|
|
|
إحرص على
ما ينفعك |
|
عبد الله بن أحمد قادري |
|
المدرس بالمعهد الثانوي |
|
|
|
في حالة واحدة فقط تستطيع أن تكون شجاعا
شجاعة نادرة لا توجد إلا في شخص اتصف بصفتك التي بسببها اكتسبت تلك الشجاعة
النادرة تلك هي أن تكون مسلما حقا. |
|
وإذا كان الأمر كذلك فيجب على المسلم ولا
سيما الداعي إلى الله أن يتجلى بصفة عظيمة بها نجح الأنبياء والرسل وكل داع إلى
الله. تلك الصفة التي تتلاشى أمام صاحبها كل الصعاب ويصغر في عينه كل جبار
عنيد.. ويكون المتحلي بها دائما رابط الجأش هادئ البال لا يتزلل لحدوث مصيبة أو
إرجاف مرجف، ولا يجبن عند لقاء عدو في معركة حرب مسلحة سافرة، ولا يتهيب من قول
حق في أي مقام وفي أي مناسبة ولأي فرد أو جماعة، لأنه واثق من استعلائه واندحار
عدوه.. |
|
لماذا! لأنه يتحصن بحصن منيع الجانب لا تهدده
آلات الهدم عالي الأسوار، لا يتسلقها متسلق بسلمه، ولا يعلوها فضائي بقمره
الصناعي، ولا تؤثر فيها قذائف مدفعي ماهر. |
|
إنها تلك الصفة العظيمة التي وقف بها هود
عليه السلام بمفرده أمام قومه عاد العتاة الأشداء الذين كانوا يتحدون عالم
زمانهم ويقولون: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة}
وقف هود أمامهم يتحدى جموعهم ويقلل من شأنهم ويحتقر قوتهم المادية، كما يسخر
من آلهتهم التي كانوا يظنون أنها تصيب من تشاء بمكروه، كما قال تعالى في سورة
هود عن قومه المكذبين: {إِنْ نَقُولُ إِلاّ
اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} أي أصابك بعض معبوداتنا
بمكروه من جنون ونحوه. |
|
فماذا كان جواب نبي الله هود عليه السلام؟ |
|
قال {إِنِّي
أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ
فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} يا سبحان الله! شخص واحد
من البشر ليس له نصير من البشر اشتد حقد قومه الطغاة مجتمعين عليه ثم يقول لهم: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ}!؟ |
|
إن هذا الموقف في عرف الناس وطبيعتهم البشرية
يعتبر لأول وهلة تهور أو إلقاء بالنفس إلى الهلاك، وتركا لما يجب من الاتزان
والحكمة التي يحفظ الإنسان بها نفسه، وإذن فيحق للمرء عندما يرى هذا الموقف الذي
وقفه هود أن يتساءل: لماذا وقف هذا الموقف الذي يظهر لأول مرة أنه في غير محله،
لأن بعض القوم وليس كلهم في استطاعتهم أن يهجموا عليه فيقتلوه، أو يحبسوه، أو
ينفوه من أرضه، فتنقطع بذلك دعوته التي يجب عليه أن يلتمس لها سبل النجاح! |
|
نعم يتساءل المرء هذا التساؤل عندما يقيس
الأمور بمقاييسها الأرضية، ولذا أجاب ربنا على هذا التساؤل جوابا شافيا كافيا
يلفت النظر البشري الأرضي إلى أن الأمر أعلى وأعظم من ذلك التصور الذي نشأ عنه
هذا التساؤل، أنه أمر سماوي عظيم بعيد عن مقاييس البشر القاصرة، إنها تلك الصفة
العظيمة تفويض العبد كل أموره إلى ربه تعالى واعتماده عليه اعتمادا كاملا، موقنا
أن كل المخلوقين لا يقدرون أن يصيبوه بمكروه لم يرد الله إصابته به، كما أن كل
المخلوقين لا يقدرون أن يؤتوه خيرا لم يرد الله إيتاءه إياه.. |
|
إنها صفة التوكل؛ ولذا قال بعد ذلك التحدي: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم}
أي خالقي وخالقكم المتصرف في وفيكم وفي العالم كله {مَا
مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} وهو سبحانه حكيم
عادل يضع الأمور في مواضعها وينصر من يستحق النصر ويخذل من يستحق الخذلان لا
يحيف ولا يجور {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ}. |
|
وكل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام
كانوا يلجئون إلى هذا الحصن المنيع عندما تحيط بهم المصائب والمحن وتتآمر عليهم
قوى الشر والعدوان بالحديد والنار وأنواع التعذيب، ومنهم خاتمهم وإمامهم نبينا
محمد - صلى الله عليه وسلم - ، الذي ضرب
المثل الأعلى في الاعتماد على ربه أمام
أعدائه سادة قريش العتاة الذين اشتد غيظهم عليه وتألبوا ضده وعملوا بكل جهد وبكل
وسيلة يطيقونها على أن يقبروه ليقبروا معه دعوته، وآذوه بكل أنواع الأذية
باللسان تارة وباليد أخرى في مكان سنحت لهم الفرصة فيه حتى بيت الله الحرام. |
|
ومع ذلك كله وقف - صلى الله عليه وسلم -
أمامهم صامدا صمود الجبال الراسية أمام الأعاصير، لا يزيده آذاهم إلا صلابة
وبقاء على مبدئه وعقيدته، وشجاعته نادرة إذ كان يسب آلهتهم ويسفه أحلامهم وعقول
آبائهم، غير مبال ولا مكترث بما حصل ويحصل من الأذى الذي لا يطيقه إلا من رزق
الاعتماد على الله، وتبعه على ذلك أصحابه رضي الله عنهم القلة المستضعفون الذين
يطول ذكر بلائهم في سبيل الله دون أن يتزلزلوا أو تخور قواهم ليتراجعوا قيد شبر
عن مبدئهم الذي آمنوا به. |
|
قل لي بربك: لماذا كل ذلك؟ |
|
إنه وربي الاعتماد الكامل على خالقهم الذي
سلموا له أنفسهم بقولهم (لا إله إلا الله) عن إيمان صادق به وبرسوله محمد - صلى
الله عليه وسلم - اعتمدوا عليه واثقين من وفائه بوعده بنصرهم وخذلان أعدائهم،
كما قال تعالى: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت
أقدامكم}. |
|
ولنأخذ بعض الآيات القرآنية في هذا الباب
لنرى تكيف رسل الله عليهم الصلاة والسلام ولا سيما خاتمهم محمد - صلى الله عليه
وسلم - وأصحابه الكرام بها. |
|
1ـ
أخبر الله تعالى ورسوله وأصحابه بأنه وحده المالك المتصرف ينصر من يشاء ويخذل من
يشاء، فإن أراد نصرهم لم يقدر أحد على خذلانهم وإن أراد خذلانهم لم يقدر أحد على
نصرهم، ثم أمرهم بالاعتماد الكامل على ربهم دون من سواه لينالوا نصره إياهم على
أعدائهم فقال: {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ}, {إِنْ يَنْصُرْكُمُ
اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ
مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. |
|
2ـ
جعل الاعتماد عليه وحده دليل الإيمان فقال: {وَعَلَى
اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. |
|
3ـ
حصر المتصفين بالإيمان الكامل فيمن اتصف بخمس صفات هي: الخوف من الله عند ذكره،
وزيادة الإيمان به عند سماع آياته، والاعتماد عليه، وإقام الصلاة، والإنفاق من
رزق الله فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ, الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ, أُولَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}الآية. |
|
4ـ
أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه المؤمنين بالاكتفاء به أي
الاعتماد عليه وحده فقال: {يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. |
|
5ـ
أخبر سبحانه أن من اعتمد عليه كفاه فقال: {وَمَنْ
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}. |
|
6ـ
أخبر الله تعالى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه تكيفوا بتلك الصفة
التي حثها عليها وأمرهم بها في أحرج المواقف التي بلغت فيها القلوب الحناجر، حتى
لقد ازدادوا بها إيمانا وثقة بربهم، وإن الذي يفقد هذه الصفة عند نزول الشدائد
هم المنافقون والذين لم يدخل الإيمان قلوبهم فقال عن المنافقين: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} وقال عن المؤمنين: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا
وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ
إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}. |
|
7ـ
أخبر الله تعالى عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه المؤمنين أن إرجاف
المرجفين وتجمع الأعداء ضدهم مهما كانت قوتهم وكثرتهم لا يزيدهم إلا إيمانا
اعتمادا على ربهم، إذ جاء المرجفون يخوفون الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وأصحابه بجموع الأعداء من قريش الذين يريدون القضاء عليهم وعلى عقيدتهم {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}. |
|
وهذه الكلمة نفسها: حسبنا الله ونعم الوكيل،
قالها إبراهيم أيضا حينما ألقي في النار كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله
عنهما. |
|
8ـ
أخبر الله عن مؤمن آل فرعون أنه عندما ألقى كلمته الأخيرة وأحس بالخطر منهم لجأ
إلى ربه معتمدا عليه وحده ليخلصه من القوم، وقد خلصه الله من مكرهم وخذل أعداءه،
وجازاهم بما يستحقون، حيث قال تعالى: {فَسَتَذْكُرُونَ
مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ, فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ
سُوءُ الْعَذَابِ}. |
|
تصويب وتخطئة: |
|
علم مما
مضى من البحث أن التوكل على الله من الأسس الهامة التي قام عليها دين كل رسول،
وأن الإيمان لا يصح بدون توكل، وأن المراد بالتوكل تفويض العبد كل أموره الدينية
والدنيوية إلى ربه تعالى، مع الأخذ بالأسباب، وهو أمر واضح لا لبس فيه ولا خفاء
على من فهم دين الإسلام فهما صحيحا لا انحراف فيه.. |
|
غير أن هناك بعض من جنى على الإسلام ممن لا
يفهموه على وجه العموم، كما لم يفهموا التوكل على الله على وجه الخصوص، كما أراد
الله تعالى، ففرط بعضهم وأفرط آخرون؛ ولهذا رأيت أن أبين تفريط المفرط وغلو
الغالي وصواب المصيب معتمدا في التخطئة والتصويب على نصوص الشريعة التي يسلك
سبيلها العقل الصحيح والفطرة السليمة. |
|
فأقول وبالله تعالى توفيقي وعليه توكيلي
واعتمادي: |
|
إن الناس في فهم التوكل ثلاثة أقسام: |
|
القسم الأول: |
|
أفرط وبالغ فرأى أن التوكل على الله المراد
منه ترك الأسباب التي جعل الله مسبباتها مربوطة بها، فعمل هذا القسم بهذا الفهم
الخاطئ حتى رأى بعضهم أن من التوكل على الله الإلقاء بالنفس في المفازات الخالية
بدون حمل زاد ولا ماء، وأن من التوكل ترك التداوي مهما بلغ المرض من الخطر،
ومعنى هذا أن التوكل أن يلقي الإنسان بنفسه في المهالك التي يترجح فيها عادة ضرر
الموت فما دونه، دون أن يتخذ وقاية مباحة، وهو أمر عجيب يبرأ منه الدين وحاملوه
الفاهمون لحكمه وأسراره كما يأتي بيان ذلك في القسم الثالث إن شاء الله تعالى. |
|
القسم الثاني: |
|
فرط وأساس تفريطه أنه فهم معنى التوكل ما
فهمه القسم الأول، وقارن بين ذلك الفهم وبين السنن الكونية والأسباب المباحة
الطبيعية فتعارض عنده الأمران، وصعب عليه التوفيق بينهما بمقتضى هذا الفهم، فرجح
جانب الأسباب مستقلة بمسبباتها توجدها إذا شاءت وتعدمها إذا أرادت، وكلا الفهمين
خطأ، وكلا الفريقين ضال والصواب الذي لاشك فيه هو: |
|
القسم الثالث: |
|
فهو التوكل على حقيقته وهو: تفويض الأمور
الدينية إلى الله تعالى، وتفويضها إليه يستلزم كلا من الاعتماد عليه لأنه أمر به
والأخذ بالأسباب لأنه هو الذي جعلها أسبابا، وطلب هذا هو مقتضى التفويض الكامل
يعتقد صاحبه أن هناك أسبابا يجب أن تعمل لتوجد مسبباتها، كما يعتقد أن الأسباب
والمسببات جميعا تحت تصرف القدرة الإلهية إذا شاء الله للأسباب أن تؤثر في
مسبباتها أثرت، وإن شاء أن يبطل ذلك التأثير أبطله، ويعتقد أن عليه أن يأخذ
بالسبب دون أن يتلكأ ما دام يعرف أنه غير محظور مع الاستعانة بالله والاعتماد
عليه ولا يعتقد أن السبب - مجردا - كفيل بوجود المسبب، ويتضح المراد من البحث
السابق بأمور كثيرة نذكر منها ما يلي: |
|
1ـ
أن الله جعل الأكل سببا في إذهاب الجوع، وهو أمر لا يستطيع أن يكابر فيه أحد،
ومع ذلك قد يوجد من يأكل ولا يشبع إذا ما أراد الله ذلك، وقد أنبأ من أثق به أنه
يعرف شخصا كان يأكل طوال الليل والنهار إذا استطاع وأنه لا يشبع، فكون الأكل
مذهبا للجوع يوجب الأخذ بالسبب، وكونه قد لا يذهبه يوجب الاعتماد على الله في
إذهابه. |
|
2ـ
وجعل الله الشرب سببا في إذهاب العطش، وهو أمر واضح كذلك، ومع ذلك قد يوجد من
يشرب ولا يروى، كالإبل التي تصاب بداء الهيام، فكون الشرب مذهبا للعطش يوجب
الأخذ بالسبب، وكونه قد يوجد من لا يذهب الشرب عطشه يوجب الاعتماد على الله. |
|
3ـ
وجربت كثير من الأدوية لشفاء كثير من الأمراض، ومع ذلك قد يوجد من يداوي بتلك الأدوية
لتلك الأمراض ولا يشفى، فكون الدواء مذهبا للداء يوجب الأخذ بالسبب، وكونه قد
يوجد من لا يفيده ذلك يوجب الاعتماد على الله. |
|
4ـ
والعادة في التفوق العسكري في العدد والعتاد والخبرة موجب لنصر من توفر ذلك له
وهزيمة عدوه، ومع ذلك قد يوجد من هو متفوق عددا وعدة وخبرة ثم ينهزم أمام من هو
أضعف منه في ذلك، فكون القوة موجبة للنصر موجب للأخذ بالسبب، وكونه قد ينهزم من
توفر له ذلك يوجب الاعتماد على الله، والأمثلة لذلك لا تستطاع حصرا. |
|
ولنلقي نظرة خاطفة على موقف الأديان السماوية
من فهم التوكل على الله متمثلا في أئمة الهدى وقادة الخير رسل الله عليهم الصلاة
والسلام. |
|
1ـ
فهذا نوح عليه السلام يأمره ربه الذي يقول للشيء كن فيكون أن يصنع سفينة لينجو
فيها هو وأتباعه المؤمنون عندما يعم الطوفان الأرض فيهلك كل من لم يكن فيها،
فأمره الله بصنع سبب طبيعي مع أنه قادر على أن ينجيه وقومه بدونها ولم ينس نوح
ربه الاعتماد عليه حينما أراد الركوب في السفينة إذ قال لقومه: {ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا
إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}. وكذلك موسى حينما أراد الدخول ببني
إسرائيل البحر بأمر ربه ليخلص بهم من فرعون وقومه الذين كتب هلاكهم، أمره ربه أن
يضرب بعصاه البحر فضربه فانفلق، مع أن الله قادر على فلقه بدون العصا، وماذا
كانت تفعل العصا لولا قدرة الله التي كانت وراءها. |
|
2ـ
وهذا إبراهيم عليه السلام يأخذ بالسبب الطبيعي لنجاته من قومه الذين ما كانوا
ليدعوه لو بقي عندهم يدعوهم إلى دين الله الحق، فقرر الهجرة إلى أرض أمره الله
بالهجرة إليها، وعندما ألقى في النار لم يتزلزل ولم يضعف لاعتماده على ربه الذي
جعلها بردا وسلاما عليه. |
|
3ـ
وكذلك موسى عليه السلام عندما قتل القبطي وتآمر القوم ليقتلوه فجاء من نصحه
بالخروج لم يتلكأ بل خرج من فوره آخذا بالأسباب الطبيعية، ولم ينس ربه بل أظهر
اعتماده عليه، قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ
أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ
بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ, فَخَرَجَ مِنْهَا
خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}،
فخروجه أخذ بالسبب، ونداؤه ربه ليسلمه من أعدائه اعتماد على الله. |
|
4ـ
وهذا خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام يختفي في الغار ثلاثة أيام مع صديقه - رضي
الله عنه - ويقول له عندما يراه يخاف عثور القوم عليهم: ما ظنك باثنين الله
ثالثهما! ويقول الله عنهما: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ
فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ
إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ
مَعَنَا}، فاختفاؤه - صلى الله عليه وسلم - في الغار أخذ بالسبب
الطبيعي وقوله: إن الله معنا، اعتماد على الله تعالى. |
|
ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا عدوى ولا طيرة"، حثاً على التوكل وعدم
اعتقاد أن السبب مستقل بنفسه، ويقول: "فر من
المجذوم" ، حثا على الأخذ بالأسباب الطبيعية... ومن أجمع الأحاديث
النبوية وأكملها في الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله تعالى حديث أبي هريرة
عند مسلم قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله
من المؤمن الضعيف وفي كل خير، إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن
أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل
فإن لو تفتح عمل الشيطان". |
|
فقد حث في هذا الحديث على الأخذ بالأسباب
عموما دينية كان أو دنيوية بقول: "احرص على ما
ينفعك"، وقوله: "ولا تعجز"،
كما حث على التوكل والاعتماد على الله بقوله: "واستعن
بالله"، وقوله: "وإن أصابك شيء فلا
تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل"؛
فما ينفعك شر أن تسعى في حصوله وما يضرك شر أن تسعى في دفعه؛ فإذا بذلت
جهدك ثم لم يحصل لك المطلوب ولم يندفع عنك المكروه
فعندئذ يجب عليك التسليم والصبر على قدر الله، فلا تقل قبل السعي في ذلك: قدر
الله وتتقاعس عن مصالحك؛ فإن هذا عجز وقد نهاك الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عنه ومن أين علمت أن ذلك قدر ولا دافع له، وما أدراك لعل النهاية تكون في صالحك،
وأحب أن أضرب لك مثالين يوضحان المقصود: |
|
الأول: لو فرضنا أن
مقاتلا مسلما أصيب من قبل العدو بجروح خطيرة والإسعاف على أتم استعداد لمعالجته
فامتنع من العلاج وقال: قدر الله علي الموت بهذه الجروح فهل يجوز له ذلك؟ |
|
أقول لا يجوز ذلك لأمور: |
|
الأول: أن في ترك التداوي عندئذ تعريضا
لتعذيب نفسه وازدياد آلامه وانبعاث الروائح الكريهة منه. |
|
الثاني: أنه لا يدري عن تقدير الله فلعل أجله
يكون طويلا أكثر مما يتصور فهو عجز منهي عنه. |
|
الثالث: أن في معالجته عمل سبب قد يكون في
صالح المسلمين في الوقت القريب ضد أعدائهم الكفار، ولو أخر التداوي طال وقت ضعفه
الذي يمنعه من معاودة جهاد أعدائه. |
|
المثال الثاني: لو فوجئ أهل بلدة
ما بهجوم شديد من أعدائهم الكفار، فهل يجوز لهم : قدر الله ويستسلموا للعدو
يستحل دماءهم ويستبيح أموالهم ونساءهم ويعيث في أرضهم الفساد؟ |
|
لاشك من له أدنى مسكة من عقل فضلا عن المسلم
أن ذلك لا يجوز وأنه يجب أن يعمل أهل البلد بالأسباب المستطاعة ضد عدوهم فإن
نصروا حمدوا الله وقد عملوا جهدهم، وإن هزموا فعند ذلك يقولوا: قدر الله وما شاء
فعل. |
|
وعند الترمذي وابن ماجة والحاكم عن عمر عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير
تغدو خماصا وتروح بطانا"، رمز له السيوطي في الجامع
الصغير بالصحة، وقال شارحه المناوي: "قال الترمذي: حسن صحيح وقال الحاكم
صحيح وأقره الذهبي ورواه النسائي عنه أيضا" (5-311) مناوي. |
|
ولنقف قليلا متأملين في معنى هذا الحديث فالطير تعرف مصالحها ومضارها وتسعى لحصول الأولى ودفع الثانية، لكنها ليست كالآدميين تعرف الأشياء بالتفصيل، فهي تطير من أكنانها في أرض الله لا تدري ماذا تصيب في يومها، فيسهل الله أرزاقها وأرزاق أفراخها الصغار التي لا حول لها ولا قوة، فترجع وقد شبعت وتزودت، وكذلك الآدمي إذا سعى لحصول رزقه وتوكل على ربه سهل له رزقه؛ فالتوكل الحقيقي هو التفويض الكامل لجميع الشؤون الدينية والدنيوية إلى الله سبحانه مع فعل السبب والاعتماد على الله في حصول السبب بدليل ما في هذا الحديث. |
|
فالطير التي هي المشبه به لم تبق في أكنانها
حتى يأتيها رزقها، وإنما تخرج منها جياعا متنقلة من مكان إلى آخر حتى يرزقها
الله فترجع شباعا. |
|
ولنتأمل بعض آيات القرآن الكريم التي يحفظها
العامي كالعالم، ويقرؤها كل منا مرارا في اليوم في كل ركعة من صلواتنا فرضا كانت
أو نفلا لنجد أنه لابد من الجمع بين الأمرين: فعل السبب والاعتماد على الله
والاستعانة به في حصول المسبب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم} الخ، فكل
مصل يقصد من صلاته - بعد امتثال ربه - ثوابه بدخول الجنة فالعبادة سبب ودخول
الجنة ورضا الله مسبب، ولكنه لا يعتمد على مجرد المسبب بل يعتمد على الله مع ذلك
ويستعين به في ذلك ويسأله الهداية ولهذا يقول:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم}. |
|
ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -
كعادته في كل بحوثه - في هذا البحث بكلام قليل جامع بين فيه مواقف الناس من
التوكل على الله والأخذ بالأسباب وثمرات تلك المواقف فقال:- يعني الله تعالى – "الذي
خلق السبب والمسبب والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله سبحانه وتعالى وإذا
كان كذلك: |
|
1-
فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. |
|
2-
ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل. |
|
3-
والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. |
|
4-
بل العبد يجب أن يكون توكله وداؤه وسؤاله ورغبته إلى الله سبحانه وتعالى والله
يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيره ما شاء". (1-13) مجموع
الفتاوى. |
|
وقال تلميذه ابن القيم رحمه الله: |
|
"وقد
تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها والأمر
بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش والحر
والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله
تعالى مقتضية لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في
الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها إن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجز
ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد دينه
ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب،
وإلا كان معطلا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله عجزا".
(ص69 فتح المجيد). |
|
والخلاصة أن المتوكل الحقيقي من حرص على ما
ينفعه فبذل الأسباب في حصوله واعتمد على ربه في ذلك، وعلى دفع ما يضر فبذل
الأسباب لدفعه واعتمد على ربه في ذلك وصبر على قضاء الله الذي لا راد له، وعلم
أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه، وكان شجاعا لا يخاف إلا ربه
سبحانه وتعالى. |
|
هذا وأرجو أن أكون قد وفقت لبيان جانب كبير
لهذا البحث الهام، وأن يغفر الله خطئي إن كنت أخطأت فإن: "كل بني آدم
خطاءون وخير الخطاءين التوابون"، وصلى الله وسلم على
نبينا محمد وعلى آله وصحبه. |