلبات الدعوة:

وأمام هذا الجانب من الصورة وهو الجانب السلبي نحتاج إلى وقفة وفي هذه الوقفة نستعرض شيئا مما يدعو إليه ديننا الحنيف وما يأمر به من توجيه في مجال أدب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

يقول سبحانه وتعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ويقول سبحانه {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ويقول سبحانه {وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر} ويقول سبحانه {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} ويقول سبحانه {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} ذلكم هو منهج كتاب الله ووصف الله للمؤمنين العاملين والدعاة الصادقين. أما رسول الهدى ونبي التقى فيقول "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" ويقول " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ويقول عليه الصلاة والسلام " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" وذلكم هو منهج رسول الله وخلق رسول الله {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ}.

وعلى ضوء هذه الأوامر والتوجيهات يمكن التركيز على أن المتطلبات والمقاييس الثابتة للدعوة هي:

أولاً: الانطلاق من وحدة الفكر والهدف من خلال التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى مهما كانت الظروف المكانية والمصالح الزمنية والتحديات الحضارية.

ثانياً: العلم بشرع الله والفهم الصحيح له على هدى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً: العمل على أساس الصدق والإخلاص والتضحية والتجرد والتحلي بالحكمة والبصيرة في التلقي والتلقين لدعوة الله.

 

بين الواقع والمستقبل:

وعلى ضوء هذه المتطلبات والمقاييس يجب وضع الضوابط الخاصة بطبيعة العمل وطريقة التحرك لمواجهة الظروف المكانية والمصالح الزمنية والتحديات الحضارية المعاصرة وهي أمور بلا شك تختلف في عدة جوانب عن الظروف والمصالح والتحديات التي دعت إلى نشأة بعض الحركات الإسلامية وحددت منهج العمل فيها. لقد انتقل التحدي الاستعماري من العمل العسكري إلى العمل الفكري، كما انتقلت المواجهة من الشخصية الأجنبية إلى الشخصية الوطنية وذلك في معظم المواقع. لقد ارتحل الاستعمار بعساكره من بعض البلدان لكن قوافل الصليب ومناجل الإلحاد قد تكالبت على نشر الفساد في البلاد والكفر بين العباد، ومن جهة أخرى فإن الاستقرار الذي تم في بعض البلاد الإسلامية وتطلعها إلى تحكيم شرع الله يتطلب توفير الأسس والتطورات والأساليب والإجراءات الخاصة بتطبيق تحكيم الشريعة في تلك البلدان في كافة الشؤون الاقتصادية والسياسية والتربوية والفكرية ويجب ألا يكون العاملون في مجال الدعوة إلى الله في غيبة عن هذه المواقع لأنها المحك العملي والممارسة الفعلية لتطبيق الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين.

 

أمل ورجاء:

ومن هذا التصور أتطلع إلى أن يلتقي العاملون في مجال الدعوة إلى الله وأن تكون هذه المقاييس والمتطلبات ضابطاً للجميع فيما يقولون ويعملون وأن تكون عونهم فيما يواجهون.

وما مناسبة انعقاد المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة في رحاب الجامعة الإسلامية إلا إحدى الظروف المناسبة لمناقشة مثل هذه الأمور ودراستها والتفكير فيما يمكن أن يعمل من أجلها وأسأل الله سبحانه على ألا يقتصر هذا الاجتماع على إضافة اضبارة إلى خزانة الأوراق أو كسب ورقة في مجال الدعاية والاستهلاك والله سبحانه وتعالى هو المسئول أن ينشر دينه وأن يعلي كلمته وأن يوفق عباده إلى الخير والسداد والهدى والرشاد إنه ولي ذلك والقادر عليه.