طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

صلاة المسافر

للدكتور محمد ضياء الأعضمي

أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف

 

 

(المسألة الأولى) حكم القصر والإتمام في السفر:

للعلماء فيه رأيان،

الرأي الأول: إن القصر هو الفرض المتعين على المسافر. لا يجوز إتمامه أبداً. وهو قول الإمام أبي حنيفة وأصحاب الرأي.

قال الشيخ الكاساني: إن فرض المسافر من ذوات الأربع ركعتان لا غير.

وقال الشافعي: أربع كفرض المقيم إلا أن للمسافر أن يقصر رخصة. ثم قال من مشايخنا من لقب المسألة بأن القصر عندنا عزيمة, والإكمال رخصة. وهذا التلقيب على أصلنا خطأ، لأن الركعتين من ذوات الأربع في حق المسافر ليستا قصراً حقيقة عندنا بل هما تمام فرض المسافر، والإكمال ليس رخصة في حقه بل هو إساءة ومخالفة للسنة. هكذا روي عن أبي حنيفة أنه قال: "من أتم الصلاة في السفر فقد أساء وخالف السنة"[1].

وقالوا أيضاً: من صلى الفرض الرباعي أربعاً في السفر، فإن قعد في الثانية بعد التشهد صحت صلاته مع الكراهة لتأخير السلام، وما زاد على الركعتين نفل, وإن لم يقعد في الركعة الثانية لا يصح فرضه.

وقد بالغ حماد بت أبي سليمان فقال: من أتم صلاته في السفر فعليه أن يعيدها.

الرأي الثاني: إن القصر ليس بواجب متعين وهو رأي الجماهير من الفقهاء والمحدثين إلا أنهم اختلفوا في أفضلية القصر وإتمامه فعند أحمد: القصر والإتمام سواء وإن المسافر إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أتم. وروي عنه أيضاً التوقف في هذه المسألة. فقال أنا أحب العافية من هذه المسألة.

وقال الشافعي: القصر أفضل وروي أنه قال: الإتمام قياساً على أفضلية الصوم في السفر والقصر رخصة.

والقول الأول يرجحه ابن دقيق العيد والثاني يرجحه النووي عن الإمام الشافعي. وقال الإمام مالك: القصر سنة فمن فعل فقد أصاب ومن لم يفعل فليس عليه شيء.

بعض الأدلة للإمام أبي حنيفة ومن معه لوجوب القصر:

1. حديث عائشة: أنها قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: "فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم قال: تأولت كما تأول عثمان"[2].

وقد أخرج ابن جرير في تفسير سورة النساء: أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعاً، فإذا احتجوا عليها تقول: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حرب، وكان يخاف، فهل تخافون أنتم".

أخذ الإمام أبو حنيفة بظاهر قولها: (( فرضت صلاة السفر لركعتين )) وقال غيره: معنى قولها: فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وثبتت دلائل الاتمام فوجب المصير إليها[3].

ويقال أيضاً:إن عائشة لم تدرك تشريع الأحكام بمكة لأنها كانت صغيرة والحديث موقوف عليها لم تسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجب التأويل وقد قال بعض العلماء إن ذلك كان من فقهها: منهم القاضي عياض. وقالوا: لو كان ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لتواتر نقله عن جملة من الصحابة لأن الصلاة من معالم الدين ولا يمكن أن تكون خافية على جمهور الناس.

ثم روي عن عائشة رضي الله عنها كما روى الترمذي في جامعه[4] وغيره أنها كانت تتم الصلاة في السفر فلو كانت تعتقد أن الصلاة في السفر ركعتين لا زيادة عليهما وأنهما على سبيل الوجوب فما كان لها أن تخالف هذا..يقال إنها تأولت كما تأول عثمان وسوف يأتي هذا. 

قال الحافظ: وقد جاء عنها سبب الاتمام صريحاً فيما أخرجه البيهقي [5]من طريق هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعاً فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق علي، إسناده صحيح وهو دال على أن القصر رخصة . وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل . انتهى كلامه [6].

2. حديث ابن عباس: قال "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة"[7].

يقال في هذا الحديث مثل القول في حديث عائشة لمن أراد  الاقتصار على الركعتين في السفر.

وأما قوله: وفي الخوف ركعة واحدة فقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف وهو الذي فهمه أبو داود فبوب في سننه بقوله: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون. وممن قال بهذا الحسن والضحاك وإسحاق بن راهوية وقد روى عن الأخير أنه قال: أما عند الشدة فتجزيك ركعة واحدة تومئ بها ايماء. فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة لأنها ذكر الله وأما غيره فقالوا بركعة واحدة.

والجمهور على أن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات فإن كانت في الحضر وجب أربع لركعات, وإن كانت في السفر وجب ركعتان ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال وبه قال من الجمهور: مالك وأبو حنيفة والشافعي هذا ملخص ما قاله الخطابي في معالم السنن[8]:ولكن يصلي على حسب الإمكان ركعتين, أي وجه يوجهون إليه رجالاً وركباناً يومئون إيماءً.

وقال أحمد:"كل حديث روى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز" انتهى.

وقد روى عن جماعة من الصحابة أنهم صلوا صلاة الخوف ركعة واحدة. منهم حذيفة, قال ثعلبة ابن زهدم: "كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقال حذيفة: أنا فصلي بهؤلاء ركعة. وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا"[9].

وكذلك روى زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فكانت للقوم ركعة وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتين"[10].

وأما الجمهور فتأولوا هذه الأحاديث: بأن المراد به ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها كما

جاءت الأحاديث الصحيحة في النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الخوف وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأدلة[11].

قال الإمام الشافعي: وإنما تركناه لأن جميع الأحاديث في صلاة الخوف مجتمعة على أن على المأمومين من عدد الصلاة ما على الإمام. وكذلك أصل الفرض في الصلاة على الناس واحدة في العدد.

وحديث ابن عباس من جملة الأحاديث التي ذكرها الشيخ ابن الهمام في معرض أدلة أبي حنيفة مع أنه لا يصلح أن يكون دليلاً له لأنه لا يقول بالشطر الأخير من الحديث وهو قوله: وفي الخوف ركعة.

3. حديث عمر بن الخطاب قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

.رواه النسائي وابن ماجة[12] عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عمر بن الخطاب قال النسائي: إن فيه انقطاعاً لأن أبي ليلى لم يسمع من عمر انتهى.

قال الشيخ ابن الهمام : "وإعلاله بأن عبد الرحمن لم يسمع من عمر مرفوعاً بثبوت ذلك. حكم به مسلم في مقدمة كتابه"[13]. انتهى

يقصد به الشيخ ابن الهمام قول مسلم في مقدمة صحيحه وهو (وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى وحفظ عن عمر بن الخطاب..وصحب علياً, عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً (والقضية معروفة بين أهل العلم وهي رواية المعنعن فذهب الإمام مسلم إلى أن لروايته تحمل على الاتصال إذا ثبت التلاقي، أو أمكن ولم يثبت بالتصريح مع احتمال الإرسال وذهب المحققون من أهل العلم كعلي بن المديني والبخاري وغيرهما إلى تضعيف رواية المعنعن إذ لم يثبت لقاءه بمن روى عنه في عمره ولو مرة واحدة. وذلك كما قال النووي: "دليل هذا المذهب المختار أن المعنعن عند ثبوت التلاقي إنما حمل على الاتصال لأن الظاهر ممن ليس بمدلس أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع، ثم الاستقراء يدل عليه فإن عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك إلا فيما سمعوه إلا المدلس ولهذا رددنا رواية المدلس فإذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال، والباب مبني على غلبة الظن فاكتفينا به وليس هذا المعنى موجوداً فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز العمل على الاتصال ويصير كالمجهول، فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه أو ضعفه بل للشك في حاله"[14] انتهى.  

وأما سماع ابن أبي ليلى فقد اتفق يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي على أنه لم يسمع من عمر بن الخطاب ولذا روى أبو يعلى الموصلي من طريق الثوري عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن عن الثقة عن عمر بن الخطاب. فإنه جعل بين عبد الرحمن بن أبي ليلى وبين عمر واسطاً[15].ولا ندري من هو هذا الثقة.

4. حديث ابن عمر: قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ونحن ضلاّل، فعلمنا فكان فيما علمنا أن الله عز وجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر.

رواه النسائي. هكذا عزاه صاحب المنتقى به ولم يقل الشوكاني  شيئاً في شرح المنتقي ولم أجده في السنن للنسائي وكذا قال أيضاً الزيلعي[16].

5. حديث ابن عمر أيضاً:قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك. متفق عليه.

وقول ابن عمر يقضي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتم في طول حياته في السفر.وليس فيه دليل لمن ذهب إلى الوجوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بالرخصة لبيان الجواز وكذلك ليس فيه حصر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتم طول حياته لأن ابن عمر لم يلازمه في جمع أسفاره وسوف يأتي من عائشة ما يخالف هذا

6. حديث أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المتم للصلاة في السفر كالمقصر في الحضر".

رواه الدار قطني[17] عن شيخه أحمد بن محمد المغلس وهو كذاب. وفيه أيضاً بقية من الوليد وهو مدلس وقد عنعن عن أبي يحيى المديني.

 

أدلة الجمهور على أن القصر ليس بواجب:

قال الإمام الشافعي:  قال الله عز وجل: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النساء. الاية 101). قال: فكان بيناً في كتاب الله تعالى أن قصر الصلاة في الضرب والخوف تخفيف من الله عز وجل عن خلقه. لا أن فرضا عليهم أن يقصروا كما كان قوله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} ( البقرة الآية: 236) رخصة لا أن حتماً عليهم أن يطلقوهن في هذه الحال.

وكما كان قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} (البقرة. الآية 198) يريد والله تعالى أعلم: أن تتجروا في الحج، لا أن حتماً عليهم أن يتجروا، كما كان قولهك {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} (النور، الآية 6.) وكما كان قوله: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} لا أن حتماً عليهم أن يأكلوا من بيوتهم,ولا بيوت غيرهم.

ثم قال: "والقصر في الخوف والسفر بالكتاب ثم بالسنة, والقصر في السفر بلا خوف سنة,والكتاب يدل على أن القصر في السفر بلا خوف رخصة من الله عز وجل لا أن حتماً عليهم أن يقصروا كما ذلك في الخوف والسفر" انتهى[18].

كأن الإمام الشافعي يشير إلى أن لفظة ((جناح)) تستعمل في المباحات والمرخصات دون العزائم والفرائض.

وإليكم بعض الأدلة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1-عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب إنما قال الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً} (النساء. الاية 101).

فقد أمن الناس قال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"[19].

فقول النبي صلى الله عليه وسلم ((صدقة)) يدل صراحة بأنه ليس بعزائم. والمعلوم أن المتصدق عليه يكون مختاراً في قبول الصدقة وردها. والأمر في قوله.

فاقبلوا صدقته، أمر ندب لا أيجاب، ولا تناقض بين هذا الحديث,والحديث المتقدم "صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر" أي غير ناقص في الأجر والثواب لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بذلك ما فيه من العلة.

قال الخطابي: "وفي هذا حجة لمن ذهب إلى أن الاتمام هو الأصل، ألا ترى أنهما قد تعجبا من القصر مع عدم شروط الخوف, فلوا كان أصل صلاة المسافر ركعتين لم يتعجبا من ذلك". انتهى.

قال الربيع: "قال الشافعي:فدل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله، والصدقة رخصة لا حتم من الله أن يقصروا".

ودل على أن يقصروا في السفر بلا خوف إن شاء المسافر، وأن عائشة قالت:كل ذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم في السفر وقصر"[20].

وقد روى ابن مردويه عن ابن عمر أنه قال: الركعتين في السفر رخصة نزلت من السماء فإن شئتم فردوها[21].

وحديث عمر بن الخطاب هذا أولى بالقبول لأنه لا يحتمل كما يحتمل قول عائشة فإن فيه التصريح بأنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية الكريمة فقال: "إن القصر في السفر رخصة وكان مشرطاً في بداية الإسلام بالسفر والخوف وبعد ذهاب الخوف هي هدية من الله فمن شاء قبلها,ومن شاء ردها بينما يحتمل قول عائشة رضي الله عنها بأن يكون ذلك من فقهها أو اجتهادها كما قال القاضي عياض وغيره.قال البغوي قوله – صدقة تصدق الله بها عليكم – دليل على أن القصر رخصة وإباحة لا عزيمة"[22].

2-حديث أنس بن مالك (رجل من بني عبد الله بن كعب).

قال أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فوجدته يتغذى فقال: "أدن فكل.فقلت أني صائم فقال: أدن أحدثك عن الصوم أو الصيام إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة, وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام.والله لقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم كليهما أو أحدهما.فيا لهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام النبي صلى الله عليه وسلم [23].

قال الترمذي: "حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن ولا نعرف لأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد. انتهى. نقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.

وأنس بن مالك هو القشيري الكعبي الأنصاري المشهور الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحد المكثرين من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي الحديث دليل صريح لمن قال بأن الصلاة في السفر لم تفرض ركعتين وإلا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة.  فكان الأصل هو الاتمام والقصر رخصة من الله.

3-حديث عائشة: أخرج النسائي في سننه عن العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: "يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت، وأتممت وأفطرت وصمت فقال أحسنت يا عائشة" وما عاب علي[24].

 وقال الزيلعي[25]: "العلاء بن زهير قال فيه ابن حيان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به كذا قال في كتاب الضعفاء وذكره في كتاب الثقات أيضاً فتناقض كلامه فيه انتهى.  وزهير ابن العلاء ممن وثقه ابن معين وغيره فلم يأخذ العلماء فيه بقول ابن حبان، كما قال الذهبي: العبرة بتوثيق يحيى. ويقال أيضاً إن في متن هذا الحديث نكارة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط كما أخرج الشيخان عن قتادة عن أنس قال: "حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحدة واعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجه".

ويمكن أن يجمع بين هذا وذاك بأن خروجه من المدينة كان في أواخر رمضان ووصوله إلى مكة كان في أوائل ذي القعدة. إلا أنه بعيد لطول المدة.

أو يقال لعل عائشة كانت فيمن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفره عام الفتح وكان سفره ذلك في رمضان ولم يرجع من سفره ذلك حتى اعتمر عمرة الجعرانة فأشارت بالقصر والإتمام والفطر والصيام.

إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال إن هذا كذب على عائشة رضي الله عنها فإنها لم تكن لتصلي بخلاف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة وهي تشاهدهم يقصرون، كيف والصحيح عنها أنها قالت: إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين،فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر. فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه"[26].

ولكن الصحيح أنها أتمت ولو بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق ذكره.

وقد روى الدار قطني[27] بإسناد صحيح قال: ثنا الحاملي، ثنا سعيد بن محمد بن ثواب  ثنا أبو عاصم،ثنا عمرو بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة أنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم".

وبطريق الدار قطني رواه البيهقي[28] ووافق على تصحيح الدار قطني وقال أيضاً: ولهذا شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد وطلحة بن عمرو. وكلهم ضعيف. انتهى.

ونقل الزيلعي تصحيح الدار قطني و البيهقي وأقره أيضاً إلا أنه قال: وقد يعارض هذا بحديث ابن عمر أنه قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر…الخ. وقد أجيب عنه.

5-حديث ابن عمر: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".

رواه أحمد[29] قال ثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه أيضاً ابن خزيمة[30] وابن حبان في صحيحيهما إلا أنهما زادا حرب بن قيس بين عمارة ونافع وبهذا الوجه رواه الخطيب البغدادي[31] إلا أن شيخ أحمد فيه علي بن عبد الله وهو الوجه الثاني عند أحمد وعلي بن عبد الله هو ابن المديني. يقال لعل الدراوردي حفظ الاسنادين وهو ما يسمى المزيد في متصل الأسانيد. واسناد أحمد على شرط مسلم.

 

وللحديث شواهد منها:

1-حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" رواه الطبراني في الكبير و البزار ورجال البزار ثقات وكذلك رجال الطبراني. [32]

وأما شواهد أخرى فهي ضعيفة. مثل حديث عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وأنس بن مالك وأبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وغيرهم.  انظر مجمع الزوائد.

في هذا الحديث دليل على أن الإتيان بالرخص مثل العمل على العزائم فمداومة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على قصر الصلاة لا تدل على الوجوب بل كانت مداومة النبي صلى الله عليه وسلم

على الرخص مثل عمله على العزائم. وأما الأحاديث التي استدل بها الإمام أبو حنيفة فهي أكثر ما تدل فتدل على أن القصر أفضل لمداومة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وأما قول عائشة رضي الله عنها وغيرها بأن الصلاة في السفر فرضت ركعتين فله عدة معاني:

منها: فرضت صلاة السفر ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما وزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم.

ومنها: وقيل معناه أقرت على ما كانت عليه من الوجوب. ومعنى زيد في صلاة الحضر أي نسخ كونها ركعتين لأن زيادة الركعتين يمنع من الاكتفاء بالركعتين فوقع النسخ في صلاة الحضر.

ومنها: المنسوخ في السفر هو وجوب الركعتين وجعلهما سنة والمنسوخ في الحضر وجوب الركعتين إلى الأربع.

ومنها: فرضت بمعنى قدرت لأن الفرض بمعنى التقدير في اللغة. ومنها قول الطبري: المسافر إذا اختار القصر فهو فرضه. وكذلك اختلف الناس أيضاً في تأويل عثمان. وأصح تأويل في هذا ما ذكره النووي والمحققون وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.  بأن عثمان وعائشة رأيا القصر جائزاً و الاتمام جائزاً فأخذا بأحد الجائزين وهو الاتمام[33].

ويحمل على هذا قصة ابن مسعود التي رواها عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات،فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال:  صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين،وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتان (متفق عليه) .

فكان ابن مسعود أيضاً ممن يرى الجواز وإن كان الأولى عنده القصر وإلا لما كان له أن يصلي الركعات أكثر من الوجوب لأن زيادة الركعات علي الوجوب لا تجوز بحال من الأحوال وأما أنه ترك الأولى فذلك لدفع الشر والفتنة فإن الخلاف شر ووقع التصريح في رواية البيهقي: أني لأكره الخلاف[34].

وفي رواية أبي داود[35] : "الخلاف شر" وكذا ذكره الإمام الشافعي في الأم[36].

وقد صرح الحافظ بأن ابن مسعود لم يكن يعتقد بأن القصر واجب ولو كان اعتقد غير هذا لما تعمد ترك الفرض[37] وقد ذكر العلماء عدة تأويلات غير أنها كلها منتقدة[38].

وقد احتج الشافعي على عدم وجود القصر بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلى أربعاً باتفاقهم،ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم[39].

 

المسألة الثانية:  مسافة القصر:

فيها عدة أقوال للعلماء جعلها ابن المنذر وغيره أكثر من عشرين قولاً ولكن أهما كالأتي:

1. مذهب ابن حزم: أقل مسافة القصر هو الميل لما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر،وأيضاً إطلاق قول الله عز وجل: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}.  والسنة لم تخصص سفر دون سفر.  وإنما لم يسم دون الميل قصراً لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخرج إلى البيقع لدفن الموتى،  وإلى الفضاء لقضاء الحاجة وما كان يقصر الصلاة. قال رحمه الله تعالى بعد نقل الأخبار الكثيرة عن الصحابة : "وبه يقول أصحابنا في السفر إذا كان على ميل فصاعداً في حج أو عمرة أو جهاد وفي الفطر،في كل سفر"[40].

2. مذهب الظاهرية:  مسافة القصر ثلاثة أميال لحديث أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ (شك شعبة ) صلى ركعتين[41].                                                                      

وشك شعبة في هذا الحديث يبطل استدلال الظاهرية به فإن الفرسخ ثلاثة أميال، فإن قال ثلاثة فراسخ فيكون تسعة أميال. والمعروف الأخذ بالكثير أحوط لأن القليل يندرج تحت الكثير. إلا أن يقال أنهم أخذوا بالقليل واستأنسوا في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري أنه قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخاً قصر الصلاة". رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وسعيد بن منصور[42].

ولا دليل لهم في حديث أنس، قال: "صليت الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعاً، وخرج يريد مكة فصلى بذي الحليفة العصر ركعتين"[43].  لأنه على ابتداء القصر، وجميع الأحاديث التي ذكروها تحمل على ذلك.

3. وذهب الشافعي ومالك وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم: إلى أنهم لا يجوز القصر إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين وهي ثمانية وأربعون ميلاً هاشمياً. والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع و عشرون أصبعاً معترضة معتدلة،  والإصبع ست شعيرات معتدلات.

وروى مثل هذا ابن قدامة عن الإمام أحمد أيضاً، وقدره هذه المسافة بمسيرة يومين وهو تقدير ابن عباس فإنه قدر مسيرة يومين من عسفان إلى مكة ومن الطائف إلى مكة ومن جدة إلى مكة.

أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: "سألت ابن عباس فقلت أقصر الصلاة إلى عرفة أو إلى منى قال: لا، ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ولا تقصروا الصلاة إلا في اليوم التام ولا تقصروا فيما دون اليوم. فإن ذهبت إلى الطائف أو إلى جدة أو إلى قدر ذلك من الأرض، إلى أرض لك أو ماشية فاقصر الصلاة فإذا قدمت فأوف".

ولكن هذه الرواية مخالفة لرواية مسيرة يومين التي أشار إليها ابن قدامة.

هذا هو مذهب المعروف عن الأئمة الثلاثة جميعاً قالوا لا تقصر الصلاة الإ في مسير يومين كما نقله النووي والحافظ والبغوي.  إلا أن صاحب الهداية نسب إلى الإمام الشافعي مسيرة يوم واحد بالسير الوسط وقدر بالفرسخ مثل تقدير اليومين وهو ستة عشر فرسخاً أو ثمانية وأربعون ميلاً.  فالذي يظهر من هذا أن العبرة بالفرسخ لا بالأيام والله تعالى أعلم

4. وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أن مسافة القصر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها سير الابل ومشي الأقدام لقوله صلى الله عليه وسلم: "يمسح المقيم كمال يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها" هكذا قال صاحب الهداية.

قال الشيخ ابن الهمام: "أما تقدير إحدى وعشرين فرسخاً أو ثمانية أو خمسة عشر فهي على اعتقاد مسيرة ثلاثة أيام ولاتصح هذه التقديرات بل العبرة بثلاثة أيام"[44] وقال الكاساني: "ومن مشائخنا من قدر بخمسة عشر فرسخاً. وجعل لكل يوم خمس فراسخ ومنهم من قدر بثلاثة مراحل"[45].

يقال إن في هذا لبياناً لأكثر من مدة المسح وليس فيه ما يدل على أن المسافر لا يكون مسافرا إلا بعد ثلاثة أيام.

5. وذهب الإمام البخاري:  إلى أن مسافة القصر مسيرة يوم وليلة.  هكذا بوب في صحيحه إلا أته ذكر تحت الباب حديثين أحدهما حديث ابن عمر ولفظه: "لا تسافر المرأة ثلاثا إلا مع ذي محرم"[46].

والحديث الثاني حديث أبي هريرة ولفظه "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة".وهو موافق لترجمة الباب.