|
|
|
رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار |
|
-4- |
|
الدكتور أحمد طه ريان |
|
أستاذ مساعد بجامعة الأزهر |
|
|
|
انتهاء سريان الرخصة : |
|
تنتهي رخصة الفطر بانقطاع صفة السفر عن المسافر, وذلك
بدخوله إلى المكان الذي يجمع الإقامة به مدة تقطع حكم السفر كما بيناها سابقا,
إذ كان دخوله إلى هذا المكان قبل طلوع الفجر، فإذا تحقق هذان الشرطان - وهما :
نية الإقامة والدخول قبل الفجر - وجب عليه إنشاء نية الصوم لليوم الذي يشهد طلوع
فجره مقيما وهذا باتفاق أهل العلم, لأنه شهد بعضاً من الشهر صحيحاً مقيماً وقد
قال تعالى: {فَمَنْ
شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، |
|
فإن علم أنه سيدخل إلى محل الإقامة بعد الفجر فلا يجب عليه
أن يبيت نية الصوم بل له أن يدخل إلى دار الإقامة بنية الفطر، وهذا أيضاً
باتفاق أهل العلم،. |
|
لكن الخلاف بين العلماء فيمن وصل بالفعل إلى دار الإقامة
قبل الزوال وكان على نية الفطر, فالمالكية والشافعية, يجيزون له الاستمرار على
الفطر بدون كراهة عند المالكية وعلى الأصح عند الشافعية، |
|
ووجه هذا القول : أنه كان وقت إنشاء النية - وهو طلوع الفجر
- مسافراً، وقد عمل بالرخصة التي تبيح له الفطر, وما دام قد انتهى وقت إنشاء
النية, فمن حقه أن يستمر على فطره، وله أن يفعل كل ما يفعله المفطر من أكل
وجماع وغير ذلك، إلا أن الشافعية استحبوا له ألا يظهر الفطر عند من يجهل عذره
حتى لا يهتم ويعاقب … |
|
ورواية مرجوحة عند أحمد ؟ يمنع مثل هذا الشخص من الجماع
أثناء فطره هذا،. |
|
أما الحنفية ؟ فقد أوجبوا على من وصل إلى دار إقامته قبل
الزوال : أن يمسك بقية يومه ؟ |
|
ووجهتهم على هذا القول ؟ أن هذا الشخص قد انقطعت عنه الرخصة
بوصوله إلى دار إقامته في وقت يصح فيه إنشاء نية الصوم وهو ما قبل الزوال، لذلك
وجب عليه إنشاء نية الصوم [1]. |
|
مبنى كل من الرأيين : |
|
اعتبار علماء الحنفية أن وقت إنشاء نية الصوم لا ينتهي
بطلوع الفجر بل يستمر إلى ما قبل الزوال ؟ إنما يرجع لحديث عائشة رضي الله عنها " دخل النبي صلى الله
عليه وسلم ذات يوم فقال هل عندكم شيء فقلت : لا، قال : فإني صائم، ثم أتانا
يوماً آخر، فقلت يا رسول الله أهدى لنا حيس، فقال: "أرينه فلقد أصبحت صائما" فأكل "[2]. |
|
لكن الفرق شاسع بين إنشاء النية في صوم واجب كرمضان وبين
إنشائها في صوم التطوع، فإن النية في صيام رمضان يجب أن تكون من طلوع الفجر وتستمر
إلى غروب الشمس قال تعالى : {حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ} (البقر : الآية 187 )، فأوجب تعالى
الإمساك للصوم من طلوع الفجر، |
|
وبما أن صيام رمضان
واجب فإن الإمساك من طلوع الفجر فيه واجب،. |
|
وهذا بخلاف صوم التطوع ؟ فإنه مبني على المسامحة، فقد سئل
مجاهد عن المعنى المراد من حديث عائشة رضي الله عنها فقال : ذاك بمنزلة الرجل
يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها رواه مسلم في صحيحه، وقد
جاء هذا القول مرفوعاً متصلا بحديث عائشة المتقدم عند النسائي عن طريق مجاهد
أيضاً [3].. |
|
أما القول بأن النية في صيام رمضان لا بد أن تكون من طلوع الفجر
فهو يتمشى مع صريح القران الكريم {حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ} - ومع ما جاء في الحديث الشريف من
رواية حفصة رضي الله عنها " من لم يجمع
الصيام قبل الفجر فلا صيام له "[4] قال
صاحب التحفة : وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وقال الحاكم في الأربعين : صحيح على
شرط الشيخين، وقال في المستدرك : صحيح على شرط البخاري، وقال الدار قطني :
رواته كلهم ثقات، وصحح البخاري والنسائي وقفه على ابن عمر.[5] |
|
لكن ما قاله صاحب التحفة عن موقف النسائي من هذا الحديث ؟
يحتاج إلى وقفة : فقد أورد النسائي أربع روايات متصلة مرفوعة عن ابن عمر عن حفصة
عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أورد له ست روايات عن ابن عمر عن حفصة، ثم
رواية عن حفصة وعائشة برواية ابن شهاب عنهما ثم أورد له روايتين عن ابن عمر[6]
فلا أدري لماذا اختار أن يعبر عن موقف النسائي من الحديث : بأنه اختار صحة الوقف
على ابن عمر مع كل هذه الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن حفصة ؟ |
|
وقال الترمذي تعليقاً على الحديث السابق، وإنما معنى هذا
عند بعض أهل العلم لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر في رمضان، أو في
صيام نذر، إذا لم ينوه من الليل لم يجزه[7]. |
|
لذلك كله أقول : إن المختار : هو رأي هذا الفريق الذي يرى
ضرورة إجماع النية على الصيام من طلوع الفجر، فإذا ما وصل المسافر بعد طلوع
الفجر إلى دار الإقامة فلا يجب عليه الإمساك بقية يومه، بل له أن يستمر مفطرا حتى انتهاء هذا اليوم الذي وصل فيه، كما أن له
أن يفطر على ما شاء مما أحله الله له والله أعلم، |
|
بيان الآثار المترتبة على الأخذ بهذه الرخصة: |
|
اتفق أهل العلم على أن المسافر إذا اجتمعت
لديه شروط الأخذ بالرخصة - حسب ما بيناه سابقا - وأفطر تبعا لذلك، فإنه يجب عليه
قضاء الأيام التي أفطر فيها، إلا أنهم اختلفوا في عدد من المسائل المتعلقة بذلك
… |
|
وفيما يلي بيان بأهم المسائل المختلف فيها وآرائهم حولها
ومستند كل رأي، بيان مدى قربه أو بعده من السنة المطهرة، ونعقد لذلك عدداً من
المطالب نبدؤها بالمطلب الأول فنقول : |
|
هل يجب التتابع في قضاء الأيام الني أفطرها في سفره :
|
|
اختلف أهل العلم في وجوب التتابع في قضاء الأيام التي
أفطرها المسلم أثناء سفره عملا بالرخصة، على فريقين : |
|
الفريق الأول : يرى وجوب التتابع في القضاء، وقد حكى هذا
الرأي، عن ابن عمر وعائشة والحسن البصري وعروة ابن الزبير والنخعي وداود الظاهري،. |
|
وقد نقل عن داود قوله : هو - أي التتابع - واجب غير شرط،
بمعنى أن تاركه يأثم لكن مع ذلك يعتد بما صامه شرعا [8].. |
|
وأهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي : |
|
1-
عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه
عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه"
[9]. |
|
وقد نوقش هذا الاستدلال، بما نقله البيهقي عن يحيى بن معين
والنسائي والدار قطني من تضعيفهم لعبد الرحمن بن إبراهيم أحد رجال هذا الحديث [10].. |
|
وقد رد على هذه المناقشة بما نقل عن بعض أصحاب الحديث من
توثيقهم لعبد الرحمن هذا، فقد وثقه البخاري في تاريخه كما وثقه ابن معين. ونقل
عن أحمد بن حنبل، أنه قال : لا بأس به، وقال أبو زرعة : لا بأس به
أحاديثه مستقيمة، وعن الدار قطني، أنه وثقه في هذا
الحديث وقال ابن عدي : لم يتبين في حديثه ورواياته حديث منكر فأذكره به، وقال
ابن القطان : هو مختلف فيه والحديث من روايته حسن[11]، وأخيراً قال فيه الحافظ ابن حجر : ثقة حافظ متقن [12]. |
|
2-
عن عائشة رضي الله عنها، قالت :
نزلت {فعدة من أيام أخر متتابعات}
فسقطت
متتابعات [13].. |
|
فهذا اللفظ ( متتابعات ) الذي نزل متعلقا بأيام أخر يوضح
الحالة التي ينبغي أن يكون عليها قضاء هذه الأيام الأخر وهي : أن يكون القضاء
متتابعا،. |
|
ولكن يناقش هذا الاستدلال بأن السند الذي روى به هذا القول
عن عائشة رضي الله عنها، وهو عبد الرزاق، عن ابن جريح، عن ابن شهاب، وعن عروة، روى به أيضا تأويل قولها "سقطت " : بأنها تريد : نسخت،
لا يصح له تأويل وغير ذلك،[14] |
|
ويرد على هذه المناقشة، بأن النسخ قد يكون نسخا للتلاوة مع
بقاء الحكم، وقد يكون النسخ للتلاوة والحكم معا، وليس في هذه الرواية ما يدل على
إرادة أحد هذين الأمرين، |
|
3-
ما روى من قول علي رضي الله عنه :
من أن " قضاء رمضان متتابعا"[15]. |
|
ويناقش هذا، بأنه من رواية الحارث الأعور، وهو ضعيف بل
وروى عن طريقه أيضاً عن علي رضي الله عنه" أنه كان لا يرى به
متفرقا بأسا "
[16]. |
|
4-
مشابهة القضاء للأداء : أي بما أن
الأداء لا يصح إلا متتابعا، فالقضاء كذلك، إذ لا فرق بين الأداء والقضاء، كما
هو في قضاء الصلاة،. |
|
ويناقش هذا الاستدلال، بالفرق بين الأمر الصادر من المشروع
بالأداء وبين الأمر الصادر بالقضاء، حيث جاء الأمر بالأداء مقرونا ببيان تحديد
الوقت الذي يجب فيه الصيام تحديدا واضحا، قال تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً
لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. |
|
أما الأمر الصادر بالقضاء فقد جاء بصيغة النكرة الواقعة في
سياق الإثبات قال تعالى : {وَمَنْ
كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. وهذه الأيام الأخر مطلقة،فيجوز القضاء في أي وقت مفرقا أو متتابعا،. |
|
كما أنه يفارق الصلاة ؟ لأن الصلاة ملاحظ فيها دائما، في
الأداء والقضاء قوله صلى الله عليه وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، |
|
كما أن الصلاة إذا تركها المرء عددا قليلا من الأوقات كخمس
أوقات فأقل فكثير من الفقهاء يوجب الترتيب بينها، أما أكثر من ذلك فلا، وهذا موضع
مختلف فيه بين الفقهاء، |
|
الفريق الثاني : |
|
نقل عدم وجود التتابع عن عدد كبير من الصحابة والتابعين
والفقهاء، منهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأنس وأبو هريرة
والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور،[17] |
|
أهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي : |
|
1-
قال تعالى : {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ
أَيَّامٍ أُخَرَ}. |
|
وقد أوضحنا وجه الدلالة من هذه الآية قريبا ويتخلص في : أن
الله سبحانه وتعالى قد أمر بقضاء أيام الفطر بسبب المرض والسفر في أيام أخر بعد
انتهاء رمضان دون قيد،. |
|
ويرد على هذا الاستدلال، بما جاء من قول عائشة - رضي الله
عنها - السابق من أن هذه الآية كانت ( فعدة من أيام أخر متتابعات ) فسقط لفظ
متتابعات،. |
|
ويجاب، بأن السقوط، قد فسر بالنسخ، والنسخ محتمل لنسخ
الحكم والتلاوة معا ولنسخ التلاوة دون الحكم، ومعلوم أن الدليل إذا تطرق
إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، |
|
وعلى ذلك فبقيت الآية محكمة، وقد فهمها الصحابة على هذا
النحو : |
|
أ – فقد سئل أبو
عبيدة بن الجراح رضي الله عنه عن قضاء رمضان، فقال : إن الله لم يرخص لكم في
فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه فأحصى العدة واصنع ما شئت [18].. |
|
ب - وسئل معاذ بن
جبل رضي الله عنه عن قضاء رمضان، فقال : أحصي العدة وصم كيف شئت، وقد نقل مثل
هذا القول وبهذا اللفظ عن ابن محيريز [19].. |
|
ج - وعن ابن عباس
رضي الله عنهما : قال : يقضيه متفرقا، فإن الله قال : {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[20]. |
|
د - وعن أنس بن
مالك، أنه كان لا يرى به بأسا ويقول : إنما قال الله {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[21] ونقل مثل هذا القول عن
ابن عباس [22].. |
|
قال تعالى : {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ
كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر}.. |
|
حيث جاء أسلوب المطالبة بالأداء مغاير لأسلوب المطالبة
بالقضاء، فالأداء قد حدد فيه زمن الصوم تحديدا كاملا، أما في جانب القضاء،
فاكتفى في الأمر به بذكر المماثلة في العدد بين الأيام التي أفطر فيها والأيام
التي سيقضيها بدلا عنها، دون أن يحدد وقت معين لقضاء هذه الأيام،. |
|
قد يقال : أن أمر القضاء وإن جاء مطلقا في الآية، فإن حديث
أبي هريرة قد قيد هذا الإطلاق.. |
|
فيجاب بأن ما قيل في سند هذا الحديث حتى مع ترجيح جانب
الصحة فيه يجعله غير صالح لتقييد مطلق الكتاب،. |
|
المختار : هو قول من يرى عدم وجوب التتابع، لأن الأمر في الرخص
مبني على التخفيف والمسامحة،
ولأن فهم الصحابة للآية والذي اتضح من
استدلالهم بها على عمومها، أقوى من الاحتمالات الواردة في حديث عائشة رضي الله
عنها إلا أن الأفضل هو التتابع - كما يقول الجمهور - للجمع بين الأدلة من جهة،
وللمسارعة في إسقاط الواجب وإبراء الذمة من جهة أخرى، |
|
والله أعلم. |
|
هل يجوز للمسافر الصوم في قضاء لرمضان سابق عليه ؟ |
|
يرى ابن حزم للمسافر في شهر رمضان جواز الصيام أثناء سفره
قضاء لأيام كانت عليه من رمضان السابق [23].. |
|
وجهة ابن حزم في الجواز : |
|
يقول ابن حزم :
"إن الله سبحانه وتعالى : منع المسلم
المسافر من صيام رمضان أثناء سفره، ولكن لم يمنعه من أي صيام آخر غير هذا الشهر، سواء كان هذا الصيام - الآخر - نذرا أو تطوعا أو قضاء لرمضان سابق عليه وعلى هذا
فلا مانع من صيام رمضان السابق، للمسافر خلال رمضان الذي يسافر فيه، لقوله
تعالى: {فَعِدَّةٌ
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وهذه الأيام الأخر لم
يحدد لها وقت فيجوز أداؤها في كل وقت [24].. |
|
من يرى عدم الجواز : |
|
يرى أكثر الفقهاء عدم جواز قضاء رمضان السابق للمسافر خلال
سفره في رمضان التالي له، وقد حكى ابن المنذر هذا الرأي عن سعيد بن المسيب
وأحمد وإسحاق وأبي ثور، كما أنه رأى مالك والشافعي وجمهور الفقهاء [25].. |
|
ولم يذكر مستند لأصحاب هذا الرأي لكني وجدت
أثرا منقولا عن
عطاء، في رجل أفطر رمضان ثم أقام ولم يقضه حتى ألقاه رمضان المقبل مسافرا،
أيفطر إن شاء، قال نعم، ثم يطعم ثلاثين مسكينا ثلاثين مدا [26].. |
|
لكن من الواضح : أن عطاء هنا، أجاز الفطر ولكنه لم
يمنع عن
صيامه قضاء عن رمضان السابق، كما يقول المجيز فليس فيه ما يفيد المنع،. |
|
إلا أننا حينما نلاحظ الحكمة من رخصة الفطر للمسافر، وهي
تخفيف المعاناة التي يجدها المسافر خلال سفره، ثم نلاحظ أن الأخذ بهذه الرخصة
ليس محتما - كما أوضحنا ذلك سابقا - كانت النتيجة : أن من كانت لديه قدرة على
تحمل مشقة السفر، أو كانت ظروف سفره تساعد على تخفيف هذه المشقة إلى قدر المحتمل
عادة، كان الأولى به، هو صيام الفرض الحاضر إقتداء برسول الله
صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد ثبت مما تقدم أنهم كانوا يصومون خلال شهر
رمضان وأن هذا الصيام كان عن رمضان الحاضر الذي يكونون فيه، وأما الادعاء بأنهم
كانوا يصومون تطوعا أو نذرا أو قضاء لرمضان سابق عليهم فهي دعوى جاءت على خلاف
الأصل وعلى مدعيها إقامة الدليل على إثباتها،. |
|
ومجمل القول في هذه المسألة، أن القول بجواز قضاء رمضان
السابق للمسافر خلال شهر رمضان التالي له في أثناء سفره فيه، هذا القول قد يتفق
مع مذهب ابن حزم الذي يمنع المسافر من الصيام خلال سفره في شهر رمضان،. |
|
أما عند الجمهور الذين يجيزون الفطر والصوم للمسافر خلال
شهر رمضان بل ويعتبرون الصيام أفضل لمن قوى عليه - لحديث أبي سعيد المتقدم وغيره
مما أسلفنا - فهذا العمل فيه مخالفة عندهم لما كان عليه صلى الله عليه وسلم
وأصحابه حيث لم يثبت ذلك عن أحد منهم بالرغم من كثرة أسفارهم، كما أن ابن حزم
مع كثرة استيعابه وجمعه للسنن والآثار لم يستطع إيراد سنة واحدة أو أثر واحد
يدلل به على ما ذهب إليه، كل ما في الأمر أنه بنى على رأيه في هذه المسألة على
الأصل الذي تثبت به من قبل وهو حرمة الصيام على المسافر خلال شهر رمضان، ولما وجد كثرة النصوص التي تثبت صيام
النبي صلى الله عليه وسلم وصيام أصحابه، قام بثنى عنان كل هذه النصوص،على أن
الصيام الثابت فيها لم يكن عن رمضان الحاضر، بل كان عن غيره، من نذر أو تطوع
أو قضائه لرمضان السابق وهكذا، غفر الله لنا وله.. |
|
هل يجب الإطعام على من فرط في
قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر ؟ |
|
أكثر أهل العلم على أن المسافر الذي أخذ بالرخصة فأفطر في
سفره خلال شهر رمضان - كله أو بعضه - ثم استمر في سفره - أو شغل عنه بمرض ونحوه
من الأعذار القاهرة - حتى أدركه رمضان الثاني، فإنه لا يجب عليه الإطعام وإنما يلزمه بعد
انتهاء سفره أو الشفاء من مرضه أن يقضي رمضان السابق ثم التالي له بالترتيب، |
|
وقد نقل هذا الرأي عن طاوس والحسن البصري والنخعي وحماد بن
أبي سليمان والأوزاعي ومالك وإسحاق وأحمد وأبي حنيفة والمزني وداود … |
|
وقد اختار هذا الرأي البيهقي واستدل له بقوله تعالى : {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[27]،. |
|
وقد حكى عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة، أن
مثل هذا الشخص : يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر ويفدي عن الغائب بإطعام كل يوم مسكينا ولا
قضاء عليه [28]. |
|
ولم أجد مستندا لهذا القول، وعموم قوله تعالى {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}يرد
عليه : إذ عموم الآية يوجب القضاء في أيام أخر ولم يعين وقتاً لهذه
الأيام الأخر فهي تشمل العمر كله … |
|
أما من أقام بعد انتهاء سفره ولم يقض الأيام التي أفطرها
خلال سفره حتى أدركه رمضان الآخر، فجمهور الفقهاء على أنه يجب عليه حينما يقضي
هذه الأيام - من رمضان السابق - أن يطعم مع كل يوم مسكينا وقد قال بذلك : ابن
عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبي ر باح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي ومالك
والثوري وأحمد وإسحاق إلا أن الثوري : قال بوجوب مدين عن
كل يوم، وقد نقلت بذلك نصوص كثيرة من الصحابة والتابعين في المصنف والسنن
الكبرى [29].. |
|
والحكمة من
القول وجوب
الإطعام ؟ أن مثل هذا الشخص يعتبر مفرطا في القضاء في الأيام التي يجب عليه
القضاء فيها والتي تنتهي بنهاية شهر شعبان التالي له أو هي ما بين الرمضانيين،
لذلك استحق أن يجازي بإطعام كل يوم مسكينا مع القضاء بالصيام … |
|
ويرى الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة
والمزني وداود : أن عليه القضاء بالصيام فقط ولا فدية عليه [30]..
وقد نقل عن داود قوله في هذا الصدد : من أوجب الفدية على كل من أخر ليس معه حجة
من كتاب ولا سنة ولا إجماع [31]. |
|
وهو كما قال : إلا أنه يقال أيضاً : أن من نفى وجوب
الفدية عليه ليس له مستند من كتاب أو سنة أو إجماع ؟. |
|
أما العموم المستفاد من قوله تعالى :
{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}فهو يفيد جواز القضاء في أي أيام أخر قبل رمضان
التالي أو بعده ليس إلا، أما الإطعام فهو أمر زائد على القضاء فلا تثبته الآية
ولا تنفيه.. |
|
وإذا تساوى القولان من هذه الناحية ؟ فإنه ينظر إلى الآثار المروية عن الصحابة رضي الله عنهم, إذ هم قريبو
العهد بالتنزيل وأدرى بمواقع النصوص، فقد روى البيهقي بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما في رجل أدركه رمضان وعليه رمضان آخر ؟
قال يصوم هذا ويطعم عن ذاك كل يوم مسكينا ويقضيه،. |
|
كما روى أيضا بسنده إلى أبي هريرة : أنه قال : في
رجل تتابع عليه رمضانان ففرط فيما بينهما، يصوم الذي حضر ويقضي الآخر ويطعم لكل
يوم مسكينا [32]… |
|
والواقع أن الموقف الذي اتخذه جمهور الفقهاء هنا
بالتفرقة بين شخصين : أحدهما شغل عن القضاء بالسفر أو المرض حتى أدركه رمضان
الآخر فجعلوه معذورا يكتفي منه بالقضاء فقط، والآخر الذي كانت لديه فسحة من
الوقت ولم ينتهزها وفرط في القضاء ولم يهتم بالإسراع لأداء الواجب الذي شغلت به
ذمته حتى وافاه رمضان الآخر، فأوجبوا عليه الإطعام مع القضاء لرمضان الأول، هذا
الموقف يتفق مع النصوص الشرعية ولا يتعارض معها، وهو وإن لم يكن فيه نص صريح في
الموضوع لكن نصوص الشريعة متوافرة في التفرقة بين المحسن والمسيء وقد قال صلى
الله عليه وسلم فيمن منع زكاة ماله: " إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات
ربنا عز وجل …" الحديث[33]. |
|
الحكم فيمن شغل عن القضاء حتى مات |
|
من سافر وأخذ بالرخصة فأفطر ولم يقض
ما عليه حتى مات
له حالتان : |
|
الحالة الأول : من اتصل عذره بالموت :
|
|
المسافر الذي أخذ بالرخصة فأفطر واستمر في سفره حتى
مات أو عاد من سفره ولكن لم تتح له الفرصة للقضاء فاستمر مشغولا بالمرض أو غيره
حتى مات، فيرى أهل العلم بما يشبه الإجماع، أنه لا شيء عليه ولا يصام عنه ولا
يطعم، لقوله تعالى : {لا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} ( البقرة :
الآية 286 )، |
|
كما أنه شبيه بالحج، فمن لم يستطع
أداء الحج من وقت بلوغه حتى مات فلا شيء عليه[34].وقد نقل عن
طاوس و قتادة، أنه يطعم عن كل يوم مسكين لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهرم. |
|
ولكن رد عليهما، بأن الشيخ الهرم عامر الذمة بخلاف
الميت الذي تنتهي ذمته بالموت عند أكثر الفقهاء، كما أن الشيخ الهرم من أهل
العبادات بخلاف الميت الذي تنقطع أهليته بالموت[35]. |
|
الحالة الثانية : من فرط بترك القضاء حتى مات : |
|
إذا عاد المسافر من سفره صحيحا واستمر كذلك ولم يحدث
له مانع يمنعه من القضاء حتى أدركه الموت، فقد قال عدد كبير من الصحابة
والتابعين والفقهاء، أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدٌّ من طعام من غالب قوت البلد،
وممن قال بذلك، ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو عبيد وابن علية والخزرجى ومالك
وأبو حنيفة وأحمد والثوري والليث والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه، |
|
إلا أن الحنفية يشترطون أن يوصى بالإطعام عنه قبل
موته ولم يشترط باقي الأئمة ذلك، لأن الإطعام عنه يعتبر عبادة والعبادة لا بد
فيها من النية، ولذلك يخرج الإطعام عنه من ثلث ماله [36]. |
|
أما بقية الفقهاء فيعتبرونه من الحقوق
المالية المتعلقة بديون العباد فلذا جازت فيها النيابة، |
|
وقد حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري، أنه يطعم
عنه عن كل يوم مُدان [37]. |
|
وقد احتج لهذا الفريق الذي يرى الإطعام على من فرط
حتى مات بما يلي : |
|
1-
عن ابن عمر رضي الله
عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يموت وعليه رمضان ولم يقض : قال :
"يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر
"[38]. |
|
قال البيهقي
- بعد سرده لهذا الحديث - هذا خطأ من وجهين : |
|
أحدهما : رفعه الحديث للنبي صلى الله
عليه وسلم و إنما هو من قول ابن عمر، |
|
والآخر : قوله نصف صاع وإنما قال ابن عمر : مدا من
حنطة [39]. |
|
وقد نقل النووي كلام البيهقي هذا واحتج به[40]. |
|
لكن صاحب الجوهر النقي تعقب كلام في تضعيف هذا الحديث
وقال : إن البيهقي فهم : أن محمدا، الذي روى عنه أشعث هو
ابن أبي ليلى، وكذا صرح به الترمذي، وقد أخرج ابن ماجه هذا الحديث في سننه
بسند صحيح عن أشعث عن محمد بن سيرين عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، ثم قال : فإن
صح هذا فقد تابع ابن سيرين ابن أبي ليلى، فلقائل : أن يمنع الوقف، أي أن يمنع الدعوى بوقف هذا
الحديث على ابن عمر رضي الله عنهما[41]، |
|
ورواية ابن ماجة التي أشار إليها صاحب الجوهر النقي، جاءت بلفظ: " من مات وعليه شهر فليطعم عنه مكان كل
يوم مسكين "
[42]. |
|
وقد نقل السندي تعليقا للمزي في الأطراف جاء فيه :
قوله - يشير إلى ابن ماجه - عن محمد بن سيرين : وهم، فإن الترمذي : رواه ولم
ينسبه ثم قال الترمذي، وهو عندي محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى [43]. |
|
ولا أدري هل المزي هو الواهم في نسبته ابن ماجه إلى
الوهم، حيث اعتمد على تصريح الترمذي، بأن روايته للحديث عن طريق محمد بن عبد
الرحمن، فاعتبر أن كل طرقه تدور عليه وأن من روى خلاف ذلك،
يعتبر واهما، |
|
وقد يكون الأمر على خلاف ذلك، بأن يكون ابن ماجه
رواه عن طريق محمد بن سيرين، فيكون متابعا، وقد
يكون ابن ماجه قد وهم في نسبته
إلى محمد بن سيرين، والله أعلم بالصواب، |
|
2-
عن عبادة بن نسي رضي الله
عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من مرض في رمضان فلم يزل مريضا حتى مات لم يطعم
عنه وإن صح فلم يقضه حتى مات أطعم عنه "[44]. |
|
هذا الحديث في سنده ابن أرطأة وهو مدلس،
فلا يصلح للاحتجاج به، |
|
3-
عن ابن عباس رضي الله
عنهما بسند صحيح قال في الرجل المريض في رمضان فلا يزال مريضا حتى يموت، قال :
ليس عليه شيء فإن صح فلم يصم حتى مات أطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة[45]، |
|
4-
روى
الإطعام بسند صحيح عن عمر بن الخطاب والزهري والحسن
والنخعي وعطاء[46]. |
|
أن الشخص المفرط في القضاء حتى مات مثله مثل الشيخ الفاني الذي عجز عن الصيام في آخر عمره فإنه يجب في حقه الإطعام ويسقط عنه الصوم وإنما جازت المماثلة هنا لأن قضاء الصيام عن التراخي باتفاق أكثر الفقهاء ما عدا داود، إلا أن بعضهم يوجب الفدية في حالة التفريط وبعضهم لا يوجبها |