|
|
|
|
مفهوم الأسماء والصفات |
|
|
|
|
|
فضيلة الشيخ / سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية |
|
|
|
|
|
|
|
يقول الله عز وجل: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سبحان اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. |
|
تشمل الآيات الكريمات على ستة عشر اسما من أسماء الله الحسنى، هي: |
|
الله - العالم - الرحمن - الرحيم - الملك - القدوس - السلام - المؤمن - المهيمن - العزيز - الجبار - المتكبر - الخالق - البارئ - المصور - الحكيم. |
|
وقد أسلفت الكتابة في حلقات سابقة بما يسر الله لي من بعض أسمائه: |
|
الله - العالم - الرحمن - الرحيم - الملك - العزيز - البارئ - الحكيم.. |
|
وأحاول بحول الله وقوته - أن اكتب في هذه الحلقة شيئاً مما ييسر الله تعالى لي فهمه من معاني باقي الأسماء في الآيات الشريفات المذكورات. |
|
وقبل أن ادخل في هذا البحث أود أن أشير إلى أول كلمة في هذه الآيات وهي قوله تعالى: (هو) ذلك أن بعض الذين شرحوا أسماء الله الحسنى، ذكروا أن هذه الكلمة أنما هي اسم من أسماء الله الحسنى، وهذا مسلك عجبت له كثيرا، لهذا أردت أن أبين خطأ هذا الفهم لقيامه على غير دليل. |
|
|
|
(هو) ليس اسماً من أسماء الله الحسنى: |
|
من الذين قالوا أن (هو) اسم من أسماء الله الحسنى أبو القاسم عبد الكريم القشيري [1]في كتابه (شرح أسماء الله الحسنى)[2]. وكان نص ما قاله ما يأتي: |
|
اعلم أن (هو) اسم موضوع للإشارة ، وهو عند الصوفية إخبار عند نهاية التحقيق ، وهو يحتاج عند أهل الظاهر[3] إلى صلة تعينه ليكون الكلام مفيداً، لأنك إذا قلت: هو ثم سكتَّ, فلا يكون الكلام مفيداً حتى تقول: هو قائم أو قاعد، أو هو حي أو هو ميت وما أشبه ذلك. |
|
فأما عند القوم[4]فإذا قلت هو، فلا يسبق إلى قلوبهم غير ذكر الحق فيكتفون عن كل بيان يتلوه لاستهلاكهم في حقائق القرب باستيلاء ذكر الله على أسرارهم وانمحائهم عن شواهدهم فضلاً عن إحساسهم بمن سواه[5]، وكأن الإمام أبو بكر بن فروك رضي الله عنه يقول:هو حرفان هاء وواو فالهاء تخرج من آخر الحلق وهو آخر المخارج والواو تخرج من الشفة وهو أول المخارج ، فكأنه يشير إلى ابتداء كل حادث منه وانتهاء كل حادث إليه وليس له ابتداء ولا انتهاء، وهو معنى قوله سبحانه (هو الأول والآخر)،فقوله: (هو الأول): إخبار عن قدمه، وقوله (الآخر) إخبار عن استحالة عدمه".[6] |
|
ثم قال القشيري: "وقد حكى عن بعضهم أنه قال: رأيت بعض الوالهين، فقلت ما اسمك؟ فقال: هو، قلت من أنت؟ فقال: هو، قلت: من أين جئت؟ فقال: هو، قلت: من تعني بقولك: هو؟ فقال: هو، فما سألته عن شيء إلا قال: هو. فقلت: لعلك تريد الله، قال: فصاح وخرجت روحه[7]"ثم قال القشيري: "وقال أهل الإشارة[8]: أن الله تعالى كاشف الأسرار بقوله: هو، وكاشف القلوب بما عداه من الأسماء، وقيل كاشف المحبين بقوله: هو، وكاشف المُتَيَّمينَ بقوله: الله، وكاشف العلماء بقوله: أحد، وكاشف العقلاء بقوله: الصمد، وكاشف العوام بقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وقيل: كاشف الخواص بإلهيته، وكاشف خاصة الخاصة بهويته … الخ "[9]. |
|
هذا ما قاله القشيري في معنى (هو)[10]. |
|
وأعجب مما كتبه القشيري، ما كتبه محقق وشارح كتابه المذكور في هامشه، إذ قال: |
|
"هو: اسم من أسماء الله، له هيبة وجلال عند أرباب الطريق والمكاشفات وأهل المشاهدة [11]. ومخرجه من باطن القلب، وله حرارة تزكي الجسد والروح، ومعناه حاضر لا يغيب، لا يشتمل عليه زمان، ولا يحويه مكان، منزه عن مشابهة الحوادث، قريب من عبده في أي زمان ومكان ، الإله هو ولا إله إلا هو، إلى أن قال: هو مصدر الجلال والجمال لأهل شهود النور الذاتي والمعنوي[12] - ثم قال: هو هو، ولا مشهود غيره [13]. ثم قال: وهو الضمير الدال على اسم الله، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام"[14]. |
|
وهكذا يبين لنا مما كتب أولئك الصوفية، أنهم يزعمون أن ضمير الغائب (هو) هو اسم من أسماء الله الحسنى، ولذلك ينادونه سبحانه بقولهم: |
|
(يا هو) كقول قائلهم: (فيا هو قل أنتَ أنا ويا أنا قل أنت هو) |
|
كما تجد أولئك القوم يذكرون الله تعالى في أذكارهم وحضرا تهم بهذا الضمير على أنه أحد أسمائه الحسنى سبحانه، فنسمعهم يقولون: (هُو -هُو -هُو -هُو ) ويرددون هذه الكلمة مئات المرات زاعمين أنهم يذكرون الله باسم من أسمائه الحسنى. |
|
وقد كذبوا على الله تعالى، وسمَّوه بما لم يسمِّ به نفسه، وشرعوا له ما لم يشرعه سبحانه، وقالوا عليه بغير علم، والله تعالى حرم ذلك فقال جل وعلا:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (الأعراف آية 33). |
|
وأهل السنة يؤمنون بأسماء الله الحسنى التي وردت بها نصوص الكتاب والسنة، فهي توقيفية يُوقَفُ عند ما نص عليه، وقد خلصت له الأسماء السنية، فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفة كأن منها خليا، ولا اسماً كأن منه بريّاً، تبارك وتعالى[15]. |
|
ومن ثم فليس لأحد - كائناً من كأن - أن يسمى الله تعالى بما لم يسمَّ به نفسه، أو يشرع غير ما شرع الله. |
|
بعد أن انتهت من هذا المبحث، أدخل الآن في إتمام عرض ما ييسر الله تعال لي من معاني باقي الأسماء في الآية التي صدرت بها هذه الحلقة، وذلك فيما يلي: |
|
|
|
القُدُّوس: |
|
هو اسم من أسماء الله عز وجل. وهو بضم القاف (قُدُّوس)
على وزن (فُعُّول)
وهو صيغة مبالغة من (القُدْس) وهو الطهارة. ولكن سيبويه كأن يرى أنه بالفتح (قَدُّس)
على وزن (فَعُّول) لأنه ليس عنده في الكلام (فُعُّول) أصلاً. وقال
ثعلب: كل اسم على (فُعُّل) فهو مفتوح الأول مثل سَفُّود وكَلُّوب وسمُّور وشَبُّوط
وتَنُّور إلا السُّبُّوح والقُدُّوس فإن الضم فيهما أكثر، وقد
يفتحان[16]. |
|
واسم (القُدُّوس) سبحانه متضمن لكمال طهارته من جميع صفات النقص والعيب. |
|
· وقد ورد اسم (القُدُّس) جل وعلا في القران الكريم مرتين فقط[17]: مرة في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} (الحشر آية23)،ومرة في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (الجمعة آية 1). |
|
وقد ذكر الإمام ابن كثير في معنى (القُدُّس) قوله: قال وهب بن منبه: الطاهر، وقال مجاهد و قتادة: المبارك، وقال ابن جريج: تُقَدِّسه الملائكة الكرام.[18] |
|
وقال صاحب جامع البيان في معنى (القُدُّوس): الطاهر البليغ في النزاهة عن كل نقصان[19]. |
|
وقال الإمام الشوكاني في معنى (القُدُّوس): الطاهر من كل عيب المنزه عن كل نقص. |
|
و القُدُّوس بالتحريك في لغة أهل الحجاز السطل لأنه يتطهر به، ومنه القادوس لواحد الأواني التي يُستخرج بها الماء، وقرأ الجمهور (القُدُّوس) بضم القاف، وقرأ، وقرأ أبو ذر وأبو السماك بفتحها، وكأن سيبويه يقول (سَبُّوح قَدُّوس) بفتح أولهما.[20] |
|
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في معنى (القُدُّوس): المقدس من كل عيب ونقص المعظم الممجد، لأن (القُدُّوس) يدل على التنزيه من كل نقص والتعظيم لله في أوصافه وجلاله [21]. |
|
· أقول: واسم (القُدُّوس) أفهم منه أنه اسم من أسماء الله الحسنى الذي يدل على ابلغ الطهارة المطلقة من كافة صفات النقص لله عز وجل، إذ قد تنزه سبحانه عن جميع النقائص ونفاها عن نفسه، فوجب على المؤمن أن ينزه خالقه جل وعلا عن كل عيب ونقص، ولا سبيل له إلى ذلك إلا بأن يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى وصفات الكمال العليا، دون تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، وأن ينفي عن الله جل وعلا ما نفى عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات النقص، كما أثبت السلف الصالح رضوان الله عليهم ونفوا إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، انطلاقا من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى آية 11) |
|
|
|
السُّبُوح: |
|
وهو اسم من أسماء الله عز وجل على صيغة (فُعُّول) وهو صيغة مبالغة - ولم يرد ذكر هذا الاسم في القران الكريم، وإنما ورد في السنة المشرفة: فقد روى الإمام مسلم في صحيحه - بسنده - عن مُطرِّف بن عبد الله بن الشِخِّير أن عائشة (رضي الله عنها) نبأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده "سُّبُوح قُدُّوس ربُّ الملائكةِ والرُّوح". |
|
وقد ذكر الإمام النووي أن قوله (سُّبُوح قُدُّوسٌ) بضم السين والقاف وبفتحهما والضم أفصح وأكثر، وأن المراد بالسُّبُوح القُدُّوس: المُسبُّح المقُدُّس فكأنه قال: مُسَبَّح مُقَدَّسٌ رب الملائكة والروح، ومعنى سُّبُوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق، قُدُّوس: المُطهر من كل ما لا يليق بالخالق. |
|
وقال القاضي عياض أنه قيل فيه: "سُّبُوحاً قُدُّوساً على تقدير أُسِبِّح سُبُّوحاً، أو أذكر، أو أعظم، أو أعبد. وأن قوله: ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ قيل: الروح ملك عظيم، وقيل: يحتمل أن يكون جبريل عليه السلام و قيل: خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة و الله سبحانه وتعالى أعلم"[22]. |
|
· أقول واسم (السبوح ) أفهم منه أن الله عز وجل هو المستحق وحده أن ينزه عن جميع النقائص والعيوب، إذ أنه تبارك وتعالى وحده صاحب صفات الكمال، ونعوت الجلال المطلقة التي لا حدود لها. وعلى المؤمن أن يؤمن بذلك إيمانا كاملاً |
|
ولو أن المؤمن آمن بأن الله سبحانه هو (السُّبُوح
القُدُّوسٌ) واستقر ذلك
الايمان خالصاً في قلبه، وبدا أثره على
لسانه وجوارحه، لما فتر عن تسبيح خالقه وتنزيهه تنزيهاً كاملاً
عن النقائص جميعاً، ولحرص على تطهير قلبه من الأرجاس و الشركيات والدنايا،
والتزم توحيد الله عز وجل، ولما صدر عن قلبه إلا العمل الخالص الطاهر، لأن الإناء
لا ينضح إلا بما فيه، ومن ثم يقبل الله عمله، ويدخله في رحمته ورضوانه. |
|
|
|
السَّلاَم: |
|
هو اسم من أسماء الله تعالى، وهو
مصدر كالسلامة من سَلمَ أي
بريء من العيوب 0 |
|
·
وقد ورد
اسم (السَّلاَم) في القران الكريم مرة
واحدة، في قوله تعالى: {هُوَ
اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ}
(الحشر
آية 23). |
|
وقد ذكر أبو إسحاق الزجاج في معنى (السَّلاَم): أنه هو الذي سلم من عذابه من لا
يستحقه[23]. |
|
وذكر الإمام ابن كثير في معنى (السَّلاَم): أي من جميع العيوب والنقائص لكمالها
في ذاته وصفاته و أفعاله [24]. |
|
وذكر صاحب جامع البيأن في معنى (السَّلاَم): أي ذو السلامة من كل نقص [25]. |
|
وذكر الإمام الشوكاني في معنى (السَّلاَم): أي الذي سلم من كل نقص وعيب، وقيل المسِّلم على عباده في الجنة كما قال تعالى:{سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}، وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه، وبه قال الأكثر-وقيل: المسلم لعباده. وهو مصدر وصف به للمبالغة [26]. |
|
أقول واسم (السَّلاَم)
سبحانه أفهم منه أنه جل وعلا سالم من جميع صفات النقص، ومتصف بجميع صفات الكمال -
وقد سلَّم (السلام) عز وجل أولياءه من المرسلين وغيرهم من العيوب، فسلَّ
المرسلين منها في قوله (وسلام على المرسلين) أي أنه سبحانه سلَّم رسله في
أقوالهم: فلا يقولون على الله إلا الحق، ولا يُبَلِّغون أممهم إلا بالحق،
وسلَّمهم كذلك في أعمالهم: فلا يشكرون بالله شيئاً. وكذلك يسلِّم (السَّلاَم) أولياءه غير المرسلين، فقال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ}.
(النمل آية 59)، فتسلم أقوالهم وأعمالهم من كل عيب وشرك، ولهذا وصف الرسول الله
صلى الله عليه وسلم المسلم بما يعني ذلك: فقد أخرج الإمام مسلم بسنده - عن عبد
الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أي المسلمين خير؟ قال: "مَنْ سلم المسلمون من لسانه ويده"[27], وسلامة اللسان واليد
آية على طهارة القلب، إذ أن القلب هو المحرك، وبصلاحه يصلح الجسد كله - كما أن (السَّلاَم) سبحانه يهدي عباده المؤمنين سبل
السلام، فقال تعالى :{قد جَاءَكُمْ
مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي
بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} (المائدة آية 16)، ويجعل تحيتهم يوم لقائه، فقال تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ}
(الأحزاب
آية 44). ويدخلهم الجنة التي سماها دار السلام، فقال تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ} (الأنعام آية 127)، ويجعل دخولهم فيها بسَلاَم، فقال تعالى:
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}
(الحجر
آية 46)، ويجعل تحيتهم فيها السَّلاَم،
فقال تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ}
(يونس آية
10)، وطَيَّب لهم الإقامة فيها فلا
يسمعون فيها إلا السَّلام، فقال تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلا قِيلاً
سَلاماً سَلاماً} (الواقعة آية 26). |
|
ولا يبلغ أحد الجنة إلا إذا أسلم وجهه لله وحده، وأسلم قلبه
لله دون غيره، واستمر على ذلك حتى يلقاه سبحانه، ونجد معنى ذلك في قوله تعالى:{وَمَنْ
يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} (لقمان أية 22)، وقوله:
{يَوْمَ لا يَنْفَعُ
مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}
(الشعراء
آية 89)، وقوله: {فَإِلَهُكُمْ
إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}
(الحج آية
34) وقوله: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ
إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران آية 102). |
|
وتحقيقاً لهذه السلامة - فوق ما تضمنته هذه الآيات الكريمات
وغيرها - فقد جعلها الرسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكره - المتضمن لطلبها من
ربه سبحانه - دبر كل صلاة - فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه - بسنده - عن
ثوبان قال: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنصرف من
صلاته استغفر ثلاثاً وقال: "اللهمَّ
أنت السَّلاَم ومنك السَّلاَم تباركتَ
ذا الجلال والإكرام" وفي رواية: (ياذا الجلال والإكرام). |
|
اسأل الله جل وعلا أن يخلص أعمالنا لوجهه، وأن يسلم قلوبنا
إليه، وأن يُثَبِّتها على دينه، وأن يختم لنا بعقيدة التوحيد ختام الإيمان. |
|
(يتبع) |
|
|
|
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز |
|
|
|
|
|
|
|
اطلعت على ما نشرته جريدة عكاظ في عددها (رقم: 5977) الصادر
في يوم الاثنين الموافق 24/12/1402 هـ ص (20) نقلا من صحيفة السياسة الكويتية عن
الرجل المدعو محمد المصري الذي يزعم أنه أغمي عليه يوم الأربعاء
وظن أنه ميت ودفن يوم الأربعاء وأخرج من قبره يوم الجمعة وما رأى من العجائب والغرائب..
الخ.. ونظرا إلى كون هذه الحكاية قد تروج على بعض الناس
ويظن صحتها رأيت التنبيه على
بطلانها وأنها خرافة لا تروج على عاقل بل هي كذب بحت
زورها من سمى نفسه محمد المصري أو غيره لأغراض خسيسة حملته على ذلك ومن المعلوم أن
من يسمع كلام أهله وكلام الطبيب وكلام المشيعين لجنازته لا تخفى حياته لا على
الطبيب ولا على غيره ممن ينظر إليه ويقلبه ثم كيف يكون مغمى عليه وهو يعي ويحفظ
كل ما دار حوله ومن المعلوم أيضا أن سنة الله في عباده أن من جعل في محل مكتوم
ضيق لا يعيش مثل هذه المدة
ثم من المعلوم شرعا أن ملكي القبر لا يأتيان إلى الحي إذا وضع في
القبر وإنما يأتيان إلى الميت والله سبحانه يعلم الأحياء
والأموات وهو الذي يرسل الملكين إلى الميت لسؤاله ثم هذا الرجل الكذاب
وصف الملكين بما يدل على أنهما رجلان لا ملكان ثم الملكان لا يخبران الميت لا بحسناته ولا
بسيئاته وإنما يسألانه عن ربه ودينه ونبيه فإن أجاب جواباً صحيحاً
فاز بالنعيم وإن أجاب بالشك عذب ثم ما ذكره بعد ذلك من
المناظر الغريبة إنما قصد بذلك ترويج
باطله وإيهام الناس أنه من الناجين حتى يعطفوا عليه ويساعدوه بما طلب منهم أو
يعطفوا عليه بدون طلب وقد يكون من قصده الشهرة بين الناس حتى يطلب في كل مكان ليسأل عما رأى ويحصل
له بعض ما يريد ومن جهله قوله (وتشاء الصدف أن كان أهلي قد جاؤوا لزيارة
قبري) ومثل هذا الكلام لا يجوز والصواب أن يقال (ويشاء الله) لأن الصدف لا مشيئة
لها. والخلاصة أن هذه الحكاية موضوعة مكذوبة لا أساس لها من الصحة كما
يتضح ذلك من سياقها وواقعها ولا ينبغي لصحفنا ولا للصحف التي تحترم نفسها أن
تنشر مثل هذه الخرافات ونسأل الله أن يطهر صحفنا وصحف المسلمين من كل باطل وأن
يكبت الخداعين والماكرين ويفضحهم ويكفي المسلمين شرهم وأن يوفق جميع المسلمين
للفقه في دينه والثبات عليه إنه سبحانه خير مسؤول. وصلى
الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.. |
|
|
|
|
[1] هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الملقب بجمال الدين. إمام التصوف في عصره المولود عام 376هـ والمتوفى عام 465هـ. |
|
|
[2] حققه وشرحه الأستاذ عبد المنعم عبد السلام الحلواني. |
|
|
[3] أقول يشير القشيري بقوله: أهل الظاهر: إلى عقيدة أهل التصوف الذين يقولون إن الإسلام له وجهان: وجه ظاهر، ووجه باطن: فالوجه الظاهر هو النصوص ويسمونه الشريعة، ويسمون الذين يتمسكون بالنصوص أهل الظاهر وأهل الشريعة، والوجه الباطن هو المعاني البعيدة الخفية للنصوص التي لا يعلمها أهل الظاهر، ويسمون هذا الباطن الحقيقة، ويسمون الذين يعرفونها أهل الحقيقة وهم في نظرهم الصوفية وهذا كلام باطل لأن الإسلام ليس له ظاهر وباطن، بل إن ظاهره كباطنه، يشير إلى هذا قول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك". |
|
|
[4] أقول: يقصد بالقوم: الصوفية. |
|
|
[5] أقول: يقصد أنهم يغيبون عن عالم الشهادة، وهذه هي عقيدة الفناء في الله، وهي من عقائد الصوفية الخبيثة الباطلة. |
|
|
[6] أقول: هذا كلام خبط لا سند له، فكم من الكلمات أولها يخرج من أقصى الحلق وآخرها يخرج من الشفتين ولا يشير إلى ابتداء ولا انتهاء مثل (هُبْ)، و (هُفْ) وما شكل ذلك، فليس لمخارج الكلمات مُعَوَّل في المعنى، إضافة إلى ذلك فإن كلمة (هو) إنما هي ضمير يدل على الغائب, وليس اسماً، فضلاً عن أن يكون اسماً لله تعالى - ويجب أن يعلم أن أسماء الله تعالى توقيفية يوقف فيها عندما ورد النص به ولا مجال للاجتهاد فيها - ولم يرد نص في الكتاب والسنة على أن (هو) اسم من أسماء الله تعالى، وإنما ذلك من تلبيسات إبليس التي أوحى بها إلى أعوانه فيما سول لهم وأملى لهم. |
|
|
[7] أقول: وهذه الحكاية فضلاً عن نسبتها إلى مجهولين بدون إسناد، فإنها نوع من خيال المبتدعة المبطلين الذين يعيشون مع الأوهام التي تنسجها لهم الشياطين. |
|
|
[8] أقول: يقصد بأهل الإشارة: الصوفية. |
|
|
[9] أقول: قوله كاشف بقوله (هو) ليس دليلا على أن اسمه سبحانه (هو). بل إن (هو) ضمير يدل عليه سبحانه كما يقول تعالى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}. فهل قال أحد بأن كلمة (أنا) اسم من أسماء الله تعالى ؟ ما قال بذلك أحد، بل قال الجميع: إن هذه الكلمة ضمير يدل على المتكلم - فما الفرق إذن بين الضمير المتكلم (أنا) والضمير الغائب (هو) ؟ لا إله إلا الله إله إلا الله إله إلا الله فرق بينهما في كون كل منهما ضميراً، وليس واحد منهما اسماً من أسماء الله تعالى على الإطلاق. ودليلنا في هذا عدم ورود النص في الكتاب والسنة بشيء من ذلك. والله سبحانه أعلم. |
|
|
[10] شرح أسماء الله الحسنى للقشيري ص 121، 122، 123. |
|
|
[11] أقول: يقصد المحقق الشارح بأرباب الطريق والمكاشفات وأهل المشاهد: أهل الطرق الصوفية. |
|
|
ذلك بأن عقيدة هؤلاء الضالة الباطلة أن غاية التصوف: إنما هو الكشف والمشاهدة، بمعنى أن يكشف لأحدهم اللوح المحفظ فيقرأ فيه ما كان وما سيكون، وأن يشاهد الله تعالى فيراه رأي العين. ويقرر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين جزء 2 ص166 أن المشاهدة تتم أثناء الخلوة إذ يقول: "الخلوة لا تكون إلا في بيت مظلم، فإن لم يكن له مكان مظلم، فيلف رأسه بجيبه أو يدثر بكساء أو إزار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق، ويشاهد جلال الحضرة الربوبية" - وعقيدة المشاهدة باطلة. والحق فيها ما اعتقده أهل السنة والجماعة من أن الله تعالى ادخر رؤيته سبحانه للمؤمنين في الجنة. فتكون هذه الرؤية لهم في وضوحها كما يرون القمر ليلة البدر. وتكون أعظم ما ينالون. بل أعظم من الجنة. وذلك في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (يونس26).والحسنى هي الجنة. والزيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل. ومن ثم فرؤية الله في الدنيا لم يمكن عباده منها بل ادخرها للمؤمنين في الجنة. ومن هذا يتضح بطلان عقيدة الصوفية في المشاهدة في الدنيا. |
|
|
[12] أقول: يقصد الشارع عقيدة المشاهدة الباطلة. |
|
|
[13] أقول: يشير الشارح إلى عقيدة أخرى من عقائد الصوفية الزائغة وهي عقيدة وحدة الوجود. ويعنون بها أن الله حل في كل شيء. فأصبحت الموجودات كلها لا حقيقة لوجودها غير الله فكل شيء هو الله. وذلك يظهر من قول قائل الصوفية: |
|
|
ويا أنا قل أنت هو |
فيا هو قل أنت أنا |
|
أنا وهو وهو وهو |
ما في الوجود غيرنا |
|
وقوله: |
|
|
تدل على أنه عينه |
وفي كل شيء له آية |
|
وقول الزنديق محيى الدين بن عربي: |
|
|
يا ليت شعري من المكلف ؟ |
الربٌ عبدٌ والعبد ربٌ |
|
أو قلت ربٌ أنَّي يكلف ؟ |
إن قلت عبدٌ فذاك ربٌ |
|
وقوله كذلك: |
|
|
وما الله إلا راهب في كنيسة |
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا |
|
وهذا الهراء معناه أن الله حَلَّ في العبد، وفي الكلب، وفي الخنزير، وفي كل شيء، وصار كل شيء في الوجود هو الله … تعالى الله عما يقول أولئك المجرمون عُلُوّا كبيراً. |
|
|
[14] الرجع السابق ص 121، 122، 123. |
|
|
[15] الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 42. |
|
|
[16] مختار الصحاح في مادة (ق د س). |
|
|
[17] المعجم المفهرس ص 538. |
|
|
[18] تفسير ابن كثير الجزء 4 ص 344. |
|
|
[19] جامع البيان الجزء 2 ص 350. |
|
|
[20] فتح القدير الجزء 5 ص 207. |
|
|
[21] تيسير الكلام الرحمن الجزء 8 ص 107. |
|
|
[22] صحيح مسلم بشرح النووي - الجزء 4 ص 203 - 205. |
|
|
[23] المعجم الفهرس ص 356. |
|
|
[24] تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص31. |
|
|
[25] تفسير ابن كثير - الجزء 4 ص 344. |
|
|
[26] جامع البيان - الجزء 2 ص 350. |
|
|
[27] صحيح مسلم. |
|