|
|
|
الرَّسَائِلُ الحَرْبيَّة |
| للدكتور محمد نغش |
| أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالجامعة |
|
|
|
ثلاث رسائل إلى الملك العادل عن انتصار الأسطول
المصري في البحر الأحمر : |
|
أرسل السلطان صلاح الدين رسالة بقلم القاضي الفاضل إلى أخيه
الملك العادل أبي بكر, بشأن انتصار الأسطول المصري بقيادة أميره حسام
الدين لؤلؤ على الأسطول الصليبي , الذي جرؤ فعبر مياه البحر الأحمر , قاصدا
مهاجمة مدينتي مكة والمدينة , وذلك في شوال سنة 578 هـ = فبراير 1183 م . |
|
تبتدأ هذه الرسالة هكذا : " وصل كتابك المؤرخ بخامس ذي
القعدة المسفر عن المسفر من الأخبار , المتبسم عن المتبسم من الآثار , وهي نعمة
تضمنت نعما , ونصرة جعلت الحرم حرما , وكفاية ما كان الله ليؤخر معجزة نبيه _
صلى الله عليه وسلم _ بتأخيرها , وعجيبة من عجائب البحر التي يتحدث عن تسييرها
وتسخيرها " [1]. |
|
وقد راعى القاضي الفاضل في هذه المقدمة الالتزام بالجناس
والسجع كعادته . |
|
ثم يقول : " وما كان لؤلؤ فيها إلا سهما أصاب وحمد
مسدده , وسيفا قطع وشكر مجرده … ركب السبيلين : براً وبحراً , وامتطى السابقين :
مركبا وظهرا , وخطا فأوسع الخطو , وغزا فأنجح الغزو [2]"
وهو يبدى إعجابه بالبسالة الحربية والتضحية المالية التي بذلها المسلمون . |
|
ثم يحدثه عما يفعله مع الأسارى في هذه المعركة , فيقول : "
وأما هؤلاء الأسارى فقد ظهروا على عورة الإسلام وكشفوها , وتطرقوا بلاد القبلة
وتطوفوها , ولا بد من تطهير الأرض من أرجاسهم , والهواء من انفاسهم , بحيث لا
يعود منهم مخبر يدل الكفار على عورات المسلمين"[3] |
|
وفي
نهاية الرسالة يحذر المسلمين بعد هذا الانتصار الباهر من
مكر الصليبيين وغدرهم , وهنا يحل حديثنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو : " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " .. ويقول
: " إن اللدغة الأولى تكفي لمن له في النظر تفقه " . |
|
ثم يرسل إليه كتاباً ثانياً , والذي بين أيدينا منه قطعة
فيها تهنئة بالظفر , ثم يأمره بالإسراع بقتل الأسرى , ليتعظ غيرهم بما نالهم ,
فليس في قتل هؤلاء الكفار مراجعة , ولا للشرع في إبقائهم فسحة , ولا في استبقاء
واحد منهم مصلحة [4] . فالله قد
أباح قتلهم لغدرهم , أن الغرض من ذلك تهديد غيرهم , فالجرم الذي اقترفوه كبير ,
لولا لطف الله العلي القدير . |
|
ويلحق هذا الكتاب بثالث , ويستعجله فيه بضرورة القضاء عليهم
ونصه " قد تكرر القول في معنى أسرى بحر الحجاز , فلا تذر على الأرض من
الكافرين ديارا [5], ولا توردهم
بعد ماء البحر إلا نارا , فأقلهم إذا بقى جنى الأمر الأصعب, ومتى لم تعجل
الراحة منهم , وعدت العاقبة بالأشق الأتعب "[6] |
|
وتنفيذا لأوامر السلطان صلاح الدين , تولى الصوفية والفقهاء
قتلهم [7]
جميعا, وهذه الرسائل الثلاث في قصرها تشبه البرقيات في عصرنا الحالي , كما أنها
تدل على حنكة عسكرية من السلطان صلاح الدين القائد المظفر , إذ يرى ضرورة القضاء
على هؤلاء الأسارى شارحا في إيجاز الدواعي التي من أجلها يأمر بالقضاء عليهم ,
وألا يستثنى من هذا الحكم أحدا منهم . |
|
وقد اهتم المؤرخون بالاحتفاظ بالرسالة الأولى كاملة تقريباً
, أما الرسالتان التاليتان , فقد احتفظوا بقطعتين منهما . |
|
وكان لهذه السرعة وهذا الإيجار أثرهما في أسلوب هذه الرسائل
, فالمقدمة في الكتاب الأول قصيرة , وأرجح أن مقدمة الكتابين التاليين كانت تنهج
نفس السبيل , ولم تسهب الرسالة الأولى في وصف سير المعركة , وكذلك بالنسبة لوصف
الأسرى والانتصار عليهم , وطلب السلطان صلاح الدين القضاء عليهم . |
|
وفي الكتابين التاليين في القطعتين الباقيتين عبارات قصيرة
. تنصب كلها على الهدف المباشر وهو التخلص من الاساري في كلمات قليلة واضحة .
ولم يلجأ القاضي الفاضل فيها إلى استعارة أو كناية . فالوقت لا يسمح بذلك . هذا
بخلاف ما سنجده في كتبه إلى الخليفة في هذا الموضوع . |
|
كتابان إلى الخليفة
في بغداد بشأن الموقعة السابقة : |
|
في كتاب الروضتين قطعتان من رسالتين . أرسلهما السلطان صلاح
الدين إلى الخليفة في بغداد . بشأن انتصار الأسطول المصري في البحر الأحمر .سنة
578هـ=1183م. والذي قد سبق أن كاتب أخاه العادل عنه. |
|
في القطعة الأولى : يذكر السلطان صلاح الدين للخليفة
تفصيلات المعركة الحربية. ويكشف عن مخططات العدو الغادر . وما لحقه من هزيمة
منكرة :(كان الفرنج قد ركبوا من الأمر
نكراً، و افتضوا من البحر بكراً. وعمروا
مراكب حربية شحنوها بالمقاتلة والأسلحة
والأزواد، وضربوا بها سواحل اليمن و الحجاز. واثخنوا وأوغلوا في
البلاد) [8] |
|
فقد قطع ارناط غابات إقليم الكرك وأكثر نخيل العريش. وحمله
إلى حصن الكرك. |
|
وعهد إلى دير الرهبان بصنع بعض المراكب [9].
كما عهد إلى صليبي عسقلان بصنع البعض الآخر، حتى توافر لديه خمس سفن حربية
كبيرة. وعدد كبير من المراكب الخفيفة. ونقلها جميعها مفككة على جمال البدويين
إلى الساحل بعد أن أغراهم بالمال [10].
ثم ركب المراكب ودهنها باللون الأسود وشحنها بالرجال وآلات القتال [11]
وأقف منها مركبين على جزيرة قلعة أيلة ، تمنع أهلها استقاء الماء ومضى الباقون
في مراكبهم إلى عيذاب [12]
. وفي البر سير ارناط عسكره إلى تبوك ليحول دون وصول أي مدد عسكري يطلبه نائب
القلعة من الشام أو مصر |
|
واتخذ أرناط سبيله في البحر سلباً ونهباً حتى وصل إلى
عيذاب. وربما وصلت حملته جنوباً إلى باب المندب حتى عدن
[13] . |
|
واشتدت مخافة المسلمين على مقدساتهم الدينية. خاصةً لما
أحدثه الصليبيون في طريقهم من حوادث شنيعة . |
|
فقد أحرق الصليبيون نحو ستة عشر مركباً
للمسلمين. وأخذوا عند عيذاب مركباً يأتي بالحجاج من جدة، ومركبين آخرين كانا
مقبلين بتجار وبضائع من اليمن، وأحرقوا أطعمة كثيرة على ساحل عيذاب. كانت معدة
لمسيرة مكة والمدينة، هذا فضلاً عن حوادث القتل والأسر والتنكيل والإرهاب التي
ارتكبوها في البر والبحر [14]. |
|
وكان الأخ سيف الدين بمصر، قد عمر مراكب، وفرقها على
الفرقتين، وأمرها
بأن تطوى وراءهم الشقتين [15]
|
|
فقد بعث السلطان صلاح الدين إلى أخيه ونائبه بمصر الملك
العادل أبي بكر بن أيوب بتعمير الأسطول في مصر والإسكندرية. وقام العادل على
تنفيذ تعليمات السلطان صلاح الدين خير مقام. فسافر إلى السويس بعد أن عهد إلى
قائد الأسطول الشيخ حسام الدين لؤلؤ بحل المراكب مفككة على الجمال إلى تلك
المدينة. وهناك أشرف على تركيبها في رمضان 578 هـ= يناير سنة1183 م
وتعميرها بالرجال ذوي التجربة في شئون البحر وبخاصة المغاربة منهم. |
|
ثم يأتي وصف المعركة، فقد فرق لؤلؤ
الأسطول إلى فرقتين. فصارت الأولى إلى قلعة أيلة واستولت على مراكب العدو
برمتها، وقتلت أكثر مقاتلاتها إلا من تعلق بهضبة من الهضاب، أو دخل في شعب من
الشعاب، وأولئك اقتفى العربان آثارهم، والتزموا إحضارهم، فلم ينج منهم إلا
القليل. |
|
أما الفرقة الثانية فذهبت إلى عيذاب ، وأطلقت المأسورين من
المسلمين، وردت عليهم ما سلب منهم، ولم تجد الصليبيين هناك، ثم رجع لؤلؤ إلى
رابغ ، و أدرك بعض الصليبيين معتصمين بساحل الحوراء [16],
وكان عددهم ثلاثمائة ونيف رجل , انضم إليهم عدة من العربان , وعندما لحقهم لؤلؤ
فرت العربان خوفا من سطوته , والتجأ الصليبيون إلى رأس جبل صعب المرتقى , وركب
عشرة من المسلمين ورائهم خيل العرب [17],
يقتنصونهم أسرى وقتلى. |
|
وما زال لؤلؤ وأتباعه يتبعونه ليل نهار , حتى أدركهم بعد
خمسة أيام على مسافة يوم من المدينة فأسلموا أنفسهم له , وعاد بهم لؤلؤ إلى مصر
وفي أرجلهم القيود[18]
. |
|
وتدور القطعة الثانية حول وصف سير المعركة الحربية ,
وتنقلها من بلد إلى بلد , وهي تتعقب الأسطول الصليبي , موقعة به الهزيمة الواحدة
تلو الأخرى . |
|
تمتاز المكاتبات إلى الخليفة بالطول بخلاف مكاتباته في هذا
الشأن لأخيه الملك العادل , فالقطعتان اللتان بين أيدينا يجنح فيهما القاضي
الفاضل إلى تفصيل الأمور , ويلجأ إلى المحسنات البديعية وعلى قمتها الاستعارة
والكناية . |
|
ويحلل كذلك الناحية النفسية للمسلمين تجاه هذه الحملة
الغادرة , فيقول : " واشتدت مخافة أهل تلك الجوانب بل أهل القبلة لما أومض
إليهم من خلل العواقب , وما ظن المسلمون إلا أنها الساعة , وقد نشر مطوى منشور
بساطها . وانتظر غضب الله لفناء بيته المحرم , ومقام خليله الأكرم , وتراث
أنبيائه الأقدم , وضريح نبيه الأعظم _
صلى الله عليه وسلم _ ورجوا أن تشحذ البصائر آية كآية هذا البيت , إذ قصده أصحاب
الفيل , ووكلوا إلى الله الأمر , وكان حسبهم ونعم الوكيل "[19]
. |
|
وهو كما نرى يلجأ إلى القران الكريم وإلى الصور الدينية
ليرسم لنا انتصار المسلمين بعون الله في معاركهم الحربية , وهاهو يختم هذه
الفقرة بقوله تعالى : {وَسِيقَ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً }
(الزمر : آية 71 ) . يكنى بذلك عن قهر المسلمين لأعدائهم
الصليبيين قتلا وأسراً . |
|
رسالة تهنئة بفتح مدينة عسقلان
[20]
: |
|
أرسل القاضي الفاضل هذه الرسالة إلى حسام الدين بن لاجين [21],
وهو يستهل الرسالة بآية يشكر فيها ربه، على ما أنعم به من فتح هذه المدينة ,
وعلى أنها خلت من مشركيها وكفارها , الذين كانوا يحتلونها , فقد نصبت أعلام
الإسلام على أبراجها وأسوارها, وكبر المكبرون والمؤذنون في أقطار أرجائها ,
وزالت سمة الصلبان عن جهاتها وأنحائها , ورحل الناقوس عن فنائها , وعوض جامعها
منها بمنبره [22]. |
|
فقد اجتمع السلطان صلاح الدين بأخيه الملك العادل وولده
العزيز عثمان على عسقلان في 16 جمادى الآخرة 583 هـ = 1187 م , وضرب عليها
الحصار , حتى سلمت يوم 25 جمادى الآخر = 7 سبتمبر , وخرج أهلها بأموالهم سالمين
إلى بيت المقدس , بعد حصار دام أربعة عشر يوما[23]. |
|
ويشبه القاضي الفاضل فتحها على يد السلطان صلاح الدين ,
بفتحها على يد عمر بن الخطاب أمير المؤمنين , فإنه لما دنت منها جيوش الإسلام
الناصرية , فر الصليبيون فرار النمل خوفا وفزعا , ولجأوا إلى الانحصار خلف
الجدار , فماذا حدث ؟ ويقول : نصبنا عليهم حينئذ آلات القتال , وأذقناهم من طعم
الطعن الشديد الوبال , وأنزلنا عليهم غاشية[24]
من عذاب الله لا تستدرك ولا تستقال .[25] |
|
ثم أخذت جنود المسلمين تثقب في عقبتها حتى هدمت وانمحت ,
وخربت الأبراج , واستباحت الحصن الذي كان حصينا , وطالما أعجز الأيام والأنام
قهره . |
|
وهنا يلجأ الصليبيون إلى المصالحة وطلب الأمان , ويقبل
المسلمون الصلح صيانة للمدينة من تخريب الناهبين , وحفظا لأبناء المسلمين . |
|
وكعادة القاضي الفاضل في رسائله عن الانتصارات الحربية يمدح
الإسلام والمسلمين المنتصرين , ويذم الكفر والصليبيين المنهزمين , ويجنح إلى
الاستعارة كقوله : " فما زالت سهامها تركع , وأحجارها تسجد " [26]. |
|
كما أنه يلجأ إلى إثبات تواريخ تحرك الجيش والانتصارات التي
يحرزها مثل قوله : " وجملة الأمر أن النزول عليها كان عشية الأحد السادس
عشرة جمادى الآخرة . |
|
ونصبت الآلات يوم الثلاثاء ثامن عشرة , ووقوع نقوب الباشورة
الكبرى يوم الأربعاء تاسع عشرة . وتسلم المدينة ونصب الأعلام عليها يوم السبت
التاسع والعشرين [27]
منها " . |
|
وهذا يضيف إلى الرسالة أهمية تاريخية , ونلاحظ أنه تخلى عن
السجع ليثبت هذه التواريخ . |
|
وبعد هذا يقول : { هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي
أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ
كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ }
[28]. وهو يقتبس من القران
الكريم ليضفي على رسالته قوة الإيمان وجمال الأسلوب . |
|
الرسائل عن فتح القدس : |
|
صدرت الرسائل عن فتح القدس , سواء قبل الفتح أو بعده ، إذ
أن المعركة التي خاضها المسلمون لفتح القدس , والتي تعرف بموقعة حطين المشهورة ,
تعد الموقعة الفاصلة , التي انتصر فيها السلطان صلاح الدين على الصليبيين . |
|
وقد أرسل السلطان صلاح الدين إلى بعض إخوانه , وهو يجمع
الجموع , ويحشد الحشود في سنة 582 هـ = 1187 م , استعداد لهذه الموقعة , جاء
فيها : " كتبت هذه المكاتبة من جسر الخشب ظاهر دمشق , وقد زود السلطان أعز
الله أنصاره للغزاة إلى بلاد الكفر , في عسكر فيه عساكر , وفي جمع البادي فيه
كأنه حاضر , وفي حشد يتجاوز أن يحمله الناظر , إلى أن يحمله الخاطر , وقد نهضت
به همة لا يرجى غير الله لانهاضها , وحجبت به عزمة الله المسؤول في حسم عوارض
اعتراضها , وباع الله نفسا يستمتع أهل الاسلام بصفتها , ويذهب الله الشرك بهيبتها "[29]
. |
|
هذه الرسالة لم تصلنا كاملة , وهذه القطعة التي بين أيدينا
جاء في نهايتها دعاء للقاضي الفاضل بأن تكون موقعة القدس الفاصلة في المعارك
الدائرة بين المسلمين والصليبيين , وأن يستريح النفوس بهذا النصر . |
|
ويرسل السلطان صلاح الدين في سنة 583 هـ = 1188 م رسالة إلى
الخليفة العباسي الناصر لدين الله يبشره بهذا الانتصار الرائع . |
|
وهذه الرسالة تعد أهم الرسائل الديوانية في عصر الدولة
الأيوبية , لأنها تحمل البشرى إلى الخليفة العباسي بفتح القدس , الذي كان لفتحه
رنة فرح في العالم الإسلامي كله . |
|
ولفتت هذه الرسالة نظر الباحثين في العصر الحديث , فاستشهدوا بها في كتاباتهم عن العصر الأيوبي
, وعن أساليب الكتابة فيه , فمنهم الدكتور شوقي ضيف الذي يصف هذه الرسالة بأنها
أروع أثر أدبي عنى القاضي الفاضل به وبتدبيجه [30].
ومنهم الدكتور عبد اللطيف حمزة الذي تناول موضوع الرسالة بالتفصيل وركز تحليله
بأنها تشتمل على وصف الحرب وآلاته وخاصة المنجنيقات , ثم ما ترتب عن هذه الموقعة
من آثار , كما أنه اهتم بإظهار الصور البلاغية فيها [31],
وكذلك ركز الأستاذ أنيس المقدسي على شرح أسلوب القاضي الفاضل من الناحية
البلاغية[32] . |
|
يصف القاضي الفاضل العدو في هذه الرسالة بأنه في خوف وفزع ,
وسلاحه أصبح بلا جدوى , سيفه كالعصا , وصرعت عدده وكان الأكثر عددا وحصى , وكلت
حملاته , وعثرت قدمه , والقاضي الفاضل يشخص ضعف أسلحته , فالسيف قد نام جفنه ,
والرماح جدعت أنوفها , فتطهرت الأرض المقدسة من رجسهم , وأصبحت بيوت المشركين
متهدمة , وأصبحت نيوبهم متكسرة , وقد أجمعت جيوشهم على تسليم البلاد , وأذعنوا
لكل ما طمع المسلمون فيه من شروط , فلم تنجهم سيوفهم , ولا وسعتهم دورهم
وأفنيتهم , وضربت عليهم الذلة والمسكنة . |
|
ويصف لقاء صلاح الدين الأعداء ونصر الله له , فقد أمكنه من
تقتيلهم وأسر بعضهم , والاستيلاء على أسلحتهم , ففي هذه المعركة أصابت سيوف
المسلمين التفلق , والرماح تكسرت , وانطلقت السهام من أقواسها لتنهش فرسان
المشركين وشجعانهم . |
|
وأسر ملكهم ومعه صليب الصلبوت , الذي كانوا يقاتلون تحته
أصلب قتال وأصدقه , ويرونه ميثاقا يبنون عليه أشد عقد وأوثقه . وكذلك أسر
المسلمون ساداتهم , ولم يفلت منهم إلا القومص بحيلته ومكره , ولكن أدركته المنية
بعد أيام من هربه . |
|
ثم يلي هذا اللقاء الذي انكسرت فيه شوكة الأعداء , أن تسقط
البلاد في يد السلطان صلاح الدين بلدا بلدا , ويرتفع الراية العباسية خفاقة
عالية , وتبدل المذابح منائر والكنائس مساجد . |
|
ويبقى القدس وقد اجتمع فيه كل رشيد من الأعداء وطريد، واعتصم بمنعها كل قريب منهم وبعيد , وظنوا أنها من الله
مانعتهم , وأن كنيستها إلى الله شافعتهم . |
|
وبالرغم من استماتة الأعداء في القتال وتكاثرهم , واتخاذهم
الأسوار المنيعة والأبرجة المنيفة , والأدوية العميقة , والأماكن الوعرة الحصينة
, فقد نفذ السلطان برجاله إليهم , وأحاط بهم , فأخذوا يراسلونه بقصد مراوضته حتى
تصلهم النجدة , ولكنه كشف حيلتهم , وأنزل الهزيمة الساحقة بهم , إذ أخذت
المنجنيقات تضرب في جوانب السور , كما انطلقت سهامها تتخلل شرفاته كما يتخلل
السواك ثنايا الفم , وكان المنجنيق في أثناء ذلك كله يعلو في السماء حينا ,
وينخفض إلى الأرض حينا كأنه النسر , واستطاع المنجنيق كذلك أن يشق فتحات الأبراج
التي تتخلل الأسوار جميعها من الناس , كما خلا ميدان القتال نفسه من الجند , أما النقابون فقد استطاعوا أن يكشفوا النقاب عن هذه الحرب الزبون ,
وأن يدكوا هذه الحصون حتى عادت سيرتها الأولى من الطوب والحجارة , ثم عاد المنجنيق إلى تلك الصخور
التي أمامه بمعوله طحنا , وما زال يضربها ضربا حتى لم يعد لها أثر . |
|
وسمعت الصخرة الشريف لتلك الصخور أنينها واستغاثتها وحنينها
, فرقت لها , وعجبت لخرابها , وعاد النقابون ففتحوا أبوابا أخرى في السور أيأست
العدو من النجاة , وصاح الكاتب عندها : واحسرتاه [33].
|
|
|
|
|
[1] أبو شامة : الروضتين جـ 2 ص 36 |
|
|
[2] أبو شامة : الروضتين جـ 2 ص 36 |
|
|
[3] نفس المرجع السابق . |
|
|
[4] أبو شامة : الروضتين جـ 2 ص 36 . |
|
|
[5] سورة نوح آية 26 . |
|
|
[6] أبو شامة : الروضتين جـ 2 ص 36 , 37 . |
|
|
[7] أبو شامة : الروضتين جـ 2 ص 35 |
|
|
[8] أبو شامة : الروضتين جـ ص 37 . |
|
|
[9] ابن فضل الله : التعريف ص 193 . والمقريزي : السلوك جـ 2 ص 74 . |
|
|
Lane poole : Saladin . p . 175 , Fuller : Deeisive Bettles . p . 2349 |
[10] |
|
Lemb : The Flame of Islam . p . 59 |
[11] |
|
Lemb : Op . cit . p . 59 |
[12] |
|
[13] المقريزي : السلوك جـ 1 ص 88 . |
|
|
[14] المقريزى : الخطط جـ 4 ص 139 . والسلوك جـ 1 ص 78 . |
|
|
[15] أبو شامة : الروضتين جـ 2 ص 37 . |
|
|
[16] أبو شامة : الروضتين جـ 2 ص 35 . ابن خلدون : جـ 5 ص 219 . |
|
|
[17] ابن ابيك : درر التيجان تحت أحداث سنة 578 هـ . والخطط المقريزية جـ 3 ص 118 . |
|
|
[18] الخطط المقريزية جـ 3 ص 139 . |
|
|
[19] أبو شامة : الروضتين جـ 2 ص 37 . |
|
|
[20] عسقلان مدينة واقعة على ساحل فلسطين جنوبا ( ياقوت : معجم البلدان جـ 2 ص 174 ) . |
|
|
[21] حسام الدين ابن لاجين : محمد بن عمر بن لاجين , توفي سنة 587 هـ =1192 م , والدته ست الشام بنت الأمير ناصر الدين محمد , صاحب حمى ( ابن تغرى بردى : النجوم الزاهرة جـ 6 ص 246 ) . |
|
|
[22] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة 70 . |
|
|
[23] الحنبلي : شفاء القالوب ص 34 . King : The KNIGHTS Hospitallenp . 130 . |
|
|
[24] الغاشية : العقوبة . |
|
|
[25] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة 91 |
|
|
[26] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة 91 . |
|
|
[27] نفس المرجع السابق . |
|
|
[28] سورة النمل آية 40 . |
|
|
[29] أبو شامة : الروضتين جـ 2 ص 75 . |
|
|
[30] الفن ومذاهبه في النشر العربي ص 371 . |
|
|
[31] الأدب المصري ص 181 , 185 . |
|
|
[32] تطور الأساليب النثرية ص 293 , 294 . |
|
|
[33] الدكتور عبد اللطيف حمزة _ الأدب المصري ص 184 , 185 . |
|