|
|
|
تعدد
زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم |
|
-2- |
|
للدكتور ملك غلام مرتضى |
|
رئيس قسم الترجمة بالجامعة |
|
|
|
في
هذه الحلقة أتم ما بدأت من موضوع تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم فيما
يلي: |
|
8- السيدة: جويرية بنت الحارث - رضي
الله عنها: |
|
وكانت أرملة ماتع بن صفوان الذي كان من ألد أعداء الإسلام وأشدهم خصومة
للرسول صلى الله عليه وسلم. كان قد قتل يوم المريسيع
خلاله غزوة بني المصطلق وتركها فوقعت أسيرة في يد
المسلمين، وهي أيضا بنت الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق
الذين كانوا يتآمرون على المسلمين وأحيانا يغيرون عليهم ويوقعون بهم الضرر. |
|
وقد ورد في صحيح
البخاري عن عائشة- رضي اللّه عنها تعالى- أنها قالت: |
|
"أصاب رسول اللّه خير نساء بني المصطلق،
فأخرج الخمس منه ثم قسمه بين الناس، فأعطى الفرس سهمين والرجل سهما، فوقعت (جويرية بنت الحارث) في سهم ثابت بن قيس، فجاءت إلى الرسول
فقالت: يا رسول اللّه أنا جويرية بنت الحارث سيد
قومه، وقد أصابني من الأمر ما قد علمت، وقد كاتبني ثابت على تسع أواق، فأعني على
فكاكي، فقال عليه السلام: "أو خير من ذلك؟".
فقالت: ما هو؟. فقال: "أؤدي
عنك كتابتك وأتزوجك". فقالت: نعم يا رسول اللّه. فقال رسول اللّه: "قد فعلت". |
|
فلما علم أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم بهذا قالوا: "أصهار رسول اللّه يسترقون؟". فأعتقوا
ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق، فبلغ عتقهم مائة بيت بزواجه عليه السلام بنت سيد بني المصطلق. |
|
ولم يسع لبني المصطلق بعد إطلاق سراحهم والإحسان عليهم من قبل الرسول صلى
الله عليه وسلم والمسلمين إلا أن يسلموا ويتخلصوا من حقدهم على الإسلام والنبي
صلى الله عليه وسلم ويقلعوا عن جرائم قطع الطريق والغارات التي كانوا يشنونها
على ديار المسلمين (كانت هذه القبيلة من قطاع الطريق). وقد ورد في بعض الروايات
أنه وصل أبو السيدة جويرية لعتقها من الأسر قبل
زواجها بالرسول صلى الله عليه وسلم وأراد أن يأخذها معه ويدفع تسع أوقيات من
عنده وهنا ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر للسيدة جويرية
أن تختار بين أمرين. |
|
(1) إما أن تذهب إلى قبيلتها مع أبيها. |
|
(2) وإما أن تسلم وتختار الزواج
بالرسول صلى الله عليه وسلم فاختارت الإسلام والزواج بالرسول صلى الله عليه وسلم
على الكفر والرجوع إلى أهلها وقبيلتها. |
|
فكان هذا الزواج بركة
عليها وعلى أهلها وقبيلتها لأنه كان سببا لإسلامهم وعتقهم وترك أعمال قطع الطريق،
فقال الناس: "إن جويرية أيمن امرأة على قومهَا". |
|
من هنا نرى أن هذا
الزواج كان ميمونا على بني المصطلق لأنه استبدل
عداوتهم للإسلام إلى حبهم للّه والرسول والإسلام وهو مبارك على المسلمين أيضا
لأنه خلصهم من غَارات بني المصطلق ومؤامراتهم وبدأ بنو المصطلق يساعدون المسلمين
ويجاهدون في سبيل اللّه. |
|
9- السيدة: أم حبيبة- رضي الله عنها: |
|
وهي بنت أبي سفيان الذي كان في جاهليته (ألد أعداء
الإسلام بعد أبي جهل) وكانت قد أسلمت وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد اللّه بن
جحش فرارا بدينها، ومات زوجها في الحبشة فأصبحت وحيدة ليس لها كفيل ولا معين، إن
هي عادت إلى أبيها في مكة المكرمة فالنتيجة واضحة، ستجبر على الرجوع إلى الكفر
قهرا وإلا عذبت عذابا شديداً، أما في المدينة المنورة
فليس لها من يكفلها ويرعاها. |
|
فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بوفاة زوجها،
خطبها وأرسل إلى النجاشي ملك الحبشة ليزوجه إياها، فلما علمت السيدة أم حبيبة
بما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فرحت وسرت سرورا عظيما ووافقت على هذا الزواج،
فزوجها النجاشي بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا
أخرى ثمينة وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل
بن حسنة فوصلت في سنة سبع من الهجرة إلى المدينة المنورة، وكان عمرها حينئذ
سبعاً وثلاثين سنة، ولما علم أبو سفيان بهذا الزواج أقره وقالت: "هو الفحل
لا يقدع أنفه". ونرى حكمة بالغة وراء هذا الزواج
وهي تأليف قلب أبي سفيان وقومه فصار هذا الزواج سبباً لتخفيف الأذى عن المسلمين
في مكة المكرمة وأصبح أكثر ميلا إلى الصلح، فنراه قادما إلى المدينة المنورة
لتجديد الصلح ويزور ابنته في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم والابنة تقنعه أنه
لا كرامة لأي إنسان إلا بالإسلام وإن كان والدها، فمن الواقع أن أبا سفيان ما
جاء غازيا ضد أهل المدينة بعد هذا الزواج. |
|
10- السيدة: صفية -رضي الله عنها: |
|
وكانت سيدة بني قريظة وأيضا سيدة بني النضير وهما قبيلتان من اليهود عقدتا
صلحاً مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ثم نقضتا العهد غدرا وخيانة.
والسيدة صفية ابنة حيي بن أخطب الذي كان سيد بني قريظة
ومن ناحية الأم هي ابنة صيمويل الذي كان سيد بني
النضير. وكانت السيدة (صفية) قد أسرت بعد مقتل زوجها في غزوة خيبر وروي أنها -
رضي اللّه عنها - لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "لم يزل أبوك من أشد اليهود عداوة لي حتى قتله اللّه".
فقالت: "يا رسول اللّه إن اللّه يقول في كتابه: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}". |
|
فقال لها النبي صلى
الله عليه وسلم: "اختاري فإن اخترت الإسلام
أمسكتك لنفسي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك"،
فقالت: "يا رسول اللّه لقد هويت الإسلام، وصدقت بك قبل أن تدعوني إلى رحلك
ومالي في اليهودية أرب، ومالي فيها والد ولا أخ، وخيرتني الكفر والإسلام فاللّه
ورسوله أحب إلي من العتق، وأن أرجع إلى قومي". فأمسكها رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم لنفسه. ونرى كثيراً من اليهود أسلموا بعد هذا الزواج، ولا نراهم
يتآمرون ويؤلبون قبائل العرب ضد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعده. |
|
11- السيدة: ميمونة -رضي الله عنها: |
|
كانت السيدة (ميمونة)
قد تزوجت مرتين قبل زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم ومات زوجها الثاني (أرحم
بن عبد العزى) في السنة السابعة من الهجرة، وهي أيضا
أخت أم المؤمنين (زينب بنت خزيمة) من ناحية الأم.
وكان في هذا الزواج مصلحة كبيرة لأن السيدة ميمونة كانت أخت زوج سيد بعض قبائل
عربية تآمرت على الإسلام والمسلمين إذ طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن
يرسل سبعين من الفقهاء ليعلموهم الدين وما لبثوا أن غدروا بهؤلاء المبعوثين
فقتلوهم عن بكرة أبيهم، واستمروا على عدائهم، حتى أن تمت مصاهرة النبي صلى الله
عليه وسلم لسيدهم بزواجه ميمونة - ضي اللّه عنها -
وجدير بالذكر أن نقف برهة لنميز بين هذا النوع من الزواج بين ملوك وأباطرة
العالم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن مثل هذه الزيجات كانت معروفة لدى
أباطرة العالم بمصاهرة أعدائهم إتقاء شرهم ولكسبهم
إلى صفوفهم أو ضمان حيادهم على أقل تقدير ويكون الإصهار
دائما في جانب قوي. لا يتمكن الصهر من كسر شوكتهم...
أما الرسول عليه الصلاة والسلام فلم يكن زواجه من هذا القبيل وإن اتفق في
النهاية بمصاهرة أقوام ناصبوه العداء فمصاهرته لم تكن خاضعة للمفاوضات
والمبادلات، ولكنه مصاهر بعد كسر شوكتهم وتغلبه عليهم ودحرهم وحتى لم يكن هناك
طلباً رسميا مقدم إلى رئيس القبيلة أو القوم المعاديين لهذه المصاهرة. |
|
والجانب الآخر أن
الإسلام لم يكن قط طريقا للعبودية والسخرة التي دأبتها
البشرية في عصورها وما تناله النساء خاصة بعد انكسار قواتهم
في الحروب من هتك لأعراضهم وذل وعار بهيمي في الدرك
الأسفل من البهيمية، فقد كان الرسول صلى الله عليه
وسلم بذاته قدوة للمؤمنين، خيرهن بين خير الإسلام
وعتقهن، ومن ثم تشريفهن بالزواج بعد إيمانهن لا بالرق ليتمثل به المؤمنون...
والوقائع تشهد لنا بذلك والقرآن الكريم يؤكد هذا الأمر: {وَلأََمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ
أَعْجَبَتْكُمْ}. |
|
مزاعم أعداء الإسلام ودفعها: |
|
يزعم أعداء الإسلام أن
الرسول صلى الله عليه وسلم أنه عدد زوجاته لإشباع رغباته، وفيما سبق أشرت بإيجاز
إلى الظروف والملابسات التي أدت إلى كل زيجة من زيجات
النبي صلى الله عليه وسلم ومنها يمكن أن يرد على أولئك الأعداء فيما يزعمون من
جهة، ومن جهة أخرى لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما يزعمون لما ظل وفيا لخديجة -رضي اللّه عنها- التي كانت قد بلغت الخامسة والستين
من العمر وهو ما يزال في الخمسين من عمره، فكيف يقنع بامرأة متقدمة في السن
تكبره خمس عشرة سنة ولا يختار امرأة أخرى حتى توفيت وهي في الخامسة والستين من
عمرها، فهل يمكن لرجل شهواني أن يصبر على شهوته إلى هذا الحد حتى يهرم ويصير
شيخا كبيراً؟. |
|
فضلا عن ذلك، فإن قريشا
عرضت عليه صلى الله عليه وسلم أن ينصبوه ملكا عليهم، وأن يزوجوه أجمل النساء على
أن يترك دعوته ولو كان كما يزعم أعداء الإسلام لرحب بهذا العرض، واختار لنفسه
إحدى الشابات الجميلات. |
|
ولكنه عاش حياة البساطة
والتقشف رغم أن اللّه تعالى يسر للمسلمين غنائم كثيرة. |
|
وأسوق شاهدا لهذا حادثين
موجزين فيما يلي: |
|
1-
حادث الإيلاء: |
|
عندما كثرت الفتوحات
والغنائم والأموال، طالبت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بزيادة يسيرة في نفقات
المعيشة حتى ينتقلن من حياة الفقر إلى حياة اليسر والراحة مما أزعج النبي صلى
الله عليه وسلم إزعاجا شديداً. وعندما علم سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر بهذا جاءا
إلى بنتيهما أم المؤمنين السيدة عائشة وأم المؤمنين السيدة حفصة
ونبهاهما إلى قلق النبي صلى الله عليه وسلم إزاء موقفهما،
أما الأزواج الأخريات فلم يرق لهن تدخل أبي بكر وعمر وأصررن على المطالبة بزيادة
النفقات على أساس أن ما يطلبن يعتبر شيئا يسيرا بل متوفرا لدى غالبية المسلمين،
وجئن بدليل قوي وهو أنهن قد صبرن على آلام الفقر والحرمان والمسكنة في الماضي،
أما بعد أن أفاء الله بنعمائه وكثرت الأموال والغنائم والجواري فلم يبق أي مبرر
لاستمرار حياة الفقر والمسكنة والجوع والفاقة. |
|
فانزعج النبي صلى الله عليه
وسلم لدرجة أنه هجر أزواجه كلهن لشهر كامل والتزم الصمت معهن حتى ذل بين الناس
أنه قد طلقهن. |
|
2- حادث التخيير: |
|
هذا الحدث تتمة لحدث الإيلاء، فعندما ظلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مصرات
على طلب زيادة النفقات، أنزل اللّه سبحانه آيات التخيير وجعلهن يخترن بين أمرين: |
|
(1) إما الحياة مع الرسول صلى الله عليه وسلم
مع الفقر والمسكنة. |
|
(2) وإما الحياة بدون الرسول صلى الله عليه وسلم مع رغد وبحبوحة
في العيش وأنزل اللّه سبحانه وتعالى قوله: |
|
{يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ
أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}. (سورة
الأحزاب: 28-29). |
|
فخير النبي صلى الله
عليه وسلم زوجاته بين الأمرين وأسمعهن هذه الآيات. وقال للسيدة عائشة: "تشاوري
مع والديك ولا تتعجلي في الأمر" فردت على الفور: "هل أتشاور في
اللّه والرسول يا رسول اللّه؟". |
|
والمعروف أن كل واحدة
من نساء النبي صلى الله عليه وسلم اختارت اللّه سبحانه وتعالى والنبي صلى الله
عليه وسلم والدار الآخرة مع حياة الفقر والفاقة والمسكنة والتقشف والبساطة حتى
شهد التاريخ أنه ما كان يوجد زيت للإنارة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم
انتقل إلى رحاب اللّه. |
|
فهل يمكن هذا لرجل غير
النبي أن يعيش مثل هذه العيشة ويجبر زوجاته أيضا عليها؟. |
|
والشخص الذي يتدبر هذه
الأمور ويتعرف على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لاسيما حياته العائلية لا يمكن
أن يتهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالشهوانية والتكالب على الملذات
الحسية لو كان لهذا الشخص أدنى وازع من الضمير أو لديه ذرة من الحياء والخجل. |
|
المصالح والغايات وراء تعدد الزوجات: |
|
وهي خمسة أقسام: |
|
(أ) المصالح التعليمية. |
|
(ب) المصالح التشريعية |
|
(ج)
المصالح الاجتماعية |
|
(د) المصالح السياسية. |
|
(ر)
المصالح الشخصية |
|
والآن لنتناول بإيجاز كل من هذه المصالح الخمس: |
|
أ- المصالح التعليمية: المرأة كما هو معروف نصف المجتمع لذلك كان لابد للنبي صلى
الله عليه وسلم أن يهيئ معلمات ومفتيات لتبصير نساء المسلمين بأمور دينهن. |
|
فهذه هي الحكمة
الأساسية وراء تعدد الزوجات، وقد عرفنا أن السيدة عائشة ظلت تدرس وتبلغ تعاليم
الإسلام وتفتي في الكثير من المسائل الهامة ثماني وأربعين سنة بعد وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم وانتقل ربع الأحكام الشرعية إلى الأمة الإسلامية من خلال
توجيهاتها ومساعيها، ومن هنا تتضح لنا المصلحة وراء زواجه صلى الله عليه وسلم
بالسيدة عائشة وهي صغيرة السن. |
|
وكان النبي صلى الله
عليه وسلم (أشد حياء من العذراء في خدرها) وهكذا يكون الأنبياء فما كان يمكنه أن
يرد على كل سؤال يوجه إليه من جانب النساء بكل صراحة فكان يجيب بأسلوب الكناية
أو يستعين بإحدى أزواجه صلى الله عليه وسلم، ومن رواية السيدة عائشة –رضي اللّه
عنها - أن امرأة من الأنصار، سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الغسل من المحيض
فعلمها النبي صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل، ثم قال لها: "خذي فرصة ممسكة (أي قطعة من القطن بها أثر الطيب)
فتطهري بها"، قالت: "كيف أتطهر بها"، قال: "تطهري بها"، قالت: "كيف يا رسول
اللّه أتطهر بها؟". فقال لها: "سبحان اللّه تطهري بها"، قالت: السيدة
عائشة: "فاجتذبتها من يدها فقلت ضعيها في مكان كذا وكذا، وتتبعي بها أثر
الدم". |
|
وهكذا كان هناك الكثير
من الأسئلة المحرجة لاسيما عن أحكام الحيض والنفاس والجنابة فكانت تجيب عنها
زوجاته الطاهرات في أكثر الأحيان في حياته وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم والسنة
المطهرة بعد القرآن الكريم هي المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام وتشتمل
على أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأعماله وتقريره ولا يمكن لأحد أن يعرف ما
صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل أو تقرير إلا أن يكون معه في
جميع الأوقات حتى خلال أوقات فراغه متابعاً لكافة حالات فرحه وغضبه ويسره وعسره
ويصاحبه في كل أمور حياته مهما كانت هامة أو بسيطة، عامة أو شخصية. |
|
وهذا الشرف لم يقدره
اللّه سبحانه وتعالى إلا لزوجاته صلى الله عليه وسلم اللاتي ظللن يصحبنه طوال حياته
إلى لحظة انتقاله إلى الرفيق الأعلى. فلهذا نرى أن
كبار الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين كانوا يستفتون أمهات المؤمنين -رضوان
اللّه تعالى عليهن أجمعين- فيما يعن من أمور هامة في حياة المسلمين العامة
والخاصة. |
|
ويقول الإمام الزهري
التابعي: "كانت عائشة أعلم الناس يسألها الأكابر من أصحاب رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم". (طبقات ابن سعد: ج 2: قسم 2: ص 26). |
|
ب- المصالح التشريعية: كما تزوج
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لتحقيق بعض الغايات التشريعية ومنها إبطال بعض
العادات التي سادت زمن الجاهلية مثل التبني والتآخي. |
|
كان بعض الناس من العرب يقول للآخر: "أنت ابني"
فكان يتخذه ابنا حقيقيا فكان له حكم الأبناء من النسب في جميع الأحوال، في
الزواج والطلاق ومحرمات النكاح ومحرمات المصاهرة والميراث. |
|
وكذلك كان بعض الناس يقول للآخر: "أنت أخي" فكان
يتخذه أخاً حقيقيا بنفس الطريقة وكان يحل له كل ما يحل للأخ الحقيقي ويحرم عليه
كل ما يحرم على الأخ الحقيقي أيضا. |
|
فأبطل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عادة التبني بزواجه
بمطلقة متبناه زيد وهي أم المؤمنين السيدة زينب بنت
جحش. الحق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى أيضا
من ألسنة الناس ويتردد في هذا الزواج فنزلت الآية: {وَتَخْشَى
النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}. فالنقطة
الهامة أنه ما كان لأي إنسان غير النبي يستطيع أن يبطل عادة التبني إذا لم
يبطلها النبي صلى الله عليه وسلم لخشيته من الناس. ففرض اللّه على النبي صلى
الله عليه وسلم هذا الزواج ليبطل نظام التبني. |
|
وبالمثل فقد أبطل النبي صلى
الله عليه وسلم عادة التآخي بزواجه بأم المؤمنين السيدة عائشة لأنها ابنة أخيه
في الإسلام سيدنا أبي بكر الصديق. وقال له رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم كما سبق أن ذكرنا "أنت أخي في
الإسلام" ولا يعني هذا أنك أخي من ناحية النسب. ففرق
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين التآخي في الإسلام والأخوة على أساس النسب. |
|
ج- المصالح الاجتماعية: حاول رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم أن يربط أهم وأبرز أعضاء الأمة الإسلامية بعضهم ببعض عن طريق
المصاهرة فمثلا زواجه بالسيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق والسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب جاء تتويجا للوشائج الوثيقة التي
ربطت بينه وبين أهم وأعظم أصحابه وهما سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر بن الخطاب
اللذان أسديا خدمات جليلة للإسلام والمسلمين وقد تقلد كل منهما
أمور المسلمين بعد وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم. |
|
ومن ناحية أخرى فقد زوج
الرسول صلى الله عليه وسلم بعض بناته بسيدنا عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وقربهما إليه وقد كان هذا حافزا لهما بالتضحية في سبيل
اللّه بكل شيء. وهكذا صار سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي من
أعاظم الرجال وأتقاهم وأقربهم إلى قلب النبي صلى الله
عليه وسلم. |
|
د- المصالح السياسية:
ونرى الكثير من
المصالح السياسية التي تحققت من وراء زيجات النبي صلى الله عليه وسلم فمثلا
زواجه بالسيدة جويرية بنت سيد بني المصطلق، وعتق أسرى بني المصطلق
فأسلموا وتخلوا عن أعمال قطع الطريق وغاراتهم التي كانوا يشنونها ضد المسلمين
ولا نرى أية مؤامرة يحيكها بنو المصطلق
ضد المسلمين بعد هذا الزواج. |
|
وهكذا زواجه بالسيدة
صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني قريظة قد خفف بل قضى
على موقف العداء الذي وقفه اليهود ضد الإسلام ووضع حداً لمؤامرتهم ضد النبي صلى
الله عليه وسلم بعد هذا الزواج. وهكذا زواجه بالسيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان سيد
قريش، فنرى أبا سفيان الذي كان ألد أعداء الإسلام قبل إسلامه، خفيفا غير ممعن في
عداوته ضد الإسلام حتى جاء إلى المدينة المنورة يلتمس تجديد عقد صلح الحديبية
ولا نراه يأتي غازيا إلى المدينة المنورة بأحزابه بعد هذا الزواج. |
|
وزواجه صلى الله عليه وسلم
بالسيدة ميمونة أخت زوج سيد بعض قبائل سعت فسادا في الأرض واغتالت سبعين من كبار
الصحابة بالمكر والخديعة، كان له أثر بالغ في تلطيف مخاصمة هذه القبائل
للمسلمين. |
|
ر- المصالح الإنسانية: وهناك المصالح الإنسانية
أيضا وراء بعض زيجاته صلى الله عليه وسلم، فقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم
بعض النساء رأفة بهن بسبب ظروفهن الخاصة، وكانت هناك بعض النساء العجائز اللاتي
مات عنهن أزواجهن فلم يبق لهن سند أو معين في الحياة أو هناك الأمهات اللاتي
افتقدن الكفيل لهن ولأطفالهن، وكانت هناك بعض الأرامل اللاتي لو رجعن إلى أهلهن
لعذبن عذاباً شديدا ولفتن فتونا كبيراً، فتزوجهن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
صيانة لهن ورعاية لإنسانيتهن فمنهن السيدة |
|
سودة -رضي اللّه عنها- (عمرها
55 سنة وقت الزواج). والسيدة زينب بنت خزيمة (كان عمرها
65 سنة حينئذ). والسيدة أم سلمة - رضي اللّه عنها - (كان
عمرها حوالي 60 سنة حينئذ). |
|
فما رأي الأفاكين والمغرضين من المستشرقين في زواج الرسول صلى الله
عليه وسلم بهؤلاء النسوة؟، هل تمت هذه الزيجات بدافع الأنانية كما يزعمون أو هو منتهى الإيثار |
|
والتضحية وتكريم الإنسانية؟. |
|
الخاتمة |
|
إذا كان ذهن ومستوى فكر
بعض الناس أضيق من أن يتصور حقيقة الكرامة والشرف للإنسان فما هو ذنب أهل
الكرامة والشرف؟. وما على هؤلاء الناس إلا أن يعالجوا أذهانهم ومستوى فكرهم
ويوسعوا أفق تصورهم. إنما الحق أن زيجات الرسول صلى
الله عليه وسلم كلها تدل على نبوته ورسالته وهي دلائل قاطعة وبراهين ساطعة على
أنه لم يأت ولن يأتي رجل مثل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ضحى بكل ما يملك
مرضاة للّه سبحانه ثم حباً للإنسانية. |
|
إن الرجل هو في الحقيقة
أنقى وأطهر الناس في العالم بدليل أنه لا يختار لنفسه إلا الأرامل والعجائز
والوحيدات اللاتي فقدن كل سند ومعين في الحياة. |
|
والسيدة عائشة هي
الوحيدة بين كل أمهات المؤمنين التي كانت بكراً، وأما الأخريات فهن كلهن أرامل
ومسنات - هل هذه شهوانية وأنانية أم هذه قمة الإنسانية؟. والأمر الهام جدا أن
نرى هذه الزيجات في إطار الظروف والملابسات التي
أحاطت الرسول الداعي إلى الإسلام وإمام الإنسانية، ما الذي كان يناسبه لنشر
دعوته إلى الناس جميعا، فمنهم الرجال والنساء، ومنهم أصحابه وأعداؤه ومنهم قبائل
العرب ودول العجم وقد أرسله اللّه رسولا إلى الناس كافة فكان عليه أن يؤم الحركة
الإسلامية ويبلغ الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة، ويعطيها نفوذاً وقوة في كل
مجال وفي كل ناحية. فإذا نظرنا إلى زيجات الرسول صلى
الله عليه وسلم من هذه الناحية نرى أنها أمر لابد منه وهكذا سنة النبيين جميعاً. |
|
وآخر دعوانا أن الحمد
للّه رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين.... |