طباعة

 توثيق النص

 

 

 

في المشارق والمغارب

للشيخ عبد الله بن أحمد قادري

(الحلقة الخامسة)

 

 

إلى سورابايا:

ودعنا الأخـوة بعـد زيارة معهد المسلمين متجهين إلى مدينة سورابايا التي تبعد عن معهد كونتور مائتي كيلومتر وكـانت طريقنا- كالعادة- في وسط الغابات والمزارع والقرى منتشرة بين المدن وكأننا نسير في مدينة واحدة لكثرتها وكان الشارع مزدحماً بالسيارات على اختلاف أشكـالها كأننا في شارع داخل مدينة والفلاحون يعملون. هذا يحرث وهذا يحصد وهذا يغرس وهذا يزرع وهذا يحمل.

والفواكه على جانبي الطريق لا تلتفت يمنة ويسرة إلا وترى أشجاراً موقرة بأنواع منها المعروف ومنها غيره والأنهار الجارية منها الكبير ومنها الصغير. وكنا مع كثرة التعب تارة نتمتع بتلك المناظر الطيبة وتارة نتمتـع بالنوم. وقد استغرقت هذه الرحلة ساعتين وخمسة عشرة دقيقة وكان وصولنا في الساعة الثانية عشرة إلا ربعاً. ونزلنا في فندق (....) وكان بقية يومنا هذا يوم راحة لحاجتنا إليها.

 

لا بأس بتبادل المنافع:

12 /9/1400هـ .

في الساعة التاسعة صباحاً تجولنا في أسواق سورابايا، ثم انقسمنا إلى قسمين:

قسم فشل في الرجوع إلى الفندق هو أنا والشيخ عبد القوي. وقسم فضل زيارة حديقة الحيوان، وهو الأخ عبد الله بن سعيد باهرمز والابن عبد البر، وجاءنا عبد الله بالنكتة التالية قال: كان عبد البر يتفرج على القرود وكانت القرود تتفرج على عبد البر قلت كيف كانت الثانية؟

قال كانت ملابس الناس كلهم عادية عند القرود أما لباس عبد البر: الثوب الطويل والطاقية والغترة فكانت غريبة ولذلك كانت القرود لا تلتفت إلى الناس بل صوبت أبصارها إلى عبد البر. قلت: لا بأس بتبادل المنافع.

 

خواطر ومقترحـات:

في هذا اليوم والذي قبله جالت بذهني بعض الخواطر والمقترحات أسجلها فيما يلي:

1- ينبغي أن تقـوم بعض المـؤسسـات الإسلامية كالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتأليف كتب في تعليم اللغة العربية لغـير العرب وتَسجيلها في أشرطة (كاسيت) أو اسطوانات أو أشرطة فيديو. وإهدائها للمؤسسات الإسلامية المهتمة بتعليم اللغة العربية.

2- القيام ببرنـامج مستمر لتعليم اللغة العربية في إذاعة تخصصها المملكة العربية السعـوديـة يستفيد منها العالم الإسلامي في كل مكان، وكذلك في التليفزيون وتهدى أفلامه إلى تلك المؤسسات الإسلامية.

3- إهداء كتب إسلاميـة باللغـة العـربيـة وغيرها للجامعات الإسلامية والمعاهد والمدارس الإسلامية.

4- تسجيل أناشيد إسلامية تتضمن شرح مبادئ الإسلام أو تثير الحـماس في نفوس أبناء المسلمين، وشراء الكتب والـدواوين التي تشتمل على أمثال تلك الأناشيد أو طبعها وتوزيعها كذلك على المؤسسات الإِسلاميـة لتكون مادة حفظ النصوص الشعرية لأن الشباب يرغب في ذلـك وفيـه صرف له عن سماع ما لا يليق كالموسيقي والأغاني التي وجدنا الشعب الإندونيسي مغرماً بها وعن طريقها يستميل أعداء الإِسلام الشباب لإِغوائه.

5- توزيع المصاحف المسجلة للمؤسسات الإِسلامية والمساجد.

6- بناء قاعـات محاضرات عامة ملحقاً بها مرافق نشاطات مختلفة ومساجد ومدارس ووقفها على المسلمين للاستفادة منها. وقطع الطريق على النصارى الذين يغرون الشباب بأمثالها من مرافق النشاط عندهم.

7- فتـح مراكـز لتعليم اللغة العـربية في المدن الكـبرى على غرار المركـز العربي السعودي لتعليم اللغة العربية في جاكرتا التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية.

8- تخصيص مدرسـين لبعض الجـامعـات الإسلاميـة حكومية كانت أو أهلية باسم مدرس اللغـة العـربية ممن يكونون مؤهلين في اللغة العربية والمواد الإسلامية للنهوض بتلك الجامعات والمعاهد في هذا المجال.

9- إقامة دورات تدريبية لمدرسي اللغة العربية والدراسات الإسلامية في بلدانهم.

10- استضافة بعض المدرسين من الجامعات الإسلامية والمعاهد ولا سيما مدرسي اللغة العربيـة والمواد الإِسلامية للإحتكاك بمدرسي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ومثيلاتها والـوقوف على مواد الكليات والمعاهد هنا وحضور الدروس في الفصول و إقامة ندوات خاصة بهم للإستفادة منها.

11- بعث أعداد كبـيرة من المصحف الكـريم لتـوزيعـه على القراء أو طبـع تلك الإعداد في البلد الذي يراد توزيعه على أهله لأنه أقل تكلفة وأضمن توزيعاً.

12- البحث عن الكتب المترجمـة إلى اللغات المحلية من الكتب الإِسلامية النافعة وطبعها في داخل البلد وتوزيعه.

13- الإستعـانـة ببعض طلبة الجـامعات في ترجمة بعض الكتب العربية إلى لغاتهم لطبعها وتوزيعها.

14- منح بعض المؤسسات الإِسلامية حافلات لنقل طلابها إلى المدارس والمعاهد والجامعات وفي الرحلات...

15- بناء مساكن وفصول دراسية للمعاهد الإِسلامية لإيواء الطلاب ودراستهم.

16- توزيع فتاوى ابن تيميه على الجامعات والمكتبات.

 

في مسجـد الفلاح:

في السـاعـة الخـامسـة جاءنا الأستاذ مصري واصطحبنا إلى مسجد الفلاح واستقبلنا مدير المسجد الشيخ عبد الكريم فتناولنا الإفطار وصلينا المغرب ثم ذهبنا إلى منزل الحاج عبد الكـريم لتناول طعـام العشاء، وقد أخبرنا بعض العلماء هناك إن منزل الحاج عبد الكريم يعتبر مأوى للعلماء والزوار لسورابايا من داخل إندونيسيا وخارجها وكان الرجل من كبار تجار إندونيسيا وعضواً في مجلس الشعب وهو الآن مرتاح لأنه كبـير وقد أصيب بكسور في حادث في المملكة العربية السعودية في إحدى حجاته.

وأخبرنـا أن ابن أخيه طبيب وهو الآن في سجن جاكرتا- ويرقد في المستشفى- وكان سبب سجنه غيرته على دينه وعدم صبره على انتهاك حرمات هذا الدين.

وبعد أن تناولنا طعام العشاء ذهبنا إلى المسجد فصلى بنا إمام المسجد العشاء وصلى بنا الشيخ عبـد القوي التراويح. ثم طلب مني أن ألقي محاضرة فكان عنوانها: كيف ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه (وكان المقصود بها الشباب).

1- رباهم على العبودية الكاملة لله ومحبة الله ورسوله وطاعتهما المطلقة.

2- التضحية بالنفس والمال في سبيل الله، وضربت لذلك أمثلة:

أ- مصعب بن عمير مدرساً وحاملاً لراية الجهاد وشهيداً.

ب- أسامة قائد الجيش فيه أبو بكر وعمر.

ج- ابنا عفراء اللذان قتلا أبا جهل.

د- الفدائيون الذين قتلوا رؤس الكفر ابن أبى الحقيق، وعبد الله بن عتيك وكعب بن الأشرف.

هـ- محمد بن القاسم فاتح السند.

ثم ذكرت الشباب (وأغلب المصلين وهم يملؤون المسجد شباباً) بواجبهم في تحمل المسئـوليـة والإقتداء بهؤلاء الفتية في رفع كلمة الله، وأنه لا يجوز أن يقتدي بالشباب الفاسد الذي رباه الغرب على عداوة الله ورسوله وأصحابه ودين الإسلام الذين يستحون أن يذكر الإِسلام عنـدهم وأن المسلم عكس ذلـك يفتخر أن يكون مسلما كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.

وكـان من بين الحـاضرين معنا في منـزل الحـاج عبد الكريم وفي المسجد الحاج باى عارفين وهو من العلماء المشهورين في إندونيسيا ذو حماس وغيرة على الإِسلام وذو تأثير في نفوس الشباب كـما حكى لنا غير واحد وله ما يزيد على ثلاثين مؤلفاً إسلامياً في موضوعات مختلفة تهتم بتوعية الشباب وتثقيفهم، وقد أهدى لنا بعض تلك المؤلفات ومنها ترجمة كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب.

وطلب منا الحاج عبد الكريم أن نتناول طعام السحور في منزله أيضاً وأن ألقى محاضرة بعد صلاة الفجر في نفس المسجد فلبينا طلبه.

 

مفهوم العبادة في الإسلام

13/9/1400هـ

تناولنا الطعام السحور في منزل الشيخ عبد الكريم وصلينا الفجر في مسجد الفلاح صلى بنا  الشيخ عبد القوي ثم طلب أن يقرأ على المنبر بعد صلاة الفجر، ثم ألقيت محاضرة تتضمن مفهوم العبادة الشامل الذي جاء به القرآن والسنة وفهمه الصحابة والسلف الصالح بعدهم وأنه يترتب على هذا المفهوم الإستكثار من الطاعة وعظيم ثواب الله وأن هذا المفهوم الشامل قد ضاق عند كثير من الناس فترتب عليه أن حرموا أنفسهم من الإستكثار من طاعة الله ومن عظيم الثواب.

 

وماذا أفعل إذا كان البحر نزل؟.

كنت في كل مدينة يقـع البحـر بجـوارها- أوهي تقع على شاطئه- أحاول ألا أغادر تلك المدينة إلا بعد الخروج إلى البحر لأرسم لها وله صورة في ذهني فاتفقنا على أن نذهب إلى شاطئ البحر في الساعة الثالثة والنصف وكان هذا الوقت وقت خروج الفترة الثانية من طلبة المدارس لأن كثرة الإندونيسيين تضطرهم لذلك: فوج يدرس في الصباح وآخر في المساء فكانت الشوارع مزدحمة ازدحاماً جعل سيارتنا كأنها غاصت في رمال خبت البقر (وهي صحراء ذات رمال مثل الجبال في جنوب المملكة العربية السعودية الغربي مشهورة من قديم الزمان بالخطر على المسافرين مشاة وركاباً لقلة مياهها وسكانها وطول مسافتها نسبياً حتى قال أحد المسافرين بعد أن نجا من الموت لشدة العطش والجوع: إذا أعدتك- أي إذا عدت إليك- يا خبت البقر سمنى الثـور). كانت السيارات كثيرة والدراجات العادية والنارية والعربات التي تجرها الخيول وعندما وصلنا إلى البوابة التي يدخل الناس منها إلى الشاطئ استقبلتنا فتاة قبض الضرائب فأخـذت مالها، فلم نجد إلا سبخة جافة لا يرى ماء البحر على مدى البصـر، فقلت لعبد الله باهرمز: أهكذا تتعبنا في هذا الزحام وتدفع ضريبة ثم نأتي فلا نجـد البحـر؟ قال: ومـاذا أفعـل إذا كان البحر نزل- فرجعنا نتذكر المثل: أحشفاً وسوء كيله. وكان عبد القوي يضحك مرتاحاً، لأني أنا السبب في هذا السفر الطويل إلى بحر لم نجده.

 

زيارة مسجـد المجاهدين:

أسس هذا المسجد سنة (1953 م) وتتبعه مدارس تبدأ بالروضة (روضة الأطفال) ثم الثانوية العامة والثانوية الدينية والعالية الدينية.

وبعـد صلاة العشاء ألقيت محاضرة (بعنـوان: الجليس الصالح وجليس السوء) ثم صلى بنا الشيخ عبد القوي صلاة التراويح واجتمعنا مع المسئولين في هذا المسجد وذكر لنا أن ثلاث مقاطعات في إندونيسيا يستبسل أهلها في نصـرة الإِسلام والدفاع عنه أكثر من المقاطعات الأخرى وهى:

1- أتشه في سومطرة الشمالية.

2- بوقس فى سولاديس (ومنها الحاج عبد الكريم).

3- مادورات في جاوة الشرقية.

ثم زرنا الحاج عبد الكريم وودعناه لأنا عزمنا على السفر غداً صباحاً.

 

وارتاح المؤتمرون:

نشـر في إحدى الجرائـد المسيحيـة أن الرئيس سوهارتـو افتتـح المؤتمـر المسيحي البروتستانتي الدولي الذي بلغ عدد وفـوده ستـة آلاف وفد وأنه صرح في كلمته بأن لكل صاحب دين الحق أن يدعو إلى دينـه بكامل الحرية أهل الأديان الأخرى وأن المؤتمرين ارتاحوا لهذا التصريح وصفقوا كثيراً له وأنه بذلك ألغى قراراً لوزير الشئون الدينية أصدره قبل سنة يمنع فيه أن يدعو صاحب دين آخر إلى دينه أو تغيير صاحب دين دينه إلى دين آخر وكان المسيحيون آنذاك قد صرحوا بأنهم لا يستطيعون الإلتزام بقرار وزير الشئون الدينية لأنهم مكلفون بهداية القطعان الضالة.

 

خاطرتان:

1- العرب يتحملون مسئـولية عظيمة أمام الله تعالى في التمسك بالإسلام والقدوة الحسنة للآخرين، لأن أبناء الشعوب الإِسلامية من غير العرب يحسنون الظن بهم كثيراً، ولذلك رأيناهم يرغبون رغبة شديـدة في قراءة أي كتاب يصدر ويجدونه باللغة العربية وكذلك الجرائد والمجلات التي ينتشر في كثير منها السم الفكري والمبادئ الهدامة وهي صادرة من بلدان غربية منحرفة نظمها عن عقيدة الإسلام ومبادئه.

2- زيـارة علماء المملكة العربية السعودية للمسلمين في البلدان الإِسلامية أو غيرها ترفع معنوياتهم، ولذلك ينبغي تكرر هذه الزيارات، و ينبغي أن يصحبها مساعدات مادية، لأن أهل الأديان الأخرى يقدمون إعانات ملموسة.

 

إلى بالى:

أقلعت بنا الطائرة من مطار سورابايا إلى جزيرة بالى (مطار مدينة دمباسار) في الساعة العـاشرة صباحـاً- بدلاً من التاسعة- وكان الجو صحواً يتخلله قزع من السحاب والأرض كلها خضراء مليئة بالقرى التي تتناثر مساكن أهلها بين المزارع والغابات. وبدت جبال مرتفعة تغطيها الغابـات كنا نقعد في مقدمة الطيارة. وكان الباب المؤدى إلى غرفة القيادة مفتوحاً، فجعلت أنظر إلى القائد وهو يمد يده يمنة ويسرة حتى استوت الطائرة فإذا هو يفك رباطه، وأخذ يكتب وكأنه على مكتبة في الأرض وكنت أود أن استمر في النظر إلى الغرفة بـما فيها من أدوات ومـا يصنـع القائـد في بعض الأحيان، ولكن المضيفة قفلت الباب بعد أن قدمت له طعام الإفطار، فلما اقفل الباب رجعت أطل من النافذة كعادتي لأرى عجائب صنع الله، فكنت أرى الجبال والبحار والجزر والغابات والقرى وكانت مدة الطيران من سورابـايا إلى مطار دمباسار في جنوب جزيرة بالى ثلاثين دقيقة. وصلنا المطار في الساعة العاشرة والنصف.

واستقبلنا في المطار أبو عبد الله: سعيد بن عبد الرحمن باهرمز، وهو حضرمي الأصل من مواليد اندونيسيا ذكر لنا أن أباه هاجر إلى هذه البلاد ثم ذهب إلى بلاده (حضرموت) وتـوفي هناك. والشيخ سعيد يتكلم اللغة العربية بطلاقة قال: كان أبي عالماً وداعية وقال أني قليل العلم ولي أمل في أن يخلف عبد الله جده وأشكركم على العناية به وبتعليمه وتربيته وأني سأبعث إليكم أخاه ليتلقى العلم والتربية في المدينة المنورة كأخيه.

ولمـا كنا في طريقنا للفندق كان هو وابنه عبد الله يشيران لنا إلى معابد الهندوك حيث يوجد في كل بيت معبود من دون الله وسألناه عن حالة هؤلاء الوثنيين فقال: إنهم متعصبون لدينهم ولكنهم يظهرون تسامحاً مع المسلمين ويأخذون ببعض العادات الإسلامية وأنهم نشطون جداً في العمل، فهم يزرعون السهول والجبال وأن مثقفيهم بدأوا يشكون في صحة دينهم ولو وجد الدعاة المسلمون الأكفاء لدخل كثير منهم في دين الإسلام وقال: إن المحافظ أصبح الآن منهم (أي من الهندوك) بعد أن كان من قبل من المسلمين ويبلغ عدد المسلمين في هذه الجزيرة ستة في المائة (6%) فقط والنصارى (1%) واحد في المائة والأكثرية هم الهندوك. ورأينـا في شوارع المدينة السائحين الأجانب (وهم من أوربا وأمريكا واستراليا واليابان والصين وغيرها). بكثرة رجالاً ونساءً ويمشون شبه عرايا لا يلبسون إلا السراويل القصيرة. وكانت الفنادق كذلك مزحومة، فقد اختير لنا النزول بأحد الفنادق فلم نجد فيه مكاناً واتصل الأخ عبد الله بعدد من الفنادق فلم نجد إلا في فندق القصر فنزلنا فيه.

وكنا نرى الصـور المجسمـة تنتشـر في كل مكـان: على الشـوارع العـامة والشوارع الفرعية، وأمام المنازل والفنادق وفي داخل القاعات بأشكال مختلفة، وبعـض الأوثان المعبودة يلبسونها بالأقمشة بإزار وخمار.

واتصل الأخ عبـد الله باهرمز ببعض المسلمين وأخبرهم أنا موجودون وأننا نحب زيارتهم فاتصل أحد الأشخاص هاتفياً فأجابه الشيخ عبد القوي فقال له: إن خطاب عبد الله قادري سيكون الليلة في مسجد النور.

وبعـد أن أفطـرنـا زكى عبد اللّه باهرمز أحد المطاعم فقال: انه مطعم إسلامي وزكاه  كذلك بان طعامه لا يكثر فيه الفلفل.

فذهبنا إلِى هذا المطعم فوجدنا التزكية الأولى صحيحة بدليل أن المطعم لا يرتاده إلا عدد قليـل جداًَ، أمـا التزكيـة الثانيـة فقـد استعجل عبد اللّه هداه اللّه، وبعد تناول طعام العشاء في هذا المطعم رجعنا إلى الفندق فجاءنا بعض الشباب من المسلمين بسيارتهم لنقلنا إلى مسجـد النـور وكـان قائد السيارة وصاحبها هو الشاب موسى حسين سرو يعمل في تجارة النظارات وكنا متفقين مع الأخوة أن فضيلة الشيخ عبد القوي يصلى التراويح (وكان هدفنا من صلاة الشيخ بالناس هو تعليمهم كيفية الصلاة والقراءة، لأن كثيراً من الناس يسرعون في صلاتهم ويقرأون سوراً قصيرة) وكان أئمة المساجد التي نزورها يقدمونه بأنفسهم عندما يعلمون أنه حافظ لكتاب اللّه ويجوده ويفرحون بذلك ولكن إمام هذا المسجد رفض التنازل للشيـخ عبـد القـوي- وله الحق في ذلك لأنه إمام المسجد ونحن ما كنا نطلب من الناس التنازل ولكنهم كانوا هم يرغبون وقد ينبه بعض الناس الإمام فيلبى- ولكن عندما تقدم الإمام يصلى بالناس التراويح بدا لي السبب في رفضه، فقد كان سريعاً في صلاته يتكلف أن يقرأ قراءته جيـدة وأخطاؤه كثيرة وكـان يقرأ بعد الفاتحة سورة قصيرة في الركعة الأولى وكذلك في الثانية إلا أنها غير مرتبة فيقرأ مثلاً سورة الماعون في الركعة الأولى وفى الثانية سورة النصر وفى الثالثة سورة الهمزة وفى الرابعة سورة الكوثر وهكذا. وبعد أن صلى بالناس أخذ الميكرفون وجعل يتحدث مرحباً بالضيوف مرة باللغة العربية وأخرى بالإندونيسية ويكرر نفس الكلام لمدة لا يقل عن نصف ساعة ثم طلب مني أن أتقدم لإلقاء الخطاب كما قال وأراد أن يترجم ولكني رفضت لأن لغته العربية ركيكة جداً وأسلوبه ثقيل على النفس فقلت له: إن الأخ عبد اللّه باهرمز هو المترجم فوافق وكنت محرجاً في إلقاء هذه الكلمة لأنه قد أطال على الناس وهم ينتظرون بعد اللقاء كلمتي صلاة التراويح.

وكـان الحـديث متضمناً بيان دعوة الرسل وأنها لتثبت عقيدة التوحيد وعبادة اللّه وحده ونفى الشرك عنـه وأن الذي منحـه اللّه هذه العقيـدة عليه مسئولية عظيمة في إنقاذ غيره من ظلمات الكفر، إقتداءً بالرسل عليهم السلام الذين كان الصراع بينهم وبين أممهم سببه هذه الدعـوة وأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان خاتمهم ولذلك فقد أصبحنا نحن المسئولين عن البشرية كلها لإخـراجها من الظلمات إلى النور وأن على المسلمين في هذه البلاد أن يقووا إيمانهم وإيمان أبنائهم باللّه وبرسوله وأن يحصنوهم من الشرك باللّه والمعاصي وأن يقوموا بواجب الدعوة إلى اللّه ويبينوا للوثنين فساد الأديان الأخرى غير دين الإِسلام.

وبعد صلاة التراويح قال الإمام: ألآن يتقدم عبد القوي ليقرأ آيتين- وسكت قليلاً ثم قال- فأكثر فهمنا أن الرجل ما كان يريد أن يسمع الناس غير قراءته لأنه يخشى أن تقل مرتبته عندهم وكان هذا فهماً خطأً منه هداه اللّه.

مذهب الشيخ في التبرك بآثار الصالحين:

أخذ الناس يتزاحمون علينا لمصافحتنا، وأراد أحدهم أن يتبرك ببعض آثار الشيخ عبد القـوي (وهي الحقيبة التي في يده وكان بها الجوازات والتذاكر وجميع شيكاتنا ونقود نفقاتنا) فأخـذ هذا الرجل يجر الحقيبـة وأخـذ الشيخ جزاه اللّه خيراً يتمسك بهذه الحقيبة فلم ينجح ذلك المخرف في تخريفه ولو نجح في تبركه لعطل حركتنا كلها فالحمد لله رب العالمين.

 

من أساليب الدعوة:

ثم خرجنا مع الأخـوة نتجـول في السوق بالسيارة وما كان عندهم شيء يشيرون إليه إلا معابد الهندوك فسألناهم هل عندكم خطة لدعوة هؤلاء إلى الإِسلام؟ فقالوا: نعمل جهدنا ومن خططنا أن نزوج بعض شبابنا من بناتهم بصـدد دخولهن في الإِسلام. فإذا أسلمت الفتاة وتزوجها الشاب المسلم أثر ذلك على أقاربها فيسلم بعضهم.

وكذلك نذهب إلى القرى فندعوهم إلى الإِسلام فيدخل بعضهم في الإِسلام ولكن ذلك قليل والجهود غير كافية.

وسألناهم كيف يكون حال من دخل في الإسلام؟ قالوا: أن كثيراً منهم يكونون أكثر تعصباً للإسلام بعـد إسلامه من بعض المسلمين. وكنت قلت للشيخ عبد القوي أن هذه البلاد في حاجة إلى وقت أطول ولو كان عندنا فسحة من الوقت لكان البقاء أفضل فقال: نعم ولكن مهما كان هذا الوقت الذي نقضيه لا يؤدي واجب الدعوة إلا إذا كان لمدة سنتين فأكثر يعلم فيها الشباب الإِسلام ويـدرب على كيفية الدعوة حتى يطمأن على تمسكهم ونجـاحهم في ذلـك ثم يتركـون وينتقـل الـداعيـة إلى مكـان آخـر وهكذا. وهذا ما يفعله المسيحيون إذ يصل القسيس إلى المنطقة التي يكون أهلها شبه عرايا متوحشين كما في جنوب السودان، فيلبس مثلهم ويشاركهم في عاداتهم ثم يأخـذ في بث أفكاره فيهم بالتدرج حتى يقنعهم بالتخلي عنها شيئاً فشيئاًَ ولا يخرج حتى يفتح مدرسة لأبنائهم ويستمر تعليمهم فيها ثم ينتقل إلى مكان آخر فيعمل فيه ما عمله في المكان الأول وهكذا... أما نحن وأمثالنا ممن يكـون نزولهم في الفنادق وزياراتهم عابرة فإن فائدتهم في الدعوة قليلة جداً وهذا الذي قاله الشيخ عبد القوي حق وهذا يحمل المؤسسات الإِسلامية مسئولياتها تجاه تدريب الدعاة وأعدادهم لتحمل المتاعب والمصاعب في سبيل اللّه، وفى الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام مجمد بن سعود الإسلامية عدد كبير من أبناء العالم الإسلامي والبلدان كلها يمكن أن يقوموا بهذه المهمة في بلدانهم وبلغات أقوامهم. إذا اُعِدوا إعداداًَ صالحاً وربوا تربية صحيحة.

 

من أحق بذلك نحن أم هم؟.

وذكر لنا الأخوة أن الزلازل تكثر في هذه البلاد وأنها تحدث خسائر في الأرواح والممتلكات وتهدم البيوت وقـد تذهب بعض القرى وإذا حدث شئ من ذلـك يأتي المسيحيون من استراليا وأمريكـا وأوروبـا فيقدمون المساعدات لإخوانهم المسيحيين وقد يساعدون أيضاً بعـض المسلمين ولكن المسلمين لا يرون أحداً يأتي لمواساتهم ومساعدتهم، قال بعـض الأخـوة: إلا أن المملكة العربية السعودية عندما حدث زلزال 1976 م في بالى ساعدت كل مسجد من المساجد المتضررة بألفي ريال تقريباً.

قلت: من أحق بالـبر والبـذل والمواساة نحن المسلمين أم أولئك الكفار الذين يمدون يد العون حتى لإخواننا المسلمين؟.

ومن أجدر بالدعوة العملية في المواساة أهل الدين الحق أم أهل الأديان المنحرفة؟.

 

إلى سنجا راجا

15/9/1400 هـ.

في الساعة العاشرة من صباح اليوم غادرنا مدينة دمباسار في جنوب جزيرة بالى إلى مدينة سنجا راجا في شمالي الجـزيرة في سيارة يقودها شاب كان شيعياً ولكنه تاب من مذهب الشيعة وانضم إلى السنة وأسمه محمد، وكنا نرى في شوارع مدينة دمباسار قبل خروجنا منها الأوثـان التي يأتي إليهـا الهنـدوك بالفواكه والزهور يضعونها على رفوف عمد قريبة من الوثن تقرباً إليه ويومئون برؤسهم وأيديهم وبعد الخروج من المدينة دخلنا في المزارع التي لا يرى الرائي الشمس إلا نادراً منها لكثرة الأشجار (وأغلبها مثمرة) على جانبي الطريق وينتشر باعة الفواكه بجانبي الطريق وهي أنواع كثيرة لا نعرف إلا القليل منها.

فوقفنا عند أحد الباعة وقد مد طاولته الخشبية بجانب الطريق أمام منزله ووضع على الطـاولـة عينـات من الفـواكـه الموجودة عنده والأشجار المثمرة بجانبه تتدلى بها الفواكه ويخير المشتري إن أراد أن يأخذ من الفواكه المقطوعة التي على الطاولة وإن شاء أن يختار من الفواكه التي لازالت معلقـة في أشجـارها وكان من الفواكه الموجودة شجر الباباى ذي النكهة اللذيذة المفضلة عندي وكـانت إحدى شجـراتـه تحمل ما يزيد عن خمسة وعشرين حبة وسألت كـم تحمل الشجـرة من هذه الحبات؟... فقالوا: منها ما يحمل عشرين ومنها ما يحمل ثلاثين وبعضها قد تحمل خمسين حبة. والحبة تختلف في الصغر والكبر قد تزن الحبة الواحدة عشرة كـيلوجرام. وأخذنا منه ما نريد ثم واصلنا السـير.

ثم دخلنا بعـد ذلـك في غابـات كثيفـة وجبـال شاهقة تكسوها تلك الغابات وكانت السحب تغازل تلك الغابات وتعانقها في قمم الجبال، وتلتف حولها في الأسفل وكأنها تطمئن تلك الغابات وتبشرها بالخـير والمطر المدرار في وقته الذي يأذن اللّه به وكان قائد السيارة يشير إلى بعض الأشجار التي يعرف أسماءها ونحن نعرف قليلاً وأكثرها لا نعرفه ومما عرفناه البن والقرنفـل. ثم قربنـا السائق في طريق جانبي على اليمين إلى ساحة كبيرة بين الجبال مملوءة بالماء فقلنا ما هذا؟... قالوا: هذا حوض. قلت: هل تتجمع هذه المياه من سيول هذه الجبال؟ قالـوا: بل ينبـع الماء من القعـر ويتبقى هكـذا طول الـوقت وفيه قوارب صغيرة يستعملها السائحون ورغب الابن عبد البر في الركوب ولكني قلت له: أنى أكره الوقوف في هذا المكان لأن الأجانب يرتادونه بكثرة وبملابس غير لائقة وقال عبد اللّه في داخل هذا الماء أشجار شبيهة بالحيوان إذا لمست جسم أحد انطوت عليه وأنزلته إلى القعر فيكون قبره وكنت أظن ذلك خرافة ولكنهم أيدوا ذلك كلهم. وكانت الطريق تتلوى بنا مثل الثعبان حتى كنا في دقائق نسير إلى الجهات الأربع حيث نمشى إلى جهة ثم نكر راجعين إلى الجهة المقابلة وهكذا كانت الطريق:-

نمشى حتى نكـاد نلتقي بالنقطـة التي كنا فيها ثم نرجـع حتى نكاد نلتقي بالنقطة الأخـيرة وهكـذا. وكانت خطيرة بسبب ذلك وبسبب ضيق الطريق إلا أن السيارات كانت قليلة فيها وليست مزدحمة كـما هي العادة في مناطق أخرى من أندونيسيا وفى رأس الجبل وجدنا سوقاً تباع فيه الفواكه والزهور المختلفة بأسعار رخيصة جداً وقفنا قليلاً ثم واصلنا السير وكان الطقس بارداً كأنه مكيف.

 

ألا تصدقوني:؟

مررنا بمكان تنتشر فيه القردة بجانبي الطريق كباراً وصغاراً ولا تفر من السيارات ولا من الناس، بل تبقى في مكانها تأكل الثمار، والناس يتفرجون عليها، فقال الابن عبد البر: أبويه- أي يا أبي- أريد آخذ قردة فقلت: ماذا تريد به؟ قال: آخذه إلى المملكة أربيه هناك. فقلت لا داعي لذلك. فقال عبد اللّه بن سعيد باهرمز. لا تأخذ فإنها ستتبعنا إلى سنجاراجا، قلت له كيف ونحن في السيارة وهى تسير بسرعة يصعب على القرود متابعتها وكنا في منتصف الطريق تقريباً بيننا وبين سنجاراجا ما يقرب من أربعين كيلومتراً قال: تجرى حتى تلحق بنا. فقلت: ما أظن. فقال منفعلاً منكراً: أما تصدقوني؟ قلنا: صدقناك.

 

لا أبالي:

كان قائد السيارة يتحدث تارة باللغة العربية قلت له: أين تعلمت اللغة العربية؟.

قال: في معهـد كونتـور ولكن لم أكمل الدراسة. قلت له: من أي طوائف الشيعة أنت. قال: من بوهرة ولكني لا أتبـع مذهبهم بل ارتضيت مذهب أهـل السنة قلت: وأهلك. قال لا يرغبون منى ذلك ولكن بعضهم أيضاً ارتضى مذهب أهل السنة وترك مذهب الشيعة وأنا لا أبالي إني لا أعتقد أنهم على حق.

ثم أخذنا في الإنحدار من الجبل إلى الأسفل وبدأت الحرارة ترتفع وكان وصولنا إلى سنجاراجا في السـاعـة الـواحـدة ونـزلنا في فندق (جارودا) وهو بناء شعبي عادي، يكثر به البعوض الذي أقل راحتنا على الرغم من حاجتنا إليها.

 

على شاطئ البحر:

وبعد صلاة العصر جاء إلينا الأخ عبد اللّه باهرمز الذي أعطي فرصة لزيارة أهله لمدة ثلاث ساعات تقريباً لأن هذه المدينة مسقط رأسه وبها منزله وأسرته، وخرجنا إلى شاطئ البحـر وهـو قريب جداً من الفندق، وأقـرب إلى منزل عبـد اللّه فمكثنا هناك إلى غروب الشمس ثم رجعنـا لتناول طعـام الإفطار في منزل عبـد اللّه وفى طريقنا إلى البحـر رأينا الهندوكيين وهم يحملون قرابينهم على رؤوسهم إلى أحد أصنامهم يقدمونها له ويعبدونه من دون اللّه، وهذا ما دفعنا لمذاكرة أمر دعوتهم ثم زيارة زعيمهم في المدينة كـما سيأتي إن شاء اللّه الحديث عنه.

 

في منزل الشيخ  سعيد باهرمز:

وبعـد أن صلينا المغـرب جاء إلينا بعض الطلبة الأندونيسيين الذين يقومون بالدعوة إلى اللّه في هذه الجزيرة الوثنية بـين إخوانهم الشباب من المسلمين فتحدثنا معهم وشرحوا لنا ما قاموا به ولازالـوا مستمرين فيه وإقبال أبناء المسلمين على الدعوة واستجابتهم لها. وأن الجهل يسيطر عليهم ولكن عواطفهم تدفعهم للإستفادة العاجلة.

وإن من أساليب دعوتهم أنهم يجمعون الشباب في المساجد ويتحدثون معهم ويلقون فيهم محاضرات ويقرؤنهم القرآن ويعلمونهم الصلاة وبعض الأذكار باللغة العربية ويختارون من يرونـه أسرع استيعاباً ويجتهدون في تعليمه أكثر من غيره ليقوم هو بتعليم أهله وزملائه وأنهم وزعـوا بعض الكتب الإسلامية، وشكـا الإخـوة من عدم وجود ما يساعدون به أهل البلدة من شراء بعض الأخشاب وبناء مساجد صغيرة أوترميم مساجد متهدمة فقلنا لهم :عليكم أن تجتهـدوا في التعليم وإثارة الحـماس في نفـوس النـاس لدينهم وسيـوفقهم اللّه لمسـاعـدتكم في البناء بأنفسهم وكـانت هذه تسليـة للإخوة الذين يشاهدون آثار مساعدة المسيحيين لقومهم القلة في هذه البلدة.

وكان أن الحاضرين معنا في هذه الجلسة المدعو عبد اللّه بن أحمد معاشر وهو حضرمي الأصل- وغـيره من أهل المدينة الذين هم من أصل عربي- وتذاكرنا موضوع الحفاظ على أبناء المسلمين من الذوبان في هذا المجتمع الوثني فذكر الأخ عبد اللّه معاشر- وهو على علم بمبادئ الدين طيب ويرغب في المذاكرة والقراءة قال: إن المحاولة حاصلة ولكنها ليست على المستوى المطلوب وأملنا- بعد اللّه- في خريجي الجامعـة الإسلامية كبير بأن يقوموا بالدعوة والتعليم ونحن نقوم ببعض الدروس في الأسبوع وكذلك في الإحتفالات الدينية كالإسراء والمعراج والمولد النبوي وغيرها فقلنا لهم إن واجبكم الإستمرار في التعليم والدعوة وينبغي أن تكـون الـدروس في المسـاجـد مستمرة وأن تتعاونوا في إغراء أبنائكم بحضور هذه الدروس وأن تعقدوا احتفالات عامة- على شبه ناد أو ندوات تدعون إلى حضورها أبناءكم والهنـدوكيـين يسمعـوا كلمـة الإِسلام وتقوم الحجة عليهم بشرح أركانه ومبادئه لأن دعوتهم واجبة وهم يعبدون الأوثان. فذكروا لنا أن اجتماعات تعقد لأهل ا الأديان الأربعة هنا وهي، الإسـلام والهنـدوكيـة والبـوذيـة والنصرانية، وكل جماعة يشرحون دينهم. قلت لهم: ولكن عليكم أن تبينـوا لهؤلاء الناس أن دينكم هو الدين الذي لا يقبل اللّه سواه من الأديان لأنها كلها باطلة وأن تقيموا الحجة على ذلك لتنقذوا هؤلاء الضالين من الشرك باللّه.

ثم حضرنا المسجـد المسمى بالتقـوى فصلينا العشاء وألقيت محاضرة في الحاضرين تضمنت شرح كلمة التـوحيـد التي دعـا إليهـا كل الـرسـل وأن علينـا أن نفهمهـا ونعمل بمقتضاها وأن نمكن نفوس أبنائنا من فهمها والعمل بها وأن ندعوا إليها الآخرين وأن على الآباء والعلماء أن يعلمـوا  أبناءهم وعلى الأبناء أن يجتهـدوا في تعلم الـدين من آبـائهم وأساتذتهم وكان الحاضرون في غاية الإنصات والتأثر.

ثم صلى بنا الشيخ عبد القوي التراويح وقرأ بعد ذلك ما تيسر من القرآن بطلب منهم وقام إمام المسجـد فأبـدى سروره بهذه الزيارة وشرح مبدأ جماعة المسجد وهو التمسك بالإِسلام الذي ينبني على الكتاب والسنـة ونبـذ الخرافـات وقـال: أننا سنحاول تطبيق نصائحكم وطلب منا إبلاغ المسئـولين في المملكة العربية السعودية أن أبناء هذه البلاد ينتظرون منهم المساعدة بالكتب والمدرسين والمساعدة في بناء المدارس ووضع المناهج.

 

أعيدوا النظر يا دعاة الإِسلام:

إن الجهود المبذولة للدعوة إلى اللّه في أرض اللّه- وإن كانت قليلة ويجب بذل الوسع في المزيـد منها- هذه الجهود ظهر لنا أنها تسير بدون تخطيط علمي دقيق وبدون تنظيم مفيد وتنفيذها عشوائي في الغالب وكذلك يجب على المؤسسات الإسلامية أن تعيد النظر في أساليبها المتخذة حالياً للدعوة إلى اللّه بإتباع الأمور التالية:

1 ـ ينبغي أن تنسق المؤسسات الإِسلامية فيما بينها في إطار مجلس واحد يسمى مجلس شئون الـدعوة الإسلامية- مثلاً- يمثل هذا المجلس كل المؤسسات الإِسلامية في داخل المملكة العربية اَلسعودية بداية لمجلس دعوة عالمي هذه المؤسسات هي الجامعة الإِسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورابطة العالم الإسلامي وجامعة أم القرى وإدارات البحـوث العلميـة والإفتاء والدعوة والإرشاد، ويكون مقر عام يختار له رجال أكفاء مهمتهم جمع المعلومات عن العالم الإسلامي، وتنسيقها وترتيبها في بحوث يرجع إليها عند الحاجة.

2  ـ يختـار عدد من الأساتذة والطلبة ويبعثون في الإجازات الصيفية إلى بلدان العالم الإسلامي لجمـع المعلومات ومعرفـة أحوال المسلمـين والجمعيات الإِسـلامية المتمسكة بالإسلام، والمؤسسات الإِسلامية التي تحتاج إلى مساعدة، والبلدان التي يوجد بها دعاة والبلدان التي لا يوجد بها أحد منهم. ومعرفة المدن والقرى التي تحتاج إلى بناء مساجد أو ترميمها والإطلاع على الجهـات التي توجـد بها جامعات ومعاهد ومدارس وحاجة هذه الجامعات والمعاهد والمدارس إلى مدرسين أو كتب أو وضع مناهج أو منح دراسية والجهات التي توجد بها مدارس ويمكن إنشاء مدارس فيها لأبناء المسلمين.

3 ـ التخطيط لبعث الدعاة والمدرسين المقيمين والمساعدات المادية وغيرها والبدء بالأهم وبذلك يمكن إيصال الدعوة إلى أغلب البلدان الإِسلامية وغير الإِسلامية على خطط علمية مدروسة وتنظيم دقيق:

4 ـ ينبغي أن تعقد دورات في كل قطر للدعاة إلى اللّه الذين يبتعثون من المملكة على رأس كل سنتين على الأقل يقوم بهذه الدورات علماء الدعوة الإِسلامية من داخل المملكة وخارجها ليطلعوا على ما يقوم به هؤلاء الدعاة في الأقطار ويوجهوهم ويحلوا لهم مشكلاتهم وبذلك يكون المؤسسات على علم بما يقوم به الأفراد التابعون لها وإذا لم يمكن إقامة دورات في تلك الأقطار فيمكن إقامتها في إحدى الجامعات بالمملكة.

5 ـ يجب أن لا يكدس الدعاة في بلد واحـد وفى مؤسسـة واحدة مع وجود فراغ في بلدان أخرى أو مؤسسات، بل ينبغي توزيعهم لتقوم الحجة بهم في كل مكان قدر الإستطاعة.

 

أين الإسعاف؟

والمسلمون في سنجاراجا بالذات يبلغ نسبتهم 40%  من السكان ولهم بعض المدارس الأهلية التي كان الطلبـة المسلمون مقبلين إليها حتى فتحت المدارس الحكومية التي يوجد فيهـا من النظام والإمكانات البشرية والمادية مالا يوجد في الأولى وعندئذ بدأوا يتركون المدارس الأهلية وينضمون إلى المدارس الحكومية. وإذا لم تسعف هذه المدارس الإسلامية بتحسين المباني ووضع المناهج الجيـدة التي تجمع بين المواد الإِسلامية والمواد الحكومية المفيدة ، وكذلك بالأساتذة الذين يقومون بالتدريس متفرغين فإنها يخشى عليها أن تتوقف، فأين الإسعاف؟

 

دعوة زعيم الهندوكيين في سنجاراجا إلى الإِسلام:

أكد لنا الأخوة المسلمون في جزيرة بالى تسامح الهندوكيين معهم واحترامهم ومساعدتهم مادياً في بعض شئونهم كبناء المساجد وترميمها والإحتفالات الدينية قالوا وكثير من عامتهم مقتنعون بالإِسـلام ولكنهم يتمسكون بدينهم تقليداً لمتبوعيهم ويصرح بعضهم بأنهم إذا دخل زعيمهم في الإِسلام فإنهم سيدخلون فيه أيضاً. وأثنوا على زعيمهم في هذه المدينة بأنه يتعاطف كثيراً مع المسلمين. فطلبت منهم أن يضربوا لنا معه موعداً في هذا اليوم لنلتقي به ونشرح له الإِسلام وندعوه إلى التوحيد ونشكره على تعاطفه مع المسلمين.

فرحب بالزيارة عندما بلغـوه رغبتنا، وزرناه في الساعة التاسعة صباحاً في مكتبه، وشكرناه على حسن معاملته للمسلمين وأخبرناه بموقف النجاشي من المسلمين عندما هاجروا إلى بلاده من إيـذاء قومهم إياهم في بدء الرسالة في مكة وأن الرجل أسلم وحسن إسلامه وصلى الرسول صلى الله عليه وسلم عليه صلاة الغائب وأن ذوي العقول النيرة إذا شرح لهم دين الإِسلام تقربه عقوله ويدخلون فيه وقد كان هذا على مدار تاريخ الإِسلام واقعاً فقد أسلم كثير من أهل الكتابين في القديم والحديث وكذلك الوثنيون في فارس والهند وغيرها.

وبينا له أننا إنما جئنا إليه طمعاً في أن ينقذه اللّه تعالى بالإسلام الذي لا يوجد في الأرض دين يرضى اللّه به غيره وأن رسالة هذا الدين عالمية يجب على كل الناس الإيمان بها وأن الحجج والبراهين المقنعة قد قامت على كون هذا الدين هو الحق وما سواه باطل. كما قامت على صحة رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم الأنبياء، وأن هذا القرآن حق منزل من عند اللّه تحدى اللّه به الأنس والجن أن يأتوا بمثله فلم يقدروا على ذلك منذ نزوله إلى يوم القيامـة، وأن سبيل الجنة التي يطمع فيها أهل الأديان كلها هو هذا الدين فقط وأن النجاة من النـار لا تكـون إلا لأهله وأن كل جزئيـة من جزئيات الإِسلام تدل على أنه حق، ويكفي أن الأمم التي حاربتـه قد دخلت فيه ولا يزال المنصفـون من أعـداء الإسلام ينطقهم الله بالحجة إلى أنفسهم.

ولذلك فنحن رغبة في إنقاذكم من النار ودخولكم الجنة أنتم وأتباعكم جئنا ندعوكم إلى اللّه عز وجل والدخول في هذا الدين حتى يكون لكم أجركم وأجر أتباعكم ولا تتحملوا وزركم ووزرهم بعدم الدخول في هذا الدين.

وقلت له:" إن هذا الرجل- يعنى الشيخ عبد القوي- يحفظ القرآن كله وهناك آلاف المسلمين يحفظونه كما أنزله اللّه لا تحريف فيه ولا يقدر أحد على تحريمه ولو كنت تفهم اللغة العربية وسمعت منه وصف الجنة ونعيم أهلها ووصف النار وعذاب أهلها لطرت شوقاً إلى الأولى بلا اله إلا اللّه محمد رسول اللّه، وهربت خوفاً من الثانية بترك عبادة غير الله تعالى ونحن نرغب أن تدخلوا في دين اللّه في أسرع وقت لأن الإنسان لا يدري متى يقتـاده الموت إلى قبره والموت على غير الإسلام يورث الحسرة والألم والخلود في النار ونرغب في أن نكون أمـة واحـدة ندعوا إلى الخـير ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وكان يظهر السرور بكل ما يسمع وأجاب أنه قد قرأ ترجمة القرآن الكريم ووجد أن ما تقوله له موجود في القرآن وأنه يعرف أنه حق وقال: إنني أتابع الآذان وتعجبني ألفاظه وقال إننا نأسف لقصر زيارتكم وكنا نود لو تأخرتم عندنا أكثر. فاعتذرنا بارتباطنا وإننا إذا جئنا مرة أخرى إلى أندونيسيا سنحاول زيارته ووعدنا ببعث كتب إسلامية إليه مترجمة وغير مترجمة.

وهنا يجب أن نقولها صريحـة: أن المؤسسات الإسلامية- على الرغم مما تبذله من جهود في سبيل الدعوة إلى اللّه- مقصرة في التخطيط والتنظيم والتنفيذ لهذه الدعوة وأن بعث دعاة حكماء مدربين ملمين بالأديان المقارنة مزودين بالحجج المقنعة مثقفين ثقافة عصرية مع الفقه في الدين يلتقون بأمثال هذا الزعيم مع حمل الكتب المترجمة إلى اللغة المحلية لأي بلد لجدير بفتح الباب أمامهم للدخول في دين اللّه تعالى.

وإذا لم يدخلوا في أول الأمر فيمكن عقـد صلات معهم تكون سبباً للدخول فيـه مستقبلاً وأن على الدعاة إلى اللّه أن يكونوا أعزة بدينهم يدعـون إليه العظماء في قومهم كالسوقـة كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وما الذي يمنع الداعية المسلم من دعوة رؤساء الأديان بل وزعماء الحكومات ماداموا ضالين عن منهج اللّه لعل اللّه يشرح صدورهم لهذا الدين.

وقد بعثنا لهذا الزعيم ترجمـة المصحف الكريم وتفسيره باللغة الأندونيسية وسنوالي مراسلته لعل اللّه تعالى يهديه. وهذا عنوانه ينقل مما كتبه في مذكرتي بيده:

ثم ودعناه قائلين: السلام على من اتبع الهدى (لم تترجم له هذه) وكان وداعه لنا حاراً نسأل اللّه له الهداية والتوفيق.

وغادرنا مدينة سنجاراجا في الساعة العاشرة إلا عشرين دقيقة ووصلنا إلى مدينة دمباسار في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثلاثين فصلينا الظهر والعصر قصراً وجمعاً في دكان عم عبد اللّه باهرمز أخي أبيه. ثم خرجنا إلى المطار في الساعة الواحدة والنصف . وفي الساعة الثانية والنصف صعدنا إلى الطائرة.

 

التدخين سم قاتل

المدمنون على شرب الدخان بشراهة زائدة يعرضون رئتهم للتلف المبكر ويصابون بهبوط في وظائف الرئة وهبوط في القلب... والنتيجة معروفة حتماً... وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التدخين يسبب تهيجاً في الأغشية المخاطية للشعب الهوائية فيحدث النزلات الشعبية المزمنة وبنسبة حدوث النزلات الشعبية بين المدخنين أضعاف أَضعاف نسبتها لدى غيرهم. كما ثبت أن التدخين يزيد من احتمال الإصابة بسرطان الدم، كما يزيد من تركيز الدهنيات في الدم ويؤدي إلى الإصابة بتصلب الشرايين عامة والشرايين التاجية التي تغذي عضلة القلب بوجه خاص والتدخين فوق كل هذا يرفع ضغطاً الدم ويحدث إسراعاً في نبض القلب ولذلك فهو يجهده ويزيد عمله وفي أولئك المصابين بتصلب الشرايين التاجية قد يسبب التدخين حدوث آلام الذبحة الصدرية وذلك ما يسمى بـ: ذبحة النيكوتين.

 

كرة القدم

يلفت النظر في جمهور كرة القدم حبه الشديد للفريق الذي يشجع وتضحياته الكبيرة من أجله.. أي أنـه جمهور منتمي.. والإنتـماء إلى فريق معناه التضحية بالمال والنفس..  ونحن نسمع أن فلاناً تبرع لناديه بكذا مليون ريال ليقيله من عثرته، بينما لا نجد اسم هذا الفلان في قوائم المتبرعين للجمعيات الخيرية أو المجاهدين الأفغان وهذه تضحية بالمال.

ونسمع أن علانا لا يبالي أن ينزل إلى وسط ملعب الكرة في وقت الشدة ليضرب الحكم أو يضرب اللاعبين حتى لوأدت تلك الغارة الهوجاء بحياته، وهذه تضحية بالنفس، بينما لا يمارس معظم الناس أو بعضهم حبهم لبلادهم بتلك القوة وبتلك التضحيات.

ويلفت النظر في جمهور كرة القدم أيضاً.. أنه جمهور غيور فهو لايقبل أن ينتهك قانـون الكـرة مطلقاً، فهو يثور ويهز الملعب إذا ارتكب لاعب خطأ في غفلة من الحكام، ويقف في وجه الحكم ويقول له لا.. إذا تغاضى عن خطأ، بينما يقف الناس يتفرجون على أولئك الذين يغتالون قواعد القانون العام أو يعبثون بمصالح البلاد والعباد. فمثلاً نحن نرى النـاس في أسبوع النظافة وغير أسبوع النظافة يقذفون ببقايا الساندويتشات وعلب البيبسى من نوافذ سياراتهم في وسط شوارع المدينة الكبيرة ولا نجد أحدنا يقول لهذا المعتدي على نظافة المدينة.. عيب، ونرى الناس يخالفون أبسط قواعد المرور، وبإمكاننا أن نلفت أنظار هؤلاء إلى خطأ ما يفعلون ولكن أحد منا لا يكلف نفسه عناء أن يقول لهؤلاء عيب.

في الأسبوع الماضي أردت أن أمارس دور المواطن الصالح أوقفت سيارتي لأعتب على أحدهم وهويهم باقتلاع غرسـة من حديقة عامة.. استسلم المخطيء لقولي وأخذ ينفض الطين من يديه ويعود إلى سيارته.. لكن بعض الوقوف من الناس تساءلوا على مسمع.. فيما إذا كنت من رجال البلدية.. أو من.. وحين لا أكون كذلك فمعنى موقفي أني إنسان فضولي أو متطفل.

أتمنى أن يكون اندفاع الناس في حب بلادهم وتضحياتهم من أجلها كاندفاعهم في حب الكرة ونحوها.

محمد عمر العامودي