طباعة

 توثيق النص

 

 

 

منهج في دراسة المنهج

للدكتور أحمد بسام ساعي

أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية

 

 

يشكو البحث العربي الراهن، ولاسيما الإنساني منه، مثلما تشكو الموضوعات التي يتخذها مادة له، من انحسار القاعدة والمنهج انحساراً خطيراً يتنافى مع ما تتجه إليه الإنسانية في خطها العام من دقة وموضوعية ومنطق، وهذه الصفات ترتبط بكل خطوة من خطواتها التي يعوّل عليها وحدها في تطور هذه الحضارة، دون الحضارات المزيفة الأخرى التي تواكبها، والتي تتطفل على مائدة العلم والحضارة، حتى تكاد تستأثر بها، لولا أثارة من أصالة الحقيقة التي تتسلح بها تلك الخطوات الأصيلة الأولى المعوّل عليها.

وهكذا تزخر المكتبة العربية الحديثة بركام من الكتب التي يبهرنا منظرها، وتكاد مظاهرها المدلسة، وأغلفتها المتبرجة، وحروفها المتأنقة، وأوراقها السميكة، تعشي عيوننا عن إبصار حقيقتها أو استكناه باطنها، وإدراك غثاثة ما فيها، وفقدانها لأبسط شروط الأبحاث، من منهجية، ودقة، وأمانة، وقدرة على التحليل والاستنتاج والإبداع، وقدرة على التعبير عن كل ذلك بلغة أمينة واضحة، مما يسهم إسهاماً حقيقياً في حركة التطور البشرى ودفعها إلى الأمام.

ورغم الدراسات الجادة التي قدمتها خلال الأربعين سنة الأخيرة أقلام عربية رصينة في مجال التنظير للبحث، ورغم اطراد افتتاح فروع الدراسات العليا في الجامعات والمعاهد العربية، مما يسهم في إيجاد مناخات طيبة للبحث العلمي وقواعده وأصوله، ورغم أن مادة "منهج البحث" قد عدّت إحدى المواد الأساسية التي يدرسها الطالب في معظم هذه الجامعات، إن لم أقل كلها، على الرغم من ذلك مازلنا نشهد الانحراف المنهجي في كتابة البحوث- أو ما كان يرجى لها أن تكون كذلك- يزداد اتساعا يوماً بعد يوم، مما يشعرنا باطراد الحاجة، مع اطراد حركة البحث والتأليف، إلى تدارك النقص فيما نظرته أو ترجمته أقلام المنهجيين الرواد حتى الآن في طرائق البحث وأصوله وآدابه.

ويجدر بي هنا أن أنبه- بأسف- إلى غياب المصطلح المنهجي، ليس عند الباحثين العاديين فحسب، بل حتى عند بعض من ألف في مناهج البحث، ومن المؤلم حقا أن تزين واجهات مكتباتنا التجارية مثلا نسخ من مؤلف وضع في "البحوث الأدبية، مناهجها ومصادرها" ثم نجد واضعه وقد عجز عن التمييز بين "منهج" البحث و "خطته" فخلط بين المصطلحين، وطبعيّ أن لا يستطيع بعد ذلك الخلوص إلى شيء مما يفيد الباحث، إن لم أقل إنه يشكل- باضطرابه المنهجي وفوضاه الفكرية- ضرراً حقيقيا على طلاب مادة "منهج البحث " إن وقع في أيديهم، وعلى رأسهم الطلاب الذين قام المؤلف بإلقاء فصول كتابه عليهم في إحدى جامعاتنا.

ونحمد الله على أن مثل هذا المؤلَّف قليل في مكتبة منهج البحث العربية، وأظن من المفيد أن أعرّف تعريفاً سريعاً بأبرز كتبها، وأكثرها عمقاً وإحاطة ومنهجية، قبل أن أنطلق إلى بقية حديثي [1] وإن كنت سأقتصر في تعريفي على الكتب التي وصلت إلى يدي، غير غافل عن وجود عدة من الكتب في هذا الباب قد تحتل مكانة هامة فيه، مما لم أتمكن من الوصول إليه في فترة كتابتي لهذا البحث. وهذه الكتب هي تبعاً لدرجة أهميتها عند الباحث المبتدئ:

1- "البحث الأدبي " لشوقي ضيف: وهو أكثر مؤلفات مكتبة منهج البحث العربية إحاطة وشمولاً دون منازع، وضعه مؤلفه عام 1973 وجمع فيه حصيلة لخبرة عشرات من السنين قضاها في التدريس الجامعي والإشراف على الرسائل الجامعية ومناقشتها، وفي وضع ما يقرب من ثلاثين مؤلفاً أحاط فيها بشتى جوانب الثقافة العربية، الأدبية واللغوية والنقدية، وكان له من كل ذلك تجـارب وافرة في ((المنهج)) سمحت له بأن يحشد في كتابه كثيراً من الأخطاء الفكرية والمنهجية التي وقع فيها- أو يحتمل أن يقع فيها- الباحثون والمحققون على السواء، مسترسلاً في عرض الأمثلة وشرحها والتعليق عليها، حتى كاد أن ينقلب كتابه في كثير من المواضع إلى ركام من المعلومات التاريخية والأدبية التي تفيد كل باحث، ولكنها في الوقت نفسه تسيء بعض الشيء إلى منهجية الكتاب. مثلما أساء إليها إغفاله ذكر أيّ من مصادره أو مراجعه سواء في هوامش الكتـاب أو ملحقـاته. وهذا أدى بوجه من الوجوه، إلى اختلاط مادة المصـادر بعضها ببعض في الكتاب. ساعد على ذلك إيراد المؤلف لآراء الباحثين - على تناقضها أو تباعدها أحياناً- مختلطة بآرائه. من غير أن يضعنا أمام الاتجاه الأكثر صواباً أو يدلنا على الرأي الذي يرجح على الآراء الأخرى.

إن أهمية الكتاب كانت جديرة بأن يظهر خلواً من تلك الهنات. وبأن يلحق به المؤلف فهارس بأسماء الكتب والأعلام والقضايا، لكثرة ما ورد وما تداخل في ثنايا فصوله من كل ذلك، ممّا تضيع درره بين ركام من التفصيلات والاستطرادات المتنوعة التي تحجب عنا الإفادة السريعة الميسورة من معظم الحقائق التي يسوقها إلينا في تلك الفصول.

2- "منهج البحث في الأدب": أملية جامعية أصدرها الدكتور شكري عياد لطلاب الدراسات العليا بمعهد الآداب والثقافة العربية في جامعة قسنطينة (الجزائر) عام 1977. تدارك المؤلف فيها ما فات الآخرين غالباً فيما يتعلق بالتحقيق أو بالدراسة الأدبية وعلاقاتها بالدراسات التاريخية. فدرس جوانب جديدة في هذا الاتجاه بعمق لم تعرفه أي من الدراسات العربية التي وضعت حتى الآن في هذا الباب، وأضاء كثيراً من الكوى حول كتب المصادر العامة والموسوعات، وطبيعة المنهج ومادته، وتحقيق كل من النصوص المروية أو المخطوطة أو المطبوعة، وكذلك فحص الوقائع التاريخية وتحقيقها والتأكد من صحتها من خلال الاستعانة بالموسوعات المتخصصة وكتب التراجم وكتب الفهارس، وكشف أيضاً جوانب من الدراسة الخارجية والدراسة الداخلية للنص لم تزل مظلمة عند كثير من باحثينا.

2- "منهج البحث الأدبي": ألفه الدكتور علي جواد الطاهر وطبع لأول مرة في بغداد عام 1970. وهو كتاب يمتاز بمقدمته وتمهيده الخصبين اللذين يعّرفان البحث والمنهج تعريفاً مفصلاً يقدم للقارىء- طالباً ومدرساً لمادة منهج البحث- كثيرا من الإضافات المفيدة الممتعة، كما يمتاز بـ "المراجع النافعة" التي ألحقها بكتابه سارداً فيها أسماء أهم الكتب العربية والفرنسية والإنجليزية مما يمكن أن يعود بالفائدة على القارئ في هذا الباب. ولكن ما ينحصر بين فاتحة الكتاب وخاتمته من فصول، لا يزيد عن دروس في آداب البحث، يتناول فيها اختيار الموضوع وتبييضه وطبعه على الآلة الكاتبة ثم في المطبعة، وهي دروس سبق أن بحثت في أكثر من كتاب عربي كما سنرى، وإن كان يسجل للمؤلف هنا تخصيصه جزءاً من أحد فصول الكتاب لحديث مفصّل مفيد عن الدرجات العلمية وأنواعها وأسمائها واختلافها بين أهم جامعات العالم.

4- "منهج البحوث العلمية": وضعته ثريا عبد الفظاح ملحس ونشر في بيروت عام 1960،  تدرس المؤلفة فيه وسائل البحث وأدواته وخطواته دراسة علمية، مستعينة بأمثلة توضيحية كثيرة، ويمتاز بمراجعه الأجنبية الكثيرة التي اعتمدتها المؤلفة وكلها إنكليزي، ومع ذلك فهو كتاب لا يضيف جديداً إلى كتاب الدكتور أحمد شلبي (كيف تكتب بحثاً أو رسالة) الذي نشره في القاهرة عام (1952) والذي يعد رائد الكتب العربية في هذا الباب، وهذا رغم حرص المؤلفة على أن تذكر في مقدمتها أنها تسعى إلى إضافة جديد في مكتبة مناهج البحث.

5- "الاستقراء والمنهج العلمي": للدكتور محمود فهمي زيدان. نشر في الإسكندرية عام 1977، وهو كتاب غزير الفائدة في معرفة تاريخ الاستقراء وتطوره وأنواعه وطرق استخدامه في البحوث العلمية، وقد أفاد كثيراً من كتاب الدكتور محمود قاسم (المنطق الحديث ومناهج البحث) كما أفاد من كثير من المراجع الإنجليزية غير المترجمة إلى العريية. ولكن لغة الكتاب، التي كانت قاصرة في كثير من الأحيان عن التعبير بوضوح وسلامة عن أفكاره المترجمة، والأخطاء المطبعية الكثيرة التي وقعت فيه، تنال كثيراً من قيمته العلمية، وتحدّ من درجة الإفادة منه والتعويل عليه.

6- "أصول نقد النصوص ونشر الكتب": محاضرات ألقاها المستشرق الألماني برجستراسر (Bergstraesser) على طلبة كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1931، ثم نشرها وقدم لها الدكتور محمد حمدي البكري في القاهرة عام 1969، وهو أول مؤلف يوضع بين أيدي المحققين العرب، يرشدهم إلى أصول تحقيق الكتب ونشرها، وينبههم إلى الأخطاء الكثيرة التي رافقت تحقيق الرواد من العرب لكتب التراث، ولكن الدكتور البكري ارتكب خطأ منهجياً كبيراً للكتاب حين أضاف إليه إضافات عديدة في الهامش وفي المتن، ليست من أصل الكتاب، دون أن يشير إلى ذلك في أماكنه أو في مقدمة الكتاب، ولولا معرفتنا تاريخ وضع الكتاب أو المحاضرات وتاريخ وفاة المؤلف (1932) لظنناها جزءاً من أصل الكتاب.

7- "منهج البحث في الأدب"  (تأليف غوستاف لانسون) و " منهج البحث في اللغة" (تأليف انطون ماييه): وكلا المؤلفين فرنسي استجاب لطلب ناشر كتاب (De la methode sciences) فأعدّ كل منهما دراسة عن منهج البحث في اختصاصه لتكون جزءاً من الكتاب الموسوعي الكبير الذي خرج في جزءين من نحو ألف صفحة. وقد ترجم الدراستين إلى العربية الدكتور محمد مندور ونشرها في بيروت عام 1946، ثم ألحقها في الطبعات المصرية التالية بكتابه (النقد المنهجي عند العرب).

والكتاب الأول (منهج البحث في الأدب) أكثر استحقاقاً لاسمه لأنه يتحدث باستيفاء وتركيز  شديدين عن منهج البحث بوصفه علماً بحتاً، مع التركيز على الباحث التاريخي والباحث الأدبي خاصة، مما لا غنى عنه للدارس العربي إذ لا يحلّ محلّه كتاب آخر وضع بالعربية أو ترجم إليها. أما الكتاب الثاني (منهج البحث في اللغة) فهو في حقيقته أقرب إلى التمهيد لقواعد علم اللغة ونظرياته منه إلى وضع منهج عام للبحث اللغوي، وهذا على الرغم من أن الكتابين أعدّا لهدف عام واحد في الأصل كما قدمنا [2].

ويجدر بنا هنا أن نميز بين أنواع الدراسات التي وضعت في موضوع منهج البحث، فبعضها انصرف إلى البحث العلمي، وبعضها إلى البحث التاريخي وآخر إلى البحث اللغوي، وكثير منها إلى البحث الأدبي، وانصرف بعضها إلى تحقيق الكتب والنصوص القديمة أو الحديثة، ولكن ما هو أكثر أهمية من ذلك اختلاف طبيعة هذه البحوث حتى ضمن الفرع العلمي أو الإنساني الواحد، فمن الضروري أن نميز فيها أيضاً بين ما كتب في (طرائق البحث) وما كتب في (آداب البحث) وما كتب في (أصول البحث) وهي مصطلحات لابد من التمييز بينها، خلافاً لما ذهب إليه الدكتور علي جواد الطاهر حين ساوى بينها وجعلها أسماء لمسمى واحد [3]. (فطرائق البحث): وهو المصطلح الأجدر بأن يساوي مصطلح (منهج البحث)- تعني المناهج النظرية والفكرية والفنية التي يتبعها الباحث في إنشاء بحثه، والمنهج لغوياً، هو الطريق، فللباحث أن يتبع منهجاً نظرياً: فرضياً، أو استقرائياً تقليدياً، أو استقرائيا معاصراً، أو منهجاً فكرياً: تأثريا، أو موضوعياً أو مادياً أو إسلامياً أو تقريرياً، أو منهجاً فنياً: وصفيا أو تاريخيا أو نقدياً أو نفسيا أو اجتماعياً أو جمالياً أو بنيوياً أو تكاملياً... الخ.

أما (آداب البحث) فهي القواعد التنظيمية التي لابد من مراعاتها حين ممارستنا للمناهج المذكورة نظريا أو فكرياً أو منهجيا، وهي قواعد تهدي الباحث في جمعه لمادته وسعيه وراء مصادرها، ثم في طريقة الإفـادة منها وتنظيمها وتبويبها وصياغتها وإخراجها بعد ذلك في بحث مخطوط فمطبوع، وأما (أصول البحث) فتعني القواعد السلوكية والأخلاقية التي يتخلّق بها الباحث في تعامله مع مصادره البشرية وغير البشرية، وكذلك قواعد الأمانة العلمية والتاريخية التي لابد أن يأخذ نفسه بها خلال كـتابته للبحث.

(البحث الأدبي) لشوقي ضيف مثلا كتاب في طرائق البحث وآدابه وأصوله معًا بينما ينصرف بحث شكري عياد إلى طرائق البحث وأصوله دون آدابه. أما مؤلفات أحمد شلبي وثريا ملحس وعلي جواد الطاهر فتنصب على آداب البحث خاصة دون الجانبين الآخرين.

أما هذا البحث فليس في طرائق البحث ولا في آدابه ولا في أصوله، بل هو في (طرائق المنهج) أو هو في (علم المنهج) بتعبير أصح. ومع ذلك فأنا لم أضع نصب عيني في كتابة بحثي استقصاء طرائق المنهج، وإنما أردت أن اقترح طريقة في دراسة المنهج أو تدريسه، وإن كانت هذه الطريقة قد قدمت عمليا- ومن غير القصد المباشر إلى ذلك- كثيرا من الخطوط الرئيسية، وأحياناً، الفرعية. لأصول البحث وطرائقه.

ولعل لدعوة الدكتور علي جواد الطاهر في مقدمة كتابه (منهج البحث الأدبي) إلى أن "ينهض الأساتذة إلى نشر خبراتهم الخاصة، والحديث عن المناهج التي ساروا عليها في جامعاتهم التي درّسوا فيها" لعل لهذه الدعوة أثرها غير المباشر في انصرافي إلى صياغة هذا البحث الذي جاء ثمرة لتدريس مادته لطلاب الدراسات العليا في جامعة قسنطينة (الجزائر) ومن قبلها في جامعة اللاذقية (سورية). وقد أردت في بحثي أن أضع بين يدي الباحثين - طلاباً وأساتذة على السواء- حصيلة تجربة متواضعة في هذا المجال، دون أن أسمح لنفسي بأن أردد ما سبق إلى ترديده ونشره الباحثون الآخرون.

إنها طريقة وجدت أنها الأصلح في تدريس مادة ((منهج البحث)) وأنها الأكثر فائدة لطلاب هذه المادة لأنها تعينهم على اكتساب قدر وافر من المنهجية التنظيمية والفكرية والتعبيرية في صياغة بحوثهم. وقد انتهيت إلى ذلك لعلمي أن الطالب الذي دفع به تفوقه إلى الدراسات العليا لا بد أن يكون:

1- قد قرأ جيداً في الماضي.

3- قادرا على أن يقرأ جيدا في المستقبل.

وإذن كان على المدرس أن يشحذ فيه الطاقة الكامنة التي اكتسبها من خلال تلك القراءة الوافرة، ليس بإلقاء المعلومات القديمة أو الجديدة عليه، فبإمكان القراءة أن تغنيه إلى حد شبه تام عن ذلك كله، ولكن بطريقة تفجير الفكرة تلو الفكرة في رأس الطالب، ومساعدته على تخليقها وبلورتها ثم تنظيم هذه الأفكار ووضعها- عن طريق الطالب نفسه- في السياق المنهجي الذي ينتظمها جميعاً.

فمن المهم لأستاذ الدراسات العليا- وهو غالباً ما يدرِّس طلاب الدراسات الجامعية الدنيا في الوقت نفسه- أن لا يقدم لطلابه من خلال المواد التي يدَرِّسها المعلومات نفسها التي سبق للطالب أن تلقاها- جزئياً أو كليا- في دراساته الجامعية الأولى، بل من المهم أن لا تكون محاضرته مجرد محاضرة في المعلومات "محاضرة إعلامية" إذ من السهل على الطالب أن يعود إلى هذه المعلومات حيث يحيله المدرس إليها، وإذا كان من معلومات جديدة لدى المدرس ما لا تتوفر في الكتب. فبإمكانه أن يخرجها في أملية يضعها بين يدي طلبته، ولكن الأهم من ذلك كله أن يعمل أستاذ الدراسات العليا على صياغة محاضراته بشكل يستطيع معه تغذية ملكة البحث والتفكير لدى الطالب، فيحاول أن يستنبط مادة المحاضرة من ألسنة طلابه بعد أن يطرح عليهم موضوعه، وتكون طريقة طرح هذا الموضوع قادرة على تفجير الأفكار في نفوسهم. وقدح زناد ملكتهم التفكيرية والإبداعية، ثم إذا ما انتهى من "نتح" ما عندهم حول هذا المحور الذي طرحه، انصرف وإياهم إلى "منهجة " أفكارهم ومناقشتها، ثم ترتيبها وتبويبها تبويبا منهجيا منطقياً بحيث يمكن أن تكون عناصرها في النهاية عناصر لموضوع أو بحث أدبي صغير هو جماع المحاضرة في الحقيقة.

إن الغاية الأساسية لأستاذ الدراسات العليا هي بذلك تلقين طلابه- من خلال محاضراته- تلقيناً عملياً تطبيقياً، ما أمكن، أصول "المنهجية" وطرائق التفكير العلمي الموضوعي، وكذلك التعبير بدقة وموضوعية عن أفكارهم التي تعتمل في أذهنتهم دون أن يجدوا القدرة في كثير من الأحيان، على إخراجها إلى حيز الوجود في الشكل اللغوي الصحيح وفي البناء المنطقي السليم، مما لا يمكن أن يحصل عليه هؤلاء الطلاب من المكتبة أو غيرها بمفردهم.

و"المحاضرة الإعلامية " توازي في كثير من بحوثنا الأدبية المعاصرة "التأليف الوصفي" أو "التاريخي" في دراسة الأدب، وهي بحوث يعفي المؤلف نفسه فيها من أي إبداع أو كشف جديد، فينصرف إلى صياغة الواقع التاريخي للأدب- ماضياً أو حاضراً- صياغة وصفية أفقية، فيها من الزخرف الإنشائي - أحياناً- أكثر مما فيها من الفكر والإبداع. ولعل كثرة هذه البحوث التاريخية- الإنشائية كانت وراء التقسيم المفتعل الذي فرض على مادة الأدب في معظم الجامعات العربية، فجعلها في مادتين: واحدة في تاريخ الأدب، وأخرى في نصوصه، مما شجع الاتجاه التاريخي أو "الإعلامي" لدى كثير من أساتذة الأدب في محاضراتهم الجامعية، سواء على مستوى الدراسات الجامعية الدنيا أو على مستوى الدراسات العليا، فرأينا كثيراً من المحاضرات في مادة الأدب تسرد على الطلاب تاريخ أدبهم سرداً أجوف تغني الطالب عنه عشرات من الكتب التي تؤرّخ لهذا الأدب، فيستعيض بها أو ببعضها عن مدرسه الذي يتجشّم عناء السرد عليه ومشقة المحاضرة فيه.

إن تجاوزنا لمرحلة الدراسة الوصفية أو التاريخية للأدب تدفعنا إلى تجاوز هذا التقسيم المفتعل لمادة الأدب من ناحية، وإلى تجاوز "المحاضرة الإعلامية"- حتى على مستوى الدراسات الدنيا- من ناحية أخرى.

والطرائق لتجاوز الأسلوب "الإعلامي" كثيرة، لعل أ برزها وأقربها متناولاً طريقة طرح الأسئلة المحيطة بالموضوع الذي يريد المدرّس أن يحاضر فيه. ولطريقة طرح الأسئلة هي أيضاً طرائق متعددة، فهناك السؤال الجزئي، والسؤال الكليّ، والسؤال المباشرة والسؤال غير المباشر، والسؤال المفرد، والسؤال المزدوج. وهذا النوع الأخير من الأسئلة- الأسئلة المزدوجة- هو الذي تبنّيناه في تدريس هذه المادة، ومن ثم في صياغة هذا البحث، وهو الذي نراه أكثر مقدرة على تفجير طاقة الطالب الكامنة، لأنه يقوم على قطبين: سالب وموجب - إذا استعملنا لغة الفيزيائيين- يمكن بالتقائهما أو تصادمهما أن يثيرا الشرارة الغنيّة التي نسعى للحصول عليها من ذهن الطالب.

وهكذا لم أشأ أن ألقي درساً إعلامياً على طلابي في منهج البحث، الصحفي، أو العلمي، أو التاريخي، أو اللغوي، أو الأدبي، بل كنت أضع الطلبة في كل محاضرة أمام سؤال مزدوج يشدّ عقولهم باستمرار إلى محور الموضوع الأساسي للمحاضرة، ويدفعهم إلى أن يعطوا من بنات أفكارهم أكثر مما كانوا يتوقعون، مهما كان ظنهم بأنفسهم حسناً. وهكذا بدأت معهم محاضراتي بإلقاء هذا السؤال عليهم:

 

- ما الفرق بين الصحفي والباحث؟.

وتتالت أجوبتهم الذكية- غالباً- بعد أن قدح السؤال المزدوج زناد أفكارهم: إن على أذهانهم الآن- تبعاً لطبيعة السؤال- أن تبحث، في وقت واحد، عن حقيقة الصحفي، وعن حقيقة الباحث، ثم أن توجد المعادلة إثر المعادلة في إيضاح الفروق الأساسية بينهما، ثم أن تبحث عن صياغة مقبولة سليمة لهذه المعادلات يمكن أن تعبر بدقة عن المطلوب منهم: الفرق بين الطرفين.

وكانوا- في البداية- كثيراً ما يخلطون بين "الفروق" وغيرها، فيأتون بصفة للصحفي لا تقابل تماماً الصفة التي قدموها للباحث، مما يخرج بهم عن "المعادلة" المطروحة، ثم لا يزالون يصقلون إجابتهم ويهذبونها حتى يستقيم لهم طرفا المعادلة، فأسجّل الإجابة أمامهم، بعد أن قسمت اللوح المخصص للكتابة إلى قسمين: الأول للصحفي، والآخر للباحث.

وتظل الإجابات تترى. ثم لا يلبث نوع من هذه الإجابات أن يدفعني إلى تعديل لابد منه على السؤال، إذ يتبين من خلال طرح الإجابات ومناقشتها وجود أكثر من نوع واحد من الصحفيين في أذهان الطلاب فهناك "الصحفي اليومي"، أو "الإخباري" الذي لا يهمه - في كثير من الأحيان- أن يمحص الخبر وأن يدقق كثيراً في صحته، وهناك "الصحفي السياسي" الذي يهمه إبراز أخبار معينة وإخفاء أخرى، أو يستخدم أساليب ذكية في عرضها يجعل من الخبر الأول خبرا ثانوياً، أو العكس، هذا إذا لم يصطنع الأخبار أو يزيفها بنفسه، ثم هناك "الصحفي الشهري" أو "الفكري " والذي هو في حقيقته باحث أيضاً، وإنما تقوم مقارنتنا هذه على "الصحفي اليومي" خاصة دون "الصحفي الفكري" حتى نحقق التباعد بين الطرفين إلى أقصى حد، ولكي نصل من خلال هذا التباعدا في أذهان الطلاب، إلى ما يمكن أن نصل إليه من ملامسة القطبين الكهربائيين السالب والموجب، من قوة أو طاقة. وهكذا نعيد صياغة السؤال بشكل أكثر دقة فيكون: ما الفرق بين الصحفي اليومي والباحث؟

وإذا تجمع أمامنا عناصر عديدة تكاد تستقصي الفروق بعين هذين الطرفين- ومعظمها من صنع الطلاب أنفسهم- نعود إلى دراستها عنصراً عنصراً: من الناحية الفكرية، والتعبيرية، والمنهجية، فنحذف منها ما أغنى عنه غيره، ونعدّل منها ما استدعت موضوعية الفكرة أو دقتها تعديله، ونعيد صياغة ما قصرّت لغته عن الوفاء بالمعنى المقصود بدقة، ويجري هذا كله على أيدي الطلبة أنفسهم- مع المساعدة الضرورية من المدرس أحياناً- ونفصّل خلال ذلك، الحديث عن هذه العناصر، دارسين جوانب كل عنصر منها على حدة، وملمين عبر هذا التفصيل بشوارد العنصر وروافده.

وتأتي الخطوة الأخيرة، في إعادة ترتيب العناصر التي توصل إليها الجميع، من قبل الجميع أيضاً، ترتيباً منهجياً يراعي تسلسل الأفكار واطرادها، متصورين أن هذه العناصر ما هي إلا عناوين فقرات في موضوع أو فصول في كتاب، فإذا ما توصّلنا إلى ترتيبها على هذا الشكل كان أمامنا مخطط كامل لموضوع أو بحث.

ثم لا تلبث المحاضرات التالية أن تضع الطلاب أمام أسئلة أكثر دقة، ومن ثم تكون الإجابة عليها أكثر صعوبة، وأشدّ إثارة للفكر، وتفجيرا للطاقة، فكلّما قلّت المسافة بعين قطبي المعادلة ازدادت صعوبة تحديد الفروق بينهما، وفي الوقت نفسه ازداد العمق الفكري للمحاضرة، وازدادت إجابات الطلاب دقة وتركيزاً. وهكذا يجد الطلاب أنفسهم في المحاضرة التالية أمام هذا السؤال:

 

- ما الفرق بين الباحث العلمي والباحث الإنساني؟

فيدخل بهم السؤال الجديد عالما أكثر ضيقا: عالم الباحثين وحدهم، فإذا كان الفرق بين الباحث وغير الباحث كبيرا وواضحا، فهو بين الباحث والباحث دقيق وأقل وضوحا. ولكن أن يكون الطرف الأول من المعادلة هو (الباحث العلمي) والطرف الثاني هو (الباحث الإنساني)- وبينهما مسافة لا يخفى امتدادها- يجعل الانتقالة بين السؤالين، الأول والثاني، انتقالة بسيطة ميسورة.

ولكن بالانتقالة التالية، ثم ما بعدها، نشدّد الحصار أكثر فأكثر على الطالب، حين نضعه في المحاضرات المتوالية أمام هذه الأسئلة المتطورة عمقا والمطردة دقة وتركيزا.

- ما الفرق بين الباحث والمحقق؟

- ما الفرق بين الباحث الأدبي والباحث التاريخي؟

- ما الفرق بين الباحث الأدبي والباحث اللغوي؟

- ما الفرق بين الناقد الأدبي والمؤرخ الأدبي؟

- ما الفرق بين دارس الشعر ودارس النثر؟

ومع اشتداد الحصار عليه تزاد العمليات الذهنية لديه قوة وعمقا، وتزداد أجوبته دقة وإحكاما، ويصل مع أستاذه إلى السؤال الذروة وقد أصبح ملمًّا بمعظم عناصر المنهج ومقومات البحث من ناحية، وممتلكا لمقدرة أكبر على التفكير و "المنهجية" وإصدار الأحكام العميقة الجادة، من ناحية أخرى.

إنها أسئلة اخترتها تبعا لاتجاهات طلابي الدراسية وطبيعة اهتماماتهم وحاجاتهم ضمن هذه الاتجاهات، ولكل مدرس أن يختار الأسئلة التي يعتقد أن الإجابات ستقدم لطلابه أهم ما يحتاجونه من مادة منهج البحث. وعلى هذا فالأبواب مفتوحة أمام المدرس في وضع مثل هذه الأسئلة المزدوجة، واتجاهاتها كثيرة، وألوانها مختلفة، تبعا لاختلاف المادة، أو نوعية اختصاص الطلبة، كما في هذه النماذج المتباعدة من الأسئلة مثلا:

- الفرق بين الباحث الديني والباحث العلماني.

- الفرق بين الباحث الإسلامي والباحث الماركسي.

- الفرق بين المؤرخ اللغوي والباحث اللغوي.

- الفرق بين المحقق في الغرب والمحقق في الشرق العربي.

- الفرق بعين الباحث الشرقي والباحث الغربي.

- الفرق بين تحقيق كتاب في العربية وآخر في اللاتينية.

- الفرق بين محقق الكتاب القديم ومحقق الكتاب الحديث.

- الفرق بين طباعة الكتاب في الشرق العربي وطباعته في الغرب.

- الفرق بين عمل الباحث وعمل المترجم.

- الفرق بين منهج المقالة الصحفية ومنهج الخبر الصحفي.

- الفرق بين منهج الخبر الصحفي ومنهج الإعلان الصحفي.

- الفرق بين المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي في دراسة الأدب.

- الفرق بين المنهج التكاملي والمنهج البنيوي... الخ.

وهي أسئلة ما تزال تحتاج إلى من يجيب عنها من الدارسين- ولا أدري إن كنت سأفعل ذلك في المستقبل- وأنا أرجو أن يسبقني إلى ذلك الباحثون الآخرون، وأن يطرحوا على أنفسهم- ومن ثم على قارئيهم- أسئلة كثيرة أخرى تستطيع إجاباتهم عليها أن تستوعب قدراً كبيراً من المادة الفكرية لمنهج البحث عن طريق هذه الفروق التي نتصورها بين أنواع البحوث والمناهج، ثم تفريع الفروع والعناصر من تلك الفروق، تفريعاً نعمد خلاله إلى قتل أطرافها بحثاً ودراسة وتمحيصاً.

 

علم وعمل

انظر في سير الأولين وأخبار الماضين. فكم فيها من جليل وغنـي وكبير، كانت تسير له المواكب، ويقف له على كل باب حاجب قد انقضى بموته خبره ، ومحـي في غياهب الحقب أثره، فلا نعرف له اليوم ذكراً، ولا نقيم له قدراً، وكم من عالم أو شاعر. أو قائد أو ناثر كان من خدام بابه، وسدنة أعتابه لا يزال ذكره بيننا حاضراً وفضله في أيدينا ناضرا، ولا سبب لهذا إلا أنه كان لهذا (علم وعمل) وأما الأول فكان خلوا منهما، إن هي إلا زخارف وشارة وأبهة وإمارة، تذهب كالزبد جفاء إن حان لصاحبها القضاء.

 

 

 


[1] والمنشور هنا هو الجزء الأول منه.

[2] اكتفينا بالتعريف بالكتب التي لم تعرف بها الدراسات السابقة، أما الكتب والدراسات الأخرى، العربية والمترجمة، فنشير إلى أشهر مواضع التعريف بها:. الكتب (مصطلح التاريخ) لأسد رستم، و(منهج البحث التاريخي) لحسن عثمان، و(نحن والتاريخ) لقسطنطين زريق، و(كيف تكتب بحثا أو رسالة) لأحمد شلبي، عرفت بها ثريا ملحس في كتابها (منهج البحوث العلمية)، ثم (منهج البحث الأدبي عند العرب) رسالة دكتوراة لأحمد جاسم الفجيري عرف بها علي جواد الطاهر في كتابه (منهج البحث الأدبي) ، ثم (الأدب وعلم النفس) لسامي الدروبي، و(مناهج الدراسات الأدبية) لشكري فيصل، و(مناهج النقد الأدبي) لديفيد دنيشس ـ ترجمة محمد يوسف نجم، و(تحقيق النصوص ونشرها) لعبد السلام هارون، و (نظرية الأدب) لرينيه ولك وأوستين وارن ـ ترجمة محيي الدين صبحي) وقد عرف بها شكري عياد في أمليته ـ وستصدر في كتاب ـ ثم مقدمة كتاب (الأدب الجاهلي) لطه حسين وقد عرف بها شوقي ضيف في (البحث الأدبي).

[3] في مقدمة الطبعة الثالثة لكتابه (منهج البحث الأدبي) ص12، بغداد: 1976.