طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الاتجاه الإسلامي في شعر أحمد محرم

للدكتور صلاح الدين محمد عبد التواب

أستاذ بكلية اللغة العربية ـ جامعة القاهرة

 

 

من فضل الله على هذه الأمة أن القرون تمر عليها تلو القرون ورسالة الإسلام لم تخمد ولن تخمد أبدا في نفوس وقلوب المسلمين.

وكيف تخمد رسالة الإسلام وكتاب الله بين المسلمين يتلى؟ وكيف تخبو عزيمة المسلمين وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم في أسماعهم يدوي: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً... كتاب الله وسنتي"؟..

أجل.. إنه لم يمر عصر من عصور الإسلام منذ انبثاق هذا الدين القيم حتى عصرنا الذي نعيش فيه إلا وقد برزت عظمة الإسلام معلنة عن جوهر هذا الدين وصدق دعوته إلى الحق وإلى الخير، ومعلنة كذلك عن إخلاص دعاته وإيمانهم برسالتهم لأنها رسالة الحق والخير..

ولقد يتراءى لبعض الناس أحيانا أن مظاهر الضعف أو الفتور قد تغلب على حياة المسلمين مما يهددهم بالتوقف أو الجمود.. ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها أن دعوة الإسلام لم تخب ولن تخبو أبداً- والله غالب على أمره- مهما تألبت قوى البغي والشر على هذا الدين، وإذا كانت هناك من غفوة ألمت بالمسلمين فإنما يعقبها صحوة، صحوة تعيد للدين مجده وللرسالة إشراقها وبهاءها وللمسلمين قوتهم وعزتهم، فالدين لم يمت، والمسلمون المُعتزّون بدينهم- وهم كثرة- بحمد الله ما زالوا به متمسكين وأولاً وقبل كل شيء فإن منزل الكتاب- جل في علاه- قد ضمن له الحفظ والبقاء، وصدق الله العظيم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

وليس أدل على ذلك من أن كتاب الله - بعد هذه القرون منذ نزوله- ما زالت آياته تتلى وتملأ الأسماع وستظل بحكمها وأحكامها تعلن للأجيال المتعاقبة أنها الآيات المحكمات..

وليس أدل على ذلك أيضاً من أن لغة الكتاب قد اتسع نطاق درسها وانتشر التعامل بها على كافة المستويات حتى دوت في الآفاق كلمات هذا اللسان العربي المبين..

ثم ليس أدل على ذلك أيضا من أن الأدب العربي الإسلامي لم تنطفئ جذوته بعد أربعة عشر قرناً من الزمان، وسيظل أبدا بإذن الله يهتف بالإسلام ويمسك بمبادئه. ويذكر المسلمين بتاريخ أسلافهم حتى يكونوا دائماً خير خلف لخير سلف.

أجل.. ما زلنا بعد هذه القرون المتعاقبة نرى أدب الدعوة الإسلامية بيننا يعلو نداؤه وتتردد أصداؤه ليملأ الأسماع والأبصار، فتخفق له القلوب، وتستجيب له النفوس، وهو يصل حاضرها بماضيها التليد.

وإذا كانت الأمثلة كثيرة في عصرنا الحديث، تلك التي تؤكد أن أدب الدعوة الإسلامية إلى وقتنا هذا لم يمت ولن يموت ما بقيت رسالة الإسلام ودعوتها فإن المثل الذي بين أيدينا جدير بالإشادة والتقدير لأنه يبعث على الأمل ويؤكد أن نور الله لا يمكن أبداً أن ينطفئ من القلوب..

إنه ديوان (مجد الإسلام) للشاعر المسلم أحمد محرم، الذي شاء الله لمؤلفه أن ينظمه ليستعيد شباب الأمة أمجاد أسلافهم ثم ليكونوا امتداداً من بعد لأولئكم السالفين.

أما عن أحمد محرم فقد ولد في القاهرة سنة سبع وسبعين وثمانمائة وألف ميلادية ونشأ منذ البداية نشأة عربية أزهرية، وبرز في الشعر منذ صباه حتى أنه نال شهادة الامتياز بين "شعراء النيل " من لجنة التحكيم التي تولت أمر النظر في القصائد المقترحة على كبار الشعراء فيما كان يسمى عيد جلوس الخديوي سنة عشر وتسعمائة وألف (ميلادية) ونال عدة جوائز في مسابقات شعرية ونثرية أخرى اقترحتها الصحف والمجلات في فنون شتى وموضوعات مختلفة من سياسة الممالك وتربية الأمم، وما تصدى كاتب ولا أديب لتعيين طبقات الشعراء إلا عرف له مكانه ووضعه في الصف الأول [1].

وأما عن العصر الذي عاشه أحمد محرم فقد سادت فيه نزعة إسلامية ظهرت بوضوح في كتاب  العصر وقادته ومفكريه وانعكست أثارها على الشعر ولم يكن هناك بعين الشعراء المعاصرين وقتذاك- على اختلافهم وتباين نزعاتهم- من يخلو شعره من تلك النزعة، من مدح للخليفة التركي، والإشادة بفضله على المسلمين، وحرصه على إعلاء كلمة الدين، وهم يرون أن الخليفة هو الجامع لشمل المسلمين، وأنه حين يحارب فإنما يحارب دفاعا عن الإسلام وتمسكاً بإعلاء كلمته بين الدول التي تتربص به، وهم- يدعون إلى اتحاد كلمة المسلمين في ظل راية الخلافة، محذرين من الإصغاء إلى دعوة التفرقة التي لا تصيب الأمم الإسلامية جميعاً إلا بالشر [2].

وكان طبيعيا أن يهبَّ الشاعر أحمد محرم- وهو المسلم الغيور- ليقوم بدوره في مجال الدعوة الإسلامية، وكانت فكرة ديوانه (مجد الإسلام) كامنة في نفسه ولكنها لم تخرج إلى مجال التنفيذ إلا بعد أن بعث أحد رجال الإسلام الغيورين- وهو الأستاذ محب الدين الخطيب صاحب مجلة (الفتح) إلى صديقه الشاعر أحمد محرم رسالته في الخامس والعشرين من ربيع الأول عام ثلاثة وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة يقول فيها: سيدي الأستاذ الجليل مفخرة البيان العربي وشاعر مصر الكبير الأستاذ أحمد محرم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فإن من دلائل رضا الله عز وجل عن حركة الجهاد الضئيلة لوقف هذا الطغيان على الفضائل انشراح صدركم لتأييده، وتصدقكم ببعض الوقت للوقوف في صفوفه، ورب فارس واحد خير من ألف.. وكنت هممت أكثر من غير مرة أن أكتب إليكم أقترح عليكم مشروعاً كنا نحاول إقناع شوقي بك رحمه الله به ولكن خشيت أن يصرفكم ذلك عن معاني الجهاد الأخرى.. وهذا المشروع هو إرسال نظركم الكريم بين حين وآخر إلى مفاخر التاريخ الإسلامي الخلقية والعمرانية والسياسية والإصلاحية والحربية... الخ. ونظم كل مفخرة منها في قطعة خالدة تنقش في أفئدة الشباب، فإذا زخر أدبنا بكثير من هذه القطع، على اختلاف أوزانها وقوافيها، أمكن بعد ذلك ترتيبها بحسب تاريخ الوقائع: وتأليف (إلياذة) إسلامية من مجموعها.. أليس من العار أن يكون للفرس الذين حفل تاريخهم زمن جاهليتهم بالشنائع ديوان مفاخر يغطى فيه البيان على العيوب، ويشير الكاتب بذلك إلى (شاهنامة الفردوس).. ثم يردف قائلا: وأن يكون لليونان زمن وثنيتهم وأوهامهم الصبيانية ديوان مفاخر (كالإلياذة) تتغنى بها الإنسانية إلى يوم الناس هذا...؟

ثم يواصل الكاتب حديثه إلى الشاعر أحمد محرم مبينا أن الإسلام هو الأولى بذلك (وهو الذي لم تفتح الإنسانية عينيها على أعلى منه رتبة، وأعظم منه محامد)..

وما دام المؤرخون- في نظر الكاتب- قد قصدوا في جانب التاريخ الإسلامي ولم يعطوه حقه من التصحيح والإنصاف، فإن (ما قصّر فيه) المؤرخون لا يستطيع أن يستدركه إلا الشعراء.

وكان هذا الخطاب هو الشرارة التي أججت شعلة الحماس في نفس الشاعر أحمد محرم.. فإذا به يقدم على ديوانه يعرض فيه خلاصة نقية للتاريخ الإسلامي في قالب شعري، مكتمل الفن، واضح الأداء، قوي التعبير، حتـى يلفت شباب الإسلام إلى مفاخر تاريخهم وعظمة آبائهم وأسلافهم، ويدفع عنهم عقدة النقص التي جعلتهم ينظرون إلى آثار الأمم الأخرى كما ينظر الأقزام إلى العمالقة.

وحشد أحمد محرم كل طاقاته الفنية، وعكف على التاريخ الإسلامي يستخلص حقائقه، ويستوعب مفاخره، ويسجلها فناً عالميا عاليا يسنده الواقع وتؤكده حقائق التاريخ... [3]

وكان أول ما بدأ به أحمد محرم في ديوانه الذي بلغت قصائده تسعاً وستين ومائة قصيدة كلها في تاريخ الإسلام والمسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت أولى القصائد تحت عنوان: (مطلع النور الأول من أفق الدعوة الإسلامية)، وفيها يقول الشاعر:

وأغمر الـناس حـكـمة والدهـورا

امـلأ الأرض يا مـحـمد نورا

يكشـف الحجب كلهـا والسـتورا

حجبتك الـغـيوب سـرا تجلى

فـــتدفق عليـه حتـى يغـورا [4]

عب سـيل الفسـاد في كل واد

ويستمر الشاعر في قصيدته إلى أن يقول:

غيرت كـل كائـن تـغييرا

أنـت أنـشأت لـلـنـفوس حـياة

نابـه الذكر في العصـور شهيرا

أنجب الـدهر في ظـلالك عصرا

ثم يقول مبينا كيف كان العالم قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم حتـى جاء دين الله:

يحسـبون الـحـياة إفـكـا وزورا

أنـكر الـناس ربـهـم وتولوا

جعلوا الـبغي شرعة والفـجـورا؟

أين مـن شرعة الـحـياة أناس

فع مـثـقـال ذرة أو تـضـيرا؟

تلك أربابـهم: أتملك أن تشــ

بـــاب ما كـان عاجزا مقهورا

قهروها صـناعة، أعـجـب الأر

ى) غـناء لمـن يقيـس الأمـورا

ما لدى (اللات) أو (مناة) أو (العز

الله يـحـمي لـواءه المـنـشورا

جاء ديـن الـهدى وهـب رسول

ثم يمضي الشاعر مستذكراً ذلك الموقف الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة عمه أبي طالب فيقول حاكياً:

أن يـقـيـموك سـيداً أو أميراً؟

جاءه عـمـه يـقول: أترضـى

ل حـياً ماطراً وغـيـثا غـزيرا

ويصبوا عليك من صفوة  المـا

أبتغيها وما خـلقت حــصورا[5]

قال يا عـم ما بعثـت لدنـيا

ت أريـهـم مطالبي والـشقورا[6]

لو أتوني بالـنـيريـن لأعرضـ

لأدع الـهوى وأعـصى المـشيرا

إن يـشيروا بما علمـت فأنى

تطعم الحتف رائعا مـــحذورا[7]

دون هذا دمي يراق ونفسـي

وفي قصيدة أخرى يذكر صاحب ديوان مجد الإسلام ذلك الموقف الذي أراد فيه المشركون قتل الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم ما كان من أمر الهجرة إلى المدينة فيقول في مطلع قصيدته:

ـل يميط الأذى ويشفي الصدورا

أجمعوا أمرهم وقالوا: هو الـقتـ

ثم يمضي الشاعر في تصوير ما حدث للمتآمرين الذين وقفوا بباب الرسول صلوات الله وسلامه عليه:

أم عـمىً في عـيونـهـم مذرورا؟

مالـهـم؟ هـل رمى الـنـبي تراباً

أنـكروهــا دهـياء عزت نـظيرا

ذهـلوا مـــدة، فـلـما أفاقوا

كــــل وجـه فرده مـعـفورا. 

يـنـفضون التراب، من مسَّ مـنا

مالأوصالـنا تـحـس الـفـتورا؟

أين كنـــــا  ما بالنا لا نـراه

فـسـكرْنا وماشربْـنا الـخُـمورا

أيـن وَلىَّ؟ لـقد رمانا بســـحر

ه على غـــــرة لـخر عـقيرا؟

يالـه مـصـعـب لو أنّا أصـبـنا

أملا ضائـعا وجدا عـــــثورا

راح في غـبـطة ورحـنا نـعـاني

يا لها حسرة تشب وتـــــورى [8]

خـيـبة تـترك الـجوانـح حرى

وفي قباء يقول الشاعر من قصيدة له يشير فيها إلى رسالة المسجد في الإسلام:

جيئة الروح تبـعـث المـقـبورا

يا حياة النفوس جـئـت قـبـاء

للبرايـا صنيعـك المشـــكورا

ارفـع المسجد المبـارك واصـنع

أن يميـل الهوى بهــا أو يجـورا

معقل يعصم النفوس ويــــأبى

أو سـيـاج يذود عنها الـشرورا

أوصـها بالصـلاة فهي عــلاج

وقـضـاها أرومـة وجـذورا [9]  

غرس الله دوحــة الـدين قدمـا

وفي المؤاخـاة بين المهاجرين والأنصار يقول الشاعر مشيدا بـدور الإسلام فيها:

فلا محالة مـن حــب وإيـثـار

هي الأواصر أدناها الدم الجـاري

حييت من أسرة بـوركت مـن دار

الأسرة اجتمعت في الدار واحـدة

يـدعو البنين فلبوا غــير  أغمار [10]

مشى بهـا من رسول الله خير أب

واستحصد الحبل من شـد وإصرار [11]

تـأكـد العهد ممـا ضم ألفتهم

يحمي الذمـار ويـرعى حرمة الجـار

كـل لـه من سراة المسلمين أخ

وليس يعطــيـه إن أعطى بمقـدار

يطوف منـه بحق ليس يمنـعـه

ويبذل المـال في يســـر وإعسـار

يجـود بالدم والآجـال ذاهلـة

في صورة الفرد فانظر قدرة الـبـاري

هم الـجـمـاعة إلا أنهم برزوا...

بين القبائل دين الجهـل والعــار [12]

هـذا هو الدين، لا ما هاج من فتن

وعندما تدور رحى الحرب بين المسلمين والمشركين في بـدر ويسقط أبو جهل صريعاً في أول معركة يدافع فيهـا المسلمون عن دينهم، ويعزهم الله بعد أن حسبهم الكافرون أذلـة..

يقـول الشاعر:

سقيت زعاف الموت فاشرب أبا جهل

بسيفك فيما اخترت من عاجل القتـل

لنفسك من حقـد مذيب ومن غل

شهدت الوغى تبغى على الضعف راحة

وفاتك ما نال الرويعـي من فضـل

أصابك فيها ما أصابك مـــن أذى

هو الجـد كل الجد لو كنت ذا عقل

دع الهزل يا ابن الحنظليـة إنـــه

وزادتك هذي من ضلال ومن خبـل

هي اللات والعزى أضلتك هـــذه

رضيت بـــه ربا يفـوز ويستعلي

فلو كنت ترجـو أن ترى الهبل الذي

وبـاء عـدو الله بالخــزي والـذل

أصبت ابن مسعـود سناء ورفعـة

فمـا بعد ما أعطـاك ربك من سؤل

فخـذ سيفه ثم ارفع الصوت شاكرا

ويمضي الشاعر يسجل في ديوانه (مجد الإسلام) مواقف مشرفة للمسلمين وجهادهم في سبيل الدعوة الخالدة... وكلها من النماذج الرفيعة التي يعتز بها المسلمون أينما كانوا وحيثما حلوا ومع كل نموذج من هذه النماذج الرائعة دعوة تهيب بكل مسلم ومسلمة على وجه هذه الأرض أن يكون واقع حياتهم على نمط ما كان عليه المؤمنون السابقون حتى يصل المسلمون حاضرهم بماضيهم فتكون حياتهم كلها حياة العزة والشرف والكرامة والإباء..

وينهي الشاعر ديوانه الكبير بحادث جلل في تاريخ الإسلام والمسلمين وهو يوم انتقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى رحمة ربه راضياً مرضياً.

ومع شدة وقع هذا الأمر على نفوس المسلمين. فقد ذكره الشاعر في معرض حدث آخر، كانت بدايته في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم كانت نهايته المشرفة بعد وفاتة عليه الصلاة والسلام وكأن الشاعر يريد أن يقول: لئن كان الرسول قد مات.. فإن رسالته كانت وستظل ماضية، ودعوته بإذن الله ستكون باقية قوية ما حرص المسلمون على بقائها وقوتها..

أما هذا الحدث الهام الذي أنهى به الشاعر ديوانه فقد كان حول سرية أسامة بن زيد بن حارثة رضـي الله عنهما.. والتي كانت آخر سراياه صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الشام للتهيئة لحرب الروم..

وهناك أمر آخر في هذه السرية حرص الشاعر على أن يلفت الأنظار إليه وهو أن إرسال أسامة  بن زيد على رأس هذه السرية إن دل على شيء فإنما يدل على إمكانية الاعتماد على الشباب المؤمن الغيور على دينه في عظائم الأمور.. فقد كلف أسامة لقيادة الجيش ولم تتجاوز سنه العشرين وقيل إن سنه كانت سبعة عشر عاماً.. الأمر الذي جعل بعض كبار القوم يستنكفون من الانقياد تحت إمارته ويقولون: غلام!! فلما بلغت النبي صلى الله عليه وسلم مقالتهم غضب ثم صعد المنبر وقال: "أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ ولئن طعنتم في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله إن كان لخليقاً بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بالإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي، وإنه لمظنة كل خير، فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم ".

ثم تكون وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وينفذ أبو بكر رضي الله عنه إرسال سرية أسامة. ويصدق ظن الرسول بهذا القائد الشاب الذي نصره الله وأيده في جهاده ضد أعداء الإسلام والمسلمين..

وكانت هذه الحادثة هي ختام ديوان (مجد الإسلام) للشاعر أحمد محرم، وفيها يقول: [13]

أنت الأمير وإن تعتب واهـم

سر يا أسامة ما لجيشك هازم

وفتى على الصيد الخضارم حاكم

قالوا: غلام للكتائـب قائـد

جهل الغضاب الساخطون لعالم

غضب النبي وقال: إني بالذي

والعدل عنـدي لا محـالة قائم

إن يجهلوه فقد عرفت مكانه

من قبل والدَهُ ولـجَّ الـناقـم

ولئن رموه بما يسوء فقد رموا

أهل فكـل أحـوذيّ حـازم

نقموا الإمارة فيهما وهما لها

يا قوم وانطلقوا كما أنـا عازم

الخير فيه وفي أبيـه فآمـنوا

والخطب بينهما مقيـم جاثـم

ساروا وظل مع النبي خليله

صنع القضاء فهمـه مـتراكـم

ينتاب مضجعه وينظر ما الذي

يغشاه مـوج للأسى مـتلاطـم

مرض النبي طغى عليه، فقلبه

والحزن طـام والدموع سواجـم

ودرى أسامة فانثنى في جيشه

ثم يعقب الشاعر بعد ذلك مشيراً إلى ذلك الحدث الجلل فيقول:

أحيـا نفوس الناس وهى رمـائم

مات الرسول المجتبى مات الذي

أسـفا عليـه وكـل جـو قـاتم

مات الرسـول فكل أفق عابس

والنـاس شـر والحـيـاة مـآتم

مات الذي شرع الحيـاة كريمـة

تشفي العقول وداؤهـا متفـاقم

مات الذي كانـت عـجائب طبه

حتـم وإن زعـم المزاعـم حالم

صلى عـلـيـك الله إن قـضاءه

وينتهي ديوان (مجد الإسلام) للشاعر أحمد محرم على هذا النمط من صدق العاطفة وحرارة الإيمان وإشراق الديباجة ونصاعة البيان.. وهو بذلك يضارع شعراء عصره في تلك النزعة الإسلامية إن لم يكن قد فاق الكثير منهم بهذه الملحمة الرائعة التي استلهمها من مجد الإسلام ومفاخر المسلمين منذ أن أعزهم الله بهذا الدين القويم.

 

شكوى

قال أبو العيناء: كان لي خصوم ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي داؤد، وقلت له: إن القوم قد تضافروا عليَّ وصاروا يداً واحدة عليّ، فقال: يد الله فوق أيديهم، فقلت: إن لهم مكراً، فقال: ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله. فقلت: إنهم كثير وأنا واحد، فقال: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرةً بإذن الله، والله مع الصابرين...

 

أوصيك بثـلاث...

دخل أبو جعفر محمد بن الحسين بن علي رضي الله عنهم على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وقد ولاه. فقال له أبو جعفر: أوصني، فقال له: أوصيك بثلاث: أن تتخذ صغير المسلمين ولدا، وأوسطهم أخا، وأكبرهم أباً، فارحم ولدك، وصل أخاك، وبِرَّ والدك، وإذا صنعت معروفا فرَّ به.

 

 

 



[1] راجع مشاهير شعرا ء العصر لأحمد عبد الحميد الجزء الأول ص115.

و(شعرا ء العرب المعاصرون) للدكتور أحمد زكي أبو شادي ـ ص48 الطبعة الأولى ـ القاهرة 1958.

[2] راجع الفصل م (الجامعة الإسلامية) من كتاب (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد محمد حسين ج1 ص1-49).

[3] راجع مقدمة ديوان مجد الإسلام.

[4] غار الماء: ذهب.

[5] من معاني الحصور: الضيق الصدر، والهيوب: المحجم عن الشيء.

[6] الحاجات والأمور المتصلة بالقلب المهمة له: جمع شقر.

[7] ديوان مجد الإسلام ص3-6.

[8] تشتعل 8-10.

[9] الأرومة: الأصل، ديوان محبة الإسلام ص15..

[10] غير حاقدين.

[11] استحصد: قوي، والإمرار: الفتل.

[12]ديوان مجد الإسلام ص27-30.

[13] ديوان مجد الإسلام ص449-452، وراجع سيرة ابن هشام ص219 ج4، ط شركة الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة - 1974.