|
|
|
| في المشارق والمغارب | |
للشيخ عبد الله أحمد قادري
|
|
|
|
|
يا لله للمسلمين:
|
|
|
وفي طريقنا في المدينة كان الأخ الأستاذ سلامة يلفت نظرنا
إلى مؤسسات النصارى ونشاطهم، فكلما مررنا بمبنى واسع جميل قال: هذا مركز ثقافي،
هذه كنيسة، هذا مستشفى، هذا ملجأ، وأغلب هذه المرافق على الشوارع العامة،
فأزعجني ذلك إذ يوجد في شعب هو أكثر الشعوب الإسلامية عددا. |
|
|
فسألته: هل يوجد أثر لهذا النشاط في شباب المسلمين؟ قال:
نعم؛ لأنهم يتعلمون في مدارسهم وجامعاتهم، ويدخلون مستشفياتهم للعلاج، ويربون في
ملاجئهم وهم صغار وأيتام ومعوقون، ويساعدونهم إذا كانوا فقراء، ويعلمونهم ما
تميل إليه نفوسهم من الفنون كالموسيقى والرقص وما أشبه ذلك. |
|
|
قلت: وهل يدخل أحد من شباب المسلمين في النصرانية ويترك
دينه؟ قال: نعم. |
|
|
قلت: بنسبة كم مثلا ممن يدرسون في مدارسهم؟ قال: قد يصل إلى
عشرة في كل مائة. |
|
|
قلت: ماذا يكون موقف أسرة المسلم الذي يتنصر؟ قال: يطردونه
ويعادونه، ولكنه لا يبالي لأنه يجد رعاية كاملة من النصارى. |
|
|
وأخذ الأخ سلامة يشرح هذا الخطر في هذه المنطقة بالذات،
فرسم لي مثلثا على ورقة في كل زاوية فيه تقع مدينة قرر النصارى أن يسيطروا على
المثلث على الرغم من قلتهم وكثرة المسلمين خلال مدة قصيرة، قال: ومن أهم خططهم
لهذه السيطرة أنهم يقيمون على الشوارع العامة التي تربط بين هذه المدن الثلاث
مؤسسات ومرافق تبشيرية تشمل المدارس والجامعات والكنائس والنوادي ودور السينما
وقاعات المحاضرات والملاجئ وغيرها من الشؤون الاجتماعية التي يغزون بها الأسر
الفقيرة والشاب الضائع أو المحتاج، ويقصدون الأسر في منازلهم ويقدمون لها العون
والمساعدات، وهذا هو رسم المثلث وأسماء المدن. |
|
الجمعية المحمدية:
|
|
|
وفي الساعة العاشرة كنا في مستشفى الجمعية المحمدية حيث كان
في استقبالنا: رئيس الجمعية ال عبد الرزاق محمد فخر الدين، والأمين العام
للجمعية جرتاوى وبعض الأعضاء. |
|
|
اجتمعنا في قاعة المستشفى، وشرح لنا أمين عام الجمعية نشاطات الجمعية ومؤسساتها التي أقامتها وفروعها. |
|
|
فذكر أن عدد مستشفياتهم في أنحاء إندونيسيا عشرة مستشفيات،
وأن مدارسهم - ابتدائية وثانوية - اثنا عشر ألف مدرسة، وأن الملاجئ التي تم
إنشاؤها للأيتام والمعوقين وغيرهم بلغت سبعين ملجأ، وذكر فروعا كثيرة للجمعية. |
|
|
ثم أطلعونا على أقسام المستشفى الذي أسس عام (1923م)، وهو
ثلاث درجات حسب أحوال المرضى؛ الدرجة الأولى للموسرين من المسلمين، والثانية
للمتوسطين، والثالثة للفقراء، وفي كل الأحوال فيه تيسير وإعانة. |
|
|
وأبدوا رغبتهم في معادلة شهاداتهم في الجامعة الإسلامية،
وتخصيص منح دراسية لطلبتهم، ومساعدتهم بمدرسين للغة العربية، ومراجع علمية لمجلس
الترجيح الذي يبحث في بعض المسائل العلمية في الشريعة الإسلامية. |
|
معهد بندارانج:
|
|
|
ثم ذهبنا لزيارة المعهد الإسلامي لتحفيظ القرآن الكريم
ويسمى بندارانج، ويدرس فيه بنين وبنات، ويتبع نهضة العلماء، ويسرف عليه الأستاذ
مفيد مسعود، وعدد الطلبة والطالبات فيه ثلاثمائة، وقد تخرج فيه في السنوات
الماضية عدد من الطلاب بمعدل خمسة عشر طالبا كل سنة، حافظين القرآن الكريم حفظا
كاملا مجودا، وطلب المسؤولين منا إبلاغ الحكومة السعودية رغبتهم في مد يد العون
لهم لبناء ما بقي من أرضه فصولا دراسية، ومساكن للطلبة، وشكوا من إحاطة مؤسسات
التبشير بالمعهد من كل جهة بإمكاناتها الضخمة ودعاياتها الشديدة، وقد رأينا
الأرض الفضاء التابعة للمعهد والتي يريدون بناءها. |
|
وفي ذلك فليتنافس
المتنافسون:
|
|
|
وكنا قبل أن نصل إلى هذا المعهد المذكور زرنا المسجد المسمى
بمسجد الجهاد، وهو على الشارع العام، وبجانبه مركز تبشير على مساحات واسعة من
الأرض أمام المسجد، وخلفه وعن يمينه وعن يساره، وقد كان هذا المسجد متهدما
والمسيحيون يحاولون من الأهالي شراء أرضه ليلحقوها بمركزهم ويرتاحوا من رفع كلمة
الله بجانبهم، ومركزهم يحيط من كل جانب، وكان المسلمون يصلون فيه مفترشين التراب
(وليس في هذا منقصة؛ فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسجد في مسجده بجبهته الشريفة
على الماء والطين، ولكن وجود مركز تبشيري بمباني براقة ومرافق ودعايات لجلب شباب
المسلمين إلى ذلك المركز بجانب مسجد هذه صفاته ليس لائقا). |
|
|
وعندما زار المسجد فضيلة الشيخ عبد الله النوري من
الكويت ورآه بهذه الهيئة بجانب هذا المركز التبشيري، وسمع أن النصارى يساومون
على شراء أرضه بأغلى ثمن؛ تبرع - جزاه الله خيرا - ببنائه بناء ممتازا، وقد كان
قريب التمام عندما زرناه، جزى الله النوري خيرا {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
الْمُتَنَافِسُونَ}. |
|
|
وبعد الفراغ من المعهد المذكور رجعنا إلى الفندق لأخذ
الراحة... |
|
{كُلُوا وَاشْرَبُوا}:
|
|
|
بقينا في الفندق إلى الساعة الخامسة، جاءنا بعدها الإخوة
قائد السيارة، وسلامة ومحمد حافظ لنذهب إلى الأخ الأستاذ محمد صالح هارون الذي
كنا على موعد معه لتناول طعام الإفطار والعشاء عنده، وهو عبارة عن الرز الأبيض
الصافي الذي لم يختلط بغير الماء، والدجاج المقلي والسلطة والشاي والقهوة، ونحن
قد ألفنا أن يكون أول ما نتناول للإفطار هو التمر أو الماء حسب السنة، فطلبنا
الماء البارد فلم نجد، وعندما علم مضيفنا بأنا نطلب الماء جاء إلينا قائلا: الله
تعالى يقول: {كُلُوا
وَاشْرَبُوا}، فبدأ بالأكل، قلت مختصرا النقاش: السنة أن يبدأ بالتمر
أو الماء للإفطار، فذهب، وبعد أن انتصف السير في الأكل رزقنا الله بقليل من
الماء؛ فشربنا وحمدنا الله. |
|
|
الشيء العجيب في إندونيسيا أن الشاي يقدم باردا مثل شراب
الليمون والمنقا والبيبسي عندنا، في قوارير، أما الماء فيتعذر وجوده باردا في
غير الفنادق، بل إذا قدم يقدم حارا، وتكرر هذا كثيرا وكنا في أول الأمر نلح في
طلب الماء البارد، فلما تأكد لنا الحال صبرنا محمّرين - أي مطبقين المثل اليمني
القديم (من دخل بلادنا حمر) - وبعد الفراغ من تناول الطعام صلينا المغرب... |
|
في معهد مفتاح
الصالحين:
|
|
|
هذا المعهد يقع في قرية تسمى: (وونوتساري) وراء جبل مشهور
عندهم يسمى: كيدول، ويقع هذا الجبل جنوب شرق يوك جاكرتا، وهو ذو طريق متعرج شبيه
بطريق الهدى عندنا، إلا أنه أشد خطرا لأمرين: |
|
|
الأول: أن الطريق في هذا الجبل ضيق جدا تكاد السيارات يلتقي بعضها
مع بعض بسبب ضيقه. |
|
|
الثاني: أن الصعود فيه يغلب عليه أنه في خط مستقيم، بخلاف الهدى. |
|
|
وهو - كغيره - مكسو بالغابات التي كنا طول الوقت نسير في
وسطها وتكتنفنا أشجار الجاتي، وهو شجر ذو أخشاب قوية جدا، وأشجار التمر الهندي
التي زينت أصولها بطلاء أبيض تتبين بها حدود الشارع، بدلا من المعالم المصطنعة،
وهذا الطلاء في أصول هذه الأشجار شبيه بإزار الفتاة الإندونيسية في قصره، إلا
أنه في غاية الجمال بالنسبة للأشجار وفي غاية القبح الشرعي بالنسبة للفتاة العاملة
المسلمة المكلفة. |
|
|
وقد نصحت الفتيات من هذه الحال في عدة مناسبات، وظهرت في
يوك جاكرتا بالذات بعض النتائج التي تدل أن الاستجابة قد تحصل بنسبة طيبة لو طرق
هذا الباب بكثرة وربط بحب الله ورسوله وخوف الله والطمع في ثوابه، وهكذا كل حكم
من أحكام الإسلام التي أهملها كثير من الناس، بل أكثرهم، وكان المقرر أن ندرك
صلاة العشاء في مسجد أو معهد، وأن يؤم المصلين الشيخ عبد القوي في صلاة
التراويح، ولكنا تأخرنا فوصلنا وهم في آخر صلاة التراويح، وبعد أن أتم الإمام
الصلاة أخذ يرفع الذكر بلا إله إلا الله بصوت مرتفع، والناس يتابعونه كلهم، وصدى
أصواتهم يتردد في تلك الجبال والكون ينصت لما ينطق به حاله في كل وقت من الأوقات. |
|
|
والذكر الجماعي بصوت مرتفع كرهه بعض العلماء؛ لعدم وروده
بهذه الهيئة عن الرسول صلى لله عليه وسلم وأصحابه، ورأى آخرون أنه يدخل في قوله
صلى الله عليه وسلم: "إذا
مررتم برياض الجنة فارتعوا"، قيل: وما رياض الجنة؟ قال: "مجالس الذكر"،
والذي يظهر لي أن كون المساجد مجلس ذكر لا يدل على الذكر الجماعي بهذه الصفة،
وإنما يشمل الذكر في الجملة وحلقات العلم وما أشبه ذلك بدون التزام هيئة معينة. |
|
|
ولكني أرى أنه لا ينبغي إثارة هذه الأمور بين قوم يجهلون
أصول دينهم في العقيدة والعبادة والشريعة، وأنه يجب أن يهتم الداعية أولاً بغرس
الإيمان في نفوس الناس، وأركان الإسلام وصفات العبادات؛ لأن الدخول في هذه
الجزئيات التي لو صح أن بعضها بدعة لكانت بدعة إضافية يمكن أن يهتم بها بعد
تهيئة النفوس بالتسليم لله ورسوله، والاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله
عليه وسلم. |
|
|
وهؤلاء الناس عندما نناقشهم في هذه الأمور قبل ربطهم ربطا
كاملا بالمعنى السابق ينفرون، وقد ينقسمون على أنفسهم؛ فيكون في ذلك ما فيه من
الفرقة والخلاف اللذين لا يرضاهما الله ورسوله. |
|
|
نعم عندما يكون الأمر يتعلق بالعقيدة كالشرك أو تحريم حلال
أو تحليل حرام لا بد من الاهتمام به، ولكن يبدأ أيضا بالأهم فالمهم وهكذا... |
|
|
قعدنا في قاعة الاجتماعات، وبعد أن فرغ المصلون من الصلاة
والذكر جاءوا إلينا مستبشرين، فرحبوا بنا، وبدأت فقرات الحفل، فطلبوا من الشيخ
عبد القوي أن يقرأ، وكاد يعتذر لأنه كان متبعا، وكنت أخشى أن يكون أصيب بفقر
الدم لعدم تناول الغذاء الكافي؛ لأن الطعام ما كان مناسبا حسب العادة، ولكني
شجعته فقرأ قراءة قصيرة على غير عادته في الانسجام مع آي القرآن الكريم حتى يكاد
ينسى أنه يقرأ. |
|
|
ثم تقدم رئيس المعهد ويدعى محمد صالح أيضا فشرح ما يقوم به
المعهد وأنه في هذه الليلة يبدأ فيه معهد رمضان لتدريس الطلبة الذين يدرسون في
المدارس الحكومية أمور دينهم، وسيبدأون بالطالبات، وكن حاضرات صلين معهم العشاء
والتراويح، ثم قام الأخ محمد صالح هارون فرحب بنا وافتتح معهد رمضان، وطلب مني
أن ألقي كلمة وتساءل عن إمكان إعطائهم منهجا لتدريس اللغة العربية لغير العرب،
وقال: إننا في شوق أن نسمع منك يا ابن العرب التحدث باللغة العربية. |
|
|
وكانت الكلمة متضمنة واجبنا في التعليم والتعلم والدعوة
وفهم العقيدة الإسلامية على وجهها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
المبنية على القاعدة الأولى: قاعدة الألوهية المطلقة لله، والقاعدة الثانية وهي
قاعدة الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، وهما مضمون الشهادتين: لا إله إلا
الله محمد رسول الله. |
|
|
وأشرت لهم أن تعلم اللغة العربية يحتاج إلى إرادة قوية من
المعلمين والمتعلمين مع معرفة أن تعلمها ليس كتعلم غيرها؛ لأنها لغة ديننا وكتاب
ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وذكرت لهم أن منهج معهد كونتور يناسب
الاستعانة به في المعاهد الأخرى، كما أن المعهد العربي السعودي لتعليم اللغة
العربية في جاكرتا يمكن أن يستفاد منه، ووعدناهم أن نبعث لهم منهج شعبة اللغة
العربية بالجامعة وبعض كتبها، وحملت طلبة الجامعة الإسلامية من الإندونيسيين
مسؤولية قيامهم بتعليم إخوانهم في بلادهم. |
|
صرخة هل تسمع؟
|
|
|
والحقيقة أن من أفضل الوسائل لنشر اللغة العربية هو تدريس
أبناء العالم الإسلامي كما هو الحال في الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية، إلا أن تدريسهم ينبغي أن تطور وسائله وأن تؤلف كتب خاصة بتعليم
اللغة العربية لغير العرب، وأن تنشر هذه الكتب بطرق مختلفة: عن طريق النشر
والتوزيع لهذه الكتب، وعن طريق تسجيلها في أشرطة، وعن طريق الإذاعة والتلفزيون،
وحبذا لو أن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سعت في إيجاد برامج لذلك في
الإذاعة توجه إلى جميع أنحاء العالم، وفي التلفزيون بالنسبة للمملكة، ويمكن
تسجيلها في أشرطة فيديو وتوزيعها في العالم، ترى هل يأتي اليوم الذي تكون
الجامعة قد خطت هذه الخطوة ونحن أحياء؟ إلا أنها إن فعلت ذلك في الوقت القريب أو
البعيد فإنها قد سطرت في صحف التاريخ مأثرة من مآثر الخير لها وللمملكة العربية
السعودية رائدة التضامن الإسلامي الذي من أهم وسائله انتشار اللغة العربية التي
يتوقف عليها فهم الإسلام فهما سليما في أنحاء العالم الإسلامي. |
|
|
وينبغي أن تسعى الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية سعيا حثيثا في توزيع المنح الدراسية على مؤسسات المسلمين في البلدان
بحيث لا تكون بعض المؤسسات متخمة بالمنح وبعض المؤسسات لا يوجد لها في الجامعة
طالب واحد، صحيح أن المؤسسات التي تهتم وتلح لها الحق في ذلك ولكن الدعوة
الإسلامية يجب أن تعم وينبغي أن تحصر الجامعات الإسلامية المؤسسات الإسلامية
كلها، وكثير منها مجهول. |
|
|
وفي الزوايا خبايا وتبادر هذه الجامعات لدراسة مناهج تلك
المؤسسات ومعادلتها ورصد منح دراسية لها كما أنه ينبغي أن تمنح المؤسسات التي لا
توجد بها أحد من متخرجي الجامعة الإسلامية وأمثالها بعض المدرسين حتى يساعدوا
على الربط بينهما وبين هذه الجامعات، وقد تكون بعض المؤسسات أو الجامعات عندها
تقصير في مناهجها أو عندها بعض الخرافات، وهذا لا ينبغي أن يمنع من منحها
مقاعد لبعض طلابها أو منحها بعض المدرسين؛ لأن الهدف هو تعليم الجاهل وتصحيح
الأفكار، وهذا لا يحصل إلا بالاتصال بتلك المؤسسات. |
|
أنا
ما فهمت لماذا تسبح؟
|
|
|
رجعنا من معهد مفتاح الصالحين إلى يوك جاكرتا وعندما وصلنا
إلى الفندق توضأنا لنصلي، وكنت نسيت أنا صلينا المغرب، فصلى بنا الشيخ عبد القوي
- ناويا العشاء - وصليت معه أنا ناويا المغرب، وعندما سلم من الركعتين، قلت: سبحان
الله، وكررتها، وأخذ هو يفكر مليا في هذا التسبيح وسببه، ثم قال: أنا ما فهمت
لماذا التسبيح، فسلمت وقلت له: المغرب ثلاث ركعات وأنت صليت ركعتين، فأخذ يضحك،
ففهمت أني أخطأت، بل نسيت، فقمت وصليت العشاء، لأني لم أنوه بتلك الصلاة، وإنما
الأعمال بالنيات. |
|
|
وهذه إحدى النكات التي كانت كثيرة مع الشيخ عبد القوي. |
|
|
8/9/1400 هـ في معهد
بابيلان الإسلامي: |
|
|
في الساعة التاسعة صباحا ذهبنا إلى معهد بابيلان الإسلامي،
وهو يقع شمال غرب يوك جاكرتا على بعد خمسة وثلاثين كيلومترا، وهو فرع لمعهد
كنتور، ليس رسميا وإنما أسلوبه نفس الأسلوب، ومؤسس هذا المعهد شاب نشيط متحمس
لنشر الدين الإسلامي وتعليم اللغة العربية، يساعده مدرسون من زملائه وتلامذته
متحمسون مثله، يشعرون جميعا بخطر التبشير المسيحي الجاد في إخراج شباب المسلمين
من دينهم في إندونيسيا بأكملها. |
|
|
أسس المعهد في 1965، ومساحته خمسة هكتارات، عدد طلبته 9710
منهم 402 من الطالبات والباقون طلاب، عدد مدرسيه من الرجال 48 مدرسا، ومن النساء
12 مدرسة، وهو يشتمل على فصول دراسية ومساكن للطلبة ومسجد ومرافق عامة كثيرة،
وهي كلها موقوفة على المعهد، قال مديره: فهو ليس لنا وإنما للمسلمين. |
|
ولهم برنامج يومي
مستمر، وهو كما يلي:
|
|
|
1- الساعة
الرابعة صباحا القيام من النوم والاستعداد لصلاة الفجر. |
|
|
2- بعد صلاة
الفجر الرياضة البدنية. |
|
|
3- قراءة
القرآن الكريم في حلقات على أيدي المدرسين. |
|
|
4- تناول
طعام الإفطار. |
|
|
5- بدء
الدراسة من الساعة السابعة، وانتهاؤها في الثانية بعد الظهر. |
|
|
6- دروس
إضافية في اللغة العربية واللغة الإنجليزية. |
|
|
7- رياضة
بدنية من الساعة الرابعة إلى الساعة الخامسة مساء. |
|
|
8- صلاة
المغرب. |
|
|
9- قراءة
القرآن في المساكن. |
|
|
10- صلاة
العشاء. |
|
|
11- مطالعة
الدروس من الساعة الثامنة إلى الساعة التاسعة والنصف، ثم النوم إلى الساعة
الرابعة صباحا. |
|
|
وتقام محاضرات وندوات ثقافية في كل ليلة اثنين وجمعة. |
|
|
وفي كل يوم خميس تنظيف عام يقوم به الجميع من الساعة
الحادية عشرة صباحا إلى الساعة الواحدة بعد الظهر، ومن الساعة الثانية بعد الظهر
تدريب كشفي إلى الساعة الرابعة. |
|
|
مررنا قبل الوصول إلى هذا المعهد بقرية مونتيلان، وكانت أول
مركز للتبشير في إندونيسيا، ودفن بها أول بابا اختير للتبشير، وهو إندونيسي،
وهذه القرية مزدحمة بمؤسسات المبشرين من كنائس ومدارس وملاجئ وغيرها، ويقع
المعهد شمال غرب هذه القرية على بعد مسافة ثلاثة كيلومترات. |
|
|
ومدير المعهد اسمه همام، قال لنا إن بناء هذا المعهد كان في
القرن السادس عشر الميلادي، والذي بناه أحد أجدادي، وقد أغلق واندثر خلال الحروب
مع الهولنديين، ونحن الآن جددناه وسيستمر بإذن الله شوكة في حلوق الأعداء. |
|
|
وكان على يميننا ونحن نسير إلى المعهد قبل القرية
(مونيتيلان) جبل عال يرى من بعد يقال إن ارتفاعه يبغ كيلومترين، وهو بركان
ميرامي الذي وصلت قذائفه من الصخور إلى جنوب مونتيلان والمسافة طويلة جدا. |
|
|
وأقيم احتفال كالعادة تبودلت فيه الكلمات. |
|
|
وبعد انتهاء الحفل مررنا بمرافق المعهد، ثم اصطحبونا إلى
معبد بوذا الذي يقع شمال غرب المعهد على هضبة مرتفعة، وهو أكبر معابد البوذيين
في العالم، يؤمه السائحون من كل مكان، ويحج إليه البوذيون في كل سنة مرة في شهر
مايو، واسم المعبد (بوروبودور) وأسس في القرن السابع الميلادي، وعندما سقطت بعض
حجارته تبرعت هيئة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة وأهل الغرب بمليارات الروبيات
الإندونيسية لتجديده، وكنت أظن أن فيه كهنة مقيمين يمكن أن ندعوهم إلى التوحيد
والدخول في الإسلام، ولكن تبين عند وصولنا في السوق المجاور له أنه لا يوجد به
إلا السائحون، فقلت للإخوة: لا يليق بنا أن ننزل ونصعد إلى هذا المعبد فيرانا
الناس نزوره ونحن مسلمون، فيظنون أننا نعترف بهذه الأوثان. |
|
|
ووجدنا في السوق المجاور له بعض المصنوعات الجلدية وغيرها
من الصناعات المحلية، تجولنا قليلا في هذا السوق الذي أصبح السائحون فيه يتمتعون
بهيئتنا العربية التي قد لا يكون كثير منهم رآها إلا في التلفزيون أو في غيره
مما يماثله. |
|
|
وفي طريقنا إلى مدينة يوك جاكرتا، قبل الوصول إلى قرية
مونتيلان مررنا بمعبدين بوذيين آخرين أحدهما يسمى مندود والآخر يسمى باون، والأول
أكبر من الثاني، ورافقنا الأخ همام مدير المعهد وبعض الأساتذة إلى قرية مونتيلان
وعرفونا بمؤسسات المسيحيين من الكنائس والمدارس والجامعات، وهو يتحرقون من
الإمكانيات الضخمة الموجودة مع هؤلاء النصارى التي تمكنوا بها من إغراء الشباب
المسلم بترك دينه، وأشاروا إلى مباني قريبة من مؤسسات النصارى كانت للنصارى
أنفسهم، ولكن رئيس البلدة اضطرهم عندما عزم على الحج أن يبيعوها للمسلمين
واشتراها هو من ماله وأوقفها، وهي تستعمل مسجدا الآن، وقد بذلوا محاولات شديدة
لاسترداد هذه الأرض وهذه المباني فلم يقدروا على ذلك. |
|
|
وفي وسط هذه المؤسسات النصرانية الكثيرة توجد مدرسة صغيرة
للجمعية المحمدية تؤدي واجبها على قلة إمكانياتها، وترفع كلمة لا إله إلا الله
محمد رسول الله؛ ليؤمها الشباب المسلم على رغم أنف أعداء الإسلام. |
|
|
ولقد رأينا روحا عالية عند الأخ همام وعند زملائه، وأملا
كبيرا في انتصارهم على أعداء الإسلام، وقد عرض علينا خريطة الجزر الإندونيسية
محددة بها المناطق التي وفد الطلبة منها إلى هذا المعهد المبارك، فإذا غالب
المناطق يوجد منها من يدرس في المعهد. |
|
|
وقال الأخ همام: إن بعض أبناء النصارى كتبوا إلينا عارضين
رغبتهم في الدخول في الإسلام والالتحاق بالمعهد، وأنهم سيصلون قريبا. |
|
|
والجدير بالذكر أن مباني المعهد كلها من صنع الطلبة، وكذلك
خزانات المياه والمرافق الأخرى والمزارع التابعة للمعهد. |
|
|
ولأساتذة المعهد مزارع قريبة منه ينفقون على أنفسهم منها،
أما ما يحصل المعهد من أموال من أوقافه أو من تبرعات أهل الخير أو من الطلبة
فإنه يدخل في ميزانية المعهد ولا يأخذ الأساتذة ولا المدير شيئاً منها. |
|
|
وهذا يدل على نفوس كبيرة وهمم عالية، وعلى تضحية وإخلاص -
إن شاء الله - في هؤلاء الأساتذة جزاهم الله خيرا. |
|
|
ومن الأعضاء البارزين ذوي الحماس الدافق والفكر الجيد
الأستاذ محمد حبيب أحد مدرسي المعهد. |
|
|
وفي هذا اليوم أخبرنا أن المؤتمر المسيحي البروتستانتي
الدولي بدأ في بلدة منادو بجزيرة سولاويس في الشمال الشرقي، وأن رئيس الجمهورية
وزوجته افتتحا هذا المؤتمر رسميا، وأن الرئيس قال في كلمته: |
|
|
إن مسابقة القرآن الكريم انعقدت هنا، وهذا المؤتمر ينعقد
هنا، وهذا دليل على التسامح الديني بين المسلمين وبين المسيحيين في إندونيسيا،
وأن أهل الأديان أحرار في الدعوة إلى أديانهم، كل صاحب دين له الحق في الدعوة
إلى دينه. |
|
|
وعلق بعض الغيورين على هذا الكلام فقال: لقد أعطى المسيحيون
بهذا التصريح قانونا صادرا من أعلى مستوى في الدولة بأن يدعو المسلمين إلى الدين
المسيحي، وهذا يخالف ما أصدره وزير الشؤون الدينية سابقا من أنه لا تسمح لأي
صاحب دين أن يدعو الآخرين للدخول في دينه، وإن كان فيه إجحاف بالإسلام الذي لا
دين سواه؛ فإلى الله المشتكى وهو حسبنا ونعم الوكيل. |
|
|
ودعنا الإخوة مدير المعهد والمدرسين، ورجعنا إلى يوك
جاكرتا. |
|
في مسجد العمود الواحد:
|
|
|
وفي الساعة السابعة مساء زرنا مسجدا تابعا للجمعية
المحمدية، وهو مركز لمؤسسة تربية الأطفال في هذه المدينة، ويعنى بتربية الأطفال. |
|
|
ولهذه المؤسسة ثلاثمائة وخمسون فرعا في نواحي يوك جاكرتا،
ويشرف على هذه المؤسسة الدكتور محمد ناصر، ويسمى هذا المسجد مسجد العمود الواحد؛
لأنه لا يوجد به إلا عمود واحد في وسطه، والمسجد ليس كبيرا. |
|
|
وصلنا إلى المسجد وقد صلى الناس العشاء، فصلينا نحن العشاء، ثم
صلى بنا الشيخ عبد القوي التراويح بعد أن ألقيت كلمة في تربية الأطفال، ثم
اجتمعنا بأعضاء هذا المركز وتذاكرنا بعض شؤون الدعوة الإسلامية، ورجعنا إلى
الفندق. |
|
9/9 في العائشية:
|
|
|
في الساعة التاسعة صباحا زرنا ملجأ الأيتام التابع للجمعية
المحمدية، وهو خاص بالبنات اليتيمات ويسمى (العائشية) نسبة إلى عائشة أم المؤمنين زوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
|
|
وهو أيضا تابع للجمعية المحمدية، وتشرف عليه امرأة كبيرة السن،
وتساعدها أخرى مثلها، شرحت لنا المشرفة ما يقوم به هذا الملجأ فذكرت أنه أسس سنة
1930م ونقل إلى المبنى الذي هو فيه الآن سنة 1956م، وأن الموجودات فيه الآن
خمسون فتاة، وأنهن يتلقين تدريبات مهنية مختلفة حسب هوايتهن، ويدرسن في المدارس
ويقمن بعد ذلك بالتدريس أو التمريض أو الخياطة أو غيرها، وإن المصروفات التي
يحتاج إليها المركز شهريا ثلاثمائة وخمسون ألف روبية (350000) وهو يعادل أربعة
آلاف ريال (4000) سعودي. |
|
|
وإن هذا الملجأ وأمثاله وإن كان لا يقوم بالتربية الإسلامية
كما يجب أن تكون فإنه يعتبر من الحصون المنيعة التي تحول بين أعداء الله وبين
أبناء المسلمين، ويجب على أغنياء المسلمين في الشعوب الإسلامية أن يمدوا هذه
المؤسسات بما يمكنها من القيام بواجبها نحو أبناء هذه الشعوب. |
|
|
وهذا المبلغ أربعة آلاف ريال سعودي يستطيع أن يقوم به بعض
التجار الصغار في بعض البلدان العربية. |
|
بين الشكر والغرور:
|
|
|
في الساعة السابعة مساء زرنا مسجد جامعة التربية والتعليم،
وهي تقع في حارة كارانح مالانح، وكان المسجد غاصا بالشباب، فصلينا العشاء وراء
إمام المسجد، ثم صلى الشيخ عبد القوي التراويح، ألقيت بعد ذلك محاضرة موضوعها..
غرور الأوربيين بالعلم وإلحادهم..، وأن سبب ذلك ما جرته الكنيسة على أهل أوروبا
من محن ووقوفها ضد العلوم التجريبية والعقلية، وأن العلوم الأوربية الحضارية
الحالية مبنية على أصول الحضارة الإسلامية، وأن المسلمين عندما يتقدمون في هذه
العلوم يعتبرونها منحة من الله تعالى، لأنه لا يوجد في دينهم ما يصادم هذه
العلوم الصحيحة، بل إن الإسلام يحثهم عليها، وأنه يجب على المسلمين أن يستعيدوا
مجدهم بالتمسك بالدين وبالتقدم في العلوم الذي يعتبر جزءا من الدين وعبادة
يثابون عليها، وكان تأثر الشباب بهذه المحاضرة عاليا جدا، دل عليه كثرة تكبيرهم
الذي كان يرتج به المسجد. |
|
مع زعماء الجمعيات
الإسلامية في يوك جاكرتا:
|
|
|
بعد الفراغ من مسجد جامعة التربية والتعليم ذهبنا إلى مؤسسة
تونس ملاتي، وهي تعنى بالمعوقين والمكفوفين، وكان مقرها مجالا لكثير من اللقاءات
منها هذا اللقاء الذي تم فيه الاجتماع مع المدرسين وزعماء الجمعيات الإسلامية في
هذه المدينة، وقد تضمن البرنامج أمرين: |
|
|
الأمر الأول: إلقاء محاضرة اشتملت على موضوعين: |
|
|
الموضوع الأول: الحث على اجتماع الكلمة والبعد عن
التفرق، وما يترتب على الأول من مصالح وما يترتب على التفرق من مفاسد، مع ذكر
عوامل الائتلاف وأسباب التفرق. |
|
|
الموضوع الثاني: وجوب الخروج على أي تقليد أو عادة
تخالف الإسلام؛ لأن العادات المخالفة للإسلام إذا استمر عليها جيل من الناس
ورثها الأجيال مستقبلا وأصبحت كأنها من الدين، ويتحمل إثمها من سنها - وكان هذا الموضوع
الأخير ناتجا عن رؤيا منامية في نفس هذا اليوم طلب مني بعض مشايخي الصالحين أن
أتحدث عنه، وكان في مكانه - لأن كثيرا من العادات التي شاهدناها تخالف الإسلام،
ولكن كثيرا من المسلمين لا يعلمون ذلك. |
|
|
الأمر الثاني: فتح باب الأسئلة والمناقشة، وكان
من أهم الأسئلة: استغراب المسلمين في إندونيسيا كون المسلمين العرب الذين يدعون
الإسلام والتمسك بالكتاب والسنة لا يدعمون المؤسسات الإسلامية المحتاجة الدعم
الكافي، مع أن النصارى لهم مؤسسات مدعومة من المسيحيين في كل أنحاء العالم،
ولذلك يوجد من أبناء المسلمين من يدخل في الدين المسيحي أو يترك دينه - وإن لم
يدخل في الدين النصراني - لعدم ثقته في المسلمين حيث يرى منهم عدم اهتمامهم
بإخوانهم. |
|
|
وذكرنا لهم أن هناك في المملكة العربية السعودية اهتماما من
الدولة ومن الشعب والمؤسسات الإسلامية، ولكنه يحتاج إلى المزيد، وأنه لو اهتمت
كل دولة إسلامية عندها إمكانات لحصل الخير الكثير. |
|
|
وطلب منا الإخوة إبلاغ الحكومة السعودية والمؤسسات
الإسلامية - كالجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورابطة
العالم الإسلامي وإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - عليها أن
تتحمل مسؤولياتها وتقوم بواجبها نحو أبناء المسلمين في إندونيسيا. |
|
|
وألحوا في طلب إنشاء مركز للطلبة المسلمين في هذه المدينة
التي تعتبر مدينة طلابية، وهذا المركز يشمل قاعة محاضرات ومسجدا ومكتبة ومرافق
أخرى مفيدة. |
|
|
وأرى أن إنشاء قاعة محاضرات عامة واسعة تتسع لكثير من
الأعداد الطلابية الهائلة من المسلمين في هذه المدينة ومسجد جامع كبير ومكتبة
مركزية تزود بالمراجع الإسلامية وغيرها من المرافق التي تعين المسلمين المهتمين بالدعوة
الإسلامية وتربية الشباب وتحصينه من الوقوع في أحضان الكفرة أرى أن ذلك أمر واجب
على المؤسسات الإسلامية القادرة؛ لأنه من الجهاد في سبيل الله، وأخص بالذكر
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
بالرياض، والأمانة العامة للدعوة الإسلامية التي يقف على قمتها سمو الأمير سلطان
بن عبد العزيز الذي عرف بالمبادرة في أفعال الخير ولا سيما ما يتعلق
بالدعوة الإسلامية، والرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة
والإرشاد التي حظيت بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الذي عرف القاصي
والداني داعيا إلى الله بالقول والعمل وإعانة كل من تصدر للدعوة إلى الله
سبحانه، والجمعية الخيرية التي دفع بها سمو الأمير سلمان إلى الأمام في فترة
قصيرة من الزمن، ورابطة العالم الإسلامي التي يلهج المسلمون بها آملين منها
المساعدة في كل مكان، ثم أهيب بتجار المسلمين في كل مكان لإقامة مثل هذا المشروع
الضروري، ولا أنسى أن أنبه وزارة الأوقاف الكويتية التي لها جهود لمسناها في
كثير من الأماكن التي زرناها، ومؤسسة الملك فيصل الإسلامية، أما كيف يتم ذلك ومن
يتولاه فجواب هذا عند الجامعة الإسلامية التي كانت السبب في معرفتنا هذه
الحقائق، وعندها طلب خاص يتعلق بهذا الموضوع، وأنا أدعو الجميع أن يطبقوا قول
الله سبحانه وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}،
وهذا من أعظم البر والتقوى. |
|
10/9 في معهد المنور الإسلامي:
|
|
|
كان المقرر لنا في هذا اليوم مغادرة يوك جاكرتا دون زيارة
لأي مؤسسة أخرى، ولكن بعض طلبة الجامعة الإسلامية ألحوا علينا طالبين زيارة
معهدهم الذي تخرجوا فيه، والتحقوا بعد تخرجهم بالجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة، فلم نجد وقتا نحقق فيه رغبتهم إلا بعد صلاة الفجر من هذا اليوم،
واتفقنا على أن نضع أثاثنا في صندوق السيارة التي استأجرناها من نفس الفندق الذي
كنا نازلين فيه، ونحاسب مدير الفندق ونزور هذا المعهد، ثم ننطلق منه إلى معهد
كنتور في طريقنا إلى سور بايا، وكان ذلك. |
|
|
وعندما وصلنا إلى مقر المعهد وجدنا حشدا كبيرا من الطلبة
والأساتذة في استقبالنا يتقدمهم فضيلة مدير المعهد، وكان ذلك في الساعة السادسة
والنصف صباحا. |
|
|
ومدير المعهد حاليا هو الحاج علي معصوم، ومؤسسه الأول هو
الحاج منور في سنة 1911م، وهو يشتمل على المتوسطة والعالية، وعدد طلابه ألف
تقريبا، وفيه قسم لتحفيظ القرآن الكريم، وتدرس فيه مع العلوم الشرعية العلوم
الكونية. |
|
|
تقدم مدير المعهد بكلمة الترحيب وبين أسباب إنشاء هذا
المعهد التي منها كثرة أبناء المسلمين الذين يلتحقون بالمدارس الكاثوليكية
والأحمدية (القاديانية) وغيرها من مدارس أعداء الإسلام، ثم شيوع المذاهب
الباطنية والخرافات، ثم مناهج التربية والتعليم الحكومية البعيدة عن الصبغة
الإسلامية، طلب مني فضيلته إلقاء كلمة، قبلت الطلب، وكانت تتضمن بيان أهداف
التربية والتعليم. |
|
إلى لقاء آخر يا مدينة
الطلاب:
|
|
|
كان معهد منور الإسلامي هو آخر المؤسسات التي التقينا فيها
بأبناء مدينة الطلاب: (يوك جاكرتا)، وبوداعه ووداع مديره وأساتذته وطلابه الذين
احتشدوا في صفوف طويلة لوداعنا، وصغارهم ينشدون أناشيد الوداع الحزينة، بهذا
الوداع ودعنا مدينة يوك جاكرتا ونحن نشعر بأنها أكثر فائدة من غيرها، ولذلك نقول
لأبنائها إلى اللقاء يا أبناء يوك جاكرتا، وعسى أن يكون لقاؤنا في وقت حقق الله
لكن فيه مطالبكم العالية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
إلى معهد كنتور:
|
|
|
غادرنا يوك جاكرتا - عن طريق البر - في الساعة الثامنة
والنصف، وكان وصولنا إلى معهد كنتور الساعة الثانية عشرة، وكان في استقبالنا بعض
الأساتذة، ونزلنا في مقر المعهد في مبنى ضيافتهم، والمسافة بين مدينة يوك جاكرتا
وهذا المعهد مائتا كيلومتر. |
|
|
استرحنا إلى قبيل المغرب حيث دعانا فضيلة مدير المعهد الحاج
إمام زركشي لتناول طعام الإفطار والعشاء في منزله، وهو في مقر المعهد أيضا، وبعد
أن صلينا المغرب وتناولنا طعام العشاء عدنا للراحة وذهبنا إلى المسجد فصلى بنا
إمام المسجد صلاة العشاء، وصلى بنا الشيخ عبد القوي صلاة التراويح. |
|
|
ثم دعينا إلى قاعة المحاضرات، وكان البرنامج ما يأتي: |
|
|
1- تلاوة
القرآن الكريم - الشيخ عبد القوي. |
|
|
2- الترحيب
وبيان أهداف المعهد - مدير المعهد. |
|
|
3- كلمة
ترحيب أخرى - للشيخ سوتاجي تاج الدين، وهو من الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة، ونال شهادة الماجستير من الأزهر بالقاهرة. |
|
|
4- محاضرة
دعيت لإلقائها، وكانت بعنوان: الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين. |
|
وارتفعت الأصوات مدوية
بكلمة التوحيد:
|
|
|
كنت قبل الحضور إلى القاعة طلبت من الابن عبد البر أن يقف
على المنبر قبل إلقاء كلمتي ليقول كلمة التوحيد بصوت عال ويردد الحاضرون وراءه
ذلك. |
|
|
وعندما دعيت لإلقاء المحاضرة طلبت من الحاضرين أن يرددوا
وراء الابن الكلمة التي سيسمعونها منه، فصعد المنير وقال: |
|
|
لا إله إلا الله.. نوالي من والاها.. ونعادي من عاداها. |
|
|
وهم يرددونها بعده ثلاث مرات، ثم صعدت أنا المنبر وبينت
معنى الموالاء والمعادة، ومن نوالي ومن نعادي، وأن أعداء الله جادون في تغيير هذا
الولاء بغيره من التراب أو اللغة أو المذهب أو اللون. |
|
|
وإنه يجب الحذر منهم؛ لأن تغيير هذا الولاء فيه القضاء على
الأمة الإسلامية وتحطيم راية الإسلام، وان القوميات التي نشأت في كثير من بلدان
المسلمين إنما كان مخططا لها من قبل أعداء الله في الدول الأوربية ولا سيما
القومية العربية التي شتت الله بها شمل العرب عندما أقامها بعض المجرمين مقام
دين الله. |
|
|
ولما كان معهد كنتور هذا قد حاز قصب السبق في تدريس اللغة
العربية والاهتمام بها حتى إن أساتذته وطلبته لا يحتاجون إلى من يترجم لهم
المحاضرة التي تلقى باللغة العربية، لما كان هذا المعهد كذلك حصل لبس عند فضيلة
مدير المعهد من كلامي عن القومية العربية فظن أن اهتمام المعهد باللغة العربية
قد يظن منه التعصب للعرب، فعلق بكلمة مختصرة وضح فيها أن المعهد إنما يهتم
باللغة العربية لأنها لغة الإسلام وبها نزل القرآن، فذكرت له أن من أهم الأسباب
التي جعلتني أذكر القومية العربية وأن الولاء الحق هو للإسلام لا للجنس أنكم
تهتمون بلغة العرب أكثر منهم، ولو كان الولاء للقوميات لكانت اللغة الإندونيسية
أولى بكم ففهم المراد، وطلب فضيلة مدير المعهد من الطلبة أن يقوموا احتراما لنا
عند الخروج فقاموا جميعا فصعدت المنبر وذكرت لهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم
كره القيام لنفسه من صحابته الذين تركوا القيام له مع شدة محبتهم له، وأن لنا في
ذلك أسوة، وأن القيام إنما يحصل من الأعاجم لملوكهم، وقد نهى عنه الرسول صلى
الله عليه وسلم، وطلبت منهم أن يقعدوا جميعا، واعتذرت لفضيلة المدير فقعدوا
وخرجنا وهم على مقاعدهم. |
|
|
ورافقنا بعض المدرسين إلى مقر نزلنا حيث تبادلنا الأحاديث
في شؤون الدعوة والتعليم، ثم تركونا لنلتقي غدا في المسجد لصلاة الفجر، ثم كلمة
الصبح. |
|
كلية الصبح:
|
|
|
ومن النشاطات التي يقوم بها المسؤولون في هذا المعهد كلية
الصبح، وهي تطلق على محاضرة ثابتة كل يوم بعد صلاة الفجر، وقد طلبوا مني أن
أتولاها في هذا اليوم، وتضمنت: المسلم بين تزكية نفسه وتزكية غيره وموقعه موقع
الأستاذ بالنسبة لغيره، والذين يدعوهم إلى الله ينقسمون إلى قسمين: قسم السادة
المكابرين، وقسم الأتباع الأذلين، وكلهم في حاجة إلى صبر ومصابرة حتى يحقق الله على
يديه رفع راية الإسلام. |
|
|
والداعي كما أنه لا يذل إلا لله فإنه لا يتكبر على خلق
الله. |
|
نبذة موجزة عن معهد
كنتور:
|
|
|
لا بد من التعريف بهذا المعهد الذي يندر له نظير في
إندونيسيا، ولا أدري عن غيرها، وقد بدأ بعض الطلبة الذين أتموا دراستهم فيه
يحاولون إنشاء معاهد على غراره. |
|
|
ولا أقصد من نفي النظير أن المعهد أكبر من غيره من المؤسسات
الإسلامية، كما لا أريد أنه أقدم المعاهد الإسلامية، ولا أن طلبته أكثر من طلبة
غيره، ولا أن مناهجه فاقت المناهج الأخرى. |
|
|
ولكن الذي أقصده أن المعهد قام على البذل والتضحية من قبل
المؤسسين، ثم من قبلهم ومن قبل المعاونين لهم في الشؤون الإدارية والمدرسين
والطلبة على السواء. |
|
|
فقد قام بتأسيس المعهد الحاج أحمد سهل رحمه الله، حيث أوقف
قطعة أرض بني عليها مبنى للدارسة وآخر مثله مصلى، كل واحد منها مثل الفصل
الدراسي المتوسط، وكان ذلك في 12 ربيع الأول سنة 1345ﻫ، وساعده أخواه
فضيلة الحاج زين الدين فناني وفضيلة الشيخ الحاج إمام زركشي. |
|
|
ثم أخذوا يجمعون له التبرعات ويتوسعون في البناء: بناء
الفصول الدراسية والمباني السكنية والموافق العامة الأخرى، حتى أصبح الآن شبه
مدينة جامعية، فأصبحت أرضه الموقوفة عليه والتي يستعان بريعها على تسييره مائتين
وخمسين هكتارا، ومساحة حرمه ستة هكتارات. |
|
|
والأمر الغريب فيه - وما كان ينبغي أن يكون غريبا عند
المسلمين - هو أن موظفيه وأساتذته وطلابه يقومون ببناء ما يحتاجون من الفصول
والمساكن بأيديهم، ويدير موظفوه إدارته، ويدرس الأساتذة مواده، ويشارك الطلاب في
نشاطاته المادية التي تعود إليه بالفائدة دون مقابل، فهو من هذه الناحية شبيه
بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة
بأنفسهم، وكان الصحابة يقولون وهم يرونه يتقدمهم في البناء وحمل الأخشاب
والحجارة والطين: |
|
|
لئن قعدنا والنبي يعمل |
لذاك منا العمل المضلل |
|
ولا يتفقون مع المقاولين في البناء إلا فيما يحتاج إلى آلات
أو تأسيس لا يتدربون عليه، مثل المسجد المكون من طوابق ومئذنته الكبيرة، والذي
أسهم في بنائه جلالة الملك فيصل - رحمه الله - بمائة ألف ريال سعودي. |
|
|
وقد سألت بعض أساتذة المعهد إذا كنتم لا تأخذون أجرا مقابل
تفرغكم للتدريس في المعهد والقيام بنشاطات متعددة، فمن أين يأتيكم المال الذي
تنفقون منه على أنفسكم وأسركم؟ فأجابوا بأنهم اشتروا لهم بعض المزارع القريبة
وأن خيراتها تكفيهم لسد حاجاتهم. |
|
|
وعدد طلبة المعهد حاليا (1600 طالب) وكلهم ذكور، وهم ينتمون
إلى جميع مقاطعات الجزر الإندونيسية وبعض الدول المجاورة كاستراليا وماليزيا
وتايلاند وصباح واليابان.. وبلغ عدد المدرسين به مائة وخمسة وعشرين مدرسا يحملون
مؤهلات من بعض جامعات إندونيسيا ومن بعض الجامعات العربية والبريطانية، وبعضهم
من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة منهم ابن المؤسس الشيخ حسن سهل. |
|
|
وهو يشتمل على مرحلتين: |
|
|
1- المرحلة
الثانوية للمعلمين، وتشتهر بكلية المعلمين الإسلامية. |
|
|
ومدة الدراسة بها ست سنوات. |
|
|
2- جامعة دار
السلام، وبها كليتان: كلية التربية، وكلية أصول الدين. |
|
|
ومدة الدراسة بها ثلاث سنوات. |
|
|
ويدرس المعهد باللغات الثلاث: العربية وتدرس بها العلوم
الإسلامية والعربية، واللغة الإنجليزية: وتدرس بها العلوم الإنجليزية، واللغة
الإندونيسية ويدرس بها العلوم الأخرى. |
|
|
والتخاطب في داخل المعهد يجب أن يكون باللغة العربية أو
اللغة الإنجليزية - والفضل للأولى - والذي لا يلتزم يعزر بعقاب عندهم قد يكون
منه حلق الرأس. |
|
|
وقد أجمل بيانهم الموجز عن المعهد طريقة التدريس فيه في
الجملة التالية: |
|
|
(وقصارى
القول أن نظام التربية والتعليم في هذا المعهد هو السير على الجانب النظري
والجانب العملي للتربية الحديثة). |
|
القسم الداخلي:
|
|
|
يسكن الطلبة كلهم في مساكن المعهد الداخلية، ويعيشون - كما
في البيان الموجز - (بنظام صارم لما فيه من مصلحة عظيمة تعود عليهم). |
|
|
والمقصود بالنظام الصارم: الالتزام الكامل بأنظمة المعهد
الشبيهة بالنظام العسكري، من أجل تعويدهم على حياة بعيدة عن الميوعة والتسيب. |
|
|
ويقوم الطلبة بإدارة كل شؤونهم في المعهد تحت إشراف
الأساتذة ويشتركون كلهم في الحركة الكشفية التي تعتبر فتوة جهادية. |
|
|
وينقسمون إلى جمعيات تعاونية: مثل الجمعية التعاونية
الاستهلاكية، ومقصف الطلبة، ومطعم الطلبة، وربح هذه الجمعيات كلها يعود لمصالح
المعهد. |
|
أثر المعهد في المجتمع:
|
|
|
أنقل هذه الجمل التي توضح أثر المعهد في المجتمع عن البيان
الموجز: |
|
|
(انتشر
المتخرجون من هذا المعهد (كنتور) في جميع أنحاء المقاطعات الإندونيسية) وبعض
الدول الأخرى، يجاهدون في بناء المجتمع، ويكافحون في معركة الحياة، ويحتلون في
المجتمع مناصب اجتماعية متباينة، ويلعبون فيه أدوارا مختلفة منها الوزير، وعضو
مجلس النواب، ورئيس القرية، ورئيس المكتب، والموظف الكبير في الحكومة، والمزارع
أو الفلاح، والتاجر، والمدرس وما إلى ذلك، وكلهم على اختلاف مراكزهم ومناصبهم يكادون
يتفقون في كونهم دعاة للإسلام). |
|
|
هذا وفي ختام الكلام عن هذا المعهد المبارك فإنا ندعو الله
أن يوفق قادته ومدرسيه وطلابه للسير به قدما ليكون - على مر الزمن - قلعة
إسلامية تنطلق منها جحافل العلم والدعوة والجهاد إلى كل أنحاء إندونيسيا وغيرها
من البلدان المجاورة، كما ندعو الهيئات الإسلامية في إندونيسيا أن تحذو حذو هذا
المعهد في الاهتمام باللغة العربية؛ لغة القرآن والسنة والدين الإسلامي الحنيف،
وندعو كذلك المؤسسات الإسلامية في بلادنا وغيرها أن يبذلوا العون لهذا المعهد
وأمثاله ليكون قادرا على استيعاب الأعداد الهائلة التي تؤمه ويرغب في الالتحاق
به فلا يقدر إلا على تلبية رغبات القليل منهم، وعلى أغنياء الأمة الإسلامية أن
يودعوا ما يريدون ثوابه عند الله في صندوق هذا المعهد وفي صناديق معاهد أخرى
قريبة منه؛ لإنقاذ أبناء المسلمين من فخ أعداء الله من النصارى وغيرهم. |
|
زيارة معهد التربية
الإسلامية (والي صاعانج) 11/9:
|
|
|
كان الأستاذ الحاج إبراهيم الطيب قد زارنا ليلة أمس في الليل بعد صلاة التراويح، وطلب من أن نزور المعهد المذكور الذي أسسه سنة 1961م. |
|
|
والحاج إبراهيم الطيب متخرج في معهد كونتور، فلبينا رغبته
ومررنا به ونحن مسافرون إلى سورايابا، وهذا المعهد يحاول مؤسسه أن يسير به على
غرار معهده الذي تخرج فيه، ويقع في قرية عابر فونوروقو، وفيه قسم خاص بتعليم
الفتيات، والحاج إبراهيم هو الذي أوقف أرضه على هذا المعهد وأنشأه فيها. |
|
|
وعدد طلابه تسعمائة تقريبا، وقد تحصل على مساعدات من المملكة
العربية السعودية، وقد كان برنامج الزيارة قراءة ما تيسر من القرآن الكريم،
وكلمة من المؤسس رحب بنا فيها، وشكر المملكة على المساعدة، ثم كلمة توجيهية مني. |
|
زيارة معهد المعلمين:
|
|
|
ثم مررنا بمعهد المعلمين الذي أسسه الحاج صائمان لقمان
الحكيم، وهو متخرج في معهد كونتور أيضا، وأحد المدرسين فيه، وأخبرنا أن جلالة
الملك خالد قد أسهم في بناء هذا المعهد بمبلغ ثلاثين مليون ومائتان واثنتين
وأربعين ألف روبية إندونيسية. |
|
|
وهذا المعهد والمعهد الذي قبله قريبان من معهد كونتور، وهذا
تابع للجمعية المحمدية يقع في قرية جنيس. |
|