|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
|
الهجرة في
سبيل الله |
|
للشيخ أبي بكر الجزائري |
|
رئيس قسم التفسير
بالجامعة الإسلامية |
|
|
|
{ وَمَنْ
يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً
وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ
اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً }. (النساء، الآية: 100). |
|
مناسبة هذه الآية لما
قبلها: |
|
الحمد لله والصلاة
والسلام على رسول الله، وبعد: فإن مناسبة هذه الآية الكريمة لما قبلها من قوله
تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } الآية. |
|
في كون هذه الآية معينة
للمؤمن على أداء فريضة الهجرة التي يترتب على تركها مع القدرة عليها ما ذكر
تعالى من الوعيد الشديد في الآية قبل هذه. |
|
فإن الله تبارك وتعالى
لما ذكر ما يترتب على ترك الهجرة من العذاب في نار جهنم في الآية قبل هذه ذكر
هذه الآية فضمن جزءها الأول الوعد الصادق بإكرام المهاجر في دار هجرته. ومثل هذا
الوعد يساعد القاعدين عن الهجرة على الهجرة، وضمن الجزء الأخير منها ثبوت أجر
الهجرة للمهاجر وإن مات في طريقه قبل الوصول إلى دار هجرته، ومثل هذا يشجع على
الهجرة. ويساعد على القيام بها حتى ولو كان من يريد الهجرة مريضاً يخاف الهلاك
في طريقه. |
|
الغرض الذي سيقت له
الآية: |
|
لقد سيقت هذه الآية
الكريمة لتحمل بشريين عظيمتين الأولى تضمنها جزؤها الأول، وهي بشرى المهاجر في سبيل الله بالخلاص من
الاضطهاد، والحصول على الرزق الواسع، وحسن الحال، الأمر الذي يرغم به أنوف
أعدائه. والثانية هي بشرى المهاجر إن مات في طريق هجرته بثبوت الأجر له كاملا لا
ينقص منه شـيء وهو المغفرة ودخول الجنة، كما قال تعالى: { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ
قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ
اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ } (الحج الآية 58). |
|
فالمدخل المرضي هنا هو
الجنة دار الأبرار. |
|
مباحث الألفاظ في
الآية: |
|
. المهاجر: اسم فاعل من
هاجر يهاجر مهاجرة إذا خرج من بلد إلى آخر غيره، والمراد به هنا من ترك دار
الشرك إلى دار التوحيد. أو دار الحرب إلى دار الإسلام. |
|
. سبيل الله: الطريق
المفضي بالسالك إلى رحمة الله تعالى ورضوانه. والمراد به هنا: طلب التمكن من
عبادة الله تعالى بما شرعه لعباده من الإيمان وصالح الأعمال. |
|
. المراغم: ما يُرغم به
أنوف أعدائه الذين كانوا يضطهدونه من أجل دينه، وذلك بأن يهيِّء الله تعالى له في دار هجرته الأمن والعز
وسعة الرزق وطيب المعاش الأمر الذي يغيظ به أعداءه، ويشعرهم بالذل والإهانة،
والكمد والحزن. |
|
. السَّعة: الاتساع في
الرزق وصلاح البال والحال. |
|
. يدركه الموت: يلحقه
وهو في طريقه إلى دار هجرته فيموت قبل وصوله إليها. |
|
. وقع أجره على الله:
وَجَبَ لَه وثبت وهو مغفرة ذنوبه ودخوله الجنة. |
|
معنى الآيـة الإجمالي: |
|
إن هذه الآية الكريمة
مكونة من ثلاث جمل شرطيتين وخبريّة. |
|
فالشرطية الأولى هي
قوله تعالى: { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً }. |
|
وهى تدعو إلى الهجرة
وترغب فيها بذكر أعْظَم الجزاء وأحسنه وأوفره. |
|
والثانية هي: { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ }.
وهى تطمئن المهاجرين على جزائهم الحسن ولو ماتوا في طريق هجرتهم قبل أن يصلوا
إلى دار الإسلام، كما حصل لمن نزلت فيه الآية وهو ضمرة بن جندب حيث نظر في حاله
فلم يجد عذرا له إلا المرض فأمر ذويه أن يحملوه على راحلة ويخرجوا به إلى
المدينة فمات في بعض الطريق فنزلت فيه هذه الآية. |
|
والجملة الخبريّة هي
قوله تعالى: { وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
}. وهي مقررة لما تضمنته الجملة قبلها من ثبوت الأجر لمن مات في طريق
هجرته، وهو مغفرة ذنوبه ودخول الجنة. |
|
شرح الآية: |
|
يخبر تعالى - داعيا إلى
الهجرة مرغباً فيها- أنه ما من أحد من المؤمنين ذَكَراً كان أو أنثى يهاجر بترك
بلاده، وما فيها من حال ومال- طلباً لمرضاة الله بعبادَتِه وحده، ونصرة دينه
وأوليائه، إلا أوجد الله تعالى له في دار هجرته من الأمن والرزق الواسع والعزة
والكرامة ما يغيظ به أعداءه الذين آذوه في داره بين أهله وعشيرته، الأمر الذي
يشعرون معه أنه أذلهم وأرغم أنوفهم؛ بنجاته منهم، وحصوله على أعظم مطلب له وهو
حرية العبادة، وصلاح الحال مع الرزق الواسع. |
|
وأنه ما من أحد يخرج
مهاجراً إلى الله ليعبده وحده سبحانه، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم لينصره
ويتعلم الهدى الذي جاء به ثم يوافيه أجله فيموت في طريق هجرته، إلا أعطاه الله
سبحانه وتعالى أجر ما نواه وخرج له كاملا غير منقوص. وهو أن يغفر له ما فرط منه
من ذنوب كبيرة أو صغيرة، ويدخله الجنة دار كرامته ومنزل الأخيار والأبرار من
عباده. |
|
حكم الهجرة وأنواعها: |
|
إذا كانت الهجرة هي
الذهاب في الأرض هرباً أو طلباً فإنها حينئذ أنواع، ويختلف حكمها بحسب أنواعها: |
|
ففي الهرب تكون الهجرة
فريضة إذا كانت من دار الشرك إلى دار التوحيد. إذ لا يحل لمسلم أن يقيم بدار كفر
يضطهد في دينه أو يؤذى في جسمه أو عرضه. وتكون واجبة دون الأولى وهي أن يلحق
المؤمن أذىً في بلد أو دار أو عمل فيهاجر إلى مكان آخر ليسلم من الأذى في دينه
أو بدنه أو عرضه أو ماله. وتكون سنة مستحبة إذا كان الضرر خفيفا لا يبلغ حداً
يترك معه بعض واجبات الدين. |
|
وفي الطلب: تكون فريضة
إذا كانت لطلب العلم الضروري، إذ لا يحل لمؤمن أن يقيم بدار ليس فيها عالم يتعلم عنه أمور دينه، أو
يسأله عنها؛ لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم. وتكون واجبةً دون الأولى، وذلك
كالخروج للغزو والجهاد في سبيل الله، وكطلب الرزق الحلال إذا تعذر وجود الحلال
في بلده، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلد أخر يطلب فيه الحلال؛ إذ طلب الحلال
واجب، يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }. والمراد من
الطيب الحلال. |
|
وتكون مستحبة إذا كانت
لطلب العلم غير الضروري، أو لطلب سعة من الرزق إن ضاق أو معاشرة أهل العلم
والإيمان والتقوى. |
|
الهجرة المحرمة: |
|
وتحرم الهجرة إلى دار
الحرب كما تحرم إلى دار الكفر إذا كان المهاجر لا يأمن على حرماته الثلاث جسمه
وعرضه وماله، أَو كان لا يتمكن من عبادة ربّه التي هي العلة في وجوده، والمراد
من العبادة طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بفعل الأوامر الواجبة، وترك
المنهيات المحرمة. |
|
كما يحرم هجران المسلم
أي صرمه ومقاطعته أكثر من ثلاثة أيام لحديث البخاري: "لا
يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي
يبدأ بالسلام". |
|
هداية الآية: |
|
إن في هذه الآية
الكريمة كغيرها من آيات الكتاب العزيز هدايات نذكر منها ما يفتح الله تعالى به
علينا فنقول: من هدايات الآية ما يلي: |
|
1- إن على المسلمين أن
يكوّنوا دولة قويّة تكون مأمناً للمسلمين يهاجر إليها كل مؤمن يضطهد في دينه،
فيجد فيها الأمن والكفاية. فإن لم يفعلوا فهم آثمون، إذ ترك الواجب إثم، كفعل
الحرام إثم، فليتق الله المسلمون اليوم في هذا الواجب وليوحّدوا دويلاتهم في
دولة واحدة قوية عظيمة تحمي الإسلام والمسلمين وتقوم بواجب دعوة الخالق ليعبدوه
عبادة تهيّئهم لسعادة الدارين. |
|
2- إذا كان الغرض
الأصلي من الهجرة الواجبة هو توفير الأمن والعيش للمرء المسلم ليعبد الله تعالى عبادة تزكي نفسه، وتؤهله لجوار
ربّه في الملكوت الأعلى، في الجنة دار النعيم المقيم فكيف يسوغ للعبد المسلم أن
يعيش في بلد آمناً غير خائف، شبعان غير جائع ويترك عبادة الله تعالى بإهمال
فرائضه كالصلاة أو بتعدي حدوده كالزنـا أو سفك الدماء مثلاً. أو بغشيان محارمه
باغتياب المؤمن، وأذيته بسب أو احتقار وانتقاص. |
|
3- إذا كان من أغراض
الهجرة تعلم أمور الدين والعمل بها، فكيف يجوز للمسلم أن يعيش في دار الإسلام آمناً
من الخوف والجوع، وبين العلماء يغدو عليهم ويروح ويعمّر عشرات السنين، ولا يتعلم
أمور الدين، فتجده لا يحسن قراءة الفاتحة، ولا يعرف كيفية الطهارة، ولا الصلاة.
فيقضي عمره الطويل جاهلاً بدين الله يعبد الله عبادة لم تغيّر من نفسه شيئاً
والعياذ بالله تعالى. |
|
4- وجوب الوثوق في وعد
الله تعالى وطمأنينة النفس به ولا سيما وقد رأى الناسُ مؤمنهم وكافرهم كيف صدق
الله وعده للمهاجرين الأولين فبدل فقرهم غِنىً، وذلها عزاً، وجهلهم علماً،
وضعفهم قوة، ومكن لهم في الأرض واستخلفهم فيها فسادوا البشرية وهدوا من شاء الله
هدايته فسعد وكمل بهدايتهم من البشر خلق لا يحصون عدًّا. |
|
5- إنه ما زال فضل
الهجرة وبركتها وثوابها كما كانت فما من عبد مؤمن اليوم أو بعد اليوم يخرج
خروجاً في سبيل الله لا يريد فيه إلا وجه الله عز وجل بعبادته والتقرب إليه إلا
صدقه وعده، فأعطاه في دار هجرته ما يراغم به عدوه من الأمن والعز والسعة في
الرزق. هذا إن وصل إلى دار هجرته، وإن مات في طريقه قبل وصوله أعطاه من الثواب
ما يعطي المهاجرين في سبيله من مغفرة ذنوبهم، وإدخالهم الجنة منازل الأبرار
ومأوى الأخيار. جعلنا الله تعالى منهم، وحشرنا في زمرتهم، وأدخلنا الجنة في مواكبهم
آمين. |