طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الملك عبد العزيز آل سعود

بين نصره لله ونصر الله له

للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل

المدرس بالمعهد الثانوي التابع للجامعة

 

 

إن المتتبع لسيرة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود رحمهم اللّه ليلمس أن توفيق الله العلي القدير كان دائما يلازمه، ولم يكن نصره سبحانه وتعالى، وتأييده له، وعنايته به، إلا لنشره دعوته، ولتثبيت عقيدته، وأي دعوة أحب إلى اللّه جل وعلا، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم من إعلاء شأن الدين والتمسك بكتابه الكريم، والسنة الشريفة، وأي عقيدة أسمى من عقيدة التوحيد، التي سار عليها الملك عبد العزيز في كل حياته، حتى أفناها في سبيل ذلك.

قال رحمه الله:

"إنني والله لا أحب إلا من أحب الله حبا خالصا من الشرك والبدع، وأنا واللّه لا أعمل إلا لأجل ذلك، ولا يهمني أن كون ملكا أو فقيراً".

وقال أيضا:

"واللّه ثم واللّه إني لأفضل أن أكون على رأس جبل، آكل من عشب الأرض وأعبد الله وحده من أن كون ملكا على سائر الدنيا وما فيها"[1] .

ونصر اللّه وتأييده لا يكونان لذات شخص، ولا لإظهار إنسان؛ فكم من قادة وأبطال ملكوا كل مقومات الحرب، والقتال من قوة وعتاد، وشجاعة وبسالة، لم تلحظهم عناية اللّه، لأن ما قاموا به لم يكن لنصرة اللّه، ولا لتثبيت كلمته، ولا للدعوة إلى دينه، وإنما لإشباع رغبة، ولإظهار شخصية، ولتحقيق هدف دنيوي، فارتدت إليهم سهامهم فخارت قواهم من حيث لا يدرون، ولا يعرفون لذلك سببا، ولم يعرفوا الاستقرار، والاطمئنان والهدوء، ومنوا بالهزيمة والخذلان:

وإذا العناية لاحظتك عيونها

نم فالمخاوف كلهن أمان

فنصر اللّه وعنايته إذا لاحظت إنسانا أو مجتمعا، فليس في حاجة إلى القوة الزائدة، وليس في حاجة إلى كثرة العدد والمعدات، وإنما هو في حاجة إلى إيمان عميق، وقرب منه سبحانه وتعالى بالدعاء والتضرع، والإخلاص لوجهه الكريم، ثم بعد ذلك الاستعداد والأخذ بالأسباب.

وما أرى الملك عبد العزيز إلا قد أخذ بكل هذه الأسباب، فكم من موقعة دخلها، ومن معركة خاضها، وكان العدو الذي أمامه أكثر عدة، وسلاحا ونفرا، ولكن نصر اللّه كان معه، فتنهى المعارك بالتأييد والغلبة. {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 10).

ولعلنا نذكر دائما تلك الحفنة من التراب التي أخذها الرسول صلى الله عليه وسلم من الأرض، ثم رمى بها القوم، حينما أراد الهجرة من مكة إلى المدينة، وقد تجمعوا حول بيته طوال الليل، ينتظرون خروجه لقتله، وقد كانوا مدججين بالسلاح، في جمع غفير من مشركي أهل مكة، تجمعوا على الباطل، وعلى إطفاء كلمة اللّه، فلم تغن عنهم أعدادهم، ولا وفرة ما كان معهم من وسائل القوة، وكأنما حفنة التراب هذه، كانت محملة بمادة كيماوية، تنشر سحابة ضبابية، تحجب الرؤية عندما تتدخل المقادير، فتمنع النور أن يصل إلى الأبصار. {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} (يس:9).

ولحفنة التراب موقعة أخرى، ورمية ثانية، وكأن اللّه سبحانه وتعالى يريد أن يؤكد لنا أن نصره لعباده المخلصين لا يكون بما يقدمون، ويستطيعون من قوة، ومن رباط الخيل وحده، وإنما النصر والفوز من عنده سبحانه وتعالى؛ فنحن ما نزال نقرأ ونسمع ونلتمس العلل والأسباب، ونذكر يوم بدر والرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يدعو اللّه، ويتضرع إليه، ثم يسجد لربه جل وعلا، ويطيل السجود، ثم يرفع بصره إلى السماء، وقد رمى صلى الله عليه وسلم القوم بحفنة من التراب وقال:

"شاهت الوجوه"[2]

ثم يستمر في تضرعه ومناجاته قائلا:

"اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة، لا تُعْبد في الأرض بعد"[3] .

ولقد مَنّ اللّه على عبده ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم بالنصر على أعدائه، مع الفارق الكبير في العتاد والعدة، فكان هذا تأييدا منه سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله

عليه وسلم الذي يدعو إلى سبيله، وينشر دعوته، ويجاهد لتكون كلمة اللّه هي العليا.

يقول عز من قائل:

{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال: 17).

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. (الأنفال: 9-10).

{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} (الأنفال: 13).

وليست عناية اللّه، ونصره سبحانه وتعالى، خاصين بزمن الرسول صلى الله عليه وسلم بل هما لكل زمان ومكان، ولكن من يدعو إلى اللّه، وإلى كل من تمسك بدينه القويم، وشريعته الغراء إلى يوم القيامة: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة: 22).

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ. وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. (فصلت: 35-33).

وإن الملائكة على استعداد للقتال في صفوف الداعين إلى اللّه المخلصين لدعوته، والمتمسكين بشريعته، إلى أن تقوم الساعة، إذا استغاث باللّه داع إلى سبيله، ومتبع لشريعته، ومنفذ لأحكام كتابه، وسنة نبيه.

{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 62).

ولقد قال الذين رأوا الملك عبد العزيز، عقب كل معركة ينصره اللّه فيها، أو عندما يأتيه خبر نصر، وتأييد له من اللّه في مكان ما، إنه كان يخرّ ساجدا للّه، شاكراً له حسن تأييده، ورعايته له بما أولاه من نعمة الانتصار، وكثيرا ما كانت دموع الفضل والعرفان بما مَنّ اللّه عليه مِن كرمه، تنهمر من عينيه رحمه اللّه.

لا يصلح كل شخص لأن يقوم بمهمة فينجح في أدائها، ويوفيها حقها، إلا إذا كان خليقا بأن يتحمل متاعبها وآلامها، ثم إنه لا يستطيع أن يتحمل أعباءها إلا إذا كان عنده قدرة فائقة، يتفوق بها على أقرانه والمناوئين له.

لقد أعطى اللّه الإمام عبد العزيز آل سعود العقل الراجح والذهن الثاقب، وهيأه لدعوته سبحانه وتعالى، فعمل على نشر التوحيد وإقامة الحدود، ودعا إلى أخوة الإسلام وإلى الجهاد في سبيل اللّه، فاستطاع أن يوحد البلاد تحت راية الإسلام، وأن يجمع المسلمين على التضحية والفداء، حتى استقرت الأمور في هذه البلاد.

قال الملك فيصل رحمه الله:

"وما أحسب أن شبه الجزيرة العربية رأت من وحدها، ولمّ شتاتها إلا في الزمان الأول من تاريخنا الإسلامي، ومن أعاد إليها الأمن والنظام تحت راية الإسلام الخالدة، فنفذ شريعته الغراء، وأقام حدوده وقوانينه فيها، وكانت من قبل بقاعاً تسودها الفوضى، ويهددها الخوف في طرقاتها وأرجائها، وتتألف من مقاطعات، وإمارات شتى، في مساحات واسعة إلا الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله"[4].

لقد حمل مشعل النور والهداية التي دعا إليها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه اللّه - وهي الدعوة الصحيحة التي كان عليها الأوائل من الصحابة والتابعين –رضي اللّه عنهم أجمعين- والتي دعا إليها الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ثم حملها الشيخ لآل سعود، وجعل منهم القادة والأئمة، فأخلصوا للّه سبحانه وتعالى، وبنوا المُلك له جل وعلا، وجاهدوا، وصابروا، وصبروا، فكانوا بين الجهاد المستميت، والتمسك بعقيدة التوحيد، والتفاني في سبيلها، وثبتوا أمام الطغاة، والجاهلين بأمر الدين الصحيح، والمؤلبين عليهم الدول والأمصار، فلم يهنوا، ولم يضعفوا، واستشهدوا في ساحات الجهاد هنا وهناك، بعيدا عن بلادهم وأوطانهم، وصمدوا للفتن والخلافات التي كثيرا ما أثارها الأعداء والحاقدون.

وقفوا أمام الصليبية العالمية التي يقض مضجعها دعوةُ الإسلام الصحيحة، والتي يرون فيها توحيد صفوف المسلمين، وتأليف قلوبهم، ووعيا صادقا لدينهم.

قال الدكتور/ مصطفى الحفناوي: يوضح لنا دور فرنسا، التي كانت تتزعم دائما الدور الصليبي في الشرق، والتي كانت تتولى دور إضعاف الدين الصحيح، حتى لا يتحد المسلمون، فهي ترى في اتحادهم على الطريق المستقيم قوة، لا يمكن لأي قوة دنيوية أن تقف أمامها، فبدأت في محاولة تأليب الباب العالي بتركيا على دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه اللّه -.

 

قال الدكتور/ الحفناوي:

"عثرت أثناء بحثي بملفات وزارة الخارجية الفرنسية، حين كنت مستشارا صحفيا بها، على مكاتبات متبادلة بين الوزارة وسفرائها في الشرق أثناء الحملة الفرنسية على مصر، وعلى وثائق تلقي الضوء على شدة اهتمام فرنسا بل أوربا جميعها بأمر محمد بن عبد الوهاب داعية الجزيرة العربية، ومحاولة تأليب الباب العالي عليه، للتقليل من شأن دعوته، التي كان يقوم بها حينئذ لجمع العالم الإسلامي، وتكتله مرة ثانية ضد الحروب الصليبية، التي بدأت تشنها بزعامة فرنسا لغزو الشرق الإسلامي مبتدئة بمصر"[5] .

لقد استجاب لهم الباب العالي بتركيا، من غير وعي أو تفكير، فأرسلت الجيوش تلو الجيوش، واجتمعت الفئة الضالة والجاهلة بأمر هذا الدين الحنيف، فقتلت وخربت، وأفسدت، لكن اللّه ردهم مدحورين منهزمين، وبقيت كلمة اللّه تسري في طريق النور، تتحدى الظلام والانقسامات والخلافات، حتى حمل لواءها الرجل الصالح الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود -رحمهما اللّه- فقد جاهد وكافح وسط فتن وخلافات، وابتلاء واختبار، ثم دفعه رحمه اللّه إلى ابنه الشاب عبد العزيز، الذي كان على موعد مع القدر، كي ينفذ أمر اللّه سبحانه وتعالى.

كانت مقومات الملك عبد العزيز آل سعود فريدة، فقد خصه اللّه بصفات نادرة، حتى يستطيع أن يقوم بدوره فيجاهد، ويكافح لتكون كلمة اللّه هي العليا، كما أرادها اللّه، لا كما يريدها أصحاب الغايات، للوصول بها إلى حكم، ليحققوا من ورائها ما يريدون، ويستحلوا به سلطانا، يجدون فيه متعة، ورغبات دنيوية فانية.

هذه الصفات منها ما هي خِلْقِيّةٍ، ومنها ما هي خُلُقيّة:

أما الصفات الخِلْقيّة: فلقد كان - رحمه اللّه - طويلا بائن الطول، قالوا عنه: يبلغ ستة أقدام وأربع بوصات، مفتول الساعد، شديد العصب، متين البناء، ضخم الجسم، رأسه كبير يناسب هذا البناء الشامخ، خفيف العارضين، عريض المنكبين، رحب الذراع، ولهذا الجسم من القدرة الفائقة على التحمل الشيء الكثير، فقد بلغ من القوة الجسمية مبلغا عظيما.

قال فيه صاحب كتاب صقر الجزيرة:

إذا وقف المرء تجاهه، شعر بضآلته تجاه جسمه الصلب الوثيق الفارع، وإذا نظر إلى وجهه، زادته هيبة غير راعبة عن التحديق فيه، فيختلس النظر إليه، يتملى محياه الباسم، وطلعته القوية البارزة، وتفيض مهابته على مجلسه، فلا يطيق أحد الكلام إلا إذا مدّ له حبل تواضعه وسماحته، بل إن بعض من يحضرون للسلام عليه، يفاجأون بمهابته، فما يستطيعون النطق بحرف، فيبسم لهم، ويهدئ منهم، ويستدرجهم إلى البوح بما في أنفسهم، ويدنو إليهم، ويسألهم عن حالهم، حتى يتكلموا، ويشعروا كأنهم بمحضر صديق أو أب رحيم، ويفارقونه، وما يزال في نفوسهم رنين صوته العذب، وذكريات عن تواضعه، وسماحة نفسه، ورجاحة عقله، وصفاء قلبه، وحسن نيته، وطيب سريرته[6].

وتلك- لعمري- صفات العبقرية.

ولقد قالوا في تحمل هذا الجسم الشامخ ما وقع في وقعة (كنزان): فقد هاجمه الأعداء في الليل، وانهزم جنده، فرجع معهم، وفي أثناء سيره لحق به اثنان من خدم أخيه سعد، كانا مرافقين لأخيه، فسأل عن أخيه فقيل: قتل!!

فقال: سعد لم يقتل... أصيب، وترك... وأنا يجب أن أرجع إليه.

فقالوا له:

إن الأعداء كانوا قابضين على زمام فرسه وقتلوه...

ولكنه عاد، ولما عرف الأعداء شخصية سعد، قالوا: عبد العزيز لن يترك سعدا، وسوف يعود إليه، فتركوه ملقى على أرض المعركة، وكمنوا حواليه، ينتظرون قدوم عبد العزيز.

فلما رأى بياض سعد في الليل، نزل عن فرسه، وحمله، وصار يقبله، فأطلقوا النار عليه، فأصاب الرصاص حزامه المملوء بالرصاص حول وسطه، فانفجرت أربع أو خمس رصاصات منها، وشقت بطنه، شقا تدلت منه أمعاؤه، فأسرع إلى ربطها بعمامته، ولما عاد إلى خيمته طلب قماشا وشاشا، ولما فك الحزام، وجد أن الجرح مفتوح حوالي 15 سنتيمترا، وكان الشحم على الأمعاء، فأعيدت الأمعاء والشحم، وربط الشاش على الإصابة، ولو كان جسمه عاديا ما تحمل كل هذه الطلقات، ولأثرت فيه تأثيرا كبيرا، ولكنه تحَمل لقوته، ومناعة جسمه، وكان كلما سئل عما أصابه أجاب قائلا: إن الإصابة بسيطة في جلد الفخذ، حتى لا يضعف من الروح المعنوية في جنده.

ولقد قالوا: إنه خطب في تلك الليلة امرأة من الأحساء وتزوج... ولم يكن ذلك رغبة في الزواج، ولكن لإيهام أعوانه أن إصابتة خفيفة[7].

وقالوا: إنه لكز جملا له في بعض غزواته- وهو في سن العشرين- فركض الجمل، ووقع رحمه اللّه على الأرض في الزحام، فوطئته جمال رجاله، ولكنه استطاع أن يركب، ويحارب في اليوم الثاني عدوا جبارا يفوقه أضعافا في الرجال والعتاد.

وقفز مرة على ظهر فرس له، وكان ثائرا غاضبا، فأثر فيه تأثيرا كبيرا، ولقد أعطاه اللّه ساعدين قويين لا يكلان، زادهما المران قوة، فقد تدوم المعركة ساعات متواليات، ويده فيها تتحرك، فتلقي بالأعداء، تصيب هذا، وتعجز ذاك، ويفرمن أمامه الجبان والشجاع على السواء، وهو بطول قامته ماشيا، أو راكبا.

ومما تفرد به الملك عبد العزيز، وما لا نسمع بمثله إلا عن قليل ممن أعطوا قوة الجسم، وتحمله فوق المعتاد، أنه لا يحتاج للنوم كما يظهر كثيرا، ولا ينام إلا حين لا يرى أحدا غيره ساهرا، وإذا نام، فلا ينام إلا ثلاث أو أربع ساعات، ولو خير لجلس الليل كله، يتحدث إلى أحد رجاله، من الذين يروق له حديثهم، وتلذ له عشرتهم.

وتلك – لعمري - صفات العبقرية.

أما الصفات الخُلقية: فقد تجمعت فيه كل الصفات الكريمة، التي تعارف عليها الناس، فنراها متأصلة فيه، ومكتملة بلا حدود، ولقد برّز فيها، وفاق الخاصة والعامة، وأصبحت وكأنها عَلَمٌ عليه وحده لأنها نابعة من وجدانه وقلبه، ومن ذكائه النادر، لقد كان فريدا في كل ما كان يقوم به، وقد استفاد مما لاقاه في صغره، وقد ترك عاصمة ملك آبائه وأجداده، واتجه إلى الصحراء القاتلة متحملا شظف العيش، وقسوة الأيام، يتنقل من مكان إلى مكان، إلى أن وصل إلى الكويت، وهناك كانت العبرة والعظة.

ولقد ترك فيه أعظم الأثر الروح الدينية العالية، والعقيدة الصافية الصحيحة، التي آلت إلى الإمام الوالد - رحمه اللّه - وهي التي توارثها عن الأجداد، وعض عليها بالنواجذ، وأسلمها إلى ابنه عبد العزيز الذي توسم فيه الخير، فعاهد اللّه على الحفاظ عليها، وبناء الدولة من أجلها، وظلت تنبع من كوامنه، وقلبه وعقله، ولم يفضل عليها أبدا غيرها.

"والله ثم والله إن العجوز القابعة في وكرها، والتي لا تملك من الثياب إلا الأطمار البالية، وهي تعبد الله وحده عبادة خالصة، هي أحب إلى قلبي من أي إنسان بلغ من العظمة والشأن ما بلغ، إذا كان لا يؤمن بالله إيمانا صادقا خالصا، ولا يعمل بما جاء في كتاب اللّه"[8] .

من هذا المنبع الأصيل، ومن هذا البيت العريق، ومن الدين القويم، استمد الإمام عبد العزيز كل صفاته، فجاءت نموذجا لا يبارى.

كان رحمه اللّه كريما، وهي أول صفة يجب أن يتحلى بها أصحاب المبادئ والقيادات، وإذا تحلى المرء بهذه الصفة، فقد هانت بعدها كل الصفات؛ لأن الكرم أول انطلاقة للإنسان ليمحو بها الحرص على الحياة، ويقضي على الاستماته في سبيلها، وإذا هان المال في عين الإنسان، فليس في الدنيا عزيز يقلل من همته.

لقد كان الإمام كريما إلى حد الإسراف في الجود والعطاء، فهو سمح لا قيمة للمال عنده ما دام ينفق في سبيل اللّه، وفي أوجه الخير، وإنه ليصطحب معه دائما في سيارته بِدَراً من الريالات، يوزعها على الفقراء في طريقه في ذهابه إلى مقر عمله الرسمي، وفي عودته. أعطى ذات مرة فقيرا صرة من المال، فأخبره السائق أنها صرة من الجنيهات لا الريالات الفضية، وبها 355 جنيه ذهبي، فنادى السائل، ولما أقبل قال له رحمه اللّه: "أردت أن أهبك ريالات، وما نويت إلا هذا، ولكن اللّه هو الذي وهبك هذا الذهب، فاشكر الله وحده، واشتر بما أخذت نخيلا، واعمل ولا تكسل"[9].

ولقد عتب عليه أحد رجاله يوما، وسأله أن يفكر بالاقتصاد قليلا، فقال له:

"وهل أغنت عن عبد الحميد ملايينه، إن أجدادي لم يحملوا في خزائنهم فلسا، وأنا أسير سيرتهم، وأفعل ما فعلوا".

قال له يوما بعض الناس: "إنك تعطي كثيرا!! فلو اقتصدت!!".

فقال:

"إن الله عودني عادة أن يتفضل عليّ وعودْتُ عباده عادة أن أوسع عليهم، فأخاف أن أقطع عادتي، فيقطع الله عادته عني، وأنا لن أبني بها قصرا، ولن أشتري بها مزرعة. كل

ما يرد أنفقه على المسلمين؛ وهذا حق لهم"[10] .

وسمعت من أحد كبار العلماء الأفاضل، وهو واحد من ثلاثة، أتوا إلى الملك عبد العزيز، ليعرضوا عليه مشروع نشر بعض كتب السلف، من التفسير والحديث والمذهب الحنبلي والتاريخ الإسلامي، وكان - رحمه اللّه - يعرف جهدهم، وخبرتهم، مما اطلع عليه من تحقيق وتأليف لهم، وحدث في أثناء وجودهم معه أن جاء أول مبلغ من البترول، وكان مبلغا لا يستهان به في ذلك الوقت، فقسمه ثلاثا، وأعطاهم الثلث قائلا:

"انشروا ما استطعتم من كتب السلف".

إن كرمه وجوده كان مضرب المثل. فقد روى الذين أرخوا لسيرة جلالته: أنه كان جوادا سمحا لين العريكة سريع النجدة والنخوة، فقد كان يرى في المال أنه حطام الدنيا، والحطام فان والروح باق خالد.

ولقد نصحه أصدقاؤه بالكف عن البذل والسخاء والكرم، فقال له:

"ما أغنت قارون خزائنه".

والمال كالعلم يربو بالإنفاق، وأي إرباء خير من أن يمحو به عن المحتاجين آلامهم، ويأسو كلومهم[11] .

وأما الشجاعة فهي صفة متأصلة في عبد العزيز منذ صغره، وهي فائقة فيه، فلم ير له نظير في إقدامه على المخاطر، وغزواته التي غزاها دليل قوي على شجاعته، فليس في نجد والأحساء على سعة مساحتها أرض لم يقاتل عليها.

وهذه الشجاعة البالغة لازمته منذ أن كان صبيا لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، وقد أخذ الغضب منه مأخذه، وهو يرى الأعداء يحيطون بالرياض بلده الحبيب، وعاصمة ملك الآباء والأجداد، وقد أخذ الحماس منه مأخذه، ورأى رجلا من الأعداء، قد قُتِلَ فرسه، وراح يحمل على عاتقه كل ما خف حمله، طالبا النجاة، ولكن عبد العزيز الصبي الشجاع الغيور على وطنه، ومسقط رأسه، وثب على الرجل وضربه بسيفه ضربة أودت بحياته[12] .

وينقل عنه رحمه اللّه:

أنه أحسن استعمال البندقية، وركوب الخيل كأحد الفرسان، وهو في سن الصبا، وأنه كان في السابعة حاد الطبع، دائم الحركة، لا يستطيع الاستقرار في مكان واحد فترة طويلة. ومواقفه البطولية كثيرة، ولا يخلو يوما من مواقف مشهورة نذكر منها موقفه في معركة (الحريق)[13] فقد هاجمها - رحمه اللّه - من بطن الوادي، وكان أهل الحريق متمنعين بأعلى الجبل، وعندما هاجمهم ومعه جيشه، أمطروهم بوابل من الرصاص من أعلى الجبل، ومن جوانبه، ففر جيش الملك عبد العزيز، وكان هو في المؤخرة يمشي على رجليه، ومعه سائسه يقود فرسه، وعندما قابله جيشه منهزما، أخذ يبث فيهم النخوة، ولكن القوم لم يلتفتوا إليه، فما كان منه إلا أن سلّ سيفه، وضرب عضد فرسه، وقطعه.

وقال: "… لا تقولوا ما رأينا عبد العزيز، فالذي يريد أهله فهم أمامه، والذي يريد طريقي، فأنا هاجم وحدي".

هجم عليهم وحده، مخالفا بذلك قومه، فتوقفوا وصاروا ينظرون إليه، فلما وجدوه سائراً وحده، رُدّت إليهم روحهم المعنوية، وهجموا معه، ولم يتوقفوا إلا في داخل البلد، وهم محتلوه[14].

ورغم شجاعته الفريدة التي كان نسيج وحدها، وانتصاراته المتوالية، فإنه لم يركن إلى قوته، وإنما كان دائما يركن إلى إيمانه القوي، فهو يؤمن باللّه، ويؤمن بأن له أجلا لا يتقدم ولا يتأخر، وكان حينما ينتهي من معركة بالنصر، يدخل خيمته ويسجد للّه، ويطيل السجود شاكراً للّه على تفضله عليه بالرعاية والتأييد.

كان رحمه اللّه لا يميل - رغم شجاعته - إلى سفك الدماء، وكان يتجنب بقدر الإمكان إشعال الحرب، ويدفع في سبيل تجنبها أي ثمن لدرجة أن المحيطين به كانوا يشكون - بعض الأحيان - في شجاعته.

لقد كان يميل إلى الأناة والروية، حتى قال له بعض قواده، وقد طال حصارهم لجدة، وهو يتعجل الهجوم:

"سوف نتهم بالجبن !!".

فأجابه: "الرأي الرأي! الأناة … الأناة !!".

أما إذا كان لابد من الحرب، فهو الفارس المغوار، الذي لا يشق له غبار، ولكن أعظم من الشجاعة أن يتملك الإنسان نفسه فلا يتهور، فما أكثر الشجعان الذين أدت بهم شجاعتهم إلى ما لا تحمد عقباه، لكن الملك عبد العزيز كان أملك لها، ولا يدعها تكون عليه، بل دائما كانت له.

كثيرا ما سنحت الفرصة لينتقم من أعدائه، وكثيرا ما أُتِي له بالجلادين والسفاحين، والدم يتقطر من سيوفهم، بل وكثيرا ما حاصر المعتدين في أماكنهم، وكان في إمكانه أن يشعل فيهم النار جزاء صنيعهم، ولكنه كان يقدر على أن يتحكم في نفسه، وأن يكظم غيظه، وأن يعفو عنهم، بل وأن ينزلهم منزلة أولاده وأهله، وهو يحمد اللّه على أن أعانه على وجهة الخير التي جبله عليها.

لقد كان بين الملك عبد العزيز والحكام في تركيا عداء مستحكم في ذلك الوقت، وإبان الحرب العالمية الأولى انتهز الإنجليز الفرصة فأشاروا على الملك بأن يقوم بعمل ضد تركيا وهي مشغولة بالحرب، فأبى أن ينتهز هذا الموقف لصالحه، فدل ذلك على الحزم والصراحة والنخوة والعفو.

وهذا تفصيل ما حدث.

فلقد كان الإنجليز يؤلبون العرب على تركيا، التي انضمت إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وحاربت الإنجليز، وبالرغم من أن تركيا لا تزال يتساقط من يديها دم الجريمة في حق آل سعود وعبد العزيز، فقد حضر مبعوث الإنجليز السير يرسى كوكس، ودار بينه وبين عبد العزيز الحديث التالي:

قال السير:

"أتذكر يا طويل العمر ما قاسيت من نجدات الترك لعدوك ابن الرشيد؟"

قال:

"ما حان لي أن أنسى!!".

قال السير:

"ألا ترى ما يراه الناس من تحفز العراق والشام والحجاز للثورة على الترك؟".

قال:

"أرى!!".

قال السير:

"ألا تكون رايتهم رايتك، ولك بعد ذلك ملك العرب، وإن شئت فخلافة الإسلام؟".

قال رحمه اللّه:

"لا!!".

قال السير:

"ألا تنتهز الفرصة فتنتقم؟".

قال:

"لا... لن يقول الناس: ثار عبد العزيز على دولة تتسمى بدولة الخلافة في عهد محنتها"[15] .

وذلك – لعمري - أروع ما أعطى اللّه من جمال التخلق بخلق الدين الحنيف.

إن الملك عبد العزيز -رحمه اللّه- أول من رسم السياسة الواضحة الخالية من المداهنة والمراوغة، وإلْبَاس الباطل ملابس الحق، والقول (لا) حينما يجب أن يقول (نعم) والقول (نعم) حينما يجب أن يقول (لا).

كلا لم يحدث منه ذلك أبدا، بل كان صادقا في أحلك الأيام التي لو داهن أو راوغ لقضى على كثير من المشاكل، لكنه لم ينحرف أو يترك جانب الصدق الواضح والخالي من كل ما يشوبه.

كان يكره المراءاة والكذب والخداع، فإذا ابتلي بمن يتحلون بهذه الصفات ظل بهم حتى يجبروا على أن يظهروا ما أخفوه، وُيعْرَفوا على حقيقتهم، ولذلك فإن المولى سبحانه وتعالى كان دائما ناصره ومؤيده عليهم.

وهذا ما أجبر كل من اتصل به من الحكام والملوك على احترامه وتقديره، ولقد كان له قدرة عجيبة في عمق تفهمه للأمور، ودقة إجابته عما يُسْأَل، وإقناع من أمامه بوجهة نظره، حتى يضطره إلى التسليم له بما يريد.

ولقد شهد له كل من رأوه وجالسوه، من أهل الخبرة والمعرفة، سواء أكانوا من العرب الأذكياء، أم من غيرهم ممن لهم دراية بأخلاق الرجال.

قال الدكتور فون وايزل الكاتب النمساوي، وقد خبر الملك عبد العزيز وجالسه فكتب الكثير عنه، ومما قاله:

"حسبي أن أقول إني معجب به، فقد خيّل إليّ وأنا أحادثه أني أمام بسمرك منشئ الوحدة الألمانية. ولا أظنكم تخالون أني أبالغ في القول".

لقد عاش الملك عبد العزيز في الصحراء، وتعلم في البيئة والبادية، وعاش الأحداث الجسام، لكنه كان يزن كل ما عرفه بميزان ما تعلمه من الشريعة الغراء، وإخضاع كل الحوادث لما عرف وتعلم من مدرسة محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم ولم يذهب إلى الشرق أو الغرب، لكنه أدهش الناس بتفكيره وآرائه.

قال الدكتور فون:

"وقد اتضح لي أن ابن سعود يشبه الساسة الإنجليز كثيرا في سياسته وخططه، فهو مثلهم لا يضيع الوقت بإعداد النظريات ورسمها، لكنه يصبر متحينا الفرصة إلى أن تسنح فينتهزها".

وقال أيضا:

"وفي ابن سعود ميزة أخرى هي أنه كريم صادق، وحادثته مرتين في شئون مختلفة، كان بعضها دقيقا جدا، فلم الحظ قط أنه يلبس الباطل ثوب الحق".

"نعم كان سياسيا أحيانا في أجوبته، فلا يقول كل ما يعرفه، ولكنه لم يتلفظ بكلمة واحدة غير صادقة".

ويكمل الرجل الألماني حديثه فيقول:

"والظاهر أن هذا شأنه مع الجميع، فإني لما قابلت القناصل في جدة، قالوا لي: إذا قال لك ابن سعود شيئا، فثق أنه يقول لك الحقيقة التي لا تشوبها شائبة"[16].

والفضل ما شهد به الأعداء.

أما الإمام - رحمه اللّه - فقد قال، وعمل بما قال، وكان يعرف جيدا أن مقت اللّه وغضبه على المؤمن أن يقول ما لا يفعل، وكان يعي قول الحق سبحانه وتعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}. (الصف: 2-3).

قال رحمه اللّه:

"أنا ترعرعت في البادية، فلا أعرف آداب – تنظيم - الكلام وتزويقه، ولكني أعرف الحقيقة عارية من كل تزويق".

"أنا لست من رجال القول الذين يرمون القول بغير حساب، فأنا رجل عمل إذا قلت فعلت، وعيب علي في ديني وشرفي أن أقول قولا لا أتبعه بالعمل، وهذا شيء ما اعتدت عليه ولا أحب أن أتعوده أبدا"[17].

لقد أجمع كل الذين عرفوا الملك عبد العزيز، سواء أكانوا من الأصدقاء أم من غيرهم، على ما يميز به من صفات، وعلى ما وهبه اللّه مما ميزه به عن غيره، والتي أثارت الإعجاب والدهشة، ولعل المستر تشارلز رجل الاقتصاد الأمريكي، الذي ما أظنه إلا موفدا من قبل الإدارة الامريكية لمهمة، أرسل من أجلها رسالة إلى الرئيس الأمريكي المستر فرانكلين روزفلت في عام 1358 ه، وهذه الرسالة نضيفها إلى الكثير ممن قابلوا الملك عبد العزيز وكتبوا عنه، وبالرغم من قصر المدة التي عاشها تشارلز في المملكة إلا أنه استطاع أن يعي كل الوعي هذه الشخصية الفذة.

يقول مستر تشارلز:

"إن الملك عبد العزيز شخصية إسلامية كبرى يعمل من أجل دينه وعقيدته، وهو أعظم من ظهر في جزيرة العرب منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم... وإنه رجل إداري قدير في إدارة شئون دولته وبلاده، وقد سار على نهج السلف الصالح، وطبق تعاليم الشريعة الإسلامية...

ولقد استطاع استرداد حكم نجد، موطنه الأصلي، وهو في سن يقارب التاسعة عشرة سنة، وبعدها أخذ يضم باقي أجزاء الجزيرة العربية بشكل تدريجي، وفي فترات زمنية متلاحقة، حتى أصبح بعد ذلك أقوى قوة في الجزيرة العربية.

إنه رجل حليم، ويعتمد في معاملاته على الحلم، وما تبعه من صفات، وبالحلم والأخلاق كان يدير شئون بلاده، وكانت هذه الصفات هي نهجه في معاملاته مع أبناء شعبه".

ثم يكمل رسالته فيقول:

"إنني التقيت ببعض خصوم الملك السابقين، فوجدتهم الآن من أكبر أعوانه، ومن أكبر المطيعين، والمؤيدين له، ويعود هذا إلى معاملة الحلم، وهي النهج والأسلوب الذي كان يعامل به خصومه بعد انهزامهم أو استسلامهم".

"إن الملك كان يقول: إن هدفي هو مصالحتهم والتوافق معهم، وكلي أمل في أن يعيشوا في جو من السعادة والاطمئنان"[18]...

ليس من السهل أن تلتمس الثناء على إنسان من مسئول أوربي أو أمريكي إلا إذا كان يستحق هذا الثناء، وعن جدارة، وحكمهم على إنسان إنما يكون بعد دراسات مستوفاة، واختبارات قلما تخطئ، أو يخيب ظن الواحد منهم؛ فلهم من الذكاء والتجربة ما يجعلهم صادقين في حكمهم، نافذين في نظراتهم.

ولقد زار الملك عبد العزيز إبان جهاده، وبعد استقراره في حكم البلاد كثيرا من الرؤساء والكتاب والمسئولين فكلهم أجمعوا على أن الملك عبد العزيز من الشخصيات النادرة التي لا يجود الدهر بمثلها إلا نادرا، بل لقد أجمعوا على أن من النادر جدا أن يعطى رجل القوة والتوفيق بمثل ما أوتي الملك عبد العزيز.

وهذا ما نلمسه فيما كتبوا عنه وصرحوا به:

قال د. جرمانوس المستشرق المجري:

"الملك الذي جرد السيف في سبيل دينه وعقيدته، يجمع في طبيعته روح الحرب، وروح السلم، لا يقاتل الناس، ولا يعتدي عليهم، وإنما يحارب الجهل، ويقاتل الجمود، ويكافح التأخر"[19].

وقال الكاتب الأمريكي روي لبكيتشر:

"كان أبرز ما ظهر من صفات ابن سعود بعد استيلائه على الرياض: القوة، والشجاعة، والحيوية البالغة، والجاذبية الخلابة، والشخصية المحبوبة، وصواب الفكرة، والإستقامة التامة، مضافا إليها خلق المقدرة على العفو عن أعدائه من جهة، والشدة بل القسوة من جهة أخرى عند الاقتضاء"[20].

وقال تونشل:

"من عادة ابن سعود أن يعالج الأمور بحنكته وسياسته السلمية، فإذا اضطر إلى امتشاق الحسام لم يتردد"[21].

وقال الكاتب الإنجليزي كنث وليمز:

"من النادر أن تجد رجلا تجمعت فيه المزايا التي تجمعت في ابن سعود: موفق ظافر، ومصلح ومبدع مبتكر، وتقي ورع صالح، وإنسان لطيف مهذب، وجواد سخي سمح، وراسخ وطيد متين، وذكي حاذق لبيب، وشجاع جريء مقتحم، نبيل في تواضعه، جليل في احتشامه"[22].

وقال حاكم كندا لورد أوف اثلود:

"شهدت بنفسي عندما زرت المملكة العربية السعودية، ماذا صنع الملك عبد العزيز لرفاهية شعبه، لقد استقر بفضله السلام والأمن في البلاد التي كانت من قبل تمزقها المنازعات الداخلية.

وأتيح لي أن أشهد كيف تم الاعتراف به ملكا وزعيما على شعبه الذي أضاء له حكمه الطريق إلى الارتقاء في جميع المناحي الاجتماعية والثقافية"[23].

وكان للكاتبات الغربيات مجال كبير في الكتابة عن الملك عبد العزيز، فقد تناولن شخصيته وسيرته بكثير من الدراسة والتحليل، بل إن بعضهن تكلفن المشاق لرؤية هذا البطل العظيم وممن كتبن عنه الكاتبة الفرنسية أندريه فيوليس في مارس 1937م قالت: "حاد النظرات، كثير الحذر في حديثه، ينظر إلى محدثه ويدرسه دراسة سريعة، هذا هو ملك الجزيرة العربية، الذي قام بما يشبه المعجزات، وأسس ملكه بين عشية وضحاها، بغير وجل، وهو بعيد المطامح طويل التروي، لا يحب المجازفة، ويعتقد أن الاستعداد للأمر ودراسته هما الوسيلتان للنجاح"[24].

ولقد تناول الكُتّابُ العرب شخصية الملك عبد العزيز وسيرته العطرة على طول وعرض الوطن العربي بالإكبار والإجلال جزاء ما قدم للإسلام ولبلاد المسلمين من تضحية وفداء.

قال عبد الرحمن عزام:

"تميز الملك عبد العزيز، فوق خصال الشجاعة والكرم والعقل، بتبسطه في الحديث، وعدم التكلف فيه، والمؤانسة لزائره، وهو في جزيرة العرب ليس ملكا فحسب، بل رئيس أسرة، ومن عجيب شأنه أن هذه الأسرة جمعت خصومه الأولين وأعداءه وأولياه في ساحته.

وكان مما يعجبني، وقد تشرفت بأن كنت ضيفا له مرتين، أن أرى على مائدته أوفي الصيد معه، أولئك الذين قاتلهم أو قتل آباءهم من قبل، يعاملون معاملة الإخوة والأبناء"[25].

وقال الكاتب المشهور محمود أبو الفتح في عام 1930 م:

"ليس ابن سعود من أعظم رجال القرن العشرين فحسب، بل هو من أعظم رجال التاريخ… ولست أنا الذي أصدر هذا الحكم، وإنما أصدره إنجليزي عرف عبد العزيز من زمان طويل، وتتبع سيرته منذ كان فتى شريدا طريدا إلى أن أصبح الملك المطلق في جزيرة العرب"[26].

وقال عوني عبد الهادي في عام 1936م:

"شيئان هائلان في الجزيرة...

الصحراء وابن سعود عبارة عن عَالَم في رجل، ملمّ كل الإلمام بدخائل مُلكه، مؤمن متدين إلى حد عظيم، قالوا: إن الذي يصغي إليه وهو يقرأ كتاب اللّه في الليل لا يملك نفسه من البكاء"