طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رسائل لم يحملها البريد

الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

أستاذ مساعد بكلية الشريعة

 

 

أختي العزيزة هل:

في رسائلي التسع السابقة كان حديثي إليك عن همزة الاستفهام الداخلة على ((لم)) النافية الجازمة للفعل المضارع، وقد انتهى ذلك الحديث واكتمل، أما في رسالتي العاشرة هذه فسوف أحدثك عن شيء جديد هو حالي مع لا النافية للفعل المضارع.

لقد جئت أنا همزة الاستفهام مع لا النافية هذه على صور متعددة وصيغ مختلفة كان أكثرها ورودا {أَفَلا تَعْقِلُونَ}، فقد جاءت هذه الصيغة في أربع عشرة آية من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى قوله تعالى {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} الآية (44) من سورة البقرة.

وقد نزلت هذه الآية في أحبار اليهود من زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا يأمرون الناس بطاعة اللّه وعمل الخير واتباع ما جاء في التوراة – وفيها صفة الرسول صلى الله عليه وسلم والأمر بتصديقه- ثم هم لا يتبعون ما جاء فيها، مع أنهم يقرءونها ويعلمون ما اشتملت عليه.

وفي هذه الآية ينكر اللّه سبحانه وتعالى على أولئك الأحبار ويوبخهم وينعى عليهم أن يجمعوا بين هاتين الحالتين: أن يأمروا الناس بالبر وأن يتركوا هم أنفسهم فعله، مع أنهم يتلون التوراة وفيها النهي عن هذا الوصف الذميم، غير أن معنى الإنكار والتوبيخ عام يشمل كل ما يسلك سبيل أولئك الأحبار فيخالف عمله قولَه: يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويأتيه.

وقد ختمت هذه الآية بقوله تعالى {أَفَلا تَعْقِلُونَ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، يخاطب اللّه سبحانه وتعالى به أحبار اليهود أولئك، وينكر عليهم انتفاء العقل عنهم وقبح إدراكهم وسوء تفكيرهم، ويوبخهم على ذلك ويقرع، إذ لو كان فيهم إدراك سليم وفهم مستقيم لمنعهم ذلك من قبح ما ارتكبوه من أمر غيرهم بالبر وإمساك أنفسهم عنه، فحالهم هذه حال من سلب عقله، لأن العاقل يسعى أولا إلى تحصيل الخير لنفسه، ثم بعد ذلك إلى تحصيل الخير لغيره.

الآية الثانية قوله تعالى {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} الآية (76) من سورة البقرة.

تبين هذه الآية الكريمة أن منافقي اليهود في المدينة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون للذين آمنوا إذا لاقوهم قد آمنا بما آمنتم به، ويذكرون لهم أن سبب إيمانهم ما وجدوه في التوراة من نعت النبي صلى الله عليه وسلم والتبشير به، وإذا خلا اليهود بعضهم إلى بعض بعيدا عن المؤمنين أخذ الفريق الذي لم يؤمن ولم ينافق ينكر على الفريق الآخر المنافق أن يحدثوا المؤمنين بأن التوراة قد ذكرت صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبشرت به، لأن عاقبة ذلك أن يكون للمؤمنين في هذا الحديث حجة عليهم عند ربهم، ثم يختمون إنكارهم قائلين لهم: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكرون عليهم عدم التعقل ويوبخونهم على غروب الفهم السليم عنهم فيما يزعمون، ويقرعونهم على انتفاء الإدراك القويم فيما يظنون، إذ لو كان لديهم بصر في الأمور وحسن إدراك للعواقب ما حدثوا ذلك الحديث الذي يكون حجة للمؤمنين على المنافقين عند اللّه يوم يقول الحساب.

الآية الثالثة قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} الآية (65) من سورة آل عمران.

جاء في تفسير ابن كثير: (ج 1 ص 372): عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل اللّه تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ}... الآية. أي كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديا وقد كان زمنه قبل أن ينزل اللّه التوراة على موسى، وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيا وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر، ولهذا قال: {أَفَلا تَعْقِلُونَ}. اه ما جاء في تفسير ابن كثير.

فهذا الاستفهام {أَفَلا تَعْقِلُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر اللّه سبحانه وتعالى على أولئك اليهود والنصارى ادعاء كل منهم أن إبراهيم عليه السلام كان على شريعته، والحال أن شريعتيهما متأخرتان عنه في الوجود، فكيف يكون إبراهيم على إحداهما مع تقدمه عليهما.

وهو أيضا استفهام توبيخ على ذلك الادعاء، لأنه ادعاء من لا يعقل، إذ أن العقل يمنع من ذلك لاستحالته، فما هو إلا غلط وخلط ومكابرة.

الآية الرابعة قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} الآية (32) من سورة الأنعام

{أَفَلا تَعْقِلُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر اللّه جل وعلا على المكذبين بالبعث القائلين {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} ويوبخهم على انتفاء العقل عنهم وعدم التدبر والتفكير في حال الدنيا وحال الآخرة:

في أن الحياة الدنيا لعب ولهو، ليس لها نفع يدوم، وليس من ورائها طائل، فالانصراف إلى اللعب واللهو فيها اشتغال بما لا غنى فيه ولا فائدة من ورائه.

وفي أن الحياة الآخرة هي خير للذين يتقون اللّه بطاعته واجتناب معاصيه، فالآخرة هي التي تدوم وتبقى، لا يدركها فناء ولا موت، فالاشتغال بأعمالها والانصراف إلى ما ينفع فيها هو ما يقتضيه العقل السليم والنظر الثاقب.

الآية الخامسة في قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} الآيتان (168-169) من سورة الأعراف.

تقدم ما تضمنته هاتان الآيتان الكريمتان في الرسالة التاسعة عند بيان معنى الاستفهام في قوله تعالى {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ}... الآية.

أما الاستفهام الذي جاء في قوله تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} فهو استفهام إنكار وتوبيخ لهؤلاء الخلف من اليهود الذين ورثوا التوراة عن أسلافهم يأخذون العرض الأدنى والرشا الخسيسة على أحكامهم المخالفة لما جاء في التوراة ويقولون سيغفر لنا اللّه. إنكار وتوبيخ لهم أن لم يدركوا أن ما عند اللّه في الدار الآخرة خير للذين يتقون ربهم فيحكمون بين الناس بالعدل، خير لهم من هذا العوض الأدنى والرشا الخسيسة التي يستعجلونها في هذه الدنيا بالحكم على خلاف ما أمر اللّه، والقضاء بين الناس بالكذب المفترى على التوراة.

الآية السادسة في قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (16) الآيتان (15) (16) من سورة يونس.

   تتضمن الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن كفار قريش الذين لا يؤمنون بالبعث كانوا يقولون للرسول صلى اللّه عليه وسلم حين يتلو عليهم آيات من القرآن واضحات نيرات ليس فيها لبس ولا غموض، كانوا يقولون له ائت بقرآن غير هذا القرآن الذي تتلوه علينا أو بدل بعض آياته وغير من أنماطه، فيقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم لا أستطيع أن أفعل ذلك من قبل نفسي، فأنا لا أتبع إلا ما يوحى إلي من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل ولا تحريف ولا افتراء، أنا عبدٌ مأمورٌ مبلغٌ، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. وفي الآية الثانية أمر اللّه عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الكفار محتجا عليهم موبخا لهم: لو شاء ربي ما تلوت هذا القرآن عليكم ولا أعلمكم به على لساني، فأنا أتلوه عليكم بمشيئته تعالى، فما هذا التكذيب الذي تكذبون، لقد لبثت فيكم من قبل هذا أربعين سنة أو تزيد، تشهدون لي بالأمانة والصدق، لم تأخذوا علي نقيصة ولا غمصاً، فكيف أصبح فجأة كاذبا على اللّه بهذا القرآن. لقد ضاعت عقولكم، وسقم فهمكم، وساء تفكيركم، وضل عنكم الهدى والرأي أيها المكذبون.

فالاستفهام في قوله تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر اللّه سبحانه وتعالى على أولئك المشركين ويوبخهم على أن لم يعقلوا أن من لبث فيهم عمراً طويلا لم يأخذوا عليه نقيصة، ولم يرتكب فيهم إثما، ولم يأت شيئا من هذا اللهو والعبث لا يمكن بعد هذا أن يفتري على اللّه الكذب، وأن يدعي أنه رسول، وأن يجيئ بهذا القرآن العظيم من عنده.

الآية السابعة في قوله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ}. (51)- الآيتان (50- 51) من سورة هود.

{أَفَلا تَعْقِلُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر هودٌ عليه السلام على قومه ويوبخهم أن لا يعقلوا أن من ينصح قومه وهم أقرب الناس إليه لا يبتغي من وراء ذلك أجرا منهم، وإنما يبتغي ثوابا من عند اللّه الذي خلقه - ينبغي أن يصدقوه حين ينصح لهم أن ينبذوا الأصنام، وأن يستجيبوا إلى ما يدعوهم إليه من عبادة اللّه وحده، وأن يؤمنوا بأنه رسوله اللّه إليهم.

الآية الثامنة قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ}. الآية (109) من سورة الكهف.

تتضمن هذه الآية الكريمة: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى، فلم يكونوا نساء ولا ملائكة ولا أعرابا، فإرسالنا إياك ليس بدعا بين الرسل. ثم ينكر اللّه سبحانه وتعالى على المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم ويوبخهم على أن لم يسيروا في الأرض فينظروا الدمار والهلاك والعذاب الذي حل بالأمم التي كذبت الرسل، فيعتبروا ويؤمنوا وينالوا بإيمانهم نعيم الآخرة الذي هو خير وأبقى.

وفي ختام هذه الآية يقول جل وعلا {أَفَلا تَعْقِلُونَ}، وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر اللّه سبحانه وتعالى على أولئك المكذبين ويوبخهم على أن لم يكن لهم عقول تتدبر وتفكر، وتنظر في عواقب الأمور وتبصر، فترى كيف كان عاقبة المكذبين بالرسل من قبل، فتؤمن بدل أن تكفر، وتصدق برسول اللّه صلى الله عليه وسلم بدل أن تكذب هذا التكذيب القائم على الجهل والعناد وسوء الفهم وضياع العقل السليم.

الآية التاسعة قوله تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} الآية (10) من سورة الأنبياء.

{أَفَلا تَعْقِلُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر اللّه سبحانه وتعالى على كفار قريش ويوبخهم على إغفالهم التعقل والتفكر وتركهم النظر والتدبر فيما جاء في هذا القرآن العظيم الذي أنزله جل وعلا إليهم وفيه موعظة وتذكرة لهم.

الآية العاشرة في قوله تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}. (67) الآيتان: (66- 67) من سورة الأنبياء.

تتضمن هاتان الآيتان الكريمتان أن إبراهيم عليه السلام قال لقومه الذين يعبدون الأصنام موبخا لهم: أتعبدون أصناما لا تستطيع أن تأتي بشيء من الخير، ولا تستطيع أن تدفع عن نفسها ولا عنكم شيئا من الضر، وتتركون عبادة اللّه القادر على كل شيء؟!. ثم أظهر تضجره منهم ومن أصنامهم فقال: قبحاً لكم ولهذه الأصنام التي تعبدونها من دون اللّه، وختم قوله بهذا الاستفهام {أَفَلا تَعْقِلُونَ}، وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر عليهم ويوبخهم ألا يعقلوا ويفهموا قبح ما يفعلون، قبح عبادة أصنام لا تعقل ولا تملك القدرة على القول، ولا تستطيع أن تجلب لهم أو لنفسها الخير، ولا أن تدفع عن نفسها أو عنهم الشر، وقبح ترك عبادة الخالق الرازق القادر على كل شيء.

الآية الحادية عشرة في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}. الآيات (78- 80) من سورة المؤمنون.

تتضمن هذه الآيات الكريمة الثلاث أن اللّه جل وعلا قد أنشأ للناس السمع والأبصار والأفئدة، وجعل فيها من المنافع الدينية والدنيوية ما يفوق العدّ والوصف، فهي من أعظم النعم التي أنعمها اللّه تعالى على عباده، فكان حقاً عليهم أن يُعملوا هذه الأعضاء فيما خلقها اللّه جل وعلا من أجله، فيسمعوا آياته التي تسمع، ويبصروا آياته التي تبصر، ويستدلوا بقلوبهم على أن الذي خلق هذه الآيات كلها واحد لا شريك له، فيشكروا له عز وجل هذه النعم ومن شكر النعم الإقرار بالمنعم بها ونفي الند والشريك له، ولكن الناس قليلا ما يشكرون اللّه تعالى وهو الذي خلقهم في هذه الأرض وبثهم فيها وإليه يرجعون ليجازيهم على أعمالهم، وهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي جعل الليل والنهار يتعاقبان في دقة وإحكام، ويختلفان على تقدير وانتظام، وفي ذلك عبرة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا. وفي ختام هذه الآيات قال تعالى {أَفَلا تَعْقِلُونَ}، وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر اللّه سبحانه وتعالى على هؤلاء الناس الذين لا يؤمنون، ينكر عليهم ألا يكون عندهم عقل يفكر وينظر ويستبصر وقلب يفقه، ويوبخهم على أن لم يتدبروا آيات اللّه التي يسمعون، وآياته التي يبصرون، ومنها آية الليل ليسكنوا فيه وآية النهار المبصر ليبتغوا فيه من فضله، يتعاقبان بدقة ويختلفان بانتظام، ويتواليان بحساب فلا خلل ولا اضطراب، يوبخهم على أن لم يتدبروا ذلك فيدركوا أن اللّه الذي خلق هذه الآيات وهو الذي يحيي ويميت هو الواحد الذي لا شريك له، وهو القادر على أن يعيد الحياة مرة ثانية إلى من أماته بعد إحيائه أول مرة.

الآية الثانية عشرة قوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ}. الآية (60) من سورة القصص.

تتضمن هذه الآية الكريمة أن ما تعطَونه أيها الناس من أشياء حسنة طيبة تفرحون بها وتستمتعون، وأشياء جميلة تتخذونها زينة لكم تتباهون بها وتفخرون، أمدها قليل لا يطول ولا يعمر وسرعان ما تولي وتدبر.

أما ما عند اللّه من الثواب الذي أعده لعباده المؤمنين فهو الدائم الباقي لا يفنى ولا يندثر.

وقوله تعالى في ختام هذه الآية {أَفَلا تَعْقِلُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ:

ينكر عليهم ويوبخهم أن لم يعقلوا ويدركوا أن نعيم الآخرة الذي لا انقضاء له ولا فوت، ولا فناء معه ولا موت، خير لهم من طيبات هذه الحياة الدنيا وزينتها، تلك التي لا تدوم لهم ولا يدومون لها، فأين العقول السليمة التي تحسن الاختيار، فتؤثر نعيم دار القرار على نعيم دار الزوال.

الآية الثالثة عشرة في قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلا يَرْجِعُونَ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ}. الآيات (66- 68) من سورة ياسين. تتضمن هذه الآيات الكريمة الثلاث أن اللّه سبحانه وتعالى لو يشاء أن يعمي الكافرين جزاء كفرهم لأعماهم فما استطاعوا أن يبصروا الطريق الذي يريدون ولا الجهة التي يسلكون.

ولو يشاء أن يقعدهم في مساكنهم وأن يفقدهم قواهم في منازلهم جزاء كفرهم لفعل، فما استطاعوا ذهابا إلى أمام ولا رجوعاً إلى خلف، ولكنه سبحانه وتعالى لم يشأ أن يطمس على أعينهم ولا أن يمسخهم على مكانتهم رحمة منه تعالى بهم وإمهالا لهم.

وتتضمن أيضا أن كل من يطيل اللّه عمره ينكسه في الخلق فيرده بعد أن بلغ أشده إلى حال شبيهة بحال الطفولة في ضعف البنية وقلة التمييز والإدراك فلا يعلم من بعد علم شيئا.

وفي ختام الآية الثالثة قال تعالى{أَفَلا يَعْقِلُونَ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ:

ينكر اللّه سبحانه وتعالى على هؤلاء الكافرين ويوبخهم أن لم يعقلوا ويدركوا أن اللّه القادر على أن ينكس المعمر في الخلق قادر – لو يشاء - أن يطمس على أعينهم وأن يمسخهم على مكانتهم جزاء كفرهم، فاللّه على كل شيء قدير.

الآية الرابعة عشرة في قوله تعالى: {وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}. الآيات (133-138) من سورة الصافات.

قوله تعالى {أَفَلا تَعْقِلُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ:

ينكر اللّه سبحانه وتعالى على كفار مكة ويوبخهم أن يغرب عنهم العقل وأن يغيب عنهم التدبر والتفكير وإنهم ليمرون على ديار قوم لوط ليلا ونهارا وهم في طريقهم إلى الشام للتجارة، فلا يعتبرون بتدمير تلك الديار على أهلها قوم لوط جزاء كفرهم وتكذيبهم رسولهم، وانغماسهم في المعاصي الخبيثة التي كانوا يفعلون.

أختي العزيزة هل:

أكتفي بهذا الذي كتبت من هذه الرسالة، وأسأله تعالى أن يعين على رسالة قادمة يكون فيها الخير والنفع والسداد.

والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته.

 

 

أختك: 

 

همزة الاستفهام.

 

المراجع

1 - البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي- الناشر: مكتبة ومطابع النصر الحديثة بالرياض ج 1ص 182/ ج 1ص 272/ ج 2 ص 484/ ج 4 ص 108/ ج 4 ص 417/ ج 5ص 131/ ج 5ص 232/ ج5 ص352/ ج 6 ص 299/ ج 6 ص 336/ ج6 ص417/ ج7 ص 127/ج7 ص 345/ج7 ص 374/

2 - تفسير أبي جعفر بن جرير الطبري- الناشر: شركة الحلبي بمصر- الطبعة الثالثة: ج1 ص 258/ج1 ص372/ ج3 ص304/ ج7 ص 180/ ج9 ص 107/ ج11 ص 95/ ج12 ص 57/ ج13 ص80/ ج17 ص 42/ ج18 ص 46/ج20 ص 96/ ج23 ص 25/ ج23 ص 97/.

3 - تفسير أبي السعود - الناشر: مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد- القاهرة: ج1 ص 97/ ج1 ص117/ ج3 ص 125/ ج3 ص 228/ ج4 ص 128/ ج 4 ص 404/ ج 6 ص 76/ ج 6 ص146 / ج 7 ص20/ ج 7 ص 177/ ج 7 ص 205/.

4 - الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين -الناشر: الحلبي بمصر: ج1 ص 47/ ج 1 ص 68/ ج 2 ص 22/ ج 2 ص 206/ ج 2 ص 338/ ج2 ص 487/ ج3 ص 121/ ج3 ص 146/ ج3 ص 552/.

5 - تفسير ابن كثير- الناشر: الحلبي بمصر: ج1 ص372/ ج2 ص260/ ج2 ص338/ ج3 ص251/ ج4 ص20/.

6 - تفسير الكشاف للزمخشري- الناشر: الحلبي بمصر: ج1 ص 277/ ج2 ص 275/ ج3 ص40/ ج3 ص329/.