طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رسائل لم يحملها البريد

بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

 

 

شقيقي القمر:

وهكذا جاءت الأنباء تقول: لقد عاد أول القادمين إليك من أبنائي سالمين، فقد أشفقت عليه النوائب، وأمهله الموت.

لقد هزت هذه العودة أبنائي المبثوثين على ظهري هزا عنيفا، ورجتهم رجا، وتركتهم في أمر مريج، فمصدق ومكذب، وحائر تجحظ عيناه، ولا تنبس شفتاه.

تركت أبنائي وشأنهم، يتحاورون ويعجبون، ورحت أرقص فرحا، واهتز مرحا، وأملأ الفضاء حبورا، ولم لا أفعل هذا يا شقيقي القمر؟!، وأنا التي تكابد الشوق إليك منذ آماد بعيدة، وتعاني حرقة الصبابة من حبك كر الغداة ومر العشي، وتخشى أن يصيبك السوء على تطاول العصور والأحقاب.

لقد كتب الله لي النجاح، وبلغني ما كنت أؤمل، وجاءتني البشرى بما تتمتع به من حياة طيبة، ومنعة، وشباب، كعهدي بك أيام الطفولة، أفلا يحق لي أن أفرح وأمرح، وأتيه تيه الفائزين، وأزهو زهو الظافرين؟!.

الله يعلم كم بذلت في سبيل لقياك من جهد ومال ورجال، وكم تحملت من سهر ودأب ونصب، فحري بي اليوم أن أطيب نفسا، وأن أقر عينا، وأن تبتل جوانحي، وأن يسكت عني القلق والخوف.

ولكن…. ولكن أخشى ما أخشاه - الأخ الكريم - أن تكون قد أصابتك حمى الحسد والغيرة، حين هبط على سطحك أول رائد؛ فأخذت تقول لنفسك: وأنى لهذه الأخت أبناء يجبون الفضاء، ويطيرون من كوكب إلى كوكب، وقد عهدتها جرداء بلقاء، لا تعرف الأنس ولا الجان، ولا النبات ولا الحيوان؟!.

شيء مؤسف ـ أيها الأخ الكريم ـ أن يطوف بي طائف من هذه الظنون، وأن أفصح عنه في أول رسالة أبعث بها إليك، ولكني خشيت أن يتصيدك الشيطان فيمن تصيد، وأن يوقع بيننا العداوة والبغضاء؛ فقد علمتني تجارب أبنائي ما لا تعلمه أنت، فكم من صديقين حميمين، أو أخوين شقيقين، غنى أحدهما ولم يغن الآخر، أو طار أحدهما في الآفاق، وبقي الآخر فوق ثراى، فأغرى بينهما الشيطان؛ فإذا هما عدوان لدودان.

لهذا أحببت أن أصارحك بدأة ذي بدء، إبقاء على ما بيننا من ود، وصلة أرحام بيننا ونسب.

الحق - أيها الأخ الكريم - أن حالتي في كثير من أمرها ليست بالحالة التي تبعث على الحسد، أو تثير الغيرة في نفس أخ كريم مثلك، فمذ هبط آدم على ظهري، وأنا أعاني من أبنائه شرا مستطيرا، وأسأل الله مخلصا أن يعجل بيوم القيامة، لأتخلص من هؤلاء على ظهري، ومن أولئك الذين هم في بطني، فيلقى كل منهم ما يستحق من نعيم الجنة، أو عذاب السعير.

لست ممن يجحدون نعم الله عليهم، أو يستخفون بها، ولا يشكرون حق على أن أعترف أن في بني آدم رجالا ونساء هم مناط عزتي وفخاري، إذا ما تنافست الكواكب، وتاه بعضها على بعض، إنهم لجديرون حقا أن تغبطني فيهم، وأن تتمنى على الله أن لو كنت حملت على ظهرك أناسا أمثالهم.

لست الآن بسبيل أن أعدهم لك، أو أقص أخبارهم عليك، ولكن رجلا على رأسهم لن أنساه ما حييت، و لا يستطيع قلمي أن يمسك عن الكتابة دون أن يذكر اسمه،ذلك هو محمد، وما أظنك إلا قد سمعت هذا الاسم، وما أظنك إلا قد عرفت خبره، فذكره قد طار في كل سماء، وحط في كل كوكب.

لا تتسع هذه الرسالة لأن أذكر غيره من المرسلين والنبيين، ومن علماء الدنيا والدين، ومن الشهداء الأبرار، وأبطال الحروب الأخيار، ومن المصلحين الذين أخلصوا في العمل، والأدباء الذين صدقوا في القول.

لا تتسع هذه الرسالة لأن أذكر غيره، ولا يتسع له الوقت، فمذ قتل قابيل هابيل وأنا أتمنى على الله أن ييسر سبيل لقياك، وأن يتح فرصة الاتصال بك، لأشكو إليك همومي، وأسمعك نحيبي وأنيني، وأشكرك في أفراحي ومراحي، وأستشيرك في كثير من أمري، فاليوم، وقد يسر الله الفرصة وأتاح، أجدني غير ذات قدرة، ولست بذات وقت، لأن أكتب إليك كثيرا.

لقد كان من نعم الله عليك ـ أيها الأخ الكريم ـ أن لم يذلل سطحك لأبناء آدم مهادا ومعاشا، عليهم إذا ما ألموا بك أن يتزودوا بالأنفاس التي يتنفسون، وبالطعام الذي يطعمون، وبالشراب الذي يشربون، ليس من البخل في شيء، ولا من العار، ألا يسمعوا منك أهلا ولا مرحبا، نعم، إنهم أبنائي، مني خلقوا، وإليّ يعودون، أطيب نفسا إذا طابوا، وأسوء حالا إذا ساءوا، ولكن هذه  الدماء التي رويت منها بقاعي حتى شرقت، وهذه الجثث التي طعمت منها أرجائي حتى  تخمت، وهذا الظلم الذي يأخذ به الأقوياء الضعفاء، وهذا الكيد الذي يكيده ذوو المعارف والتجارب والقوة لذوي الجهالة والفطرة والضعف، هذا كله نزع ما في قلبي من حنان الأمهات، وعطف الوالدات.

الخير في كثير، والرزق على وجهي واسع، وعطاء الله ماله من نفاد، ولكن كثيرا من أبنائي يستأثرون بالخير على غير حاجة، ويحرمون الآخرين على ما بهم من مغبة وضر، وتود طوائف شتى أن تكون ذات الأمر والنهي، إن حقا وإن باطلا، ليس لأحد معها سلطان.

ما أوغر صدري، وحرق حشاي، إلاّ أولئك الذين يشعلون الفتن في كل مكان، ثم يقولون: ما أقبح دخانها، ويثيرون الحرب والخصام بين الشعوب ثم يبكون الأمن والسلام، ويسلبون الناس خيراتهم، ويسيمون فيهم الأمراض، ثم يمنون عليهم قليلا من عطاء، وشيئا من دواء، أي بنوة هذه؟! وأي أبناء هؤلاء؟! أي أم تطيب لها الحياة، وهي لا تنام على غير أنين، ولا تستيقظ على غير جراح!!

هنيئا لك أيها الأخ الكريم ليلك ونهارك! هنيئا لك ليلك الذي تنامه ريان الجفون، مطمئن الأنفاس، مثلوج الفؤاد!

هنيئا لك نهارك الذي تستمتع به رخى البال، هادئ النفس، ساكن البلابل!

أما أنا - واحسرتاه - فلا أعرف الهناءة ليلا أو نهارا.

حيوان البر والبحر يتنازع، ويقضي بعضه على بعض، يدفعه الجوع وحب البقاء، أما أبناء آدم فلا أدري علام يتنازعون، ولم يتدافعون، وفيم يقتل بعضهم بعضا؟!

لقد كنت أدري، ولكني أصبحت لا أدري، لطول ما رأيت، وكثرة ما سمعت، فلكل معتد دعوى، ولكل ظالم نداء، ولكل مغتصب راية، ولكل منتصر حجة وبيان.

سل أيها القمر الساري أشعتك الناعمة اللينة الجميلة التي تغمر بها وجهي، وتطوف بأرجائي، وتقبل وجوه الناس جميعا دون محاباة.

سلها أيها القمر المنير، فقد صحبتني منذ الطفولة، وعرفت كل جيل، وابتسمت لكل قبيل، ورأيت السيوف التي تقطر الدماء، والقنابل التي تطمس المدن، رأت قبور الأحياء للأحياء، وعذاب الظالمين للأبرياء، وكيف تكون المنايا أعذب الأماني.

سلها، هل هناك من حافز غير جموح الغرائز، وحب السلطة، وهل هناك غايات سوى مغانم طمع، ومكاسب جشع، وهل هناك آراء وعقائد غير ترهات وأباطيل، ودعاوى وأضاليل، زينها خيال جامح، وموهها حقد دفين.

والآن دعني أحدثك حديثا آخر لعله يسرك، ويستهويك.

إنني جميلة، جميلة حقا، وعلى قسمات وجهي سحر وفتون، حتى هذا الإنسان الذي أفسد حياته، وأفسد الحياة من حوله، لقد خلقه الله في أحسن تقويم، وأبدع صورة.

جبالي متطاولة في الفضاء، وقد ضيفت الثلوج فوق القمم، فحينا تبرح وترحل، وحينا تقيم ولا تريم، ترتدي السحب تارة فلا يبدو لك منها شيء، وتتعرى حينا فتبدي كثيرا من الزينة، أشجار على السفوح يتهادى فيها النسيم فتميس أغصانها عجبا ودلالا، وتعصف فيها الرياح فتخر ركعا وسجودا، وصخور رقدت في مضاجعها مطمئنة، نائمة، حالمة؛ وصخور نتأت غاضبة، متحدية، ترى فيها الخصام والشر والتحفز.

وأودية وشعاب بين هذه الجبال، عميقة، سحيقة، يضل فيها النهار، ويضيع فيها البصر.

وعلى السفوح عيون ومياه تنحدر عجلى، تغني وتنشد فرحا بلقاء أمها بعد فراق طويل.

وعلى وجهي مروج فسيحة، مطمئنة، مخضرة، ضاحكة، بهيجة، تلقاك بلطف، وتنساب إلى نفسك برفق، وتجذب عينيك برقة، فلا تبغيان عنها حولا ولا تملان إليها نظرا، وتودان لو بقيت طويلا تمتعهما، وتستمتع.

وعلى مسافات تطول وتقصر، تشق ثراي أنهار على موعد مع البحر، تارة تخشى أن يفوتها، فتعدو غاضبة، معربدة الدفق، لها زمجرة وزبد، وتارة تعروها الثقة، فتسير الهوينى، هادئة الأنفاس، قد سكت عنها الغضب.

وعلى شواطئ بحاري جمال, وجلال, وخيال، وأناشيد، وقصائد شعر تروى دون نهاية، وقصائد حب وسلام وغزل، ترويها الأمواج إلى الرمل، وقصائد سخط وخصام وملل، تلقيها الأمواج على الصخر.

ولا أخلو من صحارى مسفرة لا تتبرج ولكنها جميلة، تعشقها الأنفس، وتهواها الأفئدة، حين تسيل على وجهها أشعتك، وتغشاها سكينة الليل، فتسمو بمن فيها إلى آفاق واسعة عميقة من الجمال والجلال والمهابة، وتقربهم فيها إلى الله.

هكذا خلقت وهكذا أعيش أيها الأخ الحبيب، أما أنت…!!

أختك المشتاقة: الأرض