|
|
|
|
مِنْ مَنْهَجِ الْقُرْآنِ
الْعَظِيْم |
|
|
للشيخ محمد المجذوب |
|
|
كلية الدعوة وأصول الدين |
|
|
|
|
|
قال الله تبارك وتعالى في سورة لقمان: |
|
|
{وَلَقَدْ
آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ
فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ
بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ
بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي
عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ
جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا
تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ
أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا
اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ
بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي
الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ
فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ
الْحَمِيرِ}. |
|
|
المفردات: الوهن: الضعف، والجنين ضعيف لا يدفع عن نفسه ضراً ولا
يجلب لها نفعاً والرحم الحامل له ضعيف لا يستطيع حماية نفسه، والأم الحامل في
ضعف مستمر حتى تضعه، الفصال: الفطام، أناب إلى الله: وثق به واتكل عليه وفوض
أمره إليه، صعرّ خده: أماله عن الناس استكباراً، والمرح: الفخر والخيلاء ،
القصد: الإعتدال بين الإفراط والتفريط. غض من صوته: خفضه تأدباً. |
|
|
تلخيص المعاني: في هذه الآيات الكريمة تركيز
عجيب لدستور كامل في أصول التربية والتعليم، يذكر الله تبارك وتعالى معظمه عن
لسان معلم صالح أتاه الحكمة فعمل بها ومن العسير استيفاء البحث في مضمونها هذا
الدستور الجامع المانع، لذلك نكتفي بالإشارة إلي أصوله الكبرى. |
|
|
الموضوع هنا يمكن اعتباره قسمين يؤلفان وحدة متكاملة، أما
أحدهما فخاص بالفرد من حيث هو كائن بشري لابد له من التوجيه إلى المباديء الأساسية
التي تنظم كيانه الشخصي. وأما الثاني فيتناول تنظيم العلاقة بين هذا الفرد السوي
ومجتمعه البشري. |
|
|
يبدأ القسم الأول من الوصية الحكيمة بالتحذير من الشرك، لأن
التوحيد هو المرتكز الأساسي الذي ينهض عليه البناء السليم للفرد والجماعة، وليس الشرك
إلا عارضاً من الخارج، والحكمة تقتضي تحصين الفطرة من ذلك الواغل الوبيل، الذي
لا ظلم أظلم منه للنفس وللحق. |
|
|
وكأن لقمان قد سكت عن ذكر الوصية بالوالدين لأنها تتعلق
بحقه على ولده، فآثر عليه حق الله وحق الآخرين، ولأن التزامهما مؤد في الواقع
إلى توكيد شأن الوالدين باعتبارهما الأولى بكل برّ بعد الله، ولكن الله جل شأنه
لم يشأ أن يدع الأمر للاستنتاج، فاستدرك على لقمان بتوكيد هذا الحق مباشرة بعد
حقه، كما عودنا سبحانه من الربط بين حقه وحق الوالدين في آيات أخر، ثم قيد ذلك
بحدود طاعته، فللوالدين على الولد حق البر وخفض الجناح، ولكن ليس لهما أن يفرضا
عليه متابعتهما على المعصية.. |
|
|
ولكي يصون الإنسان نفسه من الانحراف عن هذا الخط لابد له من
قدوة عملية يلتزم سبيلها في سلوكه، وقد حدد له هذه القدوة في اتباع المنيبين
إليه من الأنبياء والأصفياء السالكين على خطاهم. والبرّ بالوالدين، ومتابعة
الصالحين، مع التوحيد الخالص، أساس التربية القويمة التي تضبط مسيرة الفرد في
الطريق الأمثل، يضاف إلى ذلك تذكره الدائم للمصير الذي هو منته إليه بعد هذه
الحياة الزائلة، حيث يرى ما عمله من خير محضراً، وما عمله من سوء يود لو أن بينه
وبينه أمداً بعيداً. وأولى ثمار هذه التربية تكوين المراقبة الداخلية لأعمال
الفرد، وهو ما نسميه بالضمير، إذ يتجنب كل زيغ عن الجادة، لأن كل حركاته وسكناته
مُحصى عليه من قبل اللطيف الخبير، الذي لا يفوته كبير ولا صغير. |
|
|
وهنا يأتي القسم الثاني وفيه تتلاحق الأوامر والنواهي: أمراً
بالصلاة التي هي معراج المؤمن إلى الملأ الأعلى وكأنها مواقف حساب يومي، يعرض
فيها نفسه وعمله على ربه فيستغفره لما أصاب من الهفوات، ويستمده العون على ما
وفق إليه من الحسنات. ثم أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وصبر على المصائب.. كل
أولئك نتائج طبيعية لتلك المقدمات، لأن الإنسان الذي زود بكل هاتيك الفضائل بات
مؤهلا للإسهام في توجيه المجتمع بالدعوة إلى كل خير، والتحذير من كل شرّ ولا
يطيق ذلك إلا بالصبر الذي يحبب إليه الثبات واجتياز العقبات. والصبر في حقيقته
قوة لا تتاح إلا لأولي العزم، فليكن إذاً واحداً من أتباعهم وليتحمل في سبيل
الله ما تحمله الأولون من أتباع النبيين، وما يتحمله حتى اليوم أتباعهم بإحسان
في سجون الملاحدة والظالمين.. و إنما تستمر سلامة المجتمع واستقراره في طريق
الخير بهؤلاء الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، الذين ما خلت منهم أمة إلا
تودع منها. |
|
|
ومن ثم تتابع الآداب
الاجتماعية ممثلة في نهيين وأمرين. أما الأولان فالتحذير من الاستكبار والمرح.
وأما الآخران فالحض على الاعتدال في المشي، والغض من الصوت عند مخاطبة الناس.
ويعقب كلاً من القسمين تذييل مؤكد لمضمونه بصورة تقنع العقل السليم بالتزام
المطلوب {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ
مُخْتَالٍ فَخُورٍ} و {إِنَّ أَنْكَرَ
الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} وحسب المؤمن أن يعلم كره الله للاختيال والتطاول حتى يهجر لوازمهما
من الصعر والمرح. اللذين يسجلان على صاحبهما فراغ النفس من الفضائل. وخلو القلب
من التفكير بالتبعات الثقال . التي لا يستطيع تجاهلها من كان يؤمن بأنه مسؤول عن
حركاته وسكناته جميعاً ! وبحسبه كذلك أن يتصور نهيق الحمار ومزعجاته حتى تشمئز
نفسه من مشابهته، فيحاول جهده أن يلتزم أدب الإسلام في المشي وفي الكلام. |
|
|
أهمية هذه المعاني وأثرها في تكوين المجتمع الصالح: بقليل
من التدبر الواعي لهذه الوصايا نتبين أننا تلقاء مخطط عميق الغور، لا أمل بإنشاء
الفرد الصالح خارج نطاقه فهو أشبه بالأعداد السياسية في علم الحساب. فكما أن
عملية حسابية دقت أو جلت تقوم على الأرقام الواحد والتاسع وما بينهما. فكذلك
تنبثق من جذور هذا المخطط جميع التفريعات. التي تحدد مضمون المناهج وأهدافها في
كل نظام للتربية والتعليم كما يريده الإسلام وكما تتطلبه مصلحة الجنس الإنساني .
|
|
|
وإذا كان لكل منهاج نماذجه التي تمثال مضمونه في صور
مشهودة. فالنماذج التي يقدمها هذا المنهج تؤكد أنه الوحيد. بـين مناهج الدنيا.
الذي أعطى العالم أعظم رجال التاريخ إطلاقاً فأثبت بذلك أنه النظام الوحيد الذي
يضمن إنشاء الإنسان الممتاز الذي يحلم به الفلاسفة دون أن يعرفوا الطريق إليه…
ومن يكون ذلك الإنسان الممتاز غير الذي رباه الإسلام في مدرسة النبوة على ضوء
هذا المنهج الرباني فكان أتقى الناس وأعدل الناس وأشجع الناس. وأكرم الناس. وأعف
الناس. وأشد الناس حين الشدة. والينهم عند اللين.. أبعد الخلق عن جهل، و أرغبهم
في علم. حتى كـان منهم أئمة البشر في علوم الدين والدنيا جميعاً ! |
|
|
فمن المخطط يتضح لنا أن غاية التربية والتعليم. في مستواهما
الأعلى ووفق الطريقة الإسلامية. إنما هي رعاية النفس الإنسانية بتدريبها على
تحقيق المنهاج الرباني. في تربية الروح ضمن تعاليم الوحي التي تحرر النفس من كل
خوف لغير الله. وكل عبودية لسواه. وتجعلها مدركة لرسالتها في الحياة التي هي تكوين
المجتمع الأفضل القائم على عبادة الله
وابتغاء مرضاته، ثم تربية العقل تربية صحيحة تمكنه من تحقيق مهمته في
استجلاء مظاهر عظمة الله في
ملكوته، وتسهيل سبل الإفادة مما سخر له الله في السماء والأرض من وسائل المتاع والانتفاع.
دون ظلم ولا جحود ولا طغيان.. وهذا هو السر الذي أدركه سلفنا الصالح لمفهوم
التربية والتعليم على هدى من هذا المنهج الأمثل. فراحوا يؤكدون على وجوب العناية
بالروح. حتى اعتبروها قوام الإنسان كله كما يقول أحدهم: "فأنت بالروح لا
بالجسم إنسان" و اعتبروا صلاحها صلاحاً للكيان البشري كله كما يتضح من قول
أحدهم : |
|
|
وتـرى الكـل فـهـي للـكـل بيـت |
هـذب الـنـفس بالـعـلـوم لـترقى |
|
ـل سـراج وحـكـمـة الـله زيـت |
إنمـا الـنفـس كالزجـاجـة والـعقـ |
|
وإذا أظـلـمـت فـإنــك مـيْـت |
فـإذا أشــرقـت فـإنـك حــي |
|
ولا يعنى هذا التركيز على الجانب الروحي من الإنسان إغفاله
جانبه المادي. لأن الإسلام هو النظام الوحيد الذي يقوم على التوازن المتكامل بين
الروح والجسد، و إنما جاء توكيد العناية بالروح لأن من طبيعة الإنسان الاستجابة لنوازعه
المادية إلى حد الإفراط. فكان من الحكمة إثارة اهتمامه بالجانب الآخر لتحقيق
التوازن بـين الحالين.. |
|
|
وطبيعي أن أدب الجاهلية لم يقترب من هذه المعاني قط. فهي
جديدة على العقل العربـي، وهي بالتالي جديدة على العقل البشري في كل مكان قبل
نزول القرار العظيم... ولا تزال جديدة عند أهل العلم. الذين يتولون تخطيط أسس
التربية في أنحـاء العالم المتمدين في الشرق والغرب على السواء و إنما تستمد
قيمتها من عمق الإدراك لخصائص الفطرة البشرية التي لا صلاح لها إلا بهذه
الحقائق. وقد ثبت ذلك بشهادة الله الذي أودعها كتابه الحكيم توكيداً لأهميتها في
هذا المضمار. وتقديراً لهذا النوع من الحـكمة التي استحقت تكرمته وتخليده سبحانه. |
|
|
الأسلوب المعجز في الآيات: عندما عجز علماء البلاغة عن الإحاطة بأسرار الأعجـاز في كلام الله اضطروا إلى القول بأنه كلام لا كالكلام. فإذا
كـان كلام البشر يدور بين الشعر والنثر فالقرآن ليس من الشعر، وإن كان فيه
الكثير من خصائصه في أكمل حالاتها كعذوبة الجرس. ورشاقة العبارة، والتصوير
المجسم لأدق المعاني.. وليس من النثر، وإن شاركه في أخص عناصره، كالانطلاق،
وتحديد المدلول. والتوافق بين الفكر واللفظ.. وسلوك الأساليب المختلفة من السجع
إلى الإرسال، إلى تقصير الفقرات أو تطويلها حسب المناسبة، وكاستخدام المثل
والقصة والتمثيل وما إلى ذلك من فنون القول... وإذن فهو قسم خاص من الكلام قائم
بذاته وبخصائصه التي يسمو بها على كل ضروب الأدب ومن هنا جاء قولهم: الكلام ثلاث
أقسام نثر وشعر وقرآن. وأقرب تعبير عن هذا السر المعجز هو القول بأن طراز
البلاغة في كل كلام إنما يمثل عبقرية منشئها وخصائصه الفكرية والنفسية
والثقافية. وإنما يتفاوت البلغاء في نطاق هذه الخصائص قوة وضعفاً. وانخفاضاً وارتفاعاً،
لأنهم بصياغتهم فنية إنما يمثلون صفاتهم المنبثقة من هذه الخصائص. ونحن عند ما
نميز بين أسلوب إنسان وأسلوب آخر إنما نميز في الحقيقة بـين صفة هذا وصفة ذاك.
تماماًَ كما قرر نقاد الغرب عندما زعموا: أن الأسلوب هو الإنسان، يريدون أنه صفته المميزة له.
وعلى هذا المقياس نستطيع القول إن امتياز كلام الرب تبارك وتعالى إنما جاء من
كونه صفته المعبرة عن علمه وكمالاته اللائقة بجلاله. فلا سبيل إلى المقارنة بين
كلامه وكلام مخلوق مهما تبلغ بلاغته من
الارتفاع. لأنه لا سبيل إلى المقارنة بين علم الرب المحيط بكل شيء، وعلم
العبد الذي لا يرى من الشيء إلا الجزء الذي يواجهه.. ومن طبيعة هذا الفرق أن
الإنسان يتراوح بين السمو والهبوط وفق قدرته المحدودة في تتبع الوقائع، واستنباط
الأسرار، فيصيب ويخطئ. ويتعمق الشيء آناً فيقول ما يتفق مع حـقيقته، ويغم عليه
السر آنًا فيتخبط في أحكامه. وبذلك يتعرض للإحسان والإساءة على حين يأتي كلام الخالق
صورة الحق الخالص الثابت على مرّ الأحوال وتغير الأزمان ، لكـل حرف فيه مدلوله
اليقيني الذي لا يقبل التبديل، كمثل العضو من الجسم الحـي له مكانه ووظيفته،
التي لا سبيل لتحقيقها إلا عن طريق ذلك الوضع المخصوص.. |
|
|
وإذن فالإعجاز في الكلام الإلهي قائم في المعنى والمبني معاً..
فمعاني الآيات كما رأيت تمثل أسمى ما يتصوره العقل البشري من كمال التنظيم التربوي . الذي عجز عن
مثله مفكروا القديم والحديث. لأنه حقائق منسجمة مع الفطرة التي لا تبديل لها على
الأحداث والبيئات. |
|
|
والأعجاز متمثل كذلك في نظم الآيات من حيث الألفاظ
والتعابير. وتساوق الفقرات في فواصلها ونهاياتها.. فتقسيم الكلام إلى آيات يوجه
القارئ إلى التوقف على أواخرها. ويساعده على التغني بها وهى بعض مميزات التنزيل
التي لا تجد مثلها في كلام
الجاهليين ولا الإسلاميين، حتى في أسلوب المقامات القائمة على تقسيم الكلام إلا
فقرات مسجوعة كقوافي الشعر تشعر عند مقارنتها بآيات القرآن العظيم أنها تكاد
تفقد كل أثر للجمال. إذ تبدو سجعاتها متكلفة قد سخرت لها المعاني. واجتلبت لها
الألفاظ بدافع الرغبة في الهندسة اللفظية فقط.. وهذا ما جعل بعض علماء البلاغة
ينكرون وجود السجع في كلام الله. لأنهم لم يروا السجع قط إلا متكلفاً. بخلاف
نهايات الآيات القرآنية التي لا تأتي أبداً إلا عفوية على أتم التساوق والانسجام
مع المعنى، ولهذا رأوا أن تسمية هذه النهايات بالفواصل أحكم وأليق من تسميتها
بالسجع. |
|
|
والقارئ ذو الشعور المرهف يدرك بذوقه في هذه الفواصل التي
تختتم بها الآي من الجمال والتأثير ما لا سبيل إلى تحديده بالوصف الكلامي وسيكون
أكثر إدراكاً لأثرها إذا هو ترك
قراءة تلك الخواتيم واكتفى بقراءة صدورها وحدها. إذ يحس أنه يفتقد بذلك غير قليل
من النغم. والجمال والتأثير. |
|
|
شخصية لقمان: ولقد اعتدنا أن نقرأ
الوصايا الجاهلية فقراً متقطعة لا نظام لها في الغالب حتى يمكن تغيير مواقعها
دون أن يؤثر ذلك على مجموعها. لأن قائلها في الأصل لم يعن فيها بوحدة الموضوع..
أما هنا في وصية لقمان فالأمر على الضدّ. إذ نرى التماسك بين الفقرات على أتمه،
فكل فقرة ممسكة بأختها، لأن كل فكرة ممهدة لما يليها. ومنها جميعاً على هذا
التماسك يتألف دستور التربية المتكامل. |
|
|
لقد بدأت الآيات بخبر الحكمة التي هيأ الله لها لقمان، ثم
تتابعت المعاني التي تنطوي تحتها، و أولها الشكر لله. ولم تذكر الإيمان به
سبحانه. لأن المناسبة تقتضي أن الإيمان أصل في الفطرة الإنسانية لا جدال فيه
وإنما البحث في متطلباته ومغذياته. ولا شك أن شكر المنعم في مقدمتها لأن الحس البشري لا يقع على شيء إلا
وهو من فضله تعالى. فشكر المتفضل إنما هو تعهد للنفس بالإصلاح المستمر والضبط
الواعي ضمن حدود الخير.. فإذا ما تمت للقمان أن هذه الخـاصة العليا، خـاصة
التنبه الدائم لنعم الله وشكرها. كان أهلاً لدعوة الآخرين إلى هذا الخير. وأحق
الناس به منه ولده. وأفضل ما يبدأ به تزويده التحذير من الانحراف بفطرة الإيمان
عن طريقها السديد. لأن الشرك ظلم عظيم.. وهكذا تتابع أجزاء الموعظة في ترابط
عجيب لا يغفل شاردة ولا واردة. من الوصية بالوالدين. إلى القدوة الحسنة إلى
مراقبة النفس والعمل، إلى الجهاد العام للحفاظ على صلاح المجتمع. إلى حسن معاملة
الناس وما يصلح للمؤمن العاقل من أدب المعاملة لمن يدعوهم إلى الصلاح … |
|
|
هكذا من حيث وحدة الموضوع.. فإذا رحنا نتبين الخصائص
النفسية لهذا الحكيم الصلاح واجهتنا الحكمة ممثلة في طريقته نفسها ، فهو يسوق
مواعظه في أرق الأساليب وأبلغها وقعاً، فيبدأ كل زمرة من تلك الفضائل بذلك
الخطاب المؤثر المشحون بالإشفاق : {يَا بَنِي}…ثم
لا يكتفي بصيغة الأمر والنهي في عرضها ، بل يعمد إلى دعمها بالتعليل المقنع فهو
ينهاه عن الشرك لأنه ظلم عظيم ، ويحذره من التهاون بصغائر الذنوب لأن الله لطيف
خبير ، وهو يحضه على الاستمساك بالصبر لأن تكاليف الإيمان والدعوة من الأعباء
التي تتطلب العزائم الضخمة ، وهو ينفره من التصعير المرح لأن الله لا يحب أهلهما
، وينصح له بالأناة والرصانة لأن الخروج منهما دخول في صفة الحيوان الذي لا يعرف
الآداب …ولكي ندرك روعة التنسيق في أسلوب هذه الآيات نأخذ الآية السابعة عشرة
كمثل من ذلك. أنه يدعو ولده إلى أربعة أشياء : الصلاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر. وكان ممكناً أن يبدأ
بأي منها. ولكنه آثر البدء بالصلاة وقيدها بالإقامة لتكون أدل على كمالها .ومن
ثم لتؤدي وظيفتها كاملة في رفع طاقاته النفسية فإذا تم له ذلك حُبِّبَ إليه
الأمر بالمعروف، وقدم ذلك على النهي عن المنكر، لأن دعوة النـاس إلى مهجـور
الخير أوقع في قلوبهم من دعوتهم للإقلاع عن مألوف المنكر.. فإذا مرن على ذلك سهل
عليه الانتقال إلى ما بعده ولكن هذه أعباء ثقال لا يطيقها إلا أولو العزم من
الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس …فلتكن الوصية بالصبر أخيراً . ثم ليأت
بيان أهمية ذلك تذييلاً شاملاً لهذه الأحكام جميعاً {إِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}. |
|
|
وهكذا نخلص من هذه الدراسة الوجيزة
لوصايا لقمان ، وقد تبينا ملامح من أهميتها وحاجة الإنسان إلى تحقيقها في كل
زمان ومكان ، واستبنا من خلالها شخصية ذلك الحكيم العظيم الذي تعلمنا منه الكثير
من أصول الدعوة وطريقة عرض الحقائق بالأسلوب المبشر الذي لا ينفر ..وأخيراً تعرفنا
أثناء ذلك بعض الخصائص التي ميز بها الخلاق العظيم أسلوب كتابه الحكيم ، فكان
بها المعجز الذي لا يبارى والمعلم الذي لا يجارى والنور الخالد الذي يهدي للتي
هي أقوم . |
|