طباعة

 توثيق النص

 

 

 

أيها الشاعر مهلا

بقلم الشيخ رمضان أبو العز

 

 

كتب الأستاذ محمود غنيم كلمة رثاء عن أحمد حسن الزيات نشرتها له مجلة الوعي الإسلامي التي تصدر في الكويت وعنوان الكلمة ذكريات عن أحمد الزيات وذلك في عدد الوعي المؤرخ غرة صفر 1389.

والأستاذ محمود غنيم من شعرائنا النابهين، أجاد القول في كثير من أغراض الشعر وبوجه خاص في الإسلاميات فله فيها شعر جيد.

وقد ضمن الأستاذ الشاعر كلمته عن محاسن الزيات ومدائحه الشيء الكثير لا من حيث أسلوب الزيات فحسب بل وفي النواحي الأخلاقية وما إليها وذلك كقوله: "انقطعت بموت الزيات آخر حلقة من سلسة كتاب النثر الفني أمثال المويلحي والمنفلوطي والسيد وتوفيق البكري ومصطفى صادق الرافعي وصادق عنبر وغيرهم".

وكقوله: "وعندي أن أسلوب الزيات وأضرابه أجدر بأن يطلق عليه الشعر الحر".

وهذا الذي ذكره الأستاذ الشاعر مما لا ينازعه فيه أحد بل أعتقد أن الأستاذ الزيات سامي في الأسلوب فرسان مدرسة ابن العميد التي يطلق عليها طبقة (الشعر المنثور).

ولكن الذي حز في النفس أن يتغاضى الشاعر عن الزلة الكبرى التي ختم بها صاحبه حياته تلك التي كادت أن تلحقه بالدرك الأسفل من النفاق والكفر البواح.

أعاذك الله أيها الصديق من سرف الهوى ومن جموح العاطفة ومن جور الميزان ومن الانحراف عن قصد السبيل.

لقد كنت أولى الناس ببيان الهاوية السحيقة التي تردى فيها الزيات بل بتجسيمها وتضخميها، وشدة حرصه عليها؛ فلو قد فعلت ما كان عليك أدنى ملام، بل كنت أحرى لأنه إنما وقع في أعز شخصية وفدت على الوجود أعز علينا من آبائنا وأبنائنا وأنفسنا التي بين جنبينا: شخصية خير البشر محمد - صلى الله عليه وسلم -.

كيف تغاضيت أيها الصديق عن كلمة الزيات المجرمة في حق وحدة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ثم في حق وحدة صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه.

كيف تغاضيت عن قول الزيات : "كانت الوحدة المحمدية كلية عامة لأنها قائمة على العقيدة ولكن"، ثم انظر كيف استدرك على الوحدة المحمدية، استدرك بقوله: "ولكن العقيدة قد تضعف وقد تتحول"، قبح من استدراك وقبح من رضي به

ثم يقول عن وحدة صلاح الدين: "وكانت الوحدة الصلاحية قائمة على السلطان" هكذا ثم استدرك استدراكا آثما بقوله: "ولكن السلطان قد يضعف وقد يزول".

ثم جاء بالوحدة التي لا استدراك عليها في رأيه الخائب بقوله: "أما الوحدة الفلانية فلها ضمانات الاشتراكية في الرزق والحرية في الرأي والديمقراطية في الحكم".

وبذالك فاقت هذه الأخيرة الوحدتين السابقتين وكانت أمكن منهما لقوله بعد ذلك: "وهذه الضمانات لها البقاء والخلود".

لقد سخر القدر أيما سخرية من القزم الذي تطاول على أمثل وحدة بجعلها دون وحدة عبيد أو زيد بأن انفصمت ومزقت شر ممزق وحدة عبيد هذه بعد بضعة أيام من لوثة الزيات، ولكنه لم يرعو ولم يصحح خطأه بعد هذا الانفصام الشنيع.

إن هؤلاء الذين قرنت الزيات بهم كانوا من متانة الخلق والدين بمكان؛ فهذا الشيخ علي يوسف والمنفلوطي وغيرهم رغم ظروفهم القاسية لم تزل بهم قدم كما زلت بصاحبك، أما الرافعي فلو كان حيا ساعة لوثة الزيات لصنع له سفودا أذاب به شحمه وورمه وكان جديرا بأن ينسيه وساوس الشيطان رحم الله الرافعي رحمة واسعة.

أكانت تعاليم محمد - صلى الله عليه وسلم - أقل حرية وديمقراطية من عبيد أو زيد، أيعقل هذا كبرت كلمة تخرج من فيه، ومع هذا وبعد هذا تجعله أيها الصديق من عباد الله المخلصين وتستمطر رحمة الله عليه بقولك: "رحم الزيات رحمة واسعة وجزاه على ما أسلفه من خير للعرب والأدب أحسن ما يجزي عباده المخلصين".

أي إخلاص يا صديقي، إن كان ثمة إخلاص فهو إخلاص للمردة والشياطين، ولن يكون بحال إخلاصا لرب العالمين.

أيها الشاعر: زن دعاءك كما تزن شعرك، ولا تخبط كما يفعل الذين لا يعلمون، فلقد هوى الزيات بسقطته إلى الدرك الأسفل من النفاق.

ولا يجمل بمثلك أن تمر على هذه الزلة الشنيعة مر المتستر على الجريمة، أو مر من آوى محدثا، لكأني بك إنما أردت الوفاء للزيات بعد غيبه الثرى، ولكن يا صديقي إن هذا الوفاء في غير محله، إذ كيف توفى لرجل لم يوف هو لنفسه بل خان حياته وماضيه، فخسر نفسه ثم انظر كيف حط من قيمة صلاح الدين رحمه الله، وذلك بقوله: "أما الوحدة الصلاحية فقد قامت على السلطانالخ"، فكأنه يقول إنها قامت لمجرد السلطان وليس لله فيها شيء، ومن هذا الذي حط من شأنه، إنه قاهر أوربا الصليبية مجتمعة، ولكن هل يستغرب هذا من رجل حط من وحدة خير البشر جميعا.

أو كأنك - يا صديقي - إنما أردت تعمل بقول بعضهم: "اذكروا محاسن موتاكم" وما هو إلا كلام عامي لا يزن بميزان الحقيقة شروى نقير؛ بل الواجب التبيان حتى لا ينخدع قارئ بمديحك له فكان الواجب أن تذكر بدلا من هذا قوله تعالى: {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون َلا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ، ولا  شك أن اعتباره وحدة الرسول - صلى الله عليه وسلم -  دون وحدة عبيد أو زيد تلك التي ولدت ميتة لهو أكبر استهزاء بالله ورسوله.

كان الأولى بك أن تقذفه بشعرك التهكمي حتى بعد موته حتى لا ينخدع قراؤك ويمرون المسألة كأن لم يكن هناك شيء من مثل هذا الشعر الذي أنشدتنيه يوم أن كنا معا بالزقازيق الذي قلته في كفيف مصر:

كفيف بمصر (طوى) المبصريـ

ن وأمسى يقود زمام العلوم

وسوف يعيـن عمـا قـريب

بحلوان يرصد فيهـا النجوم

وسقطة الزيات طمت وزادت على زلة الكفيف.

والأدهى والأمر ألا يعتنق الزيات الزيغ والضلال إلا عندما شارف أجله على الانتهاء في اللحظة التي يؤمن فيها الكافر ويتقي الفاجر ـ نعوذ بالله من سوء الخاتمة ـ

كان الواجب ياصديقي أن تحذو حذو شاعر آخر أصاب المحز بل أن تسبقه وتكون أنت قدوته، قال الشاعر الأديب للزيات:

رويدك قد جاوزت سبعـين حجـة

ودوم في عينيك - لو تبصر - القبر

أراك ركبت الصعب والصعب جامح

وعظمك وهـن والمـدى مهمه قفر

وصيدك ختـال يلـوح ليختفي

ويقصر عنه السيف والقوس والصقر

دع الغي للفتيان يرجى رشادهم

ويرجى لهم من خبط عشوائها عذر

لقد ذكرت أن الزيات ترجم (رفائيل) وهي لأكبر شعراء فرنسا (لامرتين) فكيف غاب عنه قول(لامرتين) في حق الوحدة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

قال لامرتين: "ضآلة الوسائل التي استخدمت مع عظم النتائج التي حصلت، إذا أردنا أن نحكم على هذا الرجل فمن في الوجود نستطيع أن نقرنه بمحمد؟"، وهو لاشك استفهام إنكاري من أبرع ما يمكن.

إنه لا أسلوب الزيات ولا شهرته ينفعان في زحزحة هذا الكفر البواح الذي نطق به.

وكان لزاما عليك أيها الصديق حين مدحت خلقه وحياته أن تذكره بهذه الزلة {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}

وأخيرا كلمة عتاب إلى الأخ عبد المنعم النمر رئيس تحرير (الوعي): كيف تغاضيت عن التعليق الواجب بعد الكلمة مباشرة "فإلى متى يا قوم إلى متى نجامل على حساب الدين"، وعلى حساب سمعة نبينا عليه الصلاة والسلام، والبيان الواضح الجلي في هذا المقام حتم لزام.