|
|
||
|
ثغرَاتٌ فِي المنْهَج الثّانَوِيِّ |
||
|
لتدريس
القران الكريم والحديث الشريف والأدب العربي |
||
| تقرير رفع قبل ربع قرن إلى مسؤولي التربية والتعليم في بلد عربي | ||
| للشيخ محمد المجذوب | ||
| كلية الدعوة وأصول الدين | ||
|
|
||
|
1-
القرآن الكريم :
|
||
|
إن دراسة القران الكريم والحديث الشريف في هذه
المرحلة يجب أن تستهدف ناحيتين هامتين : |
||
|
أ – أثرهما في توحيد الفكر العربي
والسمو به إلى الآفاق العليا من حيث النظر إلى الكون وانتهاج
سبل البحث العلمي، ثم أثر ذلك في بعث
القوى النفسية والعقلية لبناء المجتمع الصالح، وبالتالي أثره في انبثاق العلوم
المختلفة بدافع من التطور الشامل . |
||
|
ب – أثرهما في توجيه الأدب العربي وتركيز اللغة
العربية على أصول ثابتة، ثم في بروز علوم البلاغة، وبخاصةٍ أثر هذه في بناء
النقد الأدبي ن وبذلك يتاح للطالب أن يدرك معنى ( الأدب الإسلامي ) الذي هو
الصورة الجديدة لكل أدب عربي صحيح منذ البعثة النبوية حتى اليوم . |
||
|
قضية جمع القران : لابد عند الحديث
عن القران العظيم من إعطاء القول الفصل في قضية جمعه، ليكون الطالب على بصيرة
من سلامة القران من كل زيادة أو نقصان، على حين أن كل ما تستوعبه كتب الأدب
المقررة لا ينطوي على الكلمة النهائية في الموضوع، بل يفسح المجال للشك الخبيث
في هذه الناحية . فالطالب لا يخرج فقط دون فهم صحيح لسبب الإقتصار على نسخة عثمان، بل يزوده المؤلفون بأغاليط مشوشة، وبخاصة ما يذكرونه من إحراق عثمان لمجموعة
أبي بكر عقب جمع مصحفه، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغادر الدنيا
إلا بعد أن كان القران محفوظاً كله في صدور الألوف الذين يستحيل
تواطؤهم، وفي
صحف تؤلف مجموعات كاملة لدى عدد من الصحابة، وإنما كتبت نسخة أبي بكر خوفاً من
فقدان الحُفَّاظ لكثرة ما قتل منهم في الحروب، وقد كتبت هذه في ( قطع الأدم
وكسر الأكتاف والعسب ) بيد زيد بن ثابت كاتب الوحي، والحافظ الذي عرض مجموعه
على رسول الله آخر حياته صلى الله عليه وسلم ’ فلما كان عهد عثمان تباعدت منازل
القوم فاختلفوا على القراآت باختلاف لهجاتهم، وحصل عن ذلك جدال ولجاج بين الناس، كل يؤيد قراءته، الأمر الذي حفز عثمان ومعه الصحابة رضوان الله عليهم أن
يجعلوا الناس على مصحف أبي بكر وحده منعاً للخلاف على القراآت . وهكذا كتب مصحف
عثمان في نسخ وزعت على الأمصار، بعد الاستيثاق من ضبطه على صحف الصديق ومحفوظات الصحابة تماماً، وقد
أعيدت صحف
الخليفة الأول إلى أم المؤمنين حفصة سالمة، وحرقت الصحف الأخرى التي كانت في
حوزة بعض الصحابة تجنبا لاختلاف القراآت، وهكذا اتفقت جميع النسخ مع المحفوظ في
سلامة الضبط ولم يكن فيها من اختلاف قط إلا في ترتيب السور، فقد كانت في بعضها
مرتبة حسب النزول، فاختير ترتيب زيد لأنه صاحب العرضة الأخيرة على الرسول، أما
ترتيب الآيات في السور فهو توقيف عن الرسول عن جبريل ولا خلاف فيه . |
||
|
وهذا الخبر هو الذي أجمع عليه الثقات، ومنه يتبين
أن لو أمكن عرض هذه الحقائق على الطلاب لأدركوا بالبداهة سلامة الكتاب من كل
اضطراب، وإنما دخل الوهم على مؤلفي كتب الأدب من اعتمادهم كلام ذوي الأغراض
المنحرفة من المستشرقين وأتباعهم، وكان أحرى بهم أن يرجعوا إلى مصادر علماء
الإسلام الذين استوعبوا تفصيل كل ذلك كالسيوطي في ( الإتقان ..) والرزرقاني في (
مناهل العرفان .. ) وشكيب أرسلان في ( حاضر العالم الإسلامي …) |
||
|
مشكلة التقطع : تحتل هذه المشكلة حيزاً هاماً _ على
صغره _ في الكتاب المقرر للسنة الأولى، فقد أخذ المؤلف برأي المستشرقين في هذا
الموضوع دون محاكمة .. والتقطع في تعريفهم هو الانتقال من غرض إلى غرض في السورة
الواحدة دون مناسبة .. وإذا ذكرنا أن مثل هذا الاستطراد بنظر المؤلف نفسه يعد
عيبا في الشعر الجاهلي مثلا حيث تقوم الوحدة على البيت دون القصيدة، أدركنا سوء النتيجة التي تنبع في ذهن
الطالب عن بلاغة القران، والواقع إن هذا الذي يسمونه تقطعاً إنما هو ميزة
قرآنية لا علاقة لها بطريقة الجاهلين ذات الوحدات المتعددة . ذلك أن السورة
الواحدة تدور دائماً حول محاور ذات وحدة موضوعية هذا فضلاً عن أن لتلك
الاستطرادات _ إذا صح وجودها _ أثراً فعالاً في ايقاظ ضمير القرىء للغايات
العليا من أغراض السورة، وبخاصة إذا ذكرنا فرق ما بين القرآن بكونه نظام تربية
وتوجيه إلهي، وبين المؤلفات الأخرى ذات الاختصاص الجزئي … |
||
|
المكي
والمدني : لا خلاف على التمايز بين المكي والمدني في أسلوب القرآن . ولكن
طريقة المؤلفين في عرض هذا الموضوع تلقي في خلد الطالب أن ذلك تابع للآثار
المكاني و الاجتماعي في نفس الرسول، كالفرق بين أسلوب حسان الجاهلي والإسلامي .
وهذا باب جديد للشك في وحي القران يمكن إغلاقه بإيضاح الحكمة الإلهية في هذا
الاختلاف، الذي يعود إلى مراعاة حال المخاطب لا المتكلم، ومعلوم ما بين وسطي
مكة والمدينة من فروق اجتماعية، تتطلب لكل منهما أسلوباً بلاغيا مطابقا لمقتضى
الحال . ويظهر أن المؤلفين اكتفوا هنا أيضاً بتردد آراء المستشرقين مثل ( نولدكه
) ومن لف لفه، فراحوا يعرضون ترهاتهم كمسلّمات دون مناقشة . |
||
|
ولو صحت نواياهم حقاً لم يفتهم أن يدركوا طوايا
أولئك المرجفين، الذين حملوا كل أحقاد الصليبية الأولى على إخوان وأحفاد صلاح
الدين، واحتضنوا كل ضغائن اليهودية التي ما تنفك في حربها للإسلام منذ قريظة
والنضير وقينقاع، فشهادتهم في كل ما يتصل بالإسلام مردودة، لأنها تحمل بنفسها طابع
تزويدها .. وإلا فكيف تجاهل هؤلاء المرددون لأقاويل أعدائهم طوابع كل من
المرحلتين المكية والمدنية !! .. |
||
|
ألم يكن بوسعهم أن يتذكروا مسيرة الدعوة في عهدها
الأول، حيث كان الخطاب موجها للفئة التي آمنت فعرّضت نفسها لضروب البلاء وأفانين الأرزاء، فهم أحوج ما يكونون إلى التثبيت بذكر ما أعد الله للصابرين من ألوان النعيم المقيم في جنة عرضها السماوات والأرض .. ثم لأولئك الطواغيت من
المشركين وأعوانهم، الذين رفضوا تغيير واقعهم الموروث وأصروا على مواجهة الدعوة
الربانية بكل ما يملكون من أسباب الدفع والمنع، ولو أدى ذلك إلى القضاء على كل
مخالف لهم بالقتل والتعذيب والحرمان .. فكان من تمام البلاغة المعجزة أن تعرض
هذه الوقائع في قرآن يطمئن القلوب المؤمنة إلى حسن المصير من جانب، ويهز
الأسماع والأفئدة بقوارع التحذير والوعيد في الجانب الآخر . |
||
|
ولو هم قد فتحوا عقولهم لهذه البينات لما فاتهم أن
يدركوا كذلك ملامح العهد المدني، الذي تميز ببروز القوى الإسلامية في ظل دولتها،
التي علت فيها كلمة الله فوق كل نزعة مباينة، فجاءت هذه الملامح قرأنا توافرت
خلاله كل عناصر الواقع الجديد، فرقّت لهجته في خطاب المؤمنين، وتلَّونت عبارته
في نقاش الكتابيين والمنافقين، وطالت فقراته كي تتسع لأحكام التشريع الخالد،
الذي وضع الأسس الراسخة لحلول المشكلات التي تعتري حياة الإنسان . وذلك وهذا من
ألوان الوقائع في كلا قسمي القرآن العظيم بارزة لكل من كان له قلب أو ألقى السمع
وهو شهيد. |
||
|
الحديث الشريف : لعلوم الحديث رواية ونقدا
أثرها البعيد في توجيه الآداب وإقامة قواعد النقد، وهي ناحية لم تعرها المؤلفات
المدرسية ما تستحق من عناية، وبهذا الخصوص نلفت النظر إلى كتاب ( الإلماع في
طريق السماع ) نشر أسد رستم، للانتفاع من مقدمته في تبين أثر الحديث عند الكلام
عن الحديث الشريف، وهناك دراسات أخرى في مؤلفات أسد رستم نفسه، تنطوي على
إيضاح وافٍ لتأثير علم الحديث في طرق النقد الأدبي يمكن الانتفاع بها في هذه
الناحية . |
||
|
الأدب والنصوص : |
||
|
إذا كان أدب الأمة صورة عقلها ونفسها ومخطط شخصيتها، فطبيعي أن تنصب مقدمات الأدب العربي على إيضاح هذه الصورة، ومن هنا كان
لزاماً على المؤلف أن يقصد إلى تبين خصائص النفس العربية جاهلية وإسلامية من
خلال أدبها، وهذا يقتضي أمرين : |
||
|
أ – دراسة الأدب العربي على ضوء هذه الخصائص
التي
تعين مُثلها العليا من الفضائل النفسية المكونة للشخصية العربية والإسلامية، ثم
تبين مقومات الذكاء العربي وحساسيته الدقيقة في قدرة التعبير وطواعية اللغة . |
||
|
ب-عرض مقارن بين الأدب العربي وغيره
مركوزاً على
هذا الأساس، بحيث يظهر الفرق بينهما فرقا بين نفس ونفس، ومُثل ومُثل، وبذلك وهذا
يسلم المدرس والطالب من لوثة الوهم بنقص الأدب
العربي بإزاء الأدب
الغربي، ويتاح للطالب أن
يرفع رأسه اعتزازا بأدب هذا اللسان الذي لايزال _ على الرغم من كل عوامل التقهقر
_ يحتل المرتبة العليا بين لغات العالم جميعاً، شاء المتنكرون له أو أبوا . |
||
|
ويحسن هنا أن نذكر أن الروح المسيطرة على مقدمات
الأدب في المؤلفات المدرسية لا توفر للطالب شيئاً من
هذا الاعتزاز، بل إنها
لتبعثه على الشك في قيمة أدب أمته والإيمان بتفوق غيره
عليه. ومثل هذا التوجيه من
شأنه أن يرسخ في نفسه شعور الضعة بازاء الآخرين، ومن ثم شعور التبعية للآخرين،
وهذا شر ما تمنى به أمة من ضروب الاستعمار . |
||
|
2-في الشعر الجاهلي ألوان مختلفة باختلاف مؤثراته
الطبيعية والاجتماعية، بعضها يمثل وضعا خاصا، وبعضها يمثل روحا عاما، وإذا كان للقارئ المثقف الحق
في دراسة هذا وذاك، فللطالب ظروفه الخاصة التي تتطلب دراسة فكرية موجهة ترتكز
على روح أمته العامة، بصرف النظر عن كل شذوذ عارض. وعلى هذا يكون من الشطط طرح هاتيك النماذج الإباحية من شعر طرفة وامرئ القيس على عواهنها بين أيدي الطلاب،
على حين أن الواجب يقتضي الاقتصار على النواحي النبيلة من شعرهما، تلك النواحي
التي هي أشد تماساً بحياة العرب وتمثيلاً لروحهم . |
||
|
وفي كتاب السنة الأولى أشياء من تلك التوافه بالدنيا
عن أن تكون ( سيكارة وكاس ) ولا جرم أن الجماعة العربية أحوج ما تكون إلى
الإيمان بأن في الحياة مُثُلا أسمى من هذه السخائف . إن هناك العزة والحرية
والوفاء والإيثار و … و … ومثل هذه المُثُل هي نقاط الانطلاق حتى في نفس طرفة
وامرئ القيس، فلينصبّ التوجيه على هذا الروح الأصل الجميل . |
||
|
3- مثل هذا تماماً يقال في ابن أبي ربيعة،
فمن الجريمة
في حق هذه الأمة أن يُعد شعره الفاجر صورة حقة لحياة
مكة ومدن الحجاز الأخرى في
صدر الإسلام، صورة تجعل من بيت الله الحرام مباءة للداعرين والماجنين، وتجعل
من فتيات المسلمين كرقيعات هوليود وباريس، وهن اللواتي يقول فيهن الشاعر : |
||
|
كظباء مكة صيدهن حرام |
بيض كواعب ما هممن بريبة |
|
|
وإذا كان ضروريا دراسة بعض شعره
لإعطاء مثل عن تطور أساليب الغزل فليكن ذلك في مختارات أقرب إلى الذوق وإلى الحق
وإلى الغاية العليا، وإلا فليطرد هذا الفاجر من المناهج الثانوي كما طرد أبو نواس من قبله، وليس
ابن أبي ربيعة خيراً من أبي نواس . |
||
|
4- في كتاب السنة الأولى أيضاً نماذج من خطب
الإمام علي بينها واحد لم يُرَدْ به إلى الخير، وأعني به الخطبة الشقشقية،
فهي فضلاً عن كونها موضع نظر عند المحققين، من حيث نسبتها إلى أمير المؤمنين،
لا تخرج عن كونها إثارة خفية لفتنة نائمة. وأمام المؤلفين متسع في كلام الإمام، يجدون عنده الفضل والفائدة، فما بالهم يعرضون عن (( القاصعة )) مثلاً وهي خير
كلها ونموذج أعلى من البلاغة، ليأخذوا ( الشقشقية ) وليس لها من أثر نافع ! ..
لعمري إن القوم لكأولئك الذين يجدون في القرآن الكريم المحكم والمتشابه،
فيعرضون عن المحكم ويأخذون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة … |
||
|
5- وأخيراً فإن هناك ألواناً من روائع الأدب العربي
لا يجوز
للمناهج الثانوي أن يهملها، وأعني بها أدب الصعاليك سواء في الجاهلية أو
الإسلام .. ففي شعر عروة بن الورد, وسليك والشنفرى، ثم مالك بن الريب واضرابهم
صور من أدب البطولة، لا غنى عن روحه لهذا الجيل المائع من شباب اليوم . إن هذا
الأدب حرية العربي وسخاءه وشجاعته, وفيه عزة المؤمن وشرفه وكرامته، وفيه أخيراً
الثورة النبيلة بالظلم والفقر والهوان، فمن حق المناهج المدرسية
أن يحفل بأدب
هؤلاء الفرسان الأعزة، وأن يحسن تحليل نفسياتهم التي كانت نموذجاً للطاقة
العربية التي وجدت مجالها الصحيح في قيادة الإسلام فجعل منها القوة البناءة في
حياة العرب والإنسانية، ولعل من الخير كل الخير لو استبدل هؤلاء الصعاليك
الأباة بأصحاب النقائض السفهاء ! |
||
|
السنة الثانية : |
||
|
لعل مناهج هذا الفصل أقل
مآخذ من سابقه، ذلك لأن منهاج الأول لا يعدو أن يكون مقدمة تأسيسه لهذا، فعليه
يقوم الكثير من عمل التوجيه الأدبي، ولذلك سأقصر ملاحظاتي على ثلاثة من أدباء
هذا الفصل كنموذج تحسن مراعاته في كل تعديل قد يطرأ على نصوص غيرهم من أدباء
المناهج .. |
||
|
1-
المتنبي : لهذا
الشاعر العبقري جوانب نفسية متعددة تتراءى في شعره جميعاً فهناك الطموح الغالب،
وهناك القوة الأصيلة، وهناك الضعف الطارئ، وهناك التعالي المنبثق عن الشعور
بالعزة، وهناك الاتضاع المصنوع من الحاجة، ثم هناك الأمل القوي الجارف إلى
جانب التشاؤم المظلم اليائس .. ثم هناك مُثُل الإسلام العليا من جهاد للباغين
وغيرة على المسلمين أن يذلوا للظالمين، إلى جانب نزوات من عبادة الذات
تجعل
نفسه غاية الغايات، وتدفعه في غير وعي إلى الاستخفاف بالنبيين أو اصطناع أساليب الباطنيين في تجسيم رب العالمين والعياذ بالله . |
||
|
فالمتنبي والحالة هذه
عالم رحب الآفاق تتعذر الإحاطة به إلا على ذوي الاختصاص العالي، ففيم نقحم
الطالب المسكين في غمار أمواجه المضطربة دون تخير لما يناسب طاقته العقلية
والنفسية ! .. فالتشاؤم المفرط، والفردية المغرقة، والخروج على مقاييس الدين
الصحيح، وما إلى ذلك من أمراض نفسية تنصب على الرجل من مختلف الينابيع القاهرة
لإرادته، أمور يجب إرجاء بحثها إلى الوسط الجامعي، وحسبنا من المتنبي في هذا
القسم بقية الجوانب التي تساعدنا على إحياء المناقب المثلى، وتظهرنا على قدرة
العقلية والذكاء العربيين . |
||
|
2-
المعري
: وأمر المعري
في هذا المنهاج أمرُّ من أمر صاحبه أبي الطيب، فالمنهاج يفرض دراسة نماذج من
رثائه وحكمته ونقده ونثره، أما المؤلفون فكأنهم ملزمون أن لا يدعوا شيئاً من كفريات الرجل وضلالاته دون عرض وتوسيع، وما أدري أي الفوائد يمكن لطالب عادي أن
يجنيها من تناقضات أبي العلاء وهي التي تحير في أمرها أساطين الباحثين من القدامى والمحدثين ! .. اللهم إلا إذا كان المقصود إليه من ذلك هو
التمكين لهذه الحيرة في أذهان هذا النشء المسكين، وهو في السن التي فتحتها
الأقدار لهذه الأكدار ! .. |
||
|
وخلاصة القول أن في المعري كسابقه جوانب أخرى فيها
الكثير من الخير المحض البناء، فمن الشطط لا الغلط أن نكب على استخراج المعاول
الهادمَة من أدب هذا القلِقِ لنضعها في أيدي المراهقين من طلابنا المساكين ! . |
||
|
3-
أحمد شوقي :
كثيراً ما
يتيه المؤلفون في الحديث عن هذا الشاعر المعاصر،
وبخاصة عندما يتناولون شعره
القومي والسياسي .. أهو شاعر عربي ؟ أهو شاعر مصري ؟ أهو شاعر إسلامي ؟! .. ومرد
ذلك كله إلى النزعة القومية المتطرفة التي تستحوذ على ذهن المؤلف، فهو مدفوع
بهذه النزعة إلى اعتبار القومية العربية _ منفصلة عن الإسلام _ هي المقياس
الخلقي والفكري الذي به تحدد شخصية الرجل . والأفضل من ذلك والأصح أن تدرس
الفكرة القومية على أنها شذوذ عن طبيعة الروح الإسلامي، الذي كان مسيطراً على
توجيه الشعور الاجتماعي في سائر أنحاء الوطن المسلم حتى أواخر أيام شوقي، وكما
هي الحال الآن إذا انبعثت الروح الإسلامية من جديد تكافح لاستعادة سلطانها بعد
إخفاق الفكرات القومية الغالية، فعادت تطبع الأدب المعاصر في كثير من مظاهره
البارزة . |
||
|
ومن العبث الفصل في
الدراسة بين شوقي المسلم وشوقي المصري وشوقي العربي،فشوقي شاعر الإسلام لا شاعر
القومية، وشاعر المسلمين جميعاً لا شاعر العروبيين وحدهم، وعلى ضوء هذه
الحقيقة يمكن تفسير كل هذه التطورات التي تفضي ألوانها على شعر شوقي، بما في
ذلك اللون الشرقي الذي يكثر ذكره في تضاعيف إنتاجيه، فليس الشرق في نظر شوقي
إلاّ وطن الإسلام، فإذا هو قال : |
||
|
لكن كلنا في الهم شرق |
نصحت ونحن مختلفون داراً |
|
|
وإذا قال :
كان شعري الغناء في فرح الشرق، وكان العزاء في أحزانه |
||
|
فهو لا يريد بهذا الشرق سوى وطن الإسلام … |
||
|
وبعد فهذه ملاحظات سريعة استخلصتها من اختبارات طويلة
في التربية والتعليم، وهي في معظمها تتناول أدباء المناهج .. على أن هناك
ملاحظات أخرى لست أقل بها أيماناً، وهي تتناول أدباء آخرين من حقهم أن يحتلوا
مكانهم في المناهج الإعدادي، أذكر منهم : الشاعر الأبيوردي _ من شعراء العصر
الصليبي _ وأحمد محرم وشكيب أرسلان ورشيد رضاء و إبراهيم طوقان _ من أدباء العصر
الحديث، ففي أدب كل من هؤلاء نقاط انطلاق لا تزال تعمل عملها في مسيرة الأدب
العربي.. |
||
|
والغريب أن شاعراً كالأبيوردي _ وهو يكاد يكون
الوحيد بين شعراء عصره الذي صور كفاح الإسلام بوجه الصليبية _ يظل نائماً في ديوانه
حتى الآن لا يكاد يعرفه أحد، وهو العبقري الذي يحفظ لعصره أجمل ما عرفه من
بلاغة العرب وشعر النضال. |
||
|
أما شكيب ورشيد ومحرم فحسبهم مجداً أنهم في طليعة
القادة الفكريين للجيل الإسلامي خلال القرن الرابع عشر _ الهجري _ ومن كإبراهيم
طوقان يسجل كفاح فلسطين السليبة التي أوشكت مأساتها أن تنسى بعد أن جعلها
الاستعمار والاستهتار مشكلة لاجئين !... |
||