طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الإسلام والمسلمون في انجلترا

ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم

للدكتور محمد إبراهيم الجيوشي أستِِِاذ بالدراسات العليا

 

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اللّه، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا، وإليك المصير، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً، وبعد...

فإن الحديث عن الإسلام والمسلمين في بريطانيا يقتضينا أن نقدم له بتمهيد سريع عن نظرة أمم الغرب بوجه عام إلى الإسلام والمسلمين.

 

فكرة الغرب عن الإسلام ومصدرها:

مثل الشعب الإنجليزي مثل غيره من شعوب بلاد الغرب جميعاً في فكرتهم عن الإسلام والمسلمين، فقد ظلوا فترة يستقون معلوماتهم عن الإسلام مما يكتبه رجال الكنيسة والمبشرون، الذين دأبوا على تصوير الإسلام لهم بصورة منفرة، وتصوير المسلمين في صورة همجية بشعة، وقد ظلت هذه الفكرة سائدة عند عامة الناس في أوروبا بوجه عام حتى أوائل القرن العشرين الميلادي، وإن كان كثيرون من القادة ورجال الدين يعرفون الكثير عن حقائق الإسلام، ولكنهم كانوا يكتمون ذلك، ويقدمون للإسلام صورة مشوهة تعصباً منهم وحسداً، واستغلالا لجهل السواد الأعظم من الأوروبيين بحقائق الإسلام الناصعة، وعقائده القويمة، ومثله العليا، وأخلاقه النبيلة، ومنهجه السوي المستقيم.

 

الإسلام يجذب أحرار المفكرين الغربيين:

فلما أتيح لكثير من الأوروبيين أن يتعاملوا مع المسلمين مباشرة بعد موجة الاستعمار التي ملكوا فيها أغلب مقدرات العالم الإسلامي تهيأت عن طريق ذلك فرصة لكثير من أحرار مفكريهم أن يروا المسلمين في بلادهم، ويعرفوا عن دينهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير، مما وجدوه مخالفاً كل المخالفة لما سمعوه من المبشرين ورجال الكنيسة على مدى القرون الماضية، فبدأت فكرتهم عن الإسلام

تتغير حينما اطلعوا على ما فيه من سمو العقيدة وصفائها، وأخذ كثير منهم يتعرف على الإسلام مباشرة من مصادره الأولى، ويعرف المسلمين من خلال تعامله معهم لا من خلال كتابات المستشرقين ورجال الدين، وقد هالهم أن وجدوا شيئاً فذاً بعيداً كل البعد عما حاول رجال الكنيسة أن يصبوه في عقول الناس ووجدانهم، وأثمرت حركة التعرف المباشر هذه ثمرتها، إذ اعتنق عدد من أحرار مفكريهم الإسلام، وأخذوا يكتبون عنه، وفي مقدمة هؤلاء عدد من الفرنسيين يقف في الطليعة منهم الفيلسوف المسلم (جينيه رينو)، أو الشيخ عبد الواحد يحيى، كما سمى نفسه بعد ذلك، وبلغ من سيادة هذا الاتجاه بين أحرار الفكر الغربي أن كتب تولستوي الأديب الروسي المشهور مقالا يعبر فيه عن إعجابه بعظمة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مما أزعج الكنيسة والقائمين عليها، ولم تستطع الكنيسة أن تكتم ضيقها بمثل هذه الكتابات، فأصدرت قراراً بحرمان تولستوي خشية أن ينهج سواه على منواله، وقد كتب له الشيخ محمد عبده رسالتين يحييه فيهما، ويشيد بشجاعته في الجهر بالحق، ويذكر له أن القرار الذي صدر بحرمانه، إنما هو وسام يعلي بين طلاب الحق مكانته في العالم كله، ومن يريد التعرف على المزيد من رجالات الفكر الغربي الذين اعتنقوا الإسلام فليقرأ كتاب الدكتور عبد الحليم محمود: (أوروبا والإسلام). وعلى الرغم من انبثاق هذا الاتجاه بين المثقفين إلا أنه ظل يمثل ظاهرة فردية لم تتعد آثارها أصحابها إلى غيرهم من سواد الناس وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت هذه الفترة كتابات متحاملة على الإسلام، وتصدى علماء المسلمين للرد عليها، ومن أشهر هذه المعارك كتابات (هانوتو) ااوزير الفرنسي عن الإسلام، وتصدى الشيخ محمد عبده للرد عليها وتفنيدها، وتجد وقائع هذه المعركة مسجلة في كتاب تاريخ الإمام محمد عبده الذي جمعه الشيخ محمد رشيد رضا في مجلدين.

 

نشأة المجتمعات الإسلامية في أوروبا:

وكان من طلائع من أسلموا من الإنجليز في هذه الظروف رجل يسمى (اللورد هيدلي) وقد سمى نفسه عمر الفاروق، وقام برحلات متعددة إلى العالم الإسلامي، ولكن على الرغم من كل ذلك فإن الأمر ظل محصوراً في النطاق الفردي، ولم يتخذ شكلاً جماعيا، وظل كذلك حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، واضطرت الدول الغربية إلى الاستعانة بأعداد من سكان البلاد الواقعة تحت سيطرتهم، فنزحت لذلك جماعات كثيرة من سكان المستعمرات إلى بلاد أوربا واستقرت بها، ومما شجعها على الإقامة والاستقرار أنها وجدت فرصاً للعيش خيراً مما هو مهيأ لها في بلادها، فأغراها ذلك بالبقاء، ونشأت جاليات في انجلترا تنتمي غالبيتها إلى شبه القارة الهندية - الهند آنذاك - وتمثل حاليا باكستان وبنجلادش والهند، ثم باقي دول الكومنولث الأخرى، ويلاحظ أنه لم يشارك في هذا الزحف إلى انجلترا من البلاد العربية إلا بعض الإخوة من اليمن الذين كانوا يعملون في السفن، وترتب على ذلك أن تكونت منهم جاليات في عدد من المدن الساحلية.

أولاً: مثل مدينة كارديف عاصمة ويلز، وليفربول في شمال انجلترا، وساوث شيلد في الشمال الشرقي، وجلاسجو عاصمة اسكتلندا وعدد آخر من المدن الصغيرة الواقعة على الشاطىء.

وثانيا: في المدن الصناعية مثل شيفيلد وبرمنجهام ومنشستر وسواها، وقد لوحظ أنه كلما استقرت جالية يمنية في مكان ما قامت بجانبها جالية صومالية تشاركها في كل شيء. وعلى غرار نشأة المجتمعات أو الجاليات الإسلامية في انجلترا قامت جاليات إسلامية تنتمي إلى بلاد أخرى في عدد من بلاد أوربا الغَربية فتكونت جالية كبيرة من بلاد المغرب العربي في فرنسا ربما كانت أكثر عدداً لقرب فرنسا من بلاد المغرب العربي، وتكونت كذلك جالية أندنوسية في هولندا، وفي أعقاب الثورة الكمالية في تركيا هاجر عدد من الأتراك إلى ألمانيا والنمسا حفاظاً على دينهم، ولحق بهم جماعات من أوربا الشرقية بعد سيطرة الشيوعيين على بلادهم وهكذا نشأت الجاليات الإسلامية في أوروبا الغربية وأخذت تنمو مع الأيام ويزداد عددها، وبدأت تستقر في تلك البلاد الجديدة وتميل إلى الإقامة الدائمة بها بعد أن كانت قادمة بنية العودة إلى أوطانها بعد حين، ومن بينها انجلترا موضع حديثنا اليوم.

وقد لوحظ أن عددا كبيراً من شباب البلدان التي منيت بالاستعمار قد رحلوا إلى طلب العلم في جامعات البلاد المستعمرة، ولئن كان المستعمرون قد استهدفوا من وراء ذلك إعداد جيل من المثقفين بالثقافة الغربية ليكونوا همزة الوصل بينهم وبين شعوبهم، وليقوموا بالتبشير بالفكر الغربي والحضارة الغربية في بلادهم، فإن جماعة من هؤلاء الوافدين استطاعوا أن يزاحموا بفكرهم الإسلامي في خضم تيار الحياة الأوربية الجارف، وأن يسمعوا أصواتهم المسلمة في ساحات البحث وعلى موائد الحوار مع كبار مفكري الغرب، كما فعل الشيخ هداية اللّه الهندي، الذي دخل في حوار جمع سير جيمس أكبر علماء الفلك في عصره، وانتزع منه شهادة إعجاب بالإسلام وتقدير لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وقد أورد وحيد الدين خان تفصيل هذا الحوار في كتابه (الإسلام يتحدى) . وكما صنع العلامة إقبال فقد عاد إلى بلاده، وهو أشد حماسا للإسلام وتفانياً في الدعوة إليه، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن بعضهم حاول تقديم الإسلام للغربيين في لغاتهم كما فعل عبد اللّه يوسف علي الذي عكف على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية على مدى أربعين عاما قضاها في بلاد الإنجليز، ولا زالت ترجمته حتى الآن تعتبر أكثر الترجمات قبولا من جمهور المسلمين، وإن كانت لنا عليها بعض الملاحظات كنا ننبه إليها قراء الترجمة من المسلمين الإنجليز، أو الراغبين في اعتناق الإسلام.

والذي لاشك فيه أن حياة بعض الغربيين في بلاد المسلمين، وإقامة جاليات إسلامية في بلاد الغرب قد هيأ فرصة لمزيد من المعرفة بالإسلام، والاهتمام به، والفهم الصحيح لأصوله مما سنرى آثاره فيما بعد، وترتب على ذلك أن توارت بعض كتابات المستشرقين التي كانت تحاول بكل ما أوتيت من وسائل الباطل أن تغض من قيمة الإسلام، وتسيء إلى كتابه ونبيه وتاريخه.

وليس يعني ذلك أن هؤلاء قد كفوا عن هذا المنهج الظالم إلى الأبد، ولكنهم يحاولون أن يقدموا ما يريدون بطريقة ملتوية ماكرة، لا يظهر فيها أثر الهجوم السافر المليء بالحقد، الذي كان السمة الغالبة لكتابات المتقدمين منهم، والسبب في ذلك أن مبادئ الإسلام أصبحت في متناول الكثيرين، وأن ما يكتبه هؤلاء سيقرأ بواسطة كثير من المسلمينَ الذين يتقنون لغات الغرب، ومن اليسير عليهم أن يظهروا زيفه، ويكشفوا خطأه مما يعرض سمعة الكاتب العلمية إلى السقوط، فأمسكوا عن مهاجمة الإسلام صراحة خوفاً على سمعتهم العلمية، لا اقتناعا بالحق واكتفوا بمحاولة التأثير على طلابهم في ساحات الدرس إن وجدوا إلى ذلك سبيلا.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد وجد في مراكز الدراسات الإسلامية عدد ممن اهتدوا إلى الإسلام، ولهم مكانتهم العلمية في حقل الاستشراق، وكذلك كان لليقظة التي عمت العالم الإسلامي والمصالح المتبادلة بين الشرق والغرب أثر كبير في أن يحسب هؤلاء ألف حساب وحساب حين يكتبون عن الإسلام.

عدد المسلمين الآن: لعلنا نتساءل بعد أن عرفنا كيف تكونت الجاليات الإسلامية في أوربا والمنابع التي جاءت منها، والجالية الإسلامية في انجلترا بالذات أقول لعلنا نتساءل: كم عدد المسلمين الآن في هذه البلاد؟. والحق أنه ليس هناك إحصاء ثابت لعدد المسلمين هناك، ولكننا نستطيع على ضوء ما عرفناه من أحوالهم والعيش معهم عددا من السنين أن نقول إن عدد المسلمين في انجلترا الآن يتراوح ما بين المليون والمليون ونصف مليون مسلم، وأن الغالبية العظمى منهم قادمون من باكستان وبنجلاديش والهند.

وقد يتساءل البعض: هل كل المسلمين في تلك البلاد من الوافدين من البلاد الإسلامية؟ أم أن هناك من المسلمين من ينحدر من أصل إنجليزي؟، والجواب عن هذا التساؤل أن هناك آلافاً عدة من الإنجليز الذين اعتنقوا الإسلام واتخذوه منهجاً لهم في الحياة، وقد كان إقبالهم على الإسلام في البداية بطيئاً جدا، إلا أن العقدين الأخيرين من هذا القرن قد شهدا تحول عدد كَبير من أبناء الإنجليز إلى الإسلام، ولا زال هذا التحول في اضطراد مستمر.

نوعيات المقبلين على الإسلام: والمتتبع للنوعيات البشرية التي تقبل على الإسلام من بين الإنجليز يجدهم يمثلون كل المستويات الفكرية والاجتماعية، والأعمار المختلفة مع كثرة الشباب من الجنسين الذكور والإناث، فأنت تجد من بين هؤلاء الأستاذ في الجامعة والطالب وصاحب العمل والعامل، والرجل والمرأة، والكاتب و المفكر والرجل العادي، وهناك أعداد كبيرة تعيش مع الناس، ولا تكشف إسلامهم إلا إذا ساقتك الصدف للالتقاء بهم، ومن هذا القبيل أن أحد الشباب تقدم لعدد من الجامعات بطلبات التحاق بقسم الدراسات العليا في إحدى كليات الزراعة وجاءه خطاب من إحدى الكليات بلندن يدعوه لمقابلة الأستاذ المشرف وحدد له الاسم واليوم والمكان والساعة، وفي الوقت والمكان المحددين كان الشاب يدق باب الحجرة، فأذن له بالدخول واستقبله أحد الأساتذة المتخصصين في علم الحشرات ودار الحوار بينهما حول الموضوع الذي جاء الشاب من أجله، ثم أحضر الأستاذ كأسين زجاجين وتهيأ لتقديم تحية للضيف الشاب، وأبصر الشاب بجانب الأستاذ زجاجة مغلفة بغطاء مفضض، ونحن في الشرق قد تعودنا على أن ننظر إلى الزجاجات المغلفة بهذه الطريقة على أن بها شراباً محرما، فاعتذر الشاب عن المشاركة في الشراب قائلا باللغة الإنجليزية: (Ido not Drink wine). أنا لا أشرب الخمر، فطمأنه الأستاذ قائلا له إنها ليست خمراً وإنما عصير فاكهة: (This is not wine itis Frout Joes). ثم أفرغ من الزجاجة في الكأس وقدم أحدهما للشاب الذي لم يتعود مذاق هذا العصير من قبل، فنحن نفضل في بلادنا أن نأكل الفاكهة طازجة ولم نكن تعودنا ذلك بعد، وكان ذلك منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.

ولما رفع الشاب الكأس وامتص رشفة منها وجد طعما لم يألفه من قبل، فاضطرب ووضعها على المنضدة ثم اتجه إلى الأستاذ يسأله:  (Are you sure this is not wine). هل أنت متأكد أن هذه ليست خمراً، فأجابه الأستاذ: أنا متأكد إنها ليست ليست خمرا أنا أعرف أنك مسلم لا تشرب الخمر، وأنا مسلم كذلك لا أشربها:

(Yes Iam sure I Know you are muslim you don’t drink and Iam muslim to)

وكانت المفاجأة للشاب الذي فتح فاه من الدهشة، ولكن الأستاذ ابتدره قائلاً: (Do not speak one word) لا تنطق بكلمة واحدة، ثم اصطحبه معه إلى منزله، وهناك وجد حجرة مخصصة للصلاة، وحينما أوشك على الانتهاء من الوضوء لحق بهما ثلاثة من أصدقاء أستاذ علم الحشرات، وصلوا العصر جماعة، وكان هذا الأستاذ يتردد فيما بعد على المسجد كما يجلس الطفل المبتدئ يحاول أن يتعلم كيف يقرأ سورة الإخلاص وسواها من آيات القرآن الكريم وينطقها نطقاً عربيا سليما، وكنت تلمح السعادة تغمر آفاق وجهه كلما أحس من نفسه تقدما في استظهار سورة وقراءتها قراءة عربية صحيحة.

هذا مثل من أمثلة كثيرة تجده منتشراً بين رجال الجامعات ومن في مستوياتهم الثقافية والفكرية، ويا حبذا لو استطعنا أن نتعرف على هذه النماذج في المؤسسات العلمية والجامعات لنستعين بهم إذا احتجنا إلى خبرات علمية لإنجاز بعض المشروعات في بلادنا وما أكثرها، فإن ذلك سيكون من ورائه خير لنا ولهم وإعزاز لرابطة الإسلام التي تجمعنا وإياهم.

أما المثل الآخر فقد بدأت وقائعه في ساحات المركز الإسلامي في لندن، وكان ذلك في أواخر عام 1967 الميلادي حين زار المركز رجل وامرأة، وطلب الرجل الحديث إلى أحد المسئولين، وبدأ حديثه قائلا: إنه زار الأردن، وأبصر المسلمين يصلون، فتذوق طعماً جديدا لم يستشعره من قبل، وإنه يرجو أن يجد غذاء يشبع به هذا الإحساس الجديد، وتعبيره بالإنجليزية هكذا:

(I have been Jurdon to I have seen Muslems Praying I tested some thing new, I want food)

ولما نصح بأن يواصل القراءة عن الإسلام في بعض الكتب المقترحة لتزويده بمعلومات أكثر أجاب قائلاً  (No Sir, I want life example to talk to him and talk to me) وترجمتها: (لا يا سيد إنني أريد مثلاً حياً يتحدث إلي وأتحدث إليه، وهنا تم الاتفاق على اللقاء من وقت لآخر حسبما تواتي ظروف العمل مع توجيهه للالتقاء ببعض المسلمين من الإنجليز الذين أوتوا حظاً وافرا من المعرفة، وقبل أن ينصرف طلب في أدب جم أن يؤذن له بحضور صلاة الجمعة في اليوم التالي، واستجيب إلى طلبه على الرحب والسعة، وأقبل في اليوم التالي وهو مطبق على خير وجه قول اللّه تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد}. وأخذ مكانه في المسجد إلى جانب المصلين فاستمع إلى تلاوة للقرآن الكريم، وألقيت الخطبة، فلما تهيأنا للصلاة وكان قد طلب إليه أن يظل جالسا ولا حرج عليه ولكنه قام للمشاركة في الصلاة معنا وكذلك فعل لما أتينا بالنافلة بعد الصلاة، وقبل أن ينصرف أقبل شاكرا وهو يقول في أدب جم:

(Would you please Let me know which Chapter was decided to day).

قل لي من فضلك أي سورة كانت تقرأ اليوم، فأخبر أن القراءة كانت من سورة آل عمران بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ثم غاب الرجل عن بصري فترة، وذات يوم وأنا داخل المسجد لأداء صلاة العصر إذا بي أبصر به جالسا ينتظر الصلاة وبعد أن أدينا الصلاة أقبلت عليه محيياً وأن أقول: كيف حالك يا مستر؛ ثم انتظرت ليذكر لي اسمه، فأجابني قائلا: اسمي الآن عبد القادر، ودار بيننا حديث طويل أخبرني فيه أنه قام برحلة إلى المغرب العربي وهناك في مدينة (مكناس) التقى بأحد الشيوخ الأتقياء، واعتنق الإسلام على يديه، وكانت السعادة والبهجة تطلان من خلال كلماته، وهو يحدثنا عن رحلته إلى النور الذي قذفه اللّه في قلبه، وكتب له الهداية إلى الإسلام، فانعكس ذلك سلاماً في نفسه، وطمأنينة في قلبه، وإشراقاً في أساريره.

ولم يلبث أن عاد بعد أيام، وبصحبته بعض الشباب الذين فتح اللّه قلوبهم للإيمان، وطلب أن يتلقوا دروساً في القرآن والحديث كل أسبوع، واتخذت الترتيبات لذلك، وأخذوا يترددون على مبنى المركز فترة من الزمن زاد فيها عددهم ونما، ورأوا أن يتخذوا لهم مقراً في أحد أحياء لندن يباشرون منه نشاطهم في دعوة الناس إلى الإسلام، وكان أمرهم عجباً حقاً في تلك الفترة فقد حصلوا من بلدية لندن على الإذن باستعمال إحدى المباني التي تقرر إزالتها ولكنها أرجئت إلى حين بعد أن هجرها سكانها فلم يكن بها إلا الجدران والأبواب، فتعاونوا على إعادة الكهرباء إليها وإدخال المياه، وإجراء الإصلاحات اللازمة لاستئناف الحياة بدون أن يكلفهم ذلك شيئا لأنهم تولوا تنفيذ ذلك بأنفسهم كل في مجاله، وسرعان ما أخذوا في استقبال الزائرين من المسلمين وغير المسلمين، وقد زارهم في مقرهم هذا الشيخ صالح القزاز الأمين الأسبق لرابطة العالم الإسلامي وبصحبته الأستاذ علي حافظ صاحب مجلة أخبار العالم الإسلامي الذي كتب عن هذه الزيارة في حينها، ثم زارهم شيخ الأزهر الأسبق الدكتور عبد الحليم محمود - رحمه اللّه - وأخذ عددهم يتزايد بشكل ملحوظ، وتزوج فتيانهم من فتياتهم، وبدأ التفكير في ضمان جو إسلامي خالص للنشء الجديد، فبدأ لهم أن يقيموا قرية إسلامية في قلب انجلترا فأخذوا يعدون العدة لذلك.

وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا يملكون شيئا إلا أنهم كانوا على يقين أن ذلك الأمل سيتحقق، وأعدوا كتبا بفكرتهم بعثوا بها إلى عدد من حكام العالم الإسلامي يدعونهم إلى معاونتهم على تحقيق الفكرة التي يبغون من ورائها أن يهيئوا لأنفسهم جوا إسلاميا خالصا يعيشون فيه في قلب الحضارة الغربية، وقد حقق اللّه لهم ما أرادوا بفضل صدق إيمانهم وإخلاصهم، فاشتروا قرية في مقاطعة (نورج). بشرق انجلترا، بها عدد من الأبنية اتخذوا إحداها مسجداً، وأقاموا في واحد منها مطبعة لنشر الكتب الإسلامية.

وطبعها، واتخذوا لهم مساكن فيها، ثم أخذوا يستغلون الأرض لتربية الطيور والأغنام التي تهيء لهم مصدرا للطعام الحلال بعيداً عن أي شبهة، وقد تركتهم منذ أكثر من خمس سنوات، وهم يستعدون لاستغلال مساحة الأرض البالغة حوالي سبعين فداناً في الزراعة، وقد أعانهم اللّه فافتتحوا مسجداً في عاصمة المقاطعة التي تبعد عدة كيلومترات عن القرية حضرت الصلاة الأولى فيه مع سماحة المرحوم الشيخ عبد اللّه المحمود الرئيس العام للمركز الإسلامي بالشارقة، والذي قدم لهم ثمن القرية البالغ ستين ألف جنيه استرليني تبرعا من سمو الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة.

وحسبكم أن تعلموا أن هؤلاء الإخوة قد انتقلوا بنشاطهم إلى أمريكا وغيرها من بلاد أوربا، ومنها قرطبة بأسبانيا وقد تحدثوا إلي بما يدور في خواطرهم عن الإسلام في أسبانيا وأنهم يريدون أن يجد العالم مسجد قرطبة وقد افتتح للصلاة بعد هذه القرون العدة من تعطيل الصلاة فيه وأعتقد أنهم بدأوا الطريق لتحقيق هذا الهدف.

ومن المألوف إذا حضرت صلاة الجمعة في مسجد لندن أن ترى أعداداً منهم يشاركون في الصلاة.

وأصبحت قريتهم مقصد كثيرين من رجال الدعوة والمشتغلين بالعمل الإسلامي، فقلما يمر أحدهم بلندن إلا ويتطلع لرؤية هذا النموذج ويقدم لهم المعونات المادية والأدبية وأعتقد أن رابطة العالم الإسلامي تستضيف عدداً منهم في موسم الحج من كل عام، ولهم مجلة فصلية باسم الإسلام تصدر باللغة الإنجليزية.

ومن ميزاتهم أنهم كلما وجهوا لأمر من الأمور وعرفوا أنه من سنن الإسلام أخذوا أنفسهم به وحرصوا عليه.

بقي أن تعرف أن الشخص الذي بدأ هذا التحرك كاتب ومؤلف مسرحي كان يكتب للإذاعة والتليفزيون من قبل، فلما اعتنق الإسلام وقف قلمه على الإسلام والدعوة إليه، ولست أنسى يوما التقيت فيه بمدير المركز الإسلامي في واشنطن الدكتور محمد عبد الرؤوف فإذا به يخبرني عن مقال في جريدة (الهيرالد تريبون) الأمريكية عن الإسلام كتبه رجل يسمى إيان دلاس، ويبدي إعجابه الشديد بما في المقال من معلومات قيمة وصحيحة عن الإسلام ثم يعلق قائلا: "إننا حينما نبعث لأصحاب هذه الصحف لا ينشرون لنا ولكن حينما يأتيهم اسم غربي ينشرون له بدون تأخير" وكانت سعادته وسعادتي بالغة حينما أخبرته أن إيان دلاس هذا هو عبد القادر المسلم الذي نتحدث عنه.

وهكذا أصبح المجتمع الإسلامي في انجلترا يتكون أولا من المهاجرين من البلاد الإسلامية عربية وغير عربية، وقد شهدت السنوات الأخيرة استقرار أعداد ضخمة من المثقفين من البلاد العربية في انجلترا من أطباء ومهندسين وعلماء ورجال أعمال وسواهم.

وثانيا من أهل البلاد الأصليين الذين أقبلوا على اعتناق الإسلام بكثرة ملحوظة.

احتمال المشاق في سبيل الرغائب

قال عمر بن عبد العزيز:

"إن لي نفساً تواقة، وإن نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدنيا، فلما بلغته وجدتها تتوق إلى أشرف منازل الآخرة".

(ولا يخفى أن عمر بن عبد العزيز هذا تولى الخلافة فكان أعدل خلفاء بني أمية).

وقال حكيم:

"لا ينبغي للعاقل أن يكون إلا في إحدى منزلتين: إما في الغاية من طلب الدنيا، وإما في الغاية من تركها. ولا ينبغي له أن يرى إلا في مكانين: إما مع الملوك مكرما، وإما مع العباد متبتلا. ولا يعد الغرم غرما إذا ما ساق غنما، ولا الغنم غنما إذا ساق غرما".

وقال كعب بن زهير:

وليس لمن يركب الهول بغية

وليس لرحل حطه الله حامل

إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخفا

أصبت حليما أو اصابك جاهل