|
|
|
|
الإسلام
وعمل المرأة |
|
|
للشيخ إبراهيم السلقيني |
|
|
المدرس بكلية الشريعة |
|
|
|
|
|
لقد عني
الإسلام أتم العناية بإعداد المرأة الصالحة للمساهمة مع الرجل في بناء صرح
المجتمع على أساس من الدين والفضيلة، والخلق القويم، وفي حدود خصائص كل من
الجنسين الرجل والمرأة، فرفع شأنها، وكون شخصيتها، وقرر حريتها، ثم أناط بها من
شؤون الحياة ما يتلاءم مع طبيعتها، فإذا نهضت بأعبائها أصبحت زوجة صالحة، وإما
مربية ودعامة قوية في صرح المجتمع إذا صلح المجتمع كله. |
|
|
لقد
اعتبر الإسلام المرأة كائنا إنسانيا مكرما فحفظ عليها حريتها، وأجاز لها التصرف
كما تشاء في أموالها ضمن الدائرة المشروعة، وجعل لها حقا في الميراث فقال تبارك
وتعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ
الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ
الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ}[1]،
وجعل لها الحق في أن تملك وتبيع وتشتري، وتهب وتقبل الهبة، وترهن وتعقد باسمها
العقود، دون حاجة إلى إذن زوجها أو ولي أمرها، ولا يوزن الإسلام في ذلك بأي
تشريع حديث، فإن حالة المرأة في فرنسا إلى الآن أشبه بحالة الرق، فلا يجوز
للمتزوجة مثلا بيع ولا شراء ولا هبة ولا عقد إلا بإذن زوجها، وفي أكثر النظم المبتدعة
تقلب المرأة اسم أسرتها وتنسب إلى أسرة زوجها، وفقدان الاسم رمز وعنوان لفقدان
الشخصية، ولو أردنا أن نعدد ما منحه الإسلام للمرأة وما خصها من مزايا لطال بنا
المجال، وحسبنا أن نعلم أن المرأة قد تحررت في ظل الإسلام إلى درجة لم تبلغ ولن
تصل إليها في ظل أي فلسفة أو نظام آخر، ويعرف كل إنسان ذلك، ولا ينكره إلا من
ختم على قلبه، فحجب عن رؤية الحق والاعتراف به. |
|
|
كما
اعتبر الإسلام المجتمع جهازا تؤلف المرأة نصفه، أو قل الرجل هو إحدى رئتي
المجتمع والمرأة هي الرئة الأخرى، بكلتيهما يتنفس المجتمع ويحي؛ فالرجل والمرأة
في خضم هذه الحياة كمؤسسي شركة أو مصنع وزعت أعماله المتعددة على العاملين فيه،،
وكل يقوم بنصيبه، ولكل فيما يعمل علم وحكمة وتدبير، فلا ينكر أحد أن دور المرأة
في المجتمع غير دور الرجل، ولو كانت مهمتها تشبه الرجل مهمة الرجل لكان المجتمع
صالح للبقاء سواء أكان مؤلفا من الرجال وحدهم، أو من النساء وحدهن، أما ولكل من
هذين الكائنين عمله واختصاصه فلابد من توفرهما معا ليحصل للمجتمع كماله. |
|
|
وهكذا
فالمرأة نصف وجودنا الذي نزاحم به ونكاثر ونبني، وهي أيضا التي تصنع تاريخ النصف
الآخر وتلهمه؛ فهل للمرأة رسالة أعظم من هذه الرسالة لو أديت على وجهها الصحيح
لما وجدت المرأة متسعا من الوقت، ولا فراغا من الزمن. |
|
|
وخروج
المرأة من البيت إحدى المشكلات الهامة في العصر الحاضر، والحقيقة أن خروج المرأة
من بيتها أو عدم خروجها منه مرتبط بمهمة المرأة وواجباتها في هذه الحياة، وما
ألقي على عاتقها من أعباء، ثم نرى صلة ذلك بخروجها من البيت. |
|
|
ما هي
المهمة الرئيسة للمرأة في هذه الحياة؟ وما هي واجبات الرجل؟ |
|
|
لاشك أن
الرجل والمرأة هما عماد البيت، ومما لا ريب فيه أيضا أن سعادة البيت وبالتالي
المجتمع لا تتوفر إلا حينما يعرف كل منا لرجل والمرأة ماله وما عليه بغية تحقيق
السعادة المنشودة، فالرجل بما وهبه الله من القوة الجسمية جعله قواما على المرأة
يعتني بشؤونها وشؤون أطفالها، وينصرف إلى عمله ليكسب القوت له ولأفراد أسرته،
ويؤمن لهم الحياة الكريمة، فمجال عمله إذن هو خارج البيت، وهذا لا يشك فيه أحد. |
|
|
وهنا
يأتي دور المرأة حيث يتاح لها أن تنصرف إلى شؤون البيت الداخلية، والإشراف على
تربية أطفالها وإشاعة الحبور والسعادة في بيتها، وقد وضع عنها الإسلام جميع
الواجبات التي تتعلق بخارج البيت، فلا تجب عليها صلاة الجمعة، ولا يجب عليها
الجهاد إلا في حالة النفير العام، ولم تطلب منها صلاة الجماعة ولا حضور المساجد،
وإن كان قد رخص لها في حضور المساجد. |
|
|
صفوة
القول: أن خروج المرأة من البيت لم يحمد، وخير الهدي في الإسلام أن تلازم المرأة
بيتها كما تدل عليه الآية الكريمة:{وَقَرْنَ فِي
بُيُوتِكُنّ}[2]
دلالة واضحة، ولكن الإسلام لم يشدد في هذا الباب لكون خروج المرأة من بيتها قد
يكون من اللازم في بعض الحالات كخروجها لحج أو مداواة أو أداء شهادة؛ ولا يغير
ذلك شيئا من القاعدة في نظام الاجتماع الإسلامي، وهي أنّ دائرة عمل المرأة هي
البيت، وأن الدروس التي يتلقاها الطفل في حجر أمه سيكون لها أكبر الأثر في
مستقبل حياته. |
|
|
وعلى هذا
فإذا تجاوزت المرأة الحد، وأسرفت في الخروج من البيت فمن للأطفال ليرعاهم؟ ومن
للبيت يشرف عليه إشرافا دقيقا؟ هل يترك ذلك للخادمة! وهل يهمها من شؤون البيت ما
يهم صاحبته؟ وهل كل بيت فيه خادمة؟ وهل كل خادمة متعلمة عاقلة؟ وهل هي جديرة بما
يلقى إليها من مهام تربوية، وهي على كل حال إمرأة من جنسها، وصدق من قال: |
|
|
ليس اليتيم من انتهى أبواه من |
هـمّ الحيـاة وخلفاه ذليلا |
|
إن اليتيم هو الذي تلقـى له |
أما تخلت أو أبا مشغولا |
|
فسعادة
البيت لا تتحقق إلا أن توجد زوجة، ولن يشيع الحنان إلا أن تتولاه أم، وفي سبيل
الاستقرار البيتي، وقطعا لدابر الفوضى والنزاع جعل الإسلام القوامة للرجل تمشيا
مع سياسة التنظيم التي يحرص عليها الإسلام حرصا شديدا، فتوحيد القيادة ضروري
لأمن السفينة، وفي سفينة البيت لابد من قيادة تتحمل التبعة، ولكنها في الإسلام
قيادة الرعاية والمسؤولية، وليست قيادة التحكم والاستعلاء؛ فمن هو أهل لهذه
القيادة؟ |
|
|
المرأة
المشبوبة العواطف، السريعة الانفعال، بحكم فطرتها التي تؤهلها لوظيفتها الأولى
في رعاية الأطفال، وتعطير جو البيت بالجمال أم الرجل الذي كلفه الإسلام الإنفاق
والقيام بأعباء التكاليف البيتية لتخلو المرأة إلى عبئها الضخم وتنفق فيه طاقتها
ووسعها؟ |
|
|
ولهذا
جعل الإسلام لكل من الرجل والمرأة وظيفة أساسية، فللمرأة اختصاصها ومواهبها
وللرجل اختصاصه ومواهبه، ولابد أن يتوفر كل منهما على ما هيئ له، وهذا التباين
الفطري في وضعهما ووظيفتهما هو سر تآلفهما وتعاطفهما، فإذا انحرفت أنوثة المرأة
واتجهت إلى الرجولة، وانحرفت رجولة الرجل واتجهت إلى الأنوثة والتخنث كان في ذلك
فساد المجتمع واضطرابه، وكلما اتجهت فطرة الرجل أو المرأة إلى كمالها الذي هيأه
الله لها اتجه العالم إلى السعادة المنشودة والخير العميم، فإذا اكتملت رجولة
الرجل اكتمل حلمه وجلادته، وشجاعته، وتساميه عن الريب، وتفانيه في سبيل الله. |
|
|
وإذا
اكتملت أنوثة المرأة اكتملت معها الأمومة السامية، والزوجية السعيدة، وتناهت
معها معاني الرحمة والحب، والوفاء والحنان، ولذلك توخى الإسلام المصلحة العامة
حين لم يطلق للمرأة الخروج من البيت وقصر ذلك على ما يعود بالفائدة على المرأة
أولا، وعلى المجتمع ثانيا. |
|
|
إن
المرأة في البيت تصنع البطولات والفضائل، وهي بعد ذلك المصدر الروحي لإشعاع
الرحمة والمودة كما ذكر القرآن الكريم: {وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا
إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}[3]،
وليست إشاعة المودة والرحمة في البيت بالأمر الرخيص الهين الذي يتصوره
المحرومون، فإن الدنيا بما فيها من ذهب أو متاع لا تساوي في ميزان الحق مثقال
ذرة إذا خلت من المودة والرحمة والاستقرار. |
|
|
ومن سر
المرأة الصالحة في البيت أنها الجهاز الروحي الذي يلقي في روع الرجل اسرار القوة
ومعاني الثقة، وأن كلمة واحدة منها وهو يشكو متاعب الزمان أو مكائد الرجال
لكفيلة بأن تمده بطاقات عجيبة من الهمة والأمل والثقة، فإذا به إنسان جديد وبناء
غير الذي يوشك أن ينهار. |
|
|
إن
المرأة بقيامها على المهد، ورعايتها لأطفالها حق الرعاية إنما تصنع مستقبل
وطنها، ولسنا ندري عملا في الحياة يفوق في شرفه وسمو غايته هذا العمل، وإذا كنا
نقلد غيرنا في عمل المرأة وخروجها من البيت فللنظر إلى واقع المرأة عند غيرنا من
الأمم. |
|
|
لقد كان
من أفظع نتائج الحرب العالمية خطرا قتل ما يقدر على الأقل بعشرة ملايين شاب من
أوروبا وأمريكا في ميدان القتال، فنتج عن ذلك مجموعة من النتائج الخطيرة، حيث
ملايين من الأسر قد وجدت نفسها في نهاية الحرب بلا عائل، إما لأن عائلها قد قتل
في الحرب، أو شوه بدرجة تعجزه عن العمل، أو فقد عقله وأعصابه بفعل الحياة
الدائمة للخنادق والغازات السامة، والغازات المدمرة، هذا من ناحية ومن ناحية
أخرى فإن الذين خرجوا من الشباب القادرين على العمل لم يكونوا كلهم على استعداد
لأن يتزوجوا ويكفلوا أسرة، فإن حياة الحرمان الشنيعة التي عاشوها أربع سنوات
كاملة في أثناء الحرب لم تترك في نفوسهم فسحة لتحمل التبعات، والكدح في سبيل
الآخرين، لقد خرجوا منهومين يريدون الاستمتاع في الحياة، يريدون أن يطفئوا
السعار الملهوف، فلا بأس بالمرأة كصديقة تستجيب للرغبة اللاهفة، أو جسدا يشتري
بالنقود، ولكن لا مرحبا بها زوجة وأما. |
|
|
ومن
ناحية ثانية فإن الدمار الذي أحدثته الحرب كان يستلزم طاقة إنتاجية هائلة
للتعويض ولم يكن من تبقى من الرجال كافيا لحركة التعمير الشاملة المطلوبة في كل
مكان. |
|
|
والتقى
الأمران على شيء واحد يجب على المرأة أن تعمل في السوق والمصنع والمنجم، وفي كل
مكان يمكن أن تعمل فيه وإلا هلكت جوعا هي ومن تعول واضطرت المرأة كارهة أو راغبة
أن تترك حياة المنزل المستقرة، وتنزل إلى المعترك الصاخب الذي لا يرحم ولا يجير،
وانتهزت المصانع والشركات فرصة الحاجة الملحة التي تعانيها المرأة فشغلت النساء
بأجور أقل من أجور الرجال، وإن كن يقمن بنفس العمل ونفس القدر من الساعات،
وأصبحت للمرأة عندهم قضية؟ هي قضية المساواة في الأجور. |
|
|
لقد
استخدمت المرأة لقضيتها كل سلاح من الاحتجاج والإضراب والتهديد ومع ذلك لم تظفر
بنتيجة، وبدا للمرأة أنها طالما بقيت بعيدة عن مصدر التشريع فلا فائدة ترجى من
وراء الصياح، ولا بد أن يكون لها صوت في البرلمان وقامت المرأة والتي لم تكن
تطالب سوى المساواة في الأجور في بادئ الأمر قامت تقول نحن سيان في الخليقة
الرجل لا يفضلنا بشيء ولا مزية له علينا. |
|
|
نتساءل
بعد كل هذا هل عندنا أسباب موضوعية لحدوث ما حدث عند غيرنا؟ هل حدث في تاريخنا
القديم أو الحديث أن أعطينا المدرسات مثلا راتبا أقل من راتب المدرسين كما تصنع
انكلترا إلى هذه اللحظة وكما يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه معركة التقاليد
بحجة أن المرأة تأخذ إجازة حمل وولادة ورضاع بينما الرجل لا يأخذ مثل هذه الإجازات؟. |
|
|
هل حدث
عندنا شيء غير الاستعمار الذي استعمر الأرض بجنوده واستعمر كذلك كثيرا من القلوب
والأرواح والمشاعر والأفكار فنشأت طبقة تقلد المستعمر تقليد القرود. |
|
|
ليست
المرأة في الإسلام لمجرد الولادة والحضانة والإرضاع، كما أن الولادة في الإسلام
ليست السب والشتم، إنما هي تكوين فكري ونفسي وخلقي للأطفال، إنها جهد ضخم شاق
يحتاج إلى ثقة واختصاص، لذلك حرص الإسلام كل الحرص على تهذيب المرأة وتقوية
الإيمان في ضميرها وتوفير الضمانات المعيشية لها. |
|
|
إن
الإسلام يبذل كل هذا لأنه يحسب دائما حساب الأجيال القادمة التي تقوم بتربيتها
الأجيال الحاضرة، ويهذب الحاضر ليكون في الغد نتاج نظيف، وهو في هذا يعنى بالرجل
والمرأة كليهما، ولكنه يعنى بالمرأة خاصة لأن الأم هي المنشئة لخلق الأجيال. |
|
|
وتقوم
بأخطر مهمة في حياة البشرية ومهمة رعاية الإنتاج البشري، وصيانته من الفساد،
والتحلل والانهيار، وليس كما يقول الفارغون والفارغات إننا نعطل نصف المجتمع عن
العمل، إنها لحماقة ما بعدها حماقة في عصر التخصص أن تنزع المرأة من اختصاصها
الذي لا يحسنه غيرها لكي تشترك في الإنتاج المادي الذي يملك الرجل أن يقوم به،
وتملك أن تقوم به العدد والآلات. |
|
|
وإذا كنا
في عصر الاختصاص والتخطيط فجدير بنا أن نعرف كيف خطط الإسلام ورسم لنا في هذا
المجال إنه كما يفهم من نصوصه وقواعده يجيز للمرأة أن تعمل خارج البيت ضمن
الشروط التالية: |
|
|
1- ألا يتعارض عملها خارج البيت مع وظيفتها الأساسية التي خلقت
لها. |
|
|
2- أن يكون العمل ضمن الدائرة التي تختص ببنات جنسها وتتفق مع
تكوينها الجسماني وفطرتها وذلك كالأعمال النسوية من تدريس للنساء وتمريض وتطبيب
لهن. |
|
|
3- أن تلتزم حدود الآداب الإسلامية وما فرضه الله عليها من حجاب
وما حرم من اختلاط. |
|
|
أما
العلم فهو فريضة، كل ما في الأمر أن تتعلم ما يناسب فطرتها ويعدها لمهمتها
الكبرى ذلك لأن القدرة الإلهية حين فرقت هذا التفريق أرادت أن يكون للرجل اختصاص
في الحياة غير اختصاص المرأة، وما اختلاف التكوين الجسماني إلا نتيجة ليتجه كل
لما أعد له فأي المنهجين أصلح للمجتمع وأليق بفطرة الحياة أن تثقف المرأة في
مهمتها وضمن دائرة وظيفتها أو تثقف فيما ليس لهذه المهمة بصلة. |
|
|
فإذا
كانت الظروف تدعونا إلى أن يكون من الفتيات طبيبات لبنات جنسهن أو معلمات فلا
بأس، أما تعليم الكيمياء والهندسة مثلا وأمثالهما من العلوم فضرب من الترف لا
يكون إلا على حساب المهمة الأصلية التي أعدت لها الفتاة وعلى حساب مزاحمة الرجل. |
|
|
لقد
أدخلت الفتاة كلية الزراعة والهندسة والعلوم في بعض البلدان، فما جنت؟ لم تجن
إلا خروجها من مشاعر الأنوثة إلى السترجال الخشن والمرأة امرأة مهما بلغت لا
تستغني عن أن تكون زوجة, وأما لهذا تهدف فطرتها وتهفو نفسها في حنان بالغ إلى تعيم
البيت والأمومة. |
|
|
إن
المدارس التي تعلم الطبيب كيف يحارب العلل وينقذ المرضى، وتعلم التاجر كيف يروج
بضاعته ويحسنها، والزارع كيف يجود حاصلاته وتسلم من الآفات، والصانع كيف يتقن
صناعته يرقى بفنه، والأديب كيف يجني ثمار الأدب وينتفع بها. |
|
|
إن
المدارس التي تعد كلا من هؤلاء لوظيفته ومركزه الخاص جدير بها أن تعد الفتاة،
ووظيفتها تختلف عن وظيفة الرجل للقيام بدورها الخطير. |
|
|
فمما لا
شك فيه أن الفتاة أحوج إلى دراسة نفسية الطفل في مراحل نموه، ومعرفة طرق العناية
به خلقا وجسميا، وإلى دراسة قواعد حفظ الصحة والنظام منها إلى دروس في
الميكانيك، وأحوج إلى علم التدبير المنزلي والتفصيل منها إلى الهندسة والفراغية
وحساب المثلثات، وأحوج إلى دروس الدين الذي يهذب نفسها ويسمو بعواطفها، وينقي
سريرتها ويطبعها طابع الأمومة الصحيحة والخلق القويم، ويعرفها بما لها وما عليها
تجاه زوجها وأولادها. |
|
|
وعلى أي
حال فقد كان للغرب ظروفه، وقد أعفانا الله من هذه الظروف المدمرة، أفلا نحمد
الله بالرجوع إليه والسير في الطريق الذي ارتضاه. |
|
|
لقد نسيت
المرأة أو تناست في كثير من بلدان العالم أن البيت هو المقر الأساسي لها، ونسيت
مهمتها الرئيسة التي خلقت لها، نسيت أن استقرارها في بيتها وأدائها لواجبها لهو
أكبر وأجل خدمة تؤديها لوطنها، ألا ليتها تدرك ما لوظيفتها من أهمية، وأثر حياة
الشعوب والأمم، إنها أخطر من عمل المعامل الذرية والهيدروجينية ألا ليتها تعلم
مقدار ما يعود على البلد من عظيم النفع والمجد إذا قامت المرأة بواجبها في إعداد
الجيل القادم وتنشئته تنشئة طيبة صالحة، وإعداده إعدادا قويا سليما فالمرأة
الناضجة هي القادرة في هذه الأيام على تحمل المسؤولية في إدارة شؤون البيت، وما
يتبعه من التزامات وفي رعاية الأولاد والإشراف على تربيتهم وتهذيبهم فكيف توفق
المرأة بين ما ذكرت وبين ما عليه حالتها الآن في كثير من البلدان من إهمال
لبيتها وأولادها حتى أصبح الوقت الذي تمضيه خارج البيت أكثر منه داخله. |
|
|
وإن
هنالك من يظن أن في استطاعة المرأة الجمع بين أداء واجباتها العائلية والعمل
الخارجي، ولست أدري كيف يمكن الجمع بين هذا وذاك مع وجود ما سبق إيضاحه وتحديده
من المسؤوليات؟ كيف توفق بين هذه الواجبات التي تطلب استقرار في البيت وبين ما
هو حادث الآن من قضائها أغلب وقتها خارجه؟ تاركة للخدم مسؤولية البيت والأولاد
وهم طائفة يعلم الله أنهم لا يفهمون مسؤولية أنفسهم لما هم عليه من جهل مطبق وإهمال
شنيع!؟ وحادثة المربية التي استعانت بمادة الأفيون في تخدير الطفل ليريحها من
بكائه أثناء غياب والدته الموظفة ليست ببعيدة. |
|
|
ثم لماذا
تصر بعض النساء على فكرة الخروج من البيت والعمل في ميدان الرجل؟ ألا يمكن أن
تتم المساواة كل في حيز الذي أعده الله له؟ وبدون أن يطغى أحدهما على اختصاص
الآخر! وهل حينئذ تصبح دعوى المساواة أم دعوى تخريب حين يقال للجندي على الحدود:
ما هذا الظلم؟ حيث تعيش بعيدا عن أهلك معرضا للخطر، والمرأة لا تخرج من البيت؟
إن المساواة تقضي أن تذهب إلى البيت وأن تخرج المرأة إلى خط النار؛ وأن يقال للعامل:
ما هذا التخلف؟ حيث تقف وراء الآلة على قدميك ساعات بينما الموظف والمدير ورئيس
الدائرة والوزير يقعد ست ساعات وراء الطاولة، إن المساواة تقضي أن يصبح العامل
مديرا ورئيسا وأن يحشر الموظفون والرؤساء والقواد والمدراء إلى المعامل ليعملوا
وراء الآلات، هل هذه دعوى مساواة أم دعوى تخريب؟ |
|
|
إن
الدكتور محمد عوض يعلل هذه الظاهرة بقوله: "يقول علماء النفس إن هذه
الظاهرة مردها إلى شيء يسمونه مركب نقص، وهو عبارة عن حالة نفسية تجعل صاحبها في
سخط على عمله ووظيفته يرى أنه لم يعط العمل الذي يتفق مع كيانه وأنه لو قلد
الأمر الذي يشتهيه لنبغ وأبدع". |
|
|
وسواء ما
يزعمه علماء النفس هو التعبير الصحيح أو لم يكن، فإن مهمة المرأة الحقيقة
الرئيسية داخل بيتها وإذا تبقى للمرأة بعد ذلك شيء من الفراغ فتستطيع أن تستغله
في الإصلاح لبنات جنسها، ولقد ثبت بالتجربة العلمية أن المشكلات الاجتماعية التي
نشأت عن هدم المرأة لعرشها كثيرة أهمها: |
|
|
1- هدم التوازن الاقتصادي والانتهاء إلى أزمة اقتصادية ذلك لأن
المرأة حينئذ تصبح منافسة للرجل والأصل في الرجل أن يكون مسؤولا عن عائلته
وأولاده. |
|
|
2- انتشار العزوبة. |
|
|
3- هدم الحياة العائلية وإفساد العلاقات الزوجية وإهمال تربية
الأولاد. |
|
|
بهذه
المناسبة أكرر العجب أيضا! |
|
|
ولماذا
تتطلع المرأة لكل ما هو من اختصاص الرجل ومن
واجباته؟ ترى هل عقمت البلاد من الرجال؟ من يرشدني إلى ميدان من ميادين
الرجل تنقصه الأيدي العاملة، ولا يوجد من الرجال من يملؤه ويسد الفراغ فيه؟ |
|
|
إن
البلاد وخصوصا التي تزاحم المرأة فيها الرجل في حيرة شديدة كيف توجد أعمالا لهذا
الجيش من العاطلين الذي يعول كل واحد منهم عائلة تتكون من زوجة وأولاد وأحيان
أمهات وأخوات، يحدث هذا في الوقت الذي نجد فيه عددا ضخما من الفتيات والعاملات
يشتغلن في الوظائف والمحلات وأغلبهن لهن من يقوم برعايتهن و الصرف عليهن وبرغم
ذلك يعملن وينافسن الرجل ولا دافع لهذا إلا التقليد والاستزادة ثم يصرفن الأجور
في الترف وعلى ما تتطلبه منهن تلك المدنية الزائفة، من كماليات متعددة، وتبرج
فاضح، وقد ثبت بما لايدع مجالا للشك أن
توظيف المرأة في وظائف الدولة يزاحم الرجال في ميدان عملهم وفي الوقت الذي تزدحم
فيه دوائر الدولة عندهم بالموظفات نرى العديد من المتعلمين حملة الشهادات
يتسكعون في الطرقات لا يجدون عملا. |
|
|
إن توظيف
المرأة بدلا من الرجل عمل لا يبرره المنطق والمصلحة، حيث نخرج المرأة من بيتها
ونأتي بها إلى دواوين الدولة والمعامل والمؤسسات، ثم نطرد الشباب من مكانه ونرده
إلى البيت والشارع، فهذا قلب للأوضاع، وإفساد للمجتمع، وسير بقافلة البلاد إلى
طريق الفوضى والأزمات. |
|
|
لقد تولت
الفطرة السليمة تقسيم العمل بين الرجل والمرأة على نحو عادل، فالزوجة تحمل
الجنين تسعة أشهر في بطنها ثم ترضعه، وتقوم على مهده ومدارج طفولته، وجعلت
القدرة الإلهية ذلك وقفا عليها وحدها
وأعدتها إعدادا خلقيا له لا خيار لها في تقبله أو الفكاك منه، وهي في أثناء ذلك
تتعرض لكثير من الضعف والألم والسقم وغيره مما يوهن عزمها ويضعف صحتها فلا تكون قادرة
على اليسير من العمل. |
|
|
أما
الرجل فقد أعفى مما أعدت له المرأة، وأعفي تبعا لذلك من موجبات السقم والألم،
فكان عليه أن يقوم بالعمل الخارجي ويسعى في جلب قوته وقوت عياله؛ فهو لا يقدر
على حمل الجنين في بطنه وولادته وحضانته وإرضاعه وخدمته، والحنان عليه كما تحضنه
الأم وتشفق عليه، وذلك هو حكم الفطرة، فليست المرأة إذن خادما ذلولا مسخرا لخدمة
الرجل، وليس الرجل معفيا من التكاليف، ولكنهما في تعاون معا على أداء مسؤوليات
الحياة لكل منهما نصيبه، وفي ذلك بعض معنى قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[4]،
ومن ثم ندرك حكمة إعفاء المرأة من النفقة على نفسها وجعل ذلك من واجبات الرجل،
فإنه ما كان يسوغ في منطق العدالة أن يثقلها بالحمل والوضع والرضاعة دون أن يقوم
من جانبه بما يقابل ذلك من توفير النفقة لها. |
|
|
فنحن
إزاء سياسة فاضلة تقوم بتوزيع العمل بين الزوجين على أساس من العدالة التامة
والمساواة والشورى. |
|
|
أهذه
قيمة الإنسان في حضارة المادة ووثنية المال؟ |
|
|
إن كثيرين عندنا يغالطون حين يزعمون أن مساواة المرأة لا تتم إلا أن تقوم بعمل الرجل، وأن سر قوة الغربيين واختراعاتهم في أن المرأة تعمل عمل الرجل وأنّه لا يجوز للمرأة أن تكون عالة على أبيها أو زوجها أو أخيها؛ وإنني أقول: إن هذه الادعاءات ليست إلا مغالطة، ولا وزن لها في ميزان المنطق السليم، فليس الموظف الذي يقبض راتبه من خزينة الدولة يشعر أنّه عالة على الدولة بل يقبض راتبه بكل كرامة واعتزاز لأنّه يؤدي واجبا اجتماعيا نبيلا، والمرأة حين تكون في بيت أبيها قبل الزواج إنما تتمرس على شؤون البيت وأعماله وإداراته، فهي في عمل اجتماعي نبيل ثم إذا تزوجت بعد ذلك فهي في عمل يستغرق كل وقتها، فهل هي حينئذ تكون عالة على زوجها؟ أم أنها ستقوم بأعمال مرهقة قد تكون أكثر إرهاقا من عمل الزوج؟ وحينئذ هل تترك عملها في البيت لتعمل في خارجه؟ أم تقوم بالعملين معا؟! |
|
إن ترك
عملها في البيت لتعمل في الخارج إخلال بنواميس الحياة وخيانة للأمانة التي أوكلت
بالمرأة، وفي قيامها بالعملين معا إرهاق لجسمها، وهو ظلم منها لنفسها ما بعده
ظلم، وظلم من المجتمع لها، فالإسلام حين أراد منها أن تتفرغ لأعبائها وألزم
زوجها أو وليها الإنفاق عليها إنما جعل هذا حقا لها؛ والإسلام بذلك صانها من
الابتذال، وكفاها مشقة العمل فوق عملها المرهق، فهل انقلبت العناية بالمرأة في
نظرها وفي نظر من عميت بصائرهم إلى احتقار وازدراء. |
|
إن على
المرأة أن تتحمل كل ما تحملته المرأة الغربية، في خروجها من البيت وعملها خارجه،
وعليها أن تقبل بكل النتائج في هذا الأمر، فعليها أن تتكفل بنفقات حياتها
ودراستها منذ تجاوز الخامسة عشرة، وعليها أن تعمل كثيرا لتدخر ما تقدمه لمن ترغب
في الاقتران به من مال يرضيه، وعليها أن تشارك الزوج بعد ذلك في نفقات البيت
والأولاد، وعليها أن تستمر في العمل لكسب قوتها، ولا يحق لها أن تطالب أبا أو
أخا أو زوجا بأي معونة، وعليها أن تفتش عن عمل لها أينما كان في المكاتب
التجارية، في المخازن الكبرى، في بيع الجرائد، في الأحذية، في جمع القمامة، في
حراسة الأبنية الكبيرة، في حمل الأثقال لتنظيف المراحيض، في كل ما يشتغل فيه
الرجل، وهذه أعمال نرى أو نسمع أن المرأة عند غيرنا أنها تقوم بها في جميع بلاد
أوروبا، وفي بلاد الاتحاد السوفياتي حيث اقتحمت المرأة في تلك البلاد كل عمل
لتعيش. |
|
هذه هي
حالة المرأة في البلاد التي يريد تقليدها بعض الذين فسدت ضمائرهم على حين أن
المرأة عندنا تبقى في بيتها يكد الرجل ليرعاها، فإذا كانت المرأة عندنا اليوم
ترغب في العمل خارج بيتها، ولا تتعرض إلا لأعمال السهلة لا مشقة فيها فيجب عليها
أن تنتظر الأعمال الشاقة المرهقة كالمرأة الغربية، فمساواة المرأة بالرجال على
ما يزعمون من شأنها أن تجعلها تقوم بكل ما يقوم به كما هو الأمر عند من تريد أن
تقلده. |
|
وأهم ما
في الأمر من خطورة أن فسح المجال أمام المرأة للعمل خارج البيت ينشأ عنه تفكك
الأسرة، وتشرد الأطفال، وهذا من أكبر العوامل في انحلال المجتمع وانهياره، وهو
ما وقع فيه الغرب ودفع بالمفكرين منهم إلى الشكوى والإعلان عن قرب انهيار
حضارتهم نتيجة لذلك. |
|
يقول
أوجست كونت مؤسس علم الاجتماع الحديث في كتابه النظام السياسي: "لو
نال النساء يوما من الأيام هذه المساواة المادية التي يتطلبها لهن الذين يزعمون
الدفاع عنهن فإن ضمانتهن الاجتماعية تفسد على قدر ما تفسد حالتهن الأدبية لأنهن
في تلك الحالة سيكنّ خاضعات لمزاحمة قوية بحيث لا يمكنهن القيام بها". |
|
ولما
كتبت زوجة هيركور الشهيرة بالمدافعة عن حقوق النساء إلى الفيلسوف الاشتراكي
برودون تسأله عن رأيه في مسألة النساء؟ أجابها كما يقول في كتابه ابتكار النظام:
"بأن هذه الجهود المبذولة من النساء لا تدل إلا على علة أصابت جنسهن"،
ثم يقول: "إن حالة المرأة إذا جرت
على النسق الذي تريدينه كما هو حالة الرجل فيكون أمرها قد انتهى لأنها تصير
مستعبدة مملوكة". |
|
ويقول
الفيلسوف الاقتصادي جول سيمون في مجلة المجلات المجلد/17/ كما ينقل الدكتور
مصطفى السباعي في كتابه المرأة بين الفقه والقانون: "النساء قد صرن الآن
نساجات طباعات وقد استخدمتهن الحكومة وبهذا فقد اكتسبن بضعة دريهمات ولكنهن في
مقابل ذلك قد قوضن دعائم أسرهن تقويضا، نعم إن الرجل صار يستفيد من كسب امرأته
ولكن بإزاء ذلك قل كسبه لمزاحمتها له في عمله". |
|
ويقول:
أوغست كونت أيضا: "يجب أن تكون الحياة النسوية منزلية على قدر
الإمكان ويمكن تخليصها من كل عمل خارجي ليمكنها على ما يرام أن تحقق وظيفتها
الحيوية". |
|
ويقول جيوم
فربرو الشهير في أحوال الإنسان وتطوراته في مجلة المجلات المجلد/18/ما يلي: "يوجد
في أوروبا كثير من النساء اللواتي يتعاطين أشغال الرجال ويلجئون بذلك إلى ترك
الزواج بالمرة وأولاء يصح تسميتهن بالجنس الثالث". |
|
ويقول
جول سيمون أيضا: "المرأة التي تشتغل خارج البيت تؤدي عمل عامل بسيط ولكنها
لا تؤدي عمل امرأة". |
|
هذه بعض
أقوال الغربيين ولا يتسع المجال لأكثر من هذا، وأنا لنذكر أن هتلر في آخر أيامه
قد بدأ بمنح الجوائز لكل امرأة تترك عملها خارج البيت وتعود إلى بيتها، وكذلك
فعل موسوليني يومئذ. |
|
إن أهم
حجة يستند إليها المتحمسون لاشتغال المرأة خارج بيتها هو أن اشتغالها يزيد في
الثروة القومية وأن البلاد تخسر كثيرا يقصر عمل المرأة على أعمال البيت عدا ما
فيه من تعويد على الكسل وقتل وقتها بما لا يفيد وتقويض هذه الحجة سهل إذا تذكرنا
الحقائق التالية: |
|
1- أن اشتغال المرأة يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيرا سيئا
باعتبار أن اشتغالها فيه مزاحمة للرجل في ميدان نشاطه الطبيعي مما يؤدي إلى نشر
البطالة في صفوف الرجال كما وقع في جميع البلاد التي أخذت المرأة فيها طريقها
إلى العمل خارج البيت في السوق والمصنع ووظائف الدولة. |
|
2- إذا ثبت أن اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة الرجل كان من
المحتمل أن يكون ذلك الرجل الذي زاحمته أباها أو أخاها فأي ربح اقتصادي للأسرة
إذا كان اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة عميدها والمكلف بالإنفاق عليها. |
|
3- إن مصالح الشعوب لا تقاس دائما بالمقياس المادي فلو فرضنا أن
اشتغال المرأة يزيد في الثروة القومية
إلا أنّه من المؤكد أن الأمة تخسر بذلك خسارة معنوية واجتماعية
ومادية لا تقدر فأي الخسارتين أبلغ ضررا؟ الخسارة المادية أم الخسارة المعنوية
والاجتماعية. |
|
إن النظر
إلى كل فرد في المجتمع كآلة منتجة تهتم الدولة بزيادة إنتاجها هو رجوع بالإنسان
إلى الوراء إلى عهود العبودية والسخرة وهذا ما لا ترضاه الإنسانية الكريمة. |
|
على أن
هذه النظرة المادية لا تنطبق على واقعنا وواقع المجتمعات الأخرى حتى الشيوعية
نفسها، فهنالك في كل مجتمع فئات معطلة عن الإنتاج المادي للتفرغ لأمور هامة
خطرة، فالجيوش والموظفون لا يزيدون في ثروة الأمة المادية، وقد رضيت كل الأمم أن
يتفرغ الجيش لحماية البلاد، والموظفون لإدارة الشؤون دون أن تلزمهم الكسب، فهل
يقال: إن هذا تعطيل للثروة القومية في البلاد؟ |
|
إن خوض
الأمة معارك الدفاع عن حياتها وانتزاع حقها واستقلالها من أيدي الغاصبين ترحب به
كل أمة، بل لا تستطيع أي أمة أن تفعل غيره، فكم تلحق الأمة من خسائر بشرية
ومادية في سبيل الدفاع المشروع وهل يجرؤ أحد أن يدعو الأمة إلى تسريح جيشها،
وعدم شراء الأسلحة والذخائر وصنعها وعدم مقاومة المغيرين بحجة أن في ذلك كله
خسارة مادية وإضرار بالإنتاج القومي والثروة العامة. |
|
لاشك بأن
هؤلاء المنادين باشتغال المرأة خارج بيتها لا يوافقون على حرمان الأمة من جهود
أفراد الجيش والموظفين من الناحية الاقتصادية في سبيل مصلحة أغلى وأثمن من
المنفعة الاقتصادية، إذا كان ذلك كذلك فهل يكون التفرغ لشؤون الأسرة أقل فائدة
من تفرغ الجيش لحماية البلاد!؟، أم يريدون أن ترهق المرأة بالعملين معا، ثم أي
عاقل يعرف خطورة رسالة المرأة في البيت يعتبر تفرغها لأداء هذا الواجب سجنا، فلم
لا نقول: إن الموظف في ديوانه والزارع في مزرعته بأنه في سجن، ثم أي معنى لقول
من يقول: إن وجود المرأة في البيت يعودها الكسل، إن أمثال هؤلاء لا يعرفون متاعب
البيت وأعماله، وكيف تشكو المرأة من عنائه، فما يمسي المساء إلا وهي منهوكة
القوى هذا إذا قامت بواجبها كما يجب. |
|
ومن هنا
ندرك أن الخطر الذي يحدق اليوم بالحضارة الغربية كما أحدق من قبل بالحضارتين
اليونانية والرومانية نتيجة عمل المرأة واختلاطها بالرجال سيحدق بنا نحن مع فارق
واضح وهو أن هذه الحضارات جميعا التي كان تبرج المرأة وخروجها واختلاطها وعملها
خارج البيت مرضا من أمراضها القاضية عليها، قد بلغ أصحابها ذروة الحضارة عندهم،
بينما يحدق بنا الخطر ونحن في بداية طريق النهوض. |
|
ومن
العجيب أن يريد لنا البعض أن نبدأ من حيث انتهى غيرنا وأن نساير غيرنا في أمر
أخذ يعلن أنه سيقضي على حضارته، وليس للأمة مصلحة في استجلاب هذا الخطر إلى
بيوتها وأسرها هانئة تنعم بالاستقرار والتماسك والحب والثقة، الأمر الذي لا
يعرفه غيرنا بعد أن تفشت فيهم تلك الأمراض بل بدأوا يحنون إليه ويعلنون عن أسفهم
للحرمان منه وخلاصة القول في هذا الموضوع: إننا لا بد أن نختار أحد طريقين: طريق
إسلامنا الذي يصون كرامة المرأة ويفرغها لأداء رسالتها كزوجة وأم، وفي سبيل ذلك
يتكفل المجتمع ضمان حاجتها المعاشية، وليس في ذلك غضاضة عليها ما دامت تتفرغ
لأهم عمل فالمرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بشمالها. |
|
أو بين
طريقة الغرب التي ترهقها بمطالب الحياة وتجبرها على أن تكدح وتعمل لتأمين
معيشتها مع وظيفتها كزوجة وأم، وبذلك تخسر نفسها، ويخسر المجتمع استقرار حياة
الأسرة وتماسكها ولهذا علينا أن نختار، ونحن المسلمين ما رأينا خيرا من طريق
الإسلام لأنه نظام الله: {أَفَحُكْمَ
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ}[5]،
فجدير بنا أن نتمسك بإسلامنا لأننا لم نر نساء خيرا من نسائنا ما تمسكن بحجابهن
وتقيدن بأحكام الإسلام وآداب ذلك المجتمع الفاضل الذي أخرج عائشة وأسماء وخولة
ورابعة، وألافا من المربيات الفضليات، اللاتي ولدن أولئك الرجال الذين كانوا
فرسان الميادين والمنابر، وكانوا سادة الدنيا وقادة العالم، وكانت النساء أمهات
أولئك السادة والقادة. |
|
ولنذكر
جميعا قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[6]،
هذا هو الحق وما بعد الحق إلا الضلال. |
|
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ
وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ
بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}[7]. |