|
|
|
الأمر
بإعداد القوة لمواجهة الأعداء |
|
للشيخ أبي بكر الجزائري |
|
رئيس قسم التفسير بالجامعة |
|
|
|
قوله تعالى: {وَأَعدُّوا لَهمُ مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَةٍ، وَمِن
رِبَاطِ اْلْخَيْلِ تُرهِبُونَ بهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ، وَآخرينَ مِن
دُونِهِم، لا تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ، وَمَا تُنفِقوُا مِن شيء فِي
سبِيل الله يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأنتمْ لاَ تُظْلَموَن} (الآية: 59: من سورة الأنفال). |
|
مناسبة الآية لما قبلها: |
|
لما أمر اللّه تعالى
رسوله والمؤمنين بقتال من كفر من اليهود ممن تكررت منهم الخيانة ونقضُ العهود،
ونهى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يظنوا أن الكافرين |
|
يُعجزون اللّه تعالى بأن
يُفْلتُوا من نقمته ويخلصوا من عذابه بأن لا يسلط عليهم رسوله والمؤمنين
فيقتلوهم ويأمروهم. ولما كان مضمون هذا النهي قد يشيع روح التواكل والقعود عن
القتال في نفوس المؤمنين أمر اللّه سبحانه وتعالى بإعداد القوة والإنفاق في سبيل
ذلك وواعد عليه بالجزاء الحسن في الدنيا والآخرة فقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمَ مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَةٍ}.
(الآية). |
|
وبذلك ظهرت المناسبة قوية بين الآيات السابقة واللاحقة. |
|
الغرض الذي سيقت له الآية الكريمة: |
|
إن الغرض الرئيسي الذي سيقت له هذه الآية الكريمة، هو
الأمر بطرح التواكل، وإعداد القوّة الكافية لقتال الكفار المحاربين للّه
ورسوله والمؤمنين، ولقطع مجرد التفكير في غزو المسلمين والاعتداء على حدود
بلادهم، وذلك لما يشاهدون من قوة المسلمين المتفوقة عليهم كمّية وكيفا، فإن من
السنن البشرية أن ضعف العدو يغري بغزوه وقتاله، كما أن قوة العدوّ تصرف حتى عن
مجرد التفكير في ذلك، فقد سبق أن قلت: أن السلم المسلح أفضل من السلم المجرد من
السلاح، فلولا تعادل القوة الحربية عند المعسكر الشيوعي البلشفي، والمعسكر الرأسمالي
الغربي لكانت الحرب العالمية الرابعة قد أعلنت وأتت على كل شيء من مظاهر هذه
الحضارة العفنة الهابطة. |
|
مباحث الألفاظ في الآية: |
|
1-
في القراءات: قرئ {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل}
بضم الراء والباء جمع رباط ككتاب وكُتُب. وقرئ {ترهّبون} بكسر الهاء وتشديدها من رهّبه إذا
أوقعه في الرهب الذي هو الخوف وشدته. |
|
2-
في النحو: {مِنْ
قُوَّةٍ} الجار والمجرور في محل نصب على الحال، وصاحب الحال إما
أن يكون الموصول {مَا} في قوله: {مَا
اسْتَطَعْتُم} أو يكون العائد
المحذوف أي ما استطعتموه وهو الضمير. وكذا جملة ترهبون
فقد يصح إعرابها حالاً، وصاحب الحال الفاعل في جملة وأعدوا، أي أعدوا لهم ما
استطعتم من قوة ومن رباط الخيل حال كونكم مرهبين به عدو اللّه وعدوكم. |
|
3-
في البلاغة: التنكير بالتنوين في لفظ {قُوَّةٍ} للإبهام والعموم وذلك من أجل أن يطلب
المسلمون كل أسباب القوة وأنواعها فلا يقصروها علَى نوع معين كالرماية مثلا، وإن
ورد فيها حديث عقبة بن عامر عند مسلم: "ألا إن
القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي". |
|
وأما التنكير
في قوله: {مِنْ شَيْءٍ} فهو للتقليل والتحقير بمعنى أن أي شيء ينفقه
المسلم في إعداد العدة للجهاد، أو ينفقه على رحم أو فقير ولو قل كدرهم، أو حَقُر
كحبل أو عصا لا يعدم المنفق أجره من اللّه عز وجل، ومضاعفاً أيضا الحسنة بعشر
أمثالها أو بسبعمائة إن كانت نفقة جهاد؛ للآية الكريمة {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ}. ( الآية ). |
|
شرح المفردات: |
|
{أَعدُّوا}: هيئوا وأحضروا وأرصدوا. |
|
{مَا اسْتَطَعْتُم}: ما قدرتم عليه بعد بَذْلِكم
الُجُهدَ فيه. |
|
{مِن قُوَةٍ}: من كل أنواع
القوة المادية من سلاح وكراع، ومعنوية من إيمان صادق وثقة في اللّه تعالى
كاملة، ووحدة صف، وطاعة قيادة، وخلق فاضل. |
|
{رِبَاطِ اْلْخَيْلِ}: الرباط قد يكون مصدر رابط
يرابط، إذ كل من العدوينِ يرابط لصاحبه وقد يكون جمع رَْبط ككتب وكتاب، وقد
يكون المراد به جماعة الخيل خمساً فأكثر. والخيل اسم
جنس يطلق على الذكر والأنثى، وأيها أفضل في الجهاد؟ الغالب
أن الذكر أفضل. |
|
{تُرهِبُونَ}: تخوفون بإيقاع الرهب
في النفوس. |
|
{عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ}: العدو لفظ يطلق على المفرد
والمثنى والجمع مذكراً ومؤنثا. |
|
عدو اللّه الكافر المحارب
للّه ورسوله والمؤمنين، وعدو المؤمنين هو عدو اللّه، وإنما ذكر من باب التهيج
والإثارة للمسلمين حتى يُعدوا العدة وُيوطّنوا أنفسهم للقتال. |
|
{مِن دُونِهِم}: من غيرهم أي من غير
كفار قريش واليهود. |
|
{لا تَعْلَمُونَهُمُ}: أي لا تعرفون من هم
من أعدائكم غير الظاهرين لكم كالمنافقين. |
|
{الله يَعْلَمُهُمْ}: لأنه تعالى بكل شيء عليم، وفي
إخباره تعالى بعلمه بهم ما يبعث المؤمنين على الجد في الإعداد والتحرز واليقظة، كما فيه ما يشير إلى كفاية اللّه تعالى
عباده المؤمنين كيد أعدائهم متى عملوا بطاعته. |
|
وَمَا
تُنفِقوُا مِن شيء فِي سبِيل الله يُوَفَّ إلَيْكُمْ: هذه الجملة شرطية وجوابها:
يوف إليكم أداة الشرط هي {مَا} وجملة
الشرط {تُنفِقُوا}، و{مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّه} متعلق بتنفقوا وجواب الشرط {يُوفَّ}،
وسبيل اللّه هنا هو الإعداد للجهاد، ويوف يؤده إليكم أجره وافيا غير منقوص. |
|
{وَأنتمْ لاَ تُظْلَموَن}: هذه جملة حالية
ومعناها أن أجوركم التي استوجبتموها بالإنفاق في سبيل اللّه سوف توفونها
كاملة حال كونكم غير مظلومين لخوف عدوكم ورهبته منكم فلا يظلمكم باعتداءٍ عليكم.
ولا منقوص الأجر والمثوبة ولا محرومين منهما لأن اللّه وعدكم ووعده تعالى حق وصدق. |
|
معنى الآية الكريمة: |
|
يأمر اللّه تعالى عباده المؤمنين
الموجودين ساعة نزول هذه الآية ومن يأتي من بعدهم إلى أن يقاتلوا الكفار ويأمرهم
بإعداد القوة أي بإحضارها وإرصادها لقتال عدوّ اللّه
وعدوهم وإرهابه بذلك، والقوة المأمور بإعدادها تكون حسيّة كأنواع السلاح
المختلفة، وآلات الحرب المتنوعة، وتكون معنوية كالإيمان القوي والثقة في نصر
اللّه تعالى، ووحدة الصف وطاعة القيادة، مع طاعة اللّه تعالى وطَاعة رسوله صلى
الله عليه وسلم من الثبات عند اللقاء وذكر اللّه تعالى بالقلب واللسان. |
|
كما يخبرهم تعالى بأن ذلك الإعداد للقوة من شأنه أن
يرهب أعداءهم، وينزل الرعب في قلوبهم فلا يفكرون في غزوهم ولا قتالهم، وسواء
في ذلك العدو الظاهر لهم المعروف عندهم، أو العدو الذي لا يعلمونه واللّه
يعلمه كالمنافقين المتربصين أو المجوس الحاقدين، أو اليهود الحاسدين. |
|
ولما كان إعداد القوة المطلوبة المبذول لها كلُّ ما في
استطاعة الأمة وقدرتها يتوقف في الجملة على المال إذ به يتم صنع السلاح أو
شراؤه، والمال لا مصدر له إلا جيوب المؤمنين وصناديقهم، وقد أنفقوا فعلا
وجمعوا المال وأعدوا به القوة الواجبة الإعداد |
|
أخبرهم تعالى بأنهم ما ينفقون من
شيء في سبيل اللّه لإعداد القوة أو لغيرها من سائر طرق الخير وسبل البر مما
يرفع من شأن أمة الإسلام ويكملها ويسعدها في الدنيا والآخرة يوفيهم أجره
مضاعفاً، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والحال أنهم لا يظلمون
بحرمانهم من أجر إنفاقهم، ولا ينقصه بل يوفونه كاملا مضاعفاً. |
|
ما في الآية من أحكام: |
|
اشتملت الآية على الأحكام الفقهية التالية: |
|
1- وجوب إعداد
القوة لقتال العدو أو إرهابه. |
|
2- وجوب
إنفاق المال لذلك. لتوقف القوة على المال. |
|
3- وجوب تعلّم فنون الحرب المختلفة وتعليمها لأفراد الأمة. |
|
4- وجوب صنع
السلاح وتطويره بحسب أحوال الأمم والشعوب. |
|
5- وجوب
الوحدة وجمع الكلمة ونصب الإمام وطاعته. |
|
إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو
واجب، ولا يتم جهاد ولا إعداد له إلا بما ذكر. |
|
وهذه الواجبات كفائية إذا وجدت
في الأمة وقام بها بعضها سقط هذا الواجب عن باقي الأمة. |
|
هداية الآية: |
|
قد اشتملت هذه الآية الكريمة على أنواع من الهدايات منها: |
|
1-
أمة الإسلام: أمة واحدة تتكافأ دماؤها، ويسعى بذمتها أدناها، وهي يَدٌ واحدة
على من سواها، دل على ذلك صيغة الجمع التي خاطبها اللّه تعالى بها في قوله:
وأعدوا، ترهبون، وما تنفقوا، يوف إليكم، وأنتم لا تظلمون. |
|
2-
السلام المسلح: إذ الأمر بإعداد القوة أمر بما يُرهب العدو ويخيفه وبذلك هو إما
أن يسلم أو يستسلم بدفع الجزية، أو يعاهد، ولا حرب ولا قتال مع كل ذلك وإنما هو
السلم والسلام. |
|
3- في قوله تعالى: ومن
رباط الخيل، وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي كما في حديث عقبة بن عامر
عند مسلم: "ألا إن القوة الرمي" قالها ثلاثا،
عَلَم من أعلام النّبُوّة المحمدية إذ تحضير الدبابات والطائرات، قاذفات
القنابل والصواريخ هي اليوم أنكى سلاح وأقواه أثراً في الحروب وقد أْشير إليه في
الآية والحديث الشريف بصراحة ووضوح. |
|
4-
في وعد الله تعالى المنفقين بتوفية أجورهم كاملة غير
منقوصة ما يساعد المؤمن على الإنفاق والبذل والعطاء في سبيل اللّه تعالى، وبذلك
تقوى أمة الإسلام وتعز. |