|
|
|
اَلْكَعْبَة البَيت الحَرَام |
|
وتطبيقات رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم |
|
للدكتور عبد العظيم حامد خطاب |
|
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول
الدين |
|
|
|
قال الله تعالى:{ إِنَّ
أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً
لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ
كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلاً} (آل عمران: 96، 97) وقال
تعالى:{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ
اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}
(البقرة: 125- 126) |
|
وقال:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ
وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (البقرة 144). |
|
حَرَّم الله بيته منذ خلق السموات والأرض. وجعله مثابة
للناس وأمناً. ومن دخله كان آمناً وحفظه من الآفات. ووضع له الجلالة والقداسة في
قلوب الناس. وجعلهم على مختلف العصور يهتمون بأمره ويعنون بشأنه. وفي حرمه ولد
خاتم المرسلين. وصارت مكة مهبط الوحي الأمين لآخر الأنبياء. وصار هذا الحرم متجه
المسلمين في صلاة آخر الأمم، وخير البشر. وقد عرف نبي الإسلام لهذا البيت قدره
فعظمه وأعطاه حقه من الإجلال والخشوع. وطهره حق التطهير وهو آخر الأنبياء الذي
يعلن من فوقه توحيد الإله الخالق المستحق للعبادة لتكون مكة أخيراً دار الإسلام
وقبلة آخر الأمم. كما سبق لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن أمرا بتطهير البيت
والصلاة فيه. ليجمع الله لمصطفاه من البشر بين البداية والنهاية. فهو أول بيت لله.
وآخر قبلة في الصلاة. أمرنا بالتوجه إليه إخلاصا لعبادة الله . وإذا كنا نفخر أن
الله هدانا إلى يوم الجمعة ليكون عيداً للمسلمين قبل أيام الأمم السابقة. فإن
الله بوأ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم الكعبة ليتخذها مصلى وقبلة للإسلام دون
الأمم. |
|
فلله الحمد أن جعلنا مسلمين. ومن هذه الصفوة التي تابعت هذا
النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. |
|
الكعبة: المسلمون مطالبون في الصلاة أَن يتجهوا نحو جهة مكة. وأهل
مكة مطالبون بالاتجاه صوب المسجد الحرام. ومن في داخل المسجد المتعين عليهم
استقبال الكعبة ذاتها. يلتفون حولها حلقاً إحاطة السوار بالمعصم. وجعلت سنة دخول
المسجد الحرام الطواف سبعة أشواط حول الكعبة. |
|
والكعبة قديمة سابقه على أَسفار العهد القديم والتوراة. وقد
توارث العرب أن أَول من رفع قواعدها إبراهيم عليه السلام. والكعبة البيت المربع،
وجمعه كعاب. كما ذكر ذلك ابن منظور في لسان العرب وقيل سمي البيت كعبة لارتفاعه.
وكل بيت مربع فهو عند العرب كعبة. قال ابن سيده، أراه لتربعها[1] وذكر
الزبيدي في تاج العروس أن الكعبة البيت الحرام سمي كعبة لارتفاعه وتربعه. إذ
الكعب كل مفصل للعظام ناشز فوق القدم[2] وقيل
كعبة لأنها مكعبة الأضلاع. وكان الناس يبنون بيوتهم مدورة تعظيماً للكعبة، وأول
من بنى بيتاً مربعاً حميد بن زهير فقالت قريش: ربع حميد بن زهير بيتاً إما حياة
وإما موتاً[3] . |
|
وذكر البتانوني في الرحلة الحجازية، البيت هو الكعبة
المكرمة على شكل مربع زواياه إلى الجهات الأربع حتى تتكسر عليها تيارات الهواء
لكيلا يؤثر ضغط الرياح على كتلتها. وهذه بعينها القاعدة التي بنيت عليها أهرامات
مصر، وصارت محل إعجاب علماء العمارة إلى الآن[4] وقالوا:
"بكة" موضع البيت ومكة القرية أَو الحرم كله. ومن أسماء مكة : مكة
وبكة وأم رحم. وأم القرى. والبلد الأمين. والباسَّة والبيت العتيق. والحاطمة
والناسّة[5] . |
|
الجانب التاريخي للحرم: أَما بداية بناء الكعبة فغير
معروف على التحقيق غير أَن هناك روايات تبين أن الكعبة ترجع تاريخياً إلى آدم.
أَو ربما إلى ما قبل آدم أبو البشر. فقد ذكر الأزرقي رواية عن محمد بن على بن
الحسين يذكر فيها إن الله جعل تحت العرش البيت المعمور، فطافت به الملائكة، وبعث
الله الملائكة. فقال: ابنوا لي
بيتاً في الأرض بمثاله وقدره. فأمر الله تعالى من في الأرض من خلقه أن يطوفوا
بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور[6] فتكون
الملائكة هي التي بنت البيت الحرام وأنها طافت به قبل آدم. فقد ذكر المسعودي
المؤرخ أنه قيل لآدم ايت الكعبة فطف بها، فمشى إليها فتلقته الملائكة بالابطح
فقالوا له: حياك الله يا آدم، لقد طفنا قبلك هذا البيت بألفي عام[7] وبعض
الروايات الأخرى تذكر أن آدم أول من طاف بالبيت لأنه هو الذي بناه أولاً بمعونة
الملائكة. فقد ذكر الأزرقي في رواية عن ابن عباس أول من أسس البيت وصلى فيه وطاف به آدم. وأن آدم بناه من
خمسة أجبل بمعونة الملائكة. وساق رواية أخرى عن ابن عباس أيضاً أنه لما أهبط الله
عز وجل آدم عليه السلام إلى الأرض من الجنة، كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض
فطأطأ الله عز وجل منه إلى الأرض ستين ذراعاً. فقال:" يارب. مالي لا أسمع
أصوات الملائكة ولا حسهم". قال:" خطيئتك يا آدم. ولكن اذهب فابن لي
بيتاً فطف به واذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي". فانتهى
إلى مكة وبنى البيت الحرام وأن جبريل عليه السلام ضرب بجناحه الأرض فابرز عن أس
ثابت في الأرض السفلي فقذفت الملائكة الصخر وما يطيق الصخرة ثلاثون رجلاً. وبهذا
يكون من أسس البيت وصلى فيه آدم علية السلام[8] . |
|
وإذا وضعنا في الاعتبار قول الله تعالى:{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}
فلابد أن يكون لهم قبلة يتجهون إليها في عبادتهم لله وحده. من أول يوم على
الأرض. ولا نتصور عبادة بلا اتجاه أو بيت معبود. |
|
وذكر اليعقوبي في تاريخه أن آدم لما أهبط إلى الأرض تلقى من
ربه كلمات فتاب عليه وهدي. واجتباه وأمره أن يبنى له بيتاً. فصار إلى مكة وبنى
البيت[9] وروى
عبد الملك بن هشام عن وهب بن منبه: "إن آدم عندما تاب الله عليه، أَنزل
عليه صحيفة نزل بها جبريل يأمره بالمسير إلى البلد الحرام، ويبني البيت العتيق،
وأن جبريل دَلّه على المكان فبنى آدم البيت وتعينه حواء. وقال: هذا منسك لك
ولولدك من بعدك، فأول أثر على وجه الأرض مكة والبيت قال الله تعالى:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي
بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} ثم أمره بالمسير إلى البلد المقدس فأراه جبريل
كيف يبنى بيت المقدس فعاونه أبناؤه في بنائه"[10]. |
|
ولم تزل العرب تعظم موضع البيت بعد أن أزاله الطوفان وصار
موضعه أكمة حمراء[11]. |
|
وذكر الطبري في تفسيره عن قتادة
قال:" ذكر لنا أن البيت أهبط مع آدم حين هبط إذ قال الله له: أهبط معك بيتي
يُطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين. حتى إذا
كان زمان الطوفان حين أغرق الله قوم نوح رفعه وطهره ولم تصبه عقوبة أهل الأرض.
فتتبع منه إبراهيم أثراً فبناه على أَساس قديم كان قبله"[12] كما
ذكر الطبري أيضاً في تاريخه:" أن البيت حين أغرق الله قوم نوح رفعه وبقي
أساسه فبوأه الله عز وجل لإبراهيم فبناه"[13]. |
|
أما الاختلاف في أول من بنى الكعبة فيوضحه البدر العيني
فقال:" أول من بناها الملائكة". وقيل آدم ذكره ابن إسحاق وقيل أول من
بناها شيث عليه السلام وكان في عهد آدم البيت المعمور فرفع. وقيل بل رفع وقت
الطوفان[14] ثم
أورد العيني رواية البخاري عن إبراهيم التميمي عن أبيه قال:" سمعت أبا ذر
رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أَي مسجد وضع في الأرض أول. قال، المسجد
الحرام. قلت، ثم أي. قال : المسجد الأقصى. قلت : كم بينهما.؟ .. قال : أَربعون
سنة. ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فإن الفضل فيه"[15] .
قال ابن الجوزي:" فيه إشكال لأن إبراهيم بنى الكعبة وسليمان بنى بيت المقدس
وبينهما أَكثر من ألف سنة". والجواب عنه ما قاله القرطبي:" إن الآية
الكريمة {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ
الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} والحديث السابق لا يَدُلاّن على أن
إبراهيم وسليمان عليهما السلام ابتدأ وضعهما بل كان تجديداً لما أسس غيرهما. وقد
روي : أول من بنى البيت آدم وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده رفع بيت المقدس
بعده بأربعين عاماً. ويوضحه ما ذكره ابن هشام في كتاب التيجان أن آدم لما بنى
البيت أَمره جبريل عليه السلام بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك
فيه. قال ابن كثير: أول ما جعله مسجداً إسرائيل (يعقوب) وإنما أمر سليمان
بتجديده وإحكامه لا أنه أول من بنى"[16] . |
|
إبراهيم وبناء البيت: يشهد القرآن الكريم بأن إبراهيم
حين اسكن ذريته في مكة قال:{رَبَّنَا إِنِّي
أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ
الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ} (سورة إبراهيم/ 37)
وذلك قبل بناء الكعبة على يديه وإسماعيل عليهما السلام عندما بلغ إسماعيل الثلاثين.
كما تذكر الروايات التاريخية. ويذكر الله تعالى بناء إبراهيم للكعبة بقوله:{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ
الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ} والقواعد جمع قاعدة. وقواعد البيت أساسه. |
|
وقد اختلف أهل التأويل في القواعد أهما أحدثا ذلك. أم هي
قواعد كانا قبلهما؟.وعن ابن عباس أنها كانت قواعد البيت قبل ذلك[17] والبعض
يقول بأنه بنى البيت ابتداءً. ويعلل لنا الأزرقي هذا الاختلاف بأن مكان البيت
القديم كان قد خفي واندرس من الغرق الذي جاء به الطوفان فيما بين نوح وإبراهيم
عليهما السلام. ولكن كان موضعه أكمة حمراء لا تعلوها السيول. غير أن الناس
يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك. ولكنهم لا يتثبتون موضعه[18] وتأييداً
لهذا ذكر المسعودي أنه كان في موضع البيت ربوة حمراء أمر إبراهيم عليه السلام
هاجر أن تتخذ عليه عريشاً يكون مسكناً لها[19] ثم
أمر الله إبراهيم أن يبنى الكعبة. ويؤذن في الناس بالحج. ويريهم مناسكهم. فبنى
إبراهيم حتى انتهى إلى موضع الحجر فنادى إبراهيمَ أبو قبيس: إن لك عندي وديعة
فأعطاه الحجر الأسود فوضعه وأذن في الناس بالحج[20]. |
|
وكان إبراهيم عليه السلام منذ أسكن ذريته في هذا الموضع
يزور ابنه إسماعيل. فلما شاهد اجتماع الناس بنى البيت بأمر الله له. ولما شهد
قيام البلد الذي كان يرجو قيامه حول البيت واطمأن إلى أن عمله قد آتى ثماره قال:{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ
أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ...}[21] . |
|
وعامة كتب التاريخ
والتفاسير تشير إلى بناء إبراهيم للبيت وتفصيله فلا حاجة إلى إيراد مثل تلك
التفصيلات ولكن لا بأس بإيراد رواية الطبري المختصرة فقد ذكر أن إبراهيم عليه
السلام لما جاء المرة الثالثة لإسماعيل في مكة كان إسماعيل يصلح نبلاً له من
وراء زمزم. فقال إبراهيم:" يا إسماعيل إن ربك قد أمرني أن أبني له بيتاً.
فقال له إسماعيل:"فأطع ربك فيما أمرك". فقال إبراهيم:" قد أمرك
أن تعينني". فقال:"إذا أفعل". فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه
وإسماعيل يناوله الحجر. ويقولان:{رَبَّنَا
تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. فلما ارتفع
البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم فجعل إسماعيل
يناوله الحجر فلما فرغ إبراهيم أمره الله عز وجل أن يؤذن في الناس بالحج[22]. |
|
قضية تحريم مكة: كانت مكة محرمة منذ خلق الله
السموات والأرض. ولكن قال بعض المفسرين:"كان الحرم المحيط بمكة حلالاً. قبل
دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد. وإنما صار حرماً بتحريم إبراهيم:{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ
مِنَ الثَّمَرَاتِ} كما كانت مدينة الرسول حلالاً قبل تحريم رسول
الله صلى الله عليه وسلم. وتحريم
المدينة إنما كان قبل توجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بدر فقد صلى عند بيوت
السقيا ودعا يومئذ لأهل المدينة فقال:" اللهم إن
إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك دعاك لأهل مكة وإني محمد عبدك ونبيك أدعوك لأهل
المدينة أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم. اللهم حبب إلينا المدينة واجعل ما
بها من الوباء بُخمْ. اللهم إني حرمت ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم خليلك مكة "[23]. |
|
قال ابن جرير الطبري:" الصواب أن الله تعالى ذكره. جعل مكة حراماً حين خلقها
وأنشأها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته عند فتح مكة كما سوف نفصله
إن شاء الله. وأن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض بغير تحريم منه لها على
لسان أحد من أنبيائه ورسله.. فلم تزل كذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله.
وأسكن بها أهله وولده إسماعيل. فسأل حينئذ إبراهيم الله إيجاب فرض تحريمها على
عباده على لسانه أو لأن إبراهيم علم تحريمها[24] وقد
أورد ابن كثير قولاً في هذا الاتجاه أن أبا شريح الخزاعي قال:"قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، سمعته
أذناي ووعاه قلبي حين تكلم به أنه حمد الله وأثنى عليه وقال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس... "[25]. |
|
فالبقعة حرام ما في ذلك شك. والتبرير الذي ساقه الطبري
مقبول. فالمكان كان يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض. ويدعو عنده المكروب.
فقل من دعا هنالك إلا استجيب له. وكان الناس يحجون موضع البيت حتى بوأ الله
مكانه لإبراهيم لما أراد عمارة بيته وإظهار دينه وشرائعه. فلم يزل المكان منذ
أهبط الله آدم إلى الأرض معظماً محرماً[26]. |
|
وقد ذكر النويري أن النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق
بمكة فتعبد بها ومن معه من المؤمنين حتى يموت. فمات بها نوح وهود وصالح وشعيب
وقبورهم بين زمزم والحجر. وعن مجاهد:"حج موسى النبي على جمل أحمر فمرّ
بالروحاء عليه عباءتان قطوانيتان متزر بإحداهما مرتدياً بالأخرى. فطاف بالبيت ثم
سعى بين الصفا والمروة ". |
|
وعن ابن عباس رضي الله عنهما:" لقد سلك فَجّ الروحاء
سبعون نبياً حجاجاً عليهم لباس الصوف مخطمي إبلهم بحبال الصوف. ولقد صلى في مسجد
الخيف سبعون نبياً ". وعنه:" عن الرسول صلى
الله عليه وسلم لقد مر بهذا الفَجّ (فج الروحاء) سبعون نبياً على نوق حمر خطامها
الليف لبوسهم العباء وتلبيتهم شتى "[27]. |
|
وروي الحافظ أبو يعلى عن ابن عباس قال:"حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادي عسفان
قال : يا أَبا بكر، أي واد هذا. قال : هذا وادي عسفان. قال : لقد مر بهذا الوادي
نوح وهود وإبراهيم على بكرات لهم حمر، خطمهم الليف وأَزرهم العباء وأرديتهم
النمار يحجون البيت العتيق "[28]. ومعروف
أن نوحاً وهوداً كانا قبل إبراهيم عليهم السلام. ويذكر ابن كثير:" أن قبر
نوح عليه السلام بالمسجد الحرام وليس في كرك نوح بالشام كما يقال"[29] . |
|
ومن هنا يمكن القول بأن البيت الحرام كان موجوداً قبل بنائه
على يد إبراهيم خليل الرحمن. وأن هذا البيت كان قد جرت عليه أحداث غيرت من
طبيعته. وأخفت مكانه فكان من رحمة الله بعباده أن أمر خليله ببناء البيت ورفع
قواعده. وظلت قداسة البيت أمراً مسلماً به لا خلاف عليه من أهل مكة وأهل
البادية. ورغم تفشى عبادة الأوثان في سواد القبائل العربية المحيطة بمكة. فإنه
لم يرد عنهم أنهم عبدوا هيكل الكعبة. ولم يعبدوا الحجر الأسود رغم تسليمهم
بقدسيته واحترامه ومكانته حتى كادوا يقتتلون على من هو أولى بوضعه في مكانه. حين
تدخل الرسول قبل البعثة فأقترح وضعاً حقن برأَيه هذا الدماء فأشرك القبائل في
شرف حمله ووضعه صلى الله عليه وسلم في مكانه. |
|
وكانت العرب لا تقسم بالكعبة أو بالحجر الأسود. و إنما تقسم
برب الكعبة. وهكذا استجاب الله لخليله حين دعاه بقوله:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ}لم يتخذ
البيت عمارة إبراهيم وإسماعيل صنماً يعبدونه وظلت مكانته مرموقة فأعاد قصي بن
كلاب في القرن الثاني قبل الهجرة بناءه وبنته قريش قبل المبعث واشترك الرسول في
أمره[30]. |
|
الرسول يراعي حرمة مكة: ظلت الدعوة في مكة. كان الرسول
خلال ثلاثة عشر عاماً يؤمر بالصبر. قال الله تعالى له:{فَاصْبِرْ كَمَا
صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ}(الأحقاف:
35) ولم يشرع القتال في مكة لمقامها الذي يعرفه من حرمها من أول يوم. حتى أن
الرسول بعد بيعة العقبة الثانية أنذر به الشيطان (هل لكم في مذمم والصبأة معه قد
اجتمعوا على حربكم) قال الرسول لمن بايعوه تلك البيعة الأخيرة:"أرفضوا إلى رحالكم". قال العباس بن عبادة
بن نضلة:"والله الذي بعثك بالحق: إن شئت لنميلن على أهل منى غداً
بأسيافنا؟. قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر
بهذا، ولكن ارجعوا إلى رحالكم"[31]. |
|
ولما استقر الإسلام في المدينة وأذن الله بالقتال للمسلمين
بقوله تعالى{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}
وقوله:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}(البقرة: 193) حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على قتال قريش خارج الحرم
فرسول الله أعلم بالله وبحدوده وبما أحل وما حرم. علم قدر مكة فلم يأتها غازياً.
مكة التي شنت الحرب عليه ثلاث مرات بدر وأحد والخندق والتي ألبت عليه وعلى
المسلمين فأصاب المسلمين خلال ذلك ما أصابهم فلم يورثه ذلك ثورة على مكة ولا
ضغينة على حرمها. وإنما قدرها. نلمس ذلك من مواقف في سيرته صلى الله عليه وسلم.
نذكر منها على سبيل الاختصار:- |
|
1- تعظيم أمر مكة في الحديبية: خرج صلى الله عليه وسلم من
المدينة بمن معه هلال ذي القعدة من السنة السادسة. وحرص أن لا يكون معه إلا سلاح
المسافر السيوف في القرب[32] وساق
هديه. يقول ابن هشام:"خرج معتمراً لا يريد حرباً وهو يخشى من قريش أن يرضوا
له بحرب أو يصدوه عن البيت وساق الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم
الناس أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً له[33]
. |
|
وفي رواية عن عروة بن الزبير. عن مسور ابن مخرمة. ومروان بن
الحكم. أنهما حدثاه فقالا : "خرج رسول الله عام الحديبية يريد زيارة البيت
لا يريد قتالاً[34] وكما
ساق الهدي ساق أهل القوة الهدي : أبو بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن
عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن عبادة ساقوا جميعاً هدياً مع هدي رسول
الله صلى الله عليه وسلم. |
|
ولما كان بعض الصحابة والعرب يخشون قريشاً ويخافون أن
يقاتلوا المسلمين قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" أتخشى يا رسول الله علينا من أبي سفيان بن حرب
وأصحابه ولم نأخذ للحرب عدتها؟" فقال الرسول:"ما
أدري. ولست أحب حمل السلاح معتمراً ". وقال سعد بن عبادة:" يا
رسول الله لو حملنا السلاح معنا، فإن رابنا من القوم ريب كنا معدين لهم".
فقال رسول الله:"لست أحمل السلاح إنما خرجت
معتمراً "[35] . |
|
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة بسر بن
سفيان الكعي الخزاعي. وقال له: "أن قريشاً قد
بلغها أني أريد العمرة. فخَبّر لي خبرهم ثم القني بما يكون منهم"[36]
. وكان
صلى الله عليه وسلم يأمل أن تستجيب قريش للاتجاه السلمي فلا يعرضوا له بسوء أو
بقتال رعاية لحرمة مكة، التي لا يريد فيها قتالاً بل سلاماً وأمناً. وتقدم
أمامهم بسر بن سفيان حتى دخل مكة فسمع من كلامهم ورأى ما رأى منهم ثم رجع فلقي
رسول الله بغدير الاشطاط من وراء عسفان فلما رآه الرسول قال:"يابسر ما وراءك" قال:"يا رسول الله
تركت قومك:كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد سمعوا بمسيرك ففزعوا، وهابوا أن تدخل
عليهم عنوة. وقد استنفروا الأحابيش ومن أطاعهم، معهم العُوذ المطافيل[37]
. وقد
لبسوا لك جلود النمور ليصدوك عن المسجد الحرام، وقد خرجوا إلى بلدح وضربوا بها
الأبنية وتركت عمادهم يطعمون الجزر أحابيشهم ومن ضوى إليهم في دورهم. وقدموا
الخيل عليها خالد بن الوليد في مائتي فارس. وهذه خيلهم بالغميم وقد وضعوا العيون
على الجبال ووضعوا الأرصاد "[38] . |
|
ورغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم تصلب قريش
وإصرارهم على حميتهم الجاهلية وتماديهم في باطلهم إلا أنه رأى أن يظهر السلم
فيتحول عن طريق طليعة المشركين قائلاً: يا ويح قريش قد
أَكلتهم الحرب وماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب. ثم قال:"فوالله
لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة أي
صفحه عنقه صلى الله عليه وسلم"[39] . كما
قال أيضاً:"أَنا لم نجيء لقتال أحد ولكن جئنا
معتمرين وإن قريشاً قد أنهكتهم الحرب فأضرت بهم فإن شئت ماددتهم مدة ويخلوا بيني
وبين الناس "[40] . |
|
ثم قال الرسول:" هل من رجل يخرج بنا على غير طريقهم"
فسلك بهم رجل من أَسلم طريقاً وعراً
أجرلّ بين شعاب[41] انتهى
إلى أَرض سهلة حتى إذا سلك ثنية المرار وقفت يدا راحلته صلى الله عليه وسلم على
ثنية تهبط على غائط القوم فبركت ناقته[42] فقال الناس:" خَلأت القصواء".
قال الرسول:"ما خَلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها
حابس الفيل عن مكة. والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله
وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها"[43] وذكر
ابن حجر أن من تعظيم الحرمة ترك القتال[44] . |
|
ولو أن بعض الآراء تذهب إلى أن هذا القول معناه أنى إن دخلت
مكة على رغم قريش وقع قتال أفضى إلى سفك الدماء. إذ علم الله أنه سيدخل في الإسلام منهم خلق ويستخرج
من أصلابهم ناس يجاهدون في سبيل الله
[45] إلا
أننا يمكن أن نضيف أمراً هاماً فإذا نظرنا إلى الربط بين حبس الفيل وحرمة البيت.
ثم حبس الناقة لحرمة البيت انتهينا إلى أن هذا مقصوده. ثم إبداء هذه صراحة من
الرسول بأنه يرضى بأي خطة فيها تعظيم أمر مكة وحرمها وإجلال البيت وحفظ مهابته.
ومنع القتال فيه. وقيل أن منع أَصحاب الفيل ومنع أصحاب الناقة مع اختلاف
مقاصدهما هدفه منع القتال مطلقاً[46]ومن
ثم يظهر لنا الرسول صلى الله عليه وسلم إنما تعمد عدم حمل السلاح معه حتى لا
يتمادى الأمر، رغبة في السلم وإيثاره. صحيح أن الرسول لما أشيع مقتل عثمان بن
عفان الذي بعثه ليعلن لهم احترام الرسول لمكة ومسالمته لها، ومقتل من دخل مكة من
المسلمين. أخذ البيعة على أصحابه بأن لا يفروا وأعد نفسه للقتال الذي لا مناص
منه إذا اضطرته قريش إلى ذلك بقتل هؤلاء. ولكن سرعان ما تحول عن رغبته في
المقاتلة عند البيت لما علم بكذب هذه الإشاعة. فحفظ للبيت حرمته التي جعلها الله
له. |
|
ولدينا دليل آخر من حفظ الحرمة ورعاية مكة، أنه أمر بإطلاق
من حاولوا الإعتداء على معسكر المسلمين. وكانت قريش قد بعثت نحواً من أربعين أو
خمسين رجلاً ليطيفوا بمعسكر المسلمين رجاء أن يصيبوا منهم أَحداً، أو يصيبوا
منهم غِرّة فأخذهم محمد بن مسلمة وأصحابه من حراس معسكر المسلمين. فجاء بهم إلى
الرسول فعفا عنهم وخلى سبيلهم[47] . |
|
وقد مَنّ الله على نبيه لهذه الحادثة فقال تعالى:{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا
فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً
لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} ثم قال:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ
عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً}(الفتح، 20،
24) أي أن الله كف الأيدي عن القتال في الحرم. وصان الفريقين بأن أَوجد صلحاً.
ولذا قال الرسول حين أمر بإطلاق المعتدين، أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناؤه[48]
. قال
الشوكاني:"كف أيدي الناس عنكم يعني منع أهل مكة أن يستحلوا حرم الله أو يستحل
بكم وانتم حُرُم ولتكون آية للمؤمنين أي سنة لمن بعدكم[49] أي
لمراعاة حرمة مكة والبيت. |
|
فلما قدم سهيل بن عمرو. واصطلح مع رسول الله على صلح
الحديبية مع ما فيه من شروط ظاهرها قاس على المسلمين: ومنه أن لا يعتمروا ذلك
العام والحرم على مَدّ البصر. ومن يأتي إلى المسلمين بغير إذن وليه : عادوه
لقريش. ورفض سهيل أَن يوافق على كتابة بسم الله الرحمن الرحيم أَو محمد رسول
الله. و إنما كتب باسمك اللهم ومحمد بن عبد الله وثب عمر بن الخطاب. فقال :"
يا رسول الله ألسنا بالمسلمين ؟". قال رسول الله:"
بلى" قال:" فعلام نعطي الدنية في ديننا"، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم:" أنا عبد الله ورسوله ولن
أخالف أمره ولن يضيعني". فلما سمع منه أبو بكر مقالته قال: "يا
عمر الزم غَرْزَه- أي أَتبع أمره- فإني أشهد أنه رسول الله وأن الحق ما أَمر به
ولن يخالف أَمر الله ولن يضيعه الله"[50] . |
|
فرسول الله نظر إلى حرمات الله وتعظيم مكة والكعبة ولم يرد
أن يسفك دما وقَبلَ ما كان يعتبر في نظر المسلمين قاسياً شديداً. ولكن ظهر أن
ذلك الصلح كان خيراً وبركة على المسلمين وكان فتحاً مبيناً. وأن الأمر أمر تعظيم
حرمات الله وأن النصر بيد الله فطابت نفوس المسلمين جميعاً. |
|
ب- في عمرة القضاء:كانت هذه العمرة قصاصاً لعمرة
الحديبية التي حال المشركون دون إتمامها وتطبيقاً لشروط صلح الحديبية وهي أن لا
يدخل مكة عامه هذا فإذا كان عام قابل دخل فيقيم بمكة ثلاثة أيام ليس معه إلا
سلاح الراكب: السيوف في القُرُب. وقد وفى صلى الله عليه وسلم بشرطه لهم فلم يدخل
عليهم السلاح الذي أحضره معه تنبيهاً للسفهاء ومن ينقضون عهدهم فأبقاه ببطن يأجج
مخافة الغدر[51] ولكن
قريشاً بلغها ضعف المسلمين أو هكذا تفشت قالة السوء بأن المسلمين أوهنتهم حمى
يثرب. وبدأ فيهم الضعف. علم ذلك رسول الله فأراد أن يسد هذه الثغرة، فلعل ضعاف
النفوس ينتهزون فرصة للقتال داخل الحرم. فلما أقبل ودخل المسجد. وقفت قريش تنظر
قوة المسلمين. فأضطبع الرسول بردائه. ثم قال:"لا
يرى القوم فيكم غميزة"[52] . وذكر
ابن هشام أنهم صفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه و إلى أصحابه فلما دخل رسول
الله إضطبع بردائه وأخرج عَضُده اليمنى ثم قال:"
رحم الله امراً أراهم اليوم من نفسه قوة". ثم استلم الركن ثم خرج
يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا وآراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى
يستلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها. ثم مضت السنة على ذلك.[53] وذكر
ابن كثير عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين معه:" ارمُلوا[54] ليرى
المشركون قوتكم.." كما قال:" اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف ليرى
المشركون جلدهم وقوتهم..." يقول ابن عباس :"وكان يكايدهم صلى
الله عليه وسلم بكل ما استطاع فاستكف أهل مكة"[55]
. |
|
فكان إظهار القوة والجلد والحركة سبباً لعزة المسلمين
ومنعتهم فلم يجرؤا أي قرشي أن يعرض لهم بسوء. وقالت قريش:"ما يرضون بالمشي
أما إنهم لينفرون نَفرَ الظباء"[56] . فكأن
الرسول أراد بإظهار القوة سد الذريعة حتى تنفذ قريش شروط الأمان في بلد الله
الحرام. وحذرهم بما أعد من قوة وسلاح من التعرض له ودعاهم بلسان الحال إلى الكف
عما ينتوونه من سوء الفعل وهو التعرض لحرمة البيت الآمن. |
|
وبقي الرسول بمكة فلما كان عند ظهر
يوم الرابع أتى سهيل بن عمرو وحويطب ابن عبد العزى ورسول الله صلى الله عديه
وسلم في مجلس من مجالس الأنصار يتحدث مع سعد بين عبادة، فصاح حويطب قد انقضى
أجلك فاخرج عنا. فقال النبي:"وما عليكم لو
تركتموني فأعرست بين أظهركم[57].
فصنعت
لكم طعاماً "؟. فقالا :" لا حاجة لنا في طعامك أخرج عنا. ننشدك
الله يا محمد والعهد الذي بيننا وبينك إلا خرجت من أرضنا فهذه الثلاث قد مضت".
فغضب سعد بن عبادة لما رأى من غلظة كلامهم للنبي صلى الله عديه وسلم. فقال
لحويطب :" كذبت لا أم لك، ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يبرح إلا طائعاً
راضياً. فتبسم رسول الله. ثم قال:" يا سعد لا تؤذ
قوماً زارونا في رحالنا". وأسكت الرجلان عن سعد ثم أمر صلى الله
عليه وسلم أبا رافع بالرحيل قائلاً :" لا يمسين
بها أحد من المسلمين"[58] . |
|
هكذا ضبط النبي صلى
الله عليه وسلم أمر المسلمين والتزم بعهده وعقده شأنه دائماً.وأقر الأمن والأمان
بمكة ليكون دليلاً آخر على معرفته ما لهذا الحرم من جليل القدر. |
|
جـ-في فتح مكة : إذا أردنا أن نلخص مسلك النبي صلى
الله عليه وسلم عندما رغب في فتح مكة لمعرفة مدى احترامه لحرمة هذا البلد وجدنا
أنه ما جاء إليها إلا بعد أن نقضت عهدها، بأن أعدت عدواناً غاشماً من بني بكر
على بني كعب من خزاعة. بتعضيد من كبار القرشيين. فلما استُنصر صلى الله عليه
وسلم وعد بالنصر وبدأ يستعد. ولكنه حرص على إخفاء وجهته. ثم وضع الحرس على أنقاب
المدينة حتى لا تشعر قريش باستعداده لها. فلما نزل بقرب مكة وأخذ أبو سفيان
ورفقته. طلب أبو سفيان الأمان لأهل مكة فأعطاه الأمان العام. ونودي به في أنحاء
مكة. كل ذلك حرصاً على أن لا تكون هناك مجابهة ولا يقع قتال. وقد كان. |
|
فإذا انتهينا من التلخيص إلى التفصيل وضح لنا حقيقة التعظيم
لحرمة مكة فحين عزم على المسير لقريش دعا ربه فقال :"اللهم
خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها لي بلادها" أو قال :"اللهم خذ على قريش أبصارهم فلا يروني إلا بغتة ولا
يسمعون بي إلا فجأة"[59] ثم
أمر أهله أن يجهزوه وأن تخفى جهازه[60] . فدخل
أبو بكر رضي الله عنه على عائشة وهى تعمل قمحاً سويقاً ودقيقاً وتعد تمراً. قال
: "أي بنية أأمركم رسول الله أن تجهزوه". قالت :" نعم فتجهز".
قال:" فأين ترين يريد". قالت:" لا والله ما أَدرى". فلما
دخل صلى الله عليه وسلم قال له :" أين تريد يا رسول الله". قال:" قريشاً. وأخْفِ ذلك يا أبا بكر". قال :"
أو ليس بيننا وبينهم مدة "[61] . قال:" أنهم غدروا ونقضوا العهد فأنا غازيهم. أَلم يبلغك ما
صنعوا ببني كعب؟". ثم قال له:" واطو ما ذكرت لك"[62]
. |
|
ثم إن الرسول أعلم الناس أنه سائر إلى مكة و أمرهم بالجد
والتهيؤ[63]
. وأخذ
رسول الله بالأنقاب[64] . فكان
عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف على الأنقاب قَيمّا لهم يقول :" لا تدعوا أحداً يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه".
وكانت الأنقاب مُسَلَّمة الأمن سلك إلى مكة أو ناحيتها فإنه يتحفظ به ويُسأل عنه[65]
. وعندما
كتب حاطب بن أبى بلتعة إلى قريش يخبرها بأمر الرسول وأعطى كتابه لامرأة من مزينة
قال لها:" إخفيه ما استطعت فجعلته في رأَسها ثم فتلت عليه قرونها. ثم قال
لها: "لا تمري على الطريق فإن عليها حرساً فسلكت على غير نقب حتى لقيت
الطريق بالعقيق"[66] . وأَتى
رسول الله الخبر من السماء بما صنع حاطب فأمر علي بن أبي طالب والزبير بن العوام
أن يدركا المرأة فأدركاها بروضة خاخ[67] . فاستخرجا
منها الكتاب وعادا به. ورغم أن الرسول قبل اعتذار حاطب فإن القرآن نزل ينبه على
هذا بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ
بِالْمَوَدَّةِ}[68] . ومما
يدل على شدة التحذير من إبلاغ قريش استئذان عمر بن الخطاب الرسول في قتل حاطب
لمخالفته فلم يأذن له لأنه من أهل " بدر" وهم من غفر الله لهم[69]
. |
|
والهدف من الدعاء والإخفاء أن لا يصل إلى قريش أَنباء الإستعداد
وقدوم المسلمين إليهم فَيُعِدوا للأمر عدته من الرجال والسلاح فيشتد الأمر وتقع
ضحايا من الفريقين فتتأثر بذلك حرمة مكة. فكأن الرسول يريد بذلك تقليل الخسائر
إلى أدنى حد. وحتى تضطر قريش إلى التسليم فيحقق الرسول مراده. |
|
وقد حدثت المفاجأة
باقتراب الرسول صلى الله عليه وسلم وكثرة من معه من الرجال والسلاح حتى بلغ مَر
الظهران[70].
ولم يكن قد وصل عن مسير
رسول الله إلى قريش شيء. فأمر صلى الله عليه وسلم أَصحابه أن يوقدوا ناراً
فأوقِدَت عشرة آلاف نار لتحدث المفاجأة والمباغتة فيرهبهم ويخوفهم بالكثرة. وكان
الرعب قد سيطر على قريش منذ خابت وساطة أَبى سفيان ليشفع عند الرسول في منع
الحرب فأجمعوا أن يبعثوا أبا سفيان نحو المدينة فلعله يلقاه. وقالوا له:"
أن لقيت محمداً فخذ لنا جواراً إلا أن ترى رقة في أصحابه فآذنه بالحرب"،
وهم يظنون أن لديهم من الوقت ما يسمح بالإستعداد. وفيما كان أبو سفيان يسير
بالقرب من مكة ومعه رفقه له إذا هم يرون عشرة آلاف نار في فحمة الليل وكثرة
الأبنية والعسكر. وسمعوا صهيل الخيل ورغاء الإبل ففزعوا وبينما هم كذلك إذا
بالعباس بن عبد المطلب ينادى أَبا سفيان:" يا أبا حنظلة ". فقال أبو
سفيان:" لبيك أبا الفضل ما وراءك ". قال العباس:" هذا رسول الله
في عشرة آلاف من المسلمين. لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب عجز هذه البلغة حتى
أستأمنه لك"[71]. وأخَذَ
رفيقيه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فانتهى بهم إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فكان إسلامهم[72]. فلما
طلب العباس أن يجعل الرسول لأبى سفيان شيئاً يفخر به على الناس بمكة. قال:" من دخل دار أَبى سفيان فهو آمن. ومن أغلق عليه بابه
فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن"[73].
وعفا رسول الله عن أهل
مكة وأعلن لهم الأمان الذي طلبوا بعد أن حاربوه وألبوا عليه فلما قدر عليهم أعلن
أمان الله في حرم الله . لما يعرف لهذا البلد من الحرمة. وود أن لا يقع قتال.
فأراد قبل أن ينصرف أَبو سفيان إلى أهل مكة ليبلغهم أمان الله ليكون على ثقة
بعدم جدوى المقاومة أو رفع السلاح. أراد الرسول أن يُرى أبا سفيان خيل الله وعدة
المسلمين وعددهم وراياتهم فأمر العباس أن يحبس أبا سفيان في مضيق الوادي حتى تمر
به جنود الإسلام فيراها[74].
فلما لحق به العباس وحبسه عن المسير في المضيق قال أبو سفيان:" أغدراً بنى
هاشم ". فقال العباس :" إن أهل النبوة لا يغدرون ولكن لي إليك حاجة".
فقال أبو سفيان:" فهلا بدأَت بها أولاً " ؟. قال العباس:"لم أكن
أراك تذهب هذا المذهب حتى ترى جند الله "[75] . |
|
ومرت القبائل المسلمة على راياتها ومر رسول الله في كتيبته
الخضراء. فقال أبو سفيان :" ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط ولا خَبرنيه
مُخَبرّ. سبحان الله ما لأحد بهذا طاقة ولا يدان ". ثم قال للعباس:"
لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ". قال العباس:" ويحك يا أبا
سفيان ليس بملك ولكنها نبوه ". قال:" نعم.." ثم قال العباس:"
فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم ". فتقدم أبو سفيان الناس كلهم فدخل مكة
فأعلن في أرجائها :"هذا محمد في عشرة آلاف عليهم الحديد وقد جعل لي من دخل
داري فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن طرح السلاح فهو آمن ومن دخل المسجد فهو
آمن". وجعل يصرخ في مكة:" يا معشر قريش إنه
جاءكم بما لا قِبلَ لكم به. رأيت الرجال والكراع والسلاح فلا لأحد بهذا طاقه"[76]
. |
|
ونظم رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه ليدخل مكة من كل
أقطارها ودخل هو من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة[77] . لا
فخرَ ولا زهوَ ولا خيلاء وقد أعلى الله كلمة الإسلام وصارت مكة بين يديه خاضعة
لأمره. روي أنه صلى الله عليه وسلم وضع رأسه تواضعاً لله، لما رأى من إكرام الله
به من الفتح. حتى أن رأسه لتكاد تمس رحله شكراً لله. وخضوعاً لعظمته أن أحل الله
له بلده. ولم تحل لأحد قبله ولا لأحد بعده[78] . ومع
ما أحل له، رفض قولة سعد بن عبادة لأبى سفيان :" اليوم يوم الملحمة اليوم
تستحل الحرمة"[79] . فقال
الرسول:" اليوم يوم المرحمة اليوم يُعَزُ الله
قريشاً"[80] . وفي
رواية أخرى: "كذب سعد : هذا يوم يعظم الله فيه
الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة"[81] . |
|
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمرائه أن لا
يقاتلوا إلا من يقاتلهم. غير أنه أهدر دم نفر سماهم[82]
. فلما
دخل نظر صلى الله عليه وسلم إلى البارقة فقال:"
ما هذا..؟ وقد نهيت عن القتال". فقالوا :" إن خالداً قوتل
وبُدىء بالقتال فلم يكن بُد من أن يقاتلهم". وبعد أن اطمأن الرسول قال
لخالد:"لمَ قاتلت وقد نهيتك عن القتال "؟. فقال:" هم بدؤنا بالقتال وقد كففت يدي ما استطعت".
فقال الرسول:" قضاء الله خير"[83]
. وقال
صلى الله عليه وسلم مبيناً حرمة مكة وحرمها:" إن
أعدى الناس على الله من قتَل في الحرم". وقال أيضاً يوم فتح مكة :" لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة "[84]
. |
|
ثم طهر رسول الله بيت الله مما شابه من أوثان وأصنام إذ جعل
يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: {وَقُلْ
جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}
فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه
حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. وعلا " بلال بن رباح " البيت فأذن بكلمة
التوحيد وأعلن الإسلام[85] . |
|
فلما كان غداة يوم الفتح قام رسول الله خطيباً فقال :" يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات
والأرض. فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة. فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يسفك فيها دماً ولا يعضد فيها شجراً. لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحل
لأحد يكون بعدي. ولم تحلل لي إلا هذه الساعة غضباً على أهلها. ألا ثم رجعت
كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد منكم الغائب. فمن قال لكم أن رسول الله قد قاتل
فيها فقولوا : إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحللها لكم"[86] . |
|
وهكذا عرف النبي صلى الله عليه وسلم للبيت حقه وحرمته فعظمه
وطهره من الصور والأصنام وأعلن الأمان لكل من دخله. وعفا عن مجاوريه من أهل مكة
فقال لهم:" ما ترون أني فاعل بكم "؟. قالوا:"
خيراً. أخ كريم وابن أخ كريم". قال:" اذهبوا فانتم الطلقاء"
وعادت حرمة مكة إلى الأبد وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. والحمد لله رب
العالمين . |
|
|
|
[1]ابن منظور، لسان العرب (المطبعة الأميرية) جـ 2 ص 213. |
|
[2]الزبيدي، محمد مرتضى: تاج العروس من جواهر القاموس جـ 1 ص 457. |
|
[3]النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب جـ 1 ص 313، محمود الألوسي: بلوغ الأرب جـ 1 ص 313. |
|
[4]البتانونى: الرحلة الحجازية ص 102. |
|
[5]النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب جـ 1 ص 314، محمود الألوسي : بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب جـ 1 ص 227... |
|
[6]الأزرقي: أخبار مكة جـ 1 ص 34 (الطبعة الثالثة)، الألوسي: بلوغ الأرب جـ 1 ص 229. |
|
[7]المسعودي: أخبار الزمان ومن أباده الحدثان ص 73. |
|
[8]النويري: نهاية الأرب جـ 1 ص 301، الأزرقي: أخبار مكة جـ1 ص 36، 37. |
|
[9]اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي جـ 1 ص 6. |
|
[10]وهب بن منبه: كتاب التيجان في ملوك حمير ص 9، 10، 14، 154. |
|
[11]المسعودي: أخبار الزمان ومن أباده الحدثان ص 105. |
|
[12]الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن. تحقيق محمود شاكر جـ 3 ص 45. |
|
[13]الطبري: تاريخ الرسل والملوك جـ 1ص 132. |
|
[14]العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ 16 ص 288، الطبري: جامع البيان جـ 4 ص 7. |
|
[15]العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ 15 ص 261. |
|
[16]العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ 15 ص 262. |
|
[17]الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن جـ 3 ص 57، 58. |
|
[18]الأزرقي: أخبار مكـة ص 52، 53. |
|
[19]المسعودي: مروج الذهب ومعاص الجوهر جـ1 ص 357، أخبار الزمان 105 : الطبري: جامع البيان 3/ 63. |
|
[20]اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي جـ 1 ص 37. |
|
[21]سورة إبراهيم آية 35. |
|
[22]الطبري: تاريخ الرسل والملوك جـ 1 ص 131، النويري: نهاية الأرب جـ 1 ص 399. |
|
[23]المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع جـ 1 ص 63. |
|
[24]الطبري: جامع البيان في تفسير القران جـ 1 ص 50. |
|
[25]ابن كثير: البداية والنهاية جـ 8 ص 148. |
|
[26]الأزرقي: أخبار مكة ص 53. |
|
[27]النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب جـ 1 ص 309،310. |
|
[28]ابن كثير: البداية والنهاية جـ1 ص 119. |
|
[29]ابن كثير: المرجع السابق جـ 1 ص 120 وكرك نوح قرية كبيرة قرب بعلبك. راجع. ياقوت. معجم البلدان. |
|
[30]الألوسي: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب جـ 1 ص 232. |
|
[31]ابن هشام: السيرة النبوية لابن هشام. ط الحلبي. جـ 1 ص 447 ، 448. |
|
[32]الوافدي: كتاب المغاري. تحقيق مارسون جونس ص 572، النويري: نهاية الأرب جـ 17 ص 218. |
|
[33]ابن هشام: السيرة النبوية جـ 2 ص 308. |
|
[34]ابن هشام: المرجع السابق جـ 2 ص 309.. |
|
[35]الوافدي: كتاب المغازي جـ 2 ص 573. |
|
[36]المرجع السـابق: الجزء والصفحة. |
|
[37]كناية عن النساء والأطفال حتى لا يعودوا لأهله. |
|
[38]الوافدي: كتاب المغازي جـ 2 ص 580. |