|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
|
رسائل لم يحملها البريد |
|
للشيخ
عبد الرؤوف اللبدي |
|
المدرس
بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية |
|
|
|
أختي العزيزة هل: |
|
هذه هي الرسالة الثامنة تكتبها إليك أختك همزة
الاستفهام، وتحدثك فيها عن صيغ ثلاث جديدة من هذه الصيغ التي تدخل فيها على لم
النافية الجازمة للفعل المضارع، وقد كانت من قبل قد حدثتك في رسائلها السبع
المتقدمة عن أربع عشرة صيغة، أما الصيغة الخامسة عشرة فهي: "ألم يهد"،
وقد وردت كما ثلاث آيات من آيات القرآن الكريم: |
|
الآية الأولى قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا
أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} (الأعراف/100). |
|
الهمزة في هذه الصيغة (أو لم يهد) في آيتها الأولى
للإنكار والتوبيخ: ينكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على أهل مكة وغيرهم من
العرب الذين استخلفوا في الأرض من بعد أهلها، ينكر عليهم ويوبخهم أن لم يتعظوا
بما أصاب أهل هذه الأرض قبلهم من عذاب وهلاك بسبب كفرهم وتكذيبهم الرسل، مع
علمهم بأن الله قادر على أن يصيبهم بما أصاب أولئك لو شاء ذلك. |
|
والفعل المضارع في هذه الصيغة وهو (يهد) أي يتضح
ويبين مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء من آخره. وفي فاعله ثلاثة
آراء ذكرها أبو حيان في تفسيره البحر المحيط [1]
وذكرها أيضا صاحب الفتوحات الإلهية نقلا عن السمين [2]. |
|
أحدها: أنه المصدر المؤول من أنْ وجواب لو، والمفعول
به على هذا الرأي محذوف، والتقدير: أو لم يتبين إصابتُنا إياهم بذنوبهم لو شئنا
ذلك عاقبة أمرهم، فإصابتُنا وهو المصدر المؤول فاعل، وعاقبة أَمرهم هو المفعول
به المحذوف. |
|
الرأي الثاني: أن الفاعل ضمير اسم الله تعالى، وعلى
هذا الرأي فالمصدر المؤول من أنْ وجواب لو هو المفعول به، والتقدير أو لم يهد أي
يبين الله لهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك. |
|
الرأي الثالث: أن الفاعل ضمير مستتر في يهد يعود على
ما يفهم من سياق الكلام، والتقدير: أو لم يبين لهم ما جرى للأمم السابقة إصابتنا
إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك. |
|
ويبدو لي - والله أعلم- أن أقرب هذه الآراء الثلاثة
إلى الصواب هو الرأي القائل: إن المصدر المؤول من أَنْ وجواب لو هو الفاعل لأنه
هو الذي يبدر إلى الذهن أول وهلة، وعليه ظاهر اللفظ، ويؤيده تفسير ابن عباس رضي
الله عنهما، وتفسير أبي جعفر بن جرير، فقد جاء في تفسير ابن كثير [3]:
" قال ابن عباس رضى الله عنهما في قوله تعالى: {أَوَلَمْ
يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا } أولم
يُبين لهم أنْ لو نشاء أصبناهم بذنوبهم. وكذلك قال مجاهد وغيره، وقال أبو جعفر
بن جرير في تفسيرها [4]
يقول الله تعالى أولم يبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين كانوا
أهلها، فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا عن أمر ربهم { أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ }
اهـ. |
|
والظاهر من التفسيرين المتقدمين أن الفاعل هو أنْ
وما في حيزها، وليس فيهما ما يدل على أن الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أو ضمير
يعود على غيره تعالى. |
|
الآية الثانية التي وردت فيها صيغة (ألم يهد) قوله
تعالى: { أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا
قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لآياتٍ لأُولِي النُّهَى } (طه/ 128). |
|
همزة الاستفهام في (أفلم يهد لهم) في آيتها الثانية
للإنكار والتوبيخ كما في الآية الأولى: |
|
ينكر الله سبحانه وتعالى على أن المشركين من أهل مكة
وغيرهم ويوبخهم أن لم يبيّن لهم ويعظهم كثرة من أهلكهم من الأمم قبلهم بسبب
كفرهم وتكذيبهم الرسل، مع أنهم يمشون في مساكن أولئك المهلكين وهم مسافرون إلى
الشام وغيرها، ويتقلبون في بلادهم، ويشاهدون آثار العذاب الذي نزل بهم.. |
|
وقد اختلفت الآراء أيضا في فاعل يهد في هذه الآية. |
|
يقول أحدها: إن الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أي ألم
يبيّن الله لهم. |
|
ويقول رأي ثان: إن الفاعل مصدر مأخوذ من أهلكنا بدون
سابك، رعاية لما يقتضيه المعنى، والتقدير أفلم يهد لهم إهلاكُنا. |
|
ويقول رأي ثالث: إن الفاعل مقدر، تقديره الهدى. |
|
ويقول رأي رابع: إن الفاعل هو الجملة بعده، أي جملة
كم أهلكنا قبلهم من القرون. |
|
وأنا أميل إلى هذا الرأي الرابع، وهو رأي كوفي يجوّز
وقوع الجملة مسندا إليها في الصورة وظاهر اللفظ، مع تأويلها بمفرد يدلّ عليه
المعنى [5]. |
|
ويعجبني قول ابن مالك في شرح التسهيل: "وفي
قوله تعالى { أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ
أَهْلَكْنَا } إنه على تأويل أو لم يهد لهم كثرةُ إهلاكنا، وجاز
الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل، كما جاز في باب المبتدأ نحو { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ
تُنْذِرْهُمْ } اهـ قول ابن مالك [6]. |
|
وقول ا بن مالك هذا يشعر (كما قال القاسمي) بأن
الفاعل الجملة لتأويلها بالمفرد. |
|
وقد فسر ابن كثير قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ
مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ } (السجدة/ 26) فسره
بقوله "يقول تعالى أولم يهد لهؤلاء المكذبين ما أهلك الله من الأمم الماضية"
اهـ [7]
ويبدو من هذا التفسير أن فاعل (يهد) هو جملة كم أهلكنا ولكن باعتبار معناها
ومضمونها. |
|
وعلى الرأي القائل إن الفاعل هو جملة كم أهلكنا على
تأويلها بالمفرد يكون المفعول به محذوفا تقديره مآل أمرهم وعاقبة كفرهم. |
|
أما إعراب ما يتعلق بهذه الصيغة من كلمات في قوله
تعالى: { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا
مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ } ف
(لهم) جار ومجرور يتعلقان بالفعل (يهد). و (كم) تكثيرية مبنية على السكون في محل
نصب مفعول مقدم لأهلكنا. و (أهلكنا) أهلك فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير
رفع متحرك أو مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره السكون العارض لاتصاله
بضمير رفع متحرك. والفعل على كلا الإعرابين لا محل له من الإعراب. و (نا) ضمير
مبنيى على السكون في محل رفع فاعل. و (قبلهم) قبل حرف زمان منصوب وعلامة نصبه
الفتحة الظاهرة على آخره و (هم) ضمير مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وهذا
الظرف متعلق بالفعل قبله (أهلك). و (من القرون) (من) بيان لكم والجار والمجرور
يتعلقان بمحذوف صفة لكم وهذا رأي، وهناك رأي آخر يقوله إن من البيانية ومجرورها
في محل نصب على الحال وجملة (يمشون في مساكنهم) في محل نصب حال من الضمير في
(لهم). |
|
الآية الثالثة التي وردت فيها صيغة (ألم يهد) قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ
مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ أَفَلا
يَسْمَعُونَ } السجدة/ 26. |
|
الهمزة في هذه الصيغة في آيتها الثالثة للإنكار
والتوبيخ بالمعنى الذي تقدم تفصيله في الآية السابقة. |
|
وما قيل في فاعل (يهد) في آيتها الثانية المتقدمة
يقال هنا في هذه الآية الثالثة، فلا حاجة إلى الإعادة والتكرار. |
|
وإعراب بقية كلمات هذه الصيغة قد تقدم ذكره في الآية
الثانية. |
|
أختي العزيزة هل: |
|
أما الصيغة السادسة عشرة من هذه الصيغ التي أدخل
فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع فهي (أو لم يتفكروا) وقد جاءت هذه
الصيغة في آيتيها اثنتين: |
|
الآية الأولى قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ } الأعراف/184. |
|
الهمزة هنا في هذه الصيغة (أو لم يتفكروا) للإنكار
والتوبيخ: |
|
ينكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على كفار مكة
ويوبخهم أن لم يتفكروا في انتفاء الجنون عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو
صاحبهم قد عرفوه من قبل هذا صغيرا وجرّبوه كبيرا فما رأوا فيه طيش شباب ولا
انحرافا عن صواب، واستأمنوه فكان المستأمن الأمين، واستمعوا إلى قوله فكان
المحدث الصادق، وحكّموه فيما شـجر بينهم من خلاف فكان الحكم العدل والقاضي
الثاقب الرأي، فمن أين يجيئه الجنون بعد هذا كله؟!! لو كنتم يا كفار مكة تتفكرون
في أنفسكم ! وتتدبرون الذي عرفتم عن صاحبكم هذا لقلتم حقاً وصدقاً إن هو إلا
نذير مبين. |
|
وإعراب (أولم يتفكروا) واضح بيِّن قد مضى إعراب مثله
كثيراً. |
|
وإعراب (ما بصاحبهم من جنة): (ما) نافية غير عاملة،
حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب (بصاحبهم) جار ومجرور ومضاف إليه:
الباء حرف جر وصاحب مجرور بالباء وهم ضمير مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ولك أن تقول الجار والمجرور في محل
رفع خبر مقدم. (من جنة) من حرف جر زائد وجنة مجرور بمن وعلامة جره كسرة ظاهرة
على آخره وجنة المجرور بحرف الجر الزائد مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة
على آخره منع من ظهورها الكسرة التي أتي بها لمناسبة حرف الجر الزائد، وعلى رأي
من يرى أن المجرور بحرف الجر الزائد يكون إعرابه محلياً تقول (جنة) مبتدأ مؤخر
وهو في محل رفع. |
|
وجملة (ما بصاحبهم من جنة) في محل نصب بالفعل
(يتفكروا) بعد إسقاط حرف الجر (في) ومن النحويين من يجوز أن تكون جملة (ما
بصاحبهم من جنة) في محل جر بفي المقدرة. |
|
الآية الثانية التي وردت فيها هذه الصيغة قوله
تعالى: { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ
وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ
لَكَافِرُونَ } (الروم/8). |
|
همزة الاستفهام في هذه الصيغة في آيتها الثانية
للإنكار والتوبيخ: |
|
ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين يكفرون
بالبعث ولا يؤمنون بالآخرة، ينكر عليهم ويوبخهم ألا يتفكروا في أنفسهم ويتدبروا
في هذه الأشياء العظيمة التي خلقها الله تعالى، هذه السموات والأرض وما بينهما،
وأنه تعالى ما خلقها عبثاً ولا لعباً، وإنما خلقها متلبسة بالحق مقترنة بالحكمة
مقدرة بأجل مسمى تنتهي إليه، وهو يوم القيامة يوم الحساب والثواب والعقاب، يوم
لقاء رب العالمين. |
|
وإعراب (أولم يتكفروا في أنفسهم ما خلق الله السموات
والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) واضح سهل. ومع ذلك أعرب بعض كلماتها: |
|
(وما بينهما) الواو عاطفة (ما) اسم موصول مبني على
السكون في محل نصب معطوف على السموات، و (بين) ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه
الفتحة الظاهرة على آخره، وبين مضاف وهما مضاف إليه مبني على السكون في محل جر
بالإضافة. ومن المعربين من يجزئ (هما) فيقول في إعرابها: الهاء وحدها هي الضمير،
والميم حرف عماد، والألف حرف دال على التثنية، وقد سبق أن بينت ضعف هذا الرأي،
لأن الذي يدل على الاثنين الغائبين هو مجموع الأحرف الثلاثة، وليس الهاء وحدها. |
|
وظرف المكان (بين) متعلق بفعل محذوف تقديره كان،
والجملة مكونة من هذا الفعل المحذوف وما تعلق به صلة الموصول (ما) وهي جملة لا
محل لها من الإعراب. |
|
(إلا بالحق) (إلا) أداة حصر حرف مبني على السكون لا
محل له من الإعراب، (بالحق) جار ومجرور يتعلقان بمحذوف حال، والمعنى: ما خلق
الله السموات والأرض وما بينهما إلا متلبسة بالحق وأجل مسمى. |
|
(وأجل مسمى) الواو عاطفة و (أجل) معطوف على الحق و
(مسمى) نعت لأجل مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره وهو الألف منع من ظهورها
التعذر. |
|
وجملة (ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق
وأجل مسمى) في محل نصب مفعول به لفعل (يتفكروا) على إسقاط الخافض، ويجوز أن تكون
هذه الجملة في محل جر بفي المقدرة. |
|
أختي العزيزة هل: |
|
الصيغة السابعة عشرة من هذه الصيغ التي أدخل فيها
على لم النافية الجازمة للفعل المضارع هي (ألم ينظروا) وقد جاءت في آيتين اثنتين: |
|
الآية الأولى قوله وتعالى: { أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ
اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ }
(الأعراف/ 185). |
|
هذه الاستفهام في هذه الصيغة الواردة في هذه الآية
للإنكار والتوبيخ: |
|
ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين يكفرون
بآيات الله، وينكرون البعث والحساب، ويكذّبون بما جاء به الرسول صلى الله عليه
وسلم، ينكر عليهم ويوبخهم أن لم يتأملوا في عظمة الله وسلطانه وبديع صنعه فيما
خلق من سموات وأرض وأشياء كثيرة مختلفة لا تحصى مبثوثة أمام أعينهم في كل مكان
تدل على أنه الواحد القادر على كل شيء، فيؤمنوا بالله سبحانه وتعالى، ويصدقوا
برسوله صلى الله عليه وسلم. |
|
وينكر عليهم أيضاً ويوبخهم أن لم يتدبروا اقتراب
أجلهم فيبادروا إلى الإيمان قبل الفوات، قبل أن يأتيهم الموت بغتة فيهلكوا وهم
على الكفر وبئس الممات. |
|
هذا، وإعراب قوله تعالى (أو لم ينظروا في ملكوت
السموات والأرض) سهل واضح، قد تقدم إعراب مثله أكثر من مرة. |
|
وأما
إعراب قوله تعالى بعد ذلك (وما خلق الله من شيء) فالواو عاطفة، و (ما) اسم موصول
مبني على السكون في محل جر
معطوف على ملكوت. و (خلق) فعل ماض ولفظ الجلالة (الله) فاعل و (من شيء) من حرف
جر، وهي هنا بيانية تبين المعنى المراد
من اسم الموصول (ما) وشيء مجرور بمن، والجار والمجرور (من شيء) في محل
نصب على الحال من (ما) وجملة (خلق الله من شيء) لا محل لها من الإعراب صلة
الموصول، والعائد محذوف، والتقدير وما خلقه الله من شيء. |
|
وإعراب
قوله تعالى بعد ذلك (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم): |
|
الواو
عاطفة و (أن)- بفتح الهمزة وسكون النون- مخففة من أنَّ الثقيلة، حرف توكيد، تنصب
المبتدأ ويسمى اسمها وترفع الخبر ويسمـى خبرها، واسمها ضمير الشأن محذوف تقديره
هو أي الحال والشأن. |
|
وعسى
فعل ماض جامد مبنية على فتح مقدر على الألف للتعذر لا محل لها من الإعراب. |
|
وتستعمل
(عسى) أحياناً فعلا ناقصا فتعمل عمل كان، وأحياناً فعلا تاما فتكتفي بمرفوعها على
أنه فاعل. |
|
وتدل
(عسى) على الترجي والطمع في خبرها أو فاعلها إن كان محبوبا، وعلى الخوف والإشفاق
منه إن كان مكروها. |
|
وتفيد
(عسى) الظن والشك في وقوع أمر مع توقع حصوله، وقد تأتي لليقين، وهي هنا في هذه
الآية لليقين. |
|
ويجوز
في (عسى) الواردة في هذه الآية أن تكون ناقصة وأن تكون تامة، وعلى اعتبار أنها
ناقصة في (أجلهم) المذكور في آخر جملتها اسمها مرفوع وعلامة رفعه ضمة ظاهرة على
آخره وهو اللام. (أجل) مضاف و (هم) مضاف إليه مبني على السكون في محل جر
بالإضافة، وعلى هذا الإعراب تكون المسألة من باب التنازع: |
|
تنازع
(عسى) و (يكون) و (اقترب) في (أجلهم) فأعمل الأول وهو عسى وأضمر في الثاني
والثالث، وأتم الإعراب على اعتبار أنها ناقصة وعلى اعتبار التنازع السابق الذكر
فأقول: (أن يكون) أن حرف مصدري ناصب للفعل المضارع مبني على السكون لا محل له من
الإعراب، و (يكون) مضارع كان الناقصة منصوب بأن وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على
آخره، واسم يكون ضمير مستتر تقديره هو يعود على (أجلهم) المتأخر لفظاً المتقدم
رتبة، (قد اقترب أجلهم): |
|
(قد)
حرف تحقيق مبني على السكون لا محل له من الإعراب. و (اقترب) فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وفاعله ضمير
مستتر تقديره هو يعود على (أجلهم) المتأخر لفظاً المتقدم رتبة، وجملة (قد اقترب)
في محل نصب خبر يكون، والمصدر المؤول من (أن يكون) في محل نصب خبر (عسى). |
|
وعلى
اعتبار (عسى) تامة يكون فاعلها المصدر المؤول من (أن يكون) واسم (يكون) يجوز أن
يكون ضمير الشأن المحذوف وحينئذ يكون أجلهم فاعل اقترب ويجوز أيضاً أن يكون
أجلهم اسم يكون، وفاعل اقترب حينئذ ضمير يعود على أجلهم المتأخر لفظاً المتقدم
رتبة. |
|
وأيًّا
كان الإعراب في (أنْ) المخففة من الثقيلة وما دخلت عليه في تأويل مصدر يكون في
محل جر بالعطف على ملكوت المجرور بفي، ولأن عسى فعل جامد لا يؤخذ منها مصدر يقدر
المصدر من الكون على معنى أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من
شيء وكينونة عسى أن يكون قد اقترب أجلهم. |
|
الآية
الثانية التي وردت فيها صيغة (ألم ينظروا) قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ
بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} (ق:6). |
|
همزة
الاستفهام في هذه الصيغة الواردة في هذه الآية للإنكار والتوبيخ: |
|
ينكر
الله سبحاله وتعالى على الكافرين بالبعث ويوبخهم أن لم ينظروا بعيونهم نظراً
يصحبه التدبر والتفكر إلى هذه السماء فوقهم عاليةً بعيدة في علاها، من غير أن
تقوم على عمد، قد أحكم بناؤها فلا فطور ولا فروج ولا اضطراب، وهى مع ذلك جميلة
رائعة الجمال، تزينها أشعة شمس الصباح فتملأ الأعين وتأخذ بمجامع القلوب،
وتزينها أشعة شمس الغروب فتذهب النفس معها كل مذهب، ويطير الخيال وراءها كل
مطار. |
|
وللسماء
بين هذه وتلك وجه مشرق وضيء يملأ الكون صفاء وبهاء. |
|
وفي
الليل- وما أجمل ليل السماء، وما أجمل سماء الليل- يزينها لألاء النجوم، وبسمات
الكواكب، وأشعة القمر، فلا تمل منها عين ولا يروى بصر، يود الناظر إليها أن يطير
وراء كل نجم، وأن يسبح معها في كل فلك. |
|
لقد
كان بناء هذه السماء وتزيينها بالشمس والقمر والكواكب من أعظم الدلائل على أن
الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، فما لهؤلاء الكافرين بالبعث لا يفكرون ولا
يعقلون، إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. |
|
أما إعراب هذه الآية: {أَفَلَمْ
يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا
وَمَا لَهَا مِنْ ُفرُوجٍ}
فسهل واضح في الكلمات الأولى (أفلم ينظروا إلى السماء). |
|
وأما إعراب ما جاء بعد ذلك فـ (فوقهم) (فوق) ظرف
مكان منصوب وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على آخره، وهو متعلق بمحذوف حال من السماء،
فوق مضاف وهم مضاف إليه مبني على السكون في محل جر بالإضافة. و (كيف بنيناها)
(كيف) اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من (ها) في بنيناها و
(بنيناها) مكونة من فعل ماض (بنى) مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك لا محل
له من الإعراب. و (نا) ضمير مبني على السكون في محل رفع فاعل. و (ها) ضمير مبني
على السكون في محل نصب مفعول به. وجملة (كيف بنيناها) في محل جر بدل من السماء
وهو بدل اشتمال، والمعنى أفلم ينظروا إلى السماء كيفية بنائنا لها. |
|
(وزيناها) الواو عاطفة، وإعراب (زيناها) كإعراب
(بنيناها). |
|
(وما لها من فروج) الواو للحال، و (لها) جار ومجرور
يتعلقان بمحذوف خبر مقدم و (من) حرف جر زائد، و (فروج) مجرور بمن وعلامة جره
كسرة ظاهرة على آخره. وفروج المجرور بمن مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة
على آخره منع من ظهورها الكسرة التي أتي بها لمناسبة حرف الجر الزائد، وجملة (مالها
من فروج) في محل نصب على الحال من (ها) في (زيناها). |
|
أختي العزيزة هل: |
|
قبل أن أختم هذه الرسالة أحب أن أنبهك على أشياء: |
|
أحدها: قد تقدم في إعراب قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ}
أن (من) حرف جر زائد، وأحب أن أنبهك هنا على أن هذه الزيادة لا تعني أن هذا
الحرف الزائد حشو في الكلام، دخوله فيه كخروجه منه، ولكنها اصطلاح نحوي يعني ثلاثة
أشياء: |
|
أحدها: أن المعنى الأساسي للجملة يتم بدون هذا الحرف
الزائد. |
|
الثاني: أن هذا الجار الزائد لا يحتاج إلى متعلق. |
|
الثالث: أن مجرور هذا الحرف الزائد له حركة إعرابية
غير هذه الكسرة التي جاءت لمناسبة حرف الجر الزائد. |
|
هذا الذي سماه أهل النحو زائدا لا بد منه عند أهل
البلاغة، عند من يتذوقون أساليب القول الرفيع، ويتعرفون وجوه البيان المشرق. |
|
فالإتيان بهذا الحرف الزائد في هذا المكان من قوله
تعالى يفيد نفي الجنون عن الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل العموم والشمول نصاً
لا يقبل أي احتمال. والحال التي كـان عليها كفار مكة من وصفه صلى الله عليه وسلم
كذبا وبهتانا بالجنون أكثر من مرة، حالهم تلك تقتضي مثل هذا القول، وقد سبق بيان
مثل هذا في قوله تعالى: {أَوَلَمْ تَكُونُوا
أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} وذلك في الصيغة
الثانية عشرة وفي الرسالة السادسة من هذه الرسائل. |
|
الثاني: التعبير عنه صلى الله عليه وسلم (بصاحبهم)
في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا
بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} كان تعبيرا عميق الدلالة فالج الحجة،
كأنما هو يقول لكفار قريش: إن طول مصاحبتكم لهذا الرسول، واطلاعكم الكامل على
أحواله، وتجاربكم الطويلة المتنوعة معه، كل أولئك قد أثبت لكم صدقه في الحديث،
ورجاحة عقله في تصريف الأمور. فمن أين يجيئه الجنون يا بله التفكير ويا عمي
البصائر. |
|
الثالث: قد تقدم في هذه الرسالة بيان معنى الاستفهام في
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي
أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا
إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً} وأحب أن أنبهك هنا على أن الأوضح
والأرجح- في رأيي- أن يتعلق الجار والمجرور (في أنفسهم) بالفعل (يتفكروا) على اعتبار
أن الأنفس ظرف للتفكر. |
|
ولأن التفكر لا يقع إلا في القلوب والأنفس كان (في
أنفسهم) زيادة تصوير وتوكيد للتفكر، ومن هذا الأسلوب قولك اعتقده في قلبك وأضمرْه
في نفسك، وأبصرْه بعينك واسمعه بأذنك. |
|
وعلى هذا الاعتبار المتقدم يكون متعلق التفكر ومفعوله
والشيء الذي وبخوا على عدم التفكر فيه هو ما تضمنه قوله تعالى بعد ذلك: {مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً}. |
|
الرابع: ذهب الجلال المحلي في تفسير الجـلالين
[8]
إلى أن الاستفهام
في قوله تعالى: |
|
{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ
فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} ذهب إلى أن هذا الاستفهام للتقرير على معنى
أنهم نظروا وعلموا ما ذكر. وليس هذا بصحيح لأنهم لو نظروا إلى ما تضمنته الآية
الكريمة نظرا دقيقاً متدبراً، وعلموه علم اليقين لآمنوا بقدرة الله تعالى على
البعث، ولصدّقوا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. |
|
والحق أن هذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ على
المعنى الذي تقدم بيانه. |
|
أختي العزيزة هل: |
|
لقد آن أن أقول وداعا، فأقول وداعا، وأسأله جل وعلا
أن يعين على رسالة قادمة أكتبها إليك يكون فيها النفع والسداد. والسلام عليك
ورحمة الله وبركاته. |
|
أختك |
|
همزة الاستفهام |
|
|
|
المراجع |
|
مراجع الصيغ الواردة في هذه الرسالة: |
|
1- مراجع (ألم يهد) وهي الصيغة الخامسة عشرة: |
|
أ- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (السالف
الذكر): |
|
ج4 ص 349/ ج6 ص 288. |
|
ب- تفسير أبي السعود- الناشر: مكتبة ومطبعة محمد
عبد الرحمن محمد بالقاهرة: ج3 ص 254/
ج6 ص 48/ ج7 ص87. |
|
جـ- تفسير ابن كثير (السالف الذكر): ج2 ص 234/ ج3 ص170/
ج3 ص463. |
|
د- الكشاف للزمخشري (الناشر: الحلبي بمصر): ج2 ص
99/ ج ص 558. |
|
هـ- الفتوحات الإلهية (السالف الذكر): ج2 ص 169/ ج3
ص 116/ ج3 ص420. |
|
و- تفسير القرطبي (الطبعة الثالثة المصورة عن طبعة
دار الكتب المصرية بالقاهرة): ج14 ص 110. |
|
ز- تفسير الجلالين (هامش الفتوحات الإلهية المتقدم
ذكره) ج2 ص 169. |
|
2- مراجع الصيغة السادسة عشرة وهي: (ألم يتفكروا): |
|
أ- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (السالف
الذكر): ج4 ص 431/ ج 7 ص163. |
|
ب- تفسير أبي السعود (السالف الذكر): ج3 ص298/ ج7 ص
51. |
|
جـ- الفتوحات الإلهية (السالف الذكر): ج2 ص 215/.
ج3 ص 386. |
|
د- الكشاف للزمخشري (السالف الذكر): ج3 ص 215. |
|
3- مراجع الصيغة السابعة عشرة وهي: (ألم ينظروا): |
|
أ- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي: ج4 ص 432. |
|
ب- تفسير أبي السعود: ج3 ص 299. |
|
جـ - الفتوحات الإلهية: ج2 ص 215/ ج4 ص 191. |
|
|
|
[1]البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي- الناشر: مكتبة ومطابع النصر الحديثة بالرياض- ج4 ص 349. |
|
[2] الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين- الناشر الحلبي بمصر- ج2 ص 169. |
|
[3]تفسير ابن
كثير- الناشر: الحلبي بمصر- ج2 ص 234. |
|
[4] تفسير الطبرى- الطبعة الثالثة- الناشر: الحلبي
بمصر: ج9 ص 9. |
|
[5]حاشية الدسوقي على مغني اللبيب- الناشر: مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني: ج2 ص 57. |
|
[6]حاشية ياسين
على التصريح- الناشر: دار الفكر/ بيروت: ج1 ص 268. |
|
[7] تفسير
ابن كثير (السالف الذكر): ج3 ص463. |
|
[8] تفسير الجلالين (هامش الفتوحات الإلهية السالف الذكر) ج4 ص 191. |