طباعة

 توثيق النص

 

 

 

لماذَا كانَت الهِجرَة إلى الحبشة؟

للشيخ عبد الكريم  عبد السلام

بالدراسات العليا بالجامعة

 

 

إن الهجرة في الإسلام ليست مجرد مجرد ترك الوطن أو الابتعاد عن الأهل والعشيرة، أو الزهد في المال لأنها إذا كانا كذلك فلا ميزة لها ولا أهمية في الإسلام.

فالهجرة في الإسلام تحتوي على معان عظيمة وتهدف إلى تحقيق أهداف سامية، فلها أهمية خاصة في نظر الإسلام، ومعيار لقوة الإيمان وضعفه، وفارقة بين الصادق المخلص والمدعي الخادع، ووسيلة من وسائل نصرة العقيدة التي آمن بها المهاجر مهما كلفه ذلك من عناء ومشقة مضحياً في سبيل ذلك بكل ما يملك.

ولعلنا نستطيع أن نستشف ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: " إن شأن الهجرة لشديد "[1] . فلم تكن الهجرة إلى الحبشة والطائف وكذلك الهجرة إلى المدينة إلا لأجل تحقيق المبادىء التي دعا المصطفى صلى الله عليه وسلم الناس إليها لتكون لهم عقيدة وسلوكاً. ولما انتهت دواعي ذلك، أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا"[2] .

وسنرى فيما يأتي في ضوء هذه المقدمة، ما هي الأهداف من الهجرة إلى الحبشة؟. وإلى أي مدى تحققت؟…

قطعت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلتها السرية، وشوطاًَ من طورها الجهري، بعد مضي نحو خمس سنوات من بدايتها، وقد سعت قريش بجميع عروضها المغرية ضد الرسول صلى الله عليه وسلم لتعطيل حركة الدعوة، ووقف سيرها، وهى تعلم أن ما تصبو إليه بعيد المنال، فأكبت على المسلمين بضروب من العذاب وفنون من الأذى والنكال، مع قلة عددهم، وضعف قوتهم المادية، وأخذت تمارس ألواناً من الإيذاء الموجع ، والتعذيب المهلك، ضد جماعة المؤمنين حتى بلغ أذاهم مبلغاً يذيب الصخر، ويفتت الجبال الراسيات، فصبروا على هذا الإبتلاء دون وهن، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه، وحماية عمه أبى طالب، لا يصل إليه شيء يكرهه مما ينال أصحابه، ولم يكن يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء .

فرأى من حسن السياسة أن يبعد أصحابه عن مكة ليرتاحوا فترة من الزمن حتى يقضي الله بأمره، ولم يكن ذلك إلا بوحي من الله تعالى، فالقرآن كان قد بدأ يهيئ نفوس المسلمين لترك الوطن والأهل والمال في سبيل الله، بحيث لا تكون هذه الأشياء عقبة في سبيل نشر الدعوة وإقامة شعائرها، فقال الله تعالى:{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[3] . وقال:{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[4] .

بعد هذه التوجيهات والتلميحات قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه:" لو خرجتم إلى أرض الحبشة فان بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه "[5] . فخرجت[6] عند ذلك جماعة من المسلمين في رجب من السنة الخامسة من البعثة إلى أرض الحبشة، فكانت أول هجرة في الإسلام، إلا أنهم- بعد ثلاثة أشهر رجعوا إلى مكة لما بلغهم من إسلام أهلها، حتى إذا دنوا منها، عرفوا عدم صحة ما بلغهم من إسلام هؤلاء، فلم يدخل فيها أحد منهم إلا بجوارٍ أو مستخفياً، وعاد بعضهم الآخر إلى الحبشة ثانية   [7]

ثم إن هؤلاء العائدين إلى مكة، لم يلقوا من قريش إلا ما كانوا يواجهون من قبل من عنف وتعسف، فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج مرة ثانية إلى أرض الحبشة، فخرج [8] هذه المرة حوالي ثمانين رجلاً وبضع عشرة نسوة. بعد مقارنة الراويات في هذا الصدد يبدو أن جميع المهاجرين الذين أقاموا في الحبشة، يبلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلاً، وثماني عشرة نسوة، منهم إحدى عشرة امرأة قرشية، وسبع نسوة غير قرشية. ونزلوا جميعاً في جوار النجاشي، فكانوا في خير دار إلى خير جار، آمنين أحراراً على دينهم، ولم يخشوا ظلماً ولم يسمعوا مكروهاً، بل كان لهم عنده منزلة، وكان يرسل إليهم فيسألهم عما يريدون [9].

 ولم تكن الهجرة إلى الحبشة اعتباطاً أو فراراً كما يظنه بعض الكتّاب- مؤولاً ذلك إلى الفرار بالدين، ولكنها كما يبدو بعد إمعان النظر- وقعت بعد دراسة عميقة دقيقة قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم بوحي من الله تعالى. وقد دل تحقق النتائج التي توقعها النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الهجرة على مدى عمق تفكيره، وحسن تدبيره، وإداركه الأمور، واتخاذه أسلوباً حكيماً مواطئاً للظروف القائمة في نطاق وحي الله تعالى.

فالهجرة كانت ذات نتائج عظيمة، ولم تكن مجرد فرار بالدين مخافة الفتنة، أو طلباً للمأوى في الحبشة فحسب، أو لم تكن أسبابها ما قاله المستشرقون كذباً وافتراءً على الإسلام لإظهار ضعف أهله، والتشكيك في نوايا دعاته. وخلاصة أقوالهم: أن تلك الهجرة كانت للأسباب التالية:

أولاً: الهروب من الاضطهاد...

ثانياً: البعد عن خطر الارتداد.

ثالثاً: ممارسة النشاط التجاري.

رابعاً: السعي للحصول على مساعدة عسكرية من الأحباش.

خامساً: نشوء اختلاف شديد بين المسلمين آنذاك.

ولم يكن كل من خرجوا في هذه الهجرة فقراء، ليس لهم منعة ولا قوة، بل كان أكثرهم ذوي شرف ومكانة في قومهم، وأولى ثروة ومال، وكان لهم من عصبتهم ما يدفع الأذى عنهم إلى حد كبير أمثال: عثمان بن عفان، وابن عوف،  وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم ممن هم في الذروة من النسب، ولهم مكانة وجاه بين قريش. أما الموالي المستضعفون الذين لاقوا التعذيب فلم يهاجر منهم إلا قليل، وقد كانوا أحق بالهجرة والنجاة من غيرهم، فلماذا هاجر الأقوياء وبقي المستضعفون، إن كان الفرار هو الهدف من الهجرة؟… ولماذا هاجرت نساء من بين أشراف قريش كرقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأسماء بنت عميس رضي الله عنهن. ولم تتعرض إحداهن لأذى أو فتنة ؟[10] .

وعلى هذا يبدو أن إيذاء قريش للمسلمين لم يكن هو وحده السبب للهجرة، بل كانت هناك عوامل أخرى سيأتي ذكرها.

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هجرة المهاجرين إلى الحبشة مثل هجرة المهاجرين إلى المدينة التي لا تخفي أهميتها على أحد، حيث صرح بذلك حينما ذكرت له أسماء بنت عميس قال لها عمر: "سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله عنكم". فقال صلى الله عليه وسلم: " ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أصحاب السفينة هجرتان "[11] .

ولنوجز الأسباب الظاهرة التي من أجلها أذن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة، وخاصة إلى الحبشة، وذلك فيما يلي:

أولاً: اشتد تعذيب قريش على المسلمين، وطفحت كأس صبرهم، حتى جاءوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام:" متى يأتي نصر الله؟." فأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة صوناً لدينهم، وحماية لهم من أذى قريش. وتلك سنة من الله شرعها لمن ضيق عليه إلى يوم القيامة، عند عجزه عن الظهور بدينه، إذا منعه أهل الباطل من العمل بها أو الدعوة إليه[12] .

ثانياً: أراد الرسول صلى الله عليه وسلم إنقاذ الدعوة من إجهاضها في أيامها الأولى، ذلك لأن المسلمين كانوا يتزايدون كل يوم، ولو بقوا كلهم بمكة، لشعرت قريش بخطرهم عليها، فتقوم بحرب استئصال لهم باسم الآلهة، وربما أيدهم العرب في ذلك[13] .

ثالثاً: يبدو أنه كان من الممكن أن يترتب على هجرتهم إثارة العاطفة الجياشة إزاء الأهل والأقرباء واستغلالها أحسن استغلال، فتراود قريش نفسها في أمر هؤلاء المهاجرين الذين تربطهم بهم رابطة الرحم، فقد تمتنع عن إيذائهم.

والحق أنه كان لذلك أثر كبير في قلوب القرشيين، فلم تبق دار أو أسرة إلا وتأثرت بهذا الحادث الأليم، إلا أن هذا التأثر كان مختلفاً من بيت إلى آخر، فمن هؤلاء من ازداد غيظاً على المسلمين فزاد في تعذيبهم ومنهم من شعر أنه من الظلم إجبار الناس على مفارقة الأهل والوطن، فرقت قلوبهم للمهاجرين، وأصبح ذلك سبباً إلى اعتناقهم الإسلام[14] .

ألا ترى لما خاب أمل الوفد المبعوث من قبل قريش إلى نجاشي الحبشة في اليوم الأول، قال عمرو بن العاص أحد العضوين للوفد:"والله لآتينه غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم". فقال صاحبه عبد الله بن أبى ربيعة:" لا تفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا"[15] . وإن في خبر زوجة عامر بن ربيعة مع عمر بن الخطاب لأبلغ دليل على الأسف الذي داخل بعض قلوب الكفار من مغادرة ذوي أهلهم وهجرتهم إلى الحبشة. وذلك أنه مر عمر بن الخطاب بأم عبد الله بن عامر وهى تستعد للرحيل إلى الحبشة، وكان زوجها قد خرج لقضاء بعض حاجاته، فقال لها عمر:" إنه للانطلاق يا أم عبد الله"، فردت عليه وذكرته بالأذى والبلاء والإهانات التي يتعرضون لها. وقالت:" نعم والله لنخرجن في أرض الله، آذيتونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا فرجاً ومخرجاً "، فقال:" صحبكم الله". فأحست رقة في نبرات عمر لم تكن تعهدها من قبل وقد عرفت عنه قسوته على المسلمين، فلما عاد زوجها أخبرته بما بدا على عمر، وقالت:"يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا"، قال:"أطمعت في إسلامه"، قالت: "نعم". قال:" فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب".

رابعاً: إن في خروجهم إلى الحبشة إشارة إلى حقيقة كبرى، وهى أن الدعوة الإسلامية لم تكن لتنحصر في مكة أو الجزيرة العربية أو أي بقعة خاصة في الأرض، بل إنها موجهة إلى جميع العالم، ولهذا لما وصل المهاجرون إلى أرض الحبشة لم يكونوا صامتين، أو قائمين بالشعائر في مجالسهم فقط، أو عاكفين في بيوتهم فحسب، بل أظهروا مظاهر الإسلام. ومن نتائج واقعهم هذا قدوم وفد النصارى إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وإسلام النجاشي حتى أصبح داعياً إلى الإسلام، فكان عمرو بن العاص من الذين أسلموا على يديه، كل ذلك من نتائج جهود المسلمين المهاجرين وآثارها[16] .

خامساً: ومن عواملها: أخذ التجربة لنشر الدعوة في موطن جديد، مع الإبقاء على ضعفة المسلمين ويؤيد هذا القول أن الهجرة جاءت بعد أن لم يستجب للدعوة إلا قليل، ويشهد لهذا- أيضاً- ما سبقت الإشارة اليد من أنه لم يهاجر كل الضعفة المعذبين، إذ ما كل مستضعف كان يلوذ بالفرار والهجرة بما يدل عليه ما جرى لعثمان بن مظعون الذي كان في جوار من وليد بن المغيرة.

وذلك أنه لما رأى ما فيه أصحابه صلى الله عليه وسلم من البلاء. وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد، فقال:" هذا نقص كبير في نفسي"، فرد إليه جواره. (أنظر: ابن هشام، السيرة 1 ص 386).

سادساً: وشيء آخر ذو بال يلمح من الهجرة إلى الحبشة، أملأ وهو الجانب الإعلامي لأمر الدعوة الإسلامية بحيث ينتشر عند العرب وغيرهم أمر هؤلاء القوم الذين أتوا النجاشي وظفروا بحمايته،  من هم ؟ ولماذا جاءوا ؟ وبماذا جاءوا ؟ . وتتناقل الألسنة هذا الخبر من مكان إلى آخر ، فيصبح ذلك بمثابة الإعلام الناجح عن وجود هذه الدعوة الإسلامية فيترتب على ذلك انتشارها في أماكن مختلفة ، وهذا كسب عظيم .

وهذا الأمر زاد من قلق قريش، فقد أشاعت هذه الهجرة في أهل مكة جواً من الخوف وزلزلة في القلوب، حتى ترك رجال قريش حيارى لا يدرون ماذا يفعلون ؟.

لقد أحس الملأ من قريش أن الزمام أخذ يفلت منهم، وأن هؤلاء الذين احتموا بأرض الحبشة من المسلمين سيكونون- بلا ريب- دعاية حسنة لدعوة الإسلام، فليس يبعد أن يتأثر الأحباش بدعوتهم فيسلموا، وينتشر الإسلام، فيصير المسلمون قوة وكثرة، وتصبح لهم قاعدة إسلامية هناك، ولقد أسقط في يد قريش عندما رجع رسولاها من عند النجاشي بدون جدوى ففي هذا الجو الغاضب الحائر قرروا أن يقاطعوا بنى هاشم وبني عبد المطلب بالصحيفة الظالمة.

يقول أمين دويدار:"كانت هواجس الخوف من هجرة المسلمين إلى الحبشة تقلق بال قريش، وتزعج أمنها واستقرارها ، حتى تركتها في اضطراب دائم، وبلبلة مستمرة، وأغلقت منافذ التفكير على ذوى الرأي فيها، وحرمتهم التوفيق في كل ما كانوا يأتون، ويدعون من الأمر، فكانوا يقدمون على شيء يظنون أن فيه النيل من رسول الله  صلى الله  عليه وسلم والصد عن سبيله، فينقلب عملهم خيراً له وشراً عليهم" [17].

والحقيقة أن هذه الصحيفة كانت دعاية لصالح المسلمين بين الوافدين إلى مكة وتبين الناس ظلم قريش وعدوانها حتى أدى ذلك إلى شعورها بالخزي . 

وها أذكر الآن بعض الأسباب التي اختار النبي صلى الله عليه وسلم أرض الحبشة لتكون هي المهجر الأول للمسلمين فيما يلي :

أولاً : اختارها لعدم وجود قبائل عربية مستقرة فيها ، فتتمكن قريش عن طريقها من النيل من المسلمين وتكون الهجرة سبباً في إثارة المتاعب في وجوه المهاجرين ، أما الجزيرة العربية – إذ ذاك –فلم تكن مهيأة للهجرة إليها ، بل ربما كان من المحقق أن تجامل قريشاً لمكانتها وعظمتها لديهم، بسبب بدانتها البيت وسيادتها الدينية وكونها من ولد إسماعيل .

أما العراق والشام فكان يعوزهما الاستقرار السياسي ، إذ كانت الحروب والاضطرابات مشتعلة فيها، فالهجرة إليهما لا تحقق الغرض المقصود، بل إنها تكون أشد خطراً من الإقامة في مكة نفسها، فضلاً عن أنه كانت هناك بينها وبين قريش علاقات تجارية قديمة وغير تجارية مما يجعل العراق والشام تبادران إلى إجابة مطالب قريش، كذلك كان دولة الفرس قائمة وما كانت تدين بدين سماوي، فما كانت الهجرة كذلك تصلح لديهم.

كل ذلك يدل على أن الهجرة إلى هذه الجهات كانت أمراً غير مأمون العواقب، ثم إن المهاجرين لا يمكنهم اختراق شبه جزيرة العرب إلى هذه الجهات النائية دون التعرض للقرشيين وحلفائهم[18] .

ثانياً: كان ملك الحبشة أصحمة النجاشي عالماً بالتوراة والإنجيل، ومعروفاً بحب العدل وتحري الحق، ولم يكن يخشى لديه ظلم أحد- كما قال عنه النبي صلى الله  عليه وسلم:" لا يظلم عنده أحد". وقد كان أهل مكة يعرفونه لصلاتهم التجارية بالحبشة.

ثالثاً : أنهم كانوا على شيء من دين المسيح عليه السلام، وهم أقرب مودة وأقل عداوة من اليهود والمشركين وغيرهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الود فقال تعالى:{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}[19] .

رابعاً: لجوء المسلمين المهاجرين إلى أرض آمنة، يجدون فيها الراحة والحماية- الأمر الذي يشجع أهل مكة الخائفين من اعتناق الدين الإسلامي أن يعتنقوه ويلحقوا بهؤلاء المهاجرين.

وبعد هذه الدراسة يبدو- في الحقيقة- أن هجرة المسلمين إلى الحبشة لم تكن لغرض دنيوي ولا اقتصادي ولا عسكري ، ولم تكن لجوءً سياسياً بحتاً، بل أنها كانت بمثابة أسلوب من أساليب الدعوة التي اتخذها الرسول صلى الله  عليه وسلم بحيث كانت لها فوائد جمة وكانت نقلة كبرى، وانقلاباً خطيراً في محيط المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون في مكة المكرمة.

 

هكذا كان حكام المسلمين

يروي التاريخ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كان يجتاز الطريق يوماً ومعه الجارود العبدي فإذا امرأة تناديه وتقول:" رويدك عمر حتى أكلمك كلمات قليلة "، ويلتفت عمر وراءه ثم يقف حتى تبلغه المرأة. فتقول له وهو مصغ مبتسم: "يا عمر عهدي بك وأنت تسمى عميراً تصارع الفتيان في سوق عكاظ فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية واعلم أن من خاف الموت خشي الفوت". فقال لها الجارود العبدي: لقد اجترأت على أمير المؤمنين ". فجذبه عمر من يده وهو يقول:" دعها فإنك لا تعرفها هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات وهي تجادل رسول الله في زوجها وتشتكى إلى الله. فعمر والله حري أن يسمع كلامها ".

 

 

 



  [1]البخاري: الجامع الصحيح كتاب الأدب باب ما جاء في قول الرجل (ويلك) جـ 1 ص 551 رقم الحديث (9165) ومسلم الجامع الصحيح، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير جـ 13 ص 9 .

  [2]البخاري : الجامع الصحيح كتاب الجهاد. باب وجوب النفير جـ 6 ص 37، رقم الحديث (3835) ومسلم. المرجع السابق ص 8.

  [3]انظر : الطبري : جامع البيان جـ 21 ص7 , والقرطبي :جامع أحكام القرآن جـ 13ص357 وابن كثير: تفسير القرآن العظيم جـ 3ص 419، والألوسي: روح المعاني جـ 21 ص 9 ، والشوكاني: فتح القدير جـ 4 ص 210 وصديق حسن خان: فتح البيان جـ 7 ص 223   .

  [4]انظر: الطبري: جامع ا لبيان جـ 23 ص 130 ، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم جـ 4 ص 47، وسيد قطب: في ظلال القرآن جـ 5 ص 3043،  والمودودي: تفهيم القرآن جـ 4 ص 363   .

  [5]ابن إسحاق: السيرة ص 194    .

  [6]انظر: ابن الأثير: الكامل جـ 2ص 77 ، وابن سعد :الطبقات جـ1 ص 204، وابن كثير : السيرة جـ2 ص3 ،و شبلي النعماني السيرة :جـ1 ص 273 ، والمودودي : السيرة جـ 2 ص 567 .

[7]   أنظر: ابن هشام، السيرة جـ 1 ص 382، وابن سعد، الطبقات جـ1ص203-206 ،وابن الأثير ، الكامل جـ2 ص 77 .

[8] ذلك في بداية السنة السادسة من النبوة .أنظر: المودودي، السيرة جـ2 ص 581.

[9] اليعقوبي: التاريخ جـ 2 ص 29 .

  [10]أنظر عبد الرؤوف شلبي: الدعوة الإسلامية في عهدها المكي ص 337. .

  [11]البخاري: الجامع الصحيح، كتاب المغازي باب غزوة خيبر  رقم الحديث(4230- 4231) جـ 7 ص 485، ومسلم: الجامع الصحيح، كتاب  فضائل الصحابة، باب فضائل جعفر وأسماء وأهل السفينة جـ 16 ص 65 .

  [12]انظر: عبد العزيز بن راشد، أصول السيرة المحمدية ص 44 وظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة ص 28.

  [13]أنظر: محمد رواس قلعة جي: التفسير السياسي للسيرة ص 66.

  [14]أنظر: جلال مظهر، محمد رسول الله سيرته وأثره في الحضارة ص 64 ، المودودي: السيرة جـ 3 ص 586، وأمين أحسن الإصلاحي: الدعوة إلى دين الله وأساليبها ص 215، والدكتور علي حسني الخربطلي: الرسول في المدينة ص 81.

 [15]ابن هشام: السيرة جـ 1ص 349 ، وابن كثير: البداية والنهاية جـ 3 ص74   .

 [16]انظر: يحيى بن أبي بكر العامري بهجة المحافل جـ 1ص 326 ، ومحمد إسماعيل إبراهيم: سيرة  الرسول صلى الله عليه وسلم ص 80 وعطية محمد سالم: معالم على طريق الهجرة ص 18    .

[17]  صور من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ص 162 .

  [18]انظر : أحمد عز الدين عبد الله خلف الله : السيرة المحمدية الخالدة جـ 1 ص 176-177 ، وعلي حسني الخربطلي: الرسول في المدينة ص 19   .

[19]  قد ذهب أهل التفاسير أنها نزلت في حق النجاشي، انظر : الطبري: جامع البيان جـ 7ص  ، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن جـ 6 ص 255 ، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم جـ 2 ص 85   .