طباعة

 توثيق النص

 

 

 

من نحاة الأندلس

ابن هشام الخضراوي

للدكتور أحمد محمد عبد الله

       أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

فمدرسة النحو الأندلسية ذات نشاط نحوي متميز، فلقد تمثَّل علماؤها تراث أئمة النحو السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، ومنذ أوائل القرن السادس الهجري وحتى منتصف القرن الثامن تقريبا، نشطت الحركة النحوية بشكل لافت، فظهر الاجتهاد في الفروع والكثرة الهائلة في وفرة الاستنباط، والروعة الفائقة في حسن التعليل والاحتجاج.

وبالجملة فقد استطاع نحاة الأندلس- في الفترة الزمنية السابقة- أن يختطوا لأنفسهم طريقا يبعد إلى حدٍّ مَّا عن التأثير المشرقي، فعوَّلوا على أنفسهم بعد أن برز فيهم كوكبة من النحاة الكبار، مازالت آثارهم إلى يومنا هذا تشكل ثمرات يانعة في مجال الدراسات النحوية.

وبقليل من تفصيل هذا الإجمال يمكن القول: إن معرفة الأندلسيين للنحو في المشرق ترجع إلى أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث:-

فقد تناهى إلى مسمعهم ما كان يدور في مدينتي البصرة والكوفة من توفُّر طبقة من العلماء على الدراسات النحوية واللغوية... الأمر الذي أغرى بعضهم أَن يشد رحاله إلى المشرق بحثا عن مكنون هذه الدراسة وأسرارها.

وكان أول مرتحل إلى المشرق هو جودي بن عثمان المتوفى سنة 198 هـ[1] الذي اتصل بزعيم المدرسة الكوفية الكسائي المتوفى سنة 189 هـ وبتلميذه الفراء المتوفى سنة 207 هـ.

وبعد أن عرف الكثير عن هذه الدراسة قفل راجعا إلى الأندلس، ليكون بذلك أَول عالم أندلسي يحيط بالنحو الكوفي، ويؤلف فيه كتاباً وسمه بـ ((منبه الحجارة))[2].

وكان أول من اهتم بالنحو البصري هو محمد بن موسى المعروف بالأفشنيق المتوفى سنة 307 هـ[3] الذي جعل وجهته مصر ليلتقي بعالمها الفذّ أبي جعفر الدينوري المتوفى سنة 282 هـ[4] ليأخذ عنه كتاب سببويه وليعود إلى موطنه (( قرطبة)) مقرئا ومدرسا إياه لتلاميذه الذين التفوا حول حلقته مبهورين بهذا المؤلف العظيم، ولتقوم بعد ذلك حركة نحوية نشطة عكفت على مدارسة هذا الكتاب وغيره من كتب النحويين البصريين والكوفيين.

وهكذا فقد بدأ علم النحو في الأندلس ((كما بدأ في المشرق عبارة عن قطعة مختارة فيهـا لفظ غريب يشرح، ومشكلة نحوية توضح على النحو الذي نراه في ((أمالي القالي)) و((الكامل للمبرد))، ثم ألفوا نحواً في مسائل جزئيه كما فعل أبو علي القالي نفسه في ((فعلت وأفعلت)) و ((المقصور والممدود)) وكما فعل ابن القوطيَّة في كتابه ((الأفعال)) فلما انتقل إلى الأندلس كتابا الكسائي وسيبويه ألف الأندلسيون في النحو من حيث هو كلٌّ يشمل. جميع الأبواب))([5]) .

ويعد صاحب المحكم ابن سيدة المتوفى سنة 458 هـ أول أندلسي يشتغل بالنحو البغدادي على النحو الذي اشتغل به العلماء قبله بالنحو البصري والكوفي، وعلى الرغم من وصول النحو الكوفي والبغدادي إلى الأندلس فلقد كان نحو المدرسة البصرية هو الرائد الأول للأندلسيين، فقد اهتموا- في الأعم الأغلب- بمنهج السماع مبتعدين عن القياس ما أمكنهم ذلك([6])، وسنرى تأثير هذا المنهج على ابن هشام الخضراوي نفسه حين يأتي الحديث عنه بعد قليل.

وبإطلالة القرن السادس الهجري نجد أن نحاة الأندلس قد اعتمدوا على أنفسهم بشكل يثير الإعجاب وقد برز في هذا القرن وما بعده علماء أفذاذ دوت شهرتهم في الآفاق أمثال:

ابن السيد البَطلْيوسي المتوفى سنة 521 هـ، وابن الباذش المتوفى سنة 528 هـ، وابن الطراوة المتوفى سنة 528 هـ، وابن طاهر المتوفى سنة 580 هـ، والسهيلي المتوفى سنة 581 هـ، والجزولي المتوفى سنة 607 هـ، وأبو علي الشلوبين المتوفى سنة 645 هـ، وابن عصفور المتوفى

سنة 663 هـ، وابن مالك العظيم المتوفى سنة 672 هـ، وأبي حيان المتوفى سنة 745هـ اللذين رحلا إلى المشرق وغير ذلك من جلة العلماء. ويمكننا بعد عرض ما تقدم أن نستخلص النتائج التالية:-

أولاً: بدأت معرفة الأندلسيين للنحو منذ أواخر القرن الثاني الهجري وبداية القرن الثالث.

ثانياً: كان النحو الكوفي هو أول ما عرفه الأنـدلسيون متمثلا ذلك في رحلة جودي بن عثمان والتقائه بإمام المدرسة الكوفية علي بن حمزة الكسائي وتلميذه الفراء، ثم عرفوا بعد ذلك النحو البصري عن طريق كتاب سيبويه الذي نقله الأفشنيق عن أبي جعفر الدينوري.

ثالثاً: لم يتهيأ للأندلسيين الإلمام بالمذهب البغدادي إلا في منتصف القرن الخامس على وجه التقريب على يد ابن سيده.

رابعاً: كانت للمذهب البصري في الأندلس السمة الغالبة، فقد رأَينا عشرات من علماء الأندلس وقد عكفوا يشرحون كتاب سيبويه ويعلقون عليه ويدرسونه... الأمر الذي ترك بصمات واضحة في مؤلفاتهم.

خامساً: اعتمد الأندلسيون بشكل أساسي على المشرق حين بدأوا يشتغلون بهذا العلم، ولكنهم بمرور الوقت عولوا على أنفسهم، وحاولوا أن يضيفوا للنحو جديدا، وقد تمثل هذا فِي بعض الآراء الاجتهادية في المسائل الفرعية، وتمثل في دعوة ابن مضاء القرطبي وثورته العارمة على العامل النحوي والمطالبة بإلغائه، أو إقصائه جانبا.

بل إنه يمكن القول: إن القرن السادس الهجري يمثل قمة ازدهار النشاط النحوي، إذ قاموا بالاستقلال في البحث والتأليف، لذا كان إنتاجهم وافراً وأكسبهم ذلك فضلاً كبيراً على التراث، حداهم في ذلك روح التفاني والجهد الدائب في سبيل خدمة العربية والإخلاص لها، وقد كان الإنتاج الرائع لعلماء الأندلس تعويضا خلاّقاً عما فقده المشرق حين تهاوى تحت جحافل الغزاة والطامعين، وبديلاً فعَّالا لما افتقدته الدراسات النحوية من جهود علماء البصرة والكوفة الذين انْحلَّ عقدهم بعد القرن الرابع الهجري تقريباً.

تلك فكرة عجلى عن الدراسات النحوية في الأندلس منذ نشأتها حتى عصر عَالِمنَا الذي سنتحدث عنه ((ابن هشام الخَضْرَاوي)).

ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن هشام الخَضْرَاوي لم ينل حظه من الشهرة والذيوع مثلما نالها ابن  هشام المصري ذلك أن الأخير بلغ شأواً بعيدا في فنه فألف كتابه المشهور (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) وغيره كأوضح المسالك، وشرح اللمحة البدرية... وهي مؤلفات تدلك على علو كعبه في هذا الفن وقوة اقتداره وتمكنه العجيب، ولو اقتصر على المغني.. لكفاه منزلة ورفعةً، ولهذا غطت شهرته الآفاق، وتبارى الباحثون في الكتابة عنه مرَّات ومرَّات، غاية القول أنه لم يترك لزميله في المغرب الفرصة للظهور حتى يمكن للدراسات أن تدور حوله، فظل شخصية يكتنفها الغموض، وعلى الرغم من ذلك فقد وجدنا ابن هشام المصري يعتمد آراء ابن هشام الخضراوي ويعول عليها، والقارئ لكتاب مغني اللبيب يجده يشير إليه حينا يلقبه الخضراوي[7]  وحينا بدونه[8]، وكذا فعل في أوضح المسالك وشرح اللمحة البدرية، وهذا يعطينا الدلالة على مكانة ابن هشام الخضراوي في مجال الدراسات النحوية وأثره في الخالفين بعده من العلماء. فمن هـو؟

هو محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي الأنصاري الخزرجي الأندلسي، وكنيته أبو عبد الله، ولد سنة 575 هـ[9] بالجزيرة الخضراء التي نسب إليها والتي تحدث عنها ياقوت الحموي[10] بقوله:

هي مدينة مشهورة بالأندلس، وقبالتها من البَرِّ بلاد البربر ((سبته)) وأعمالها متصلة بأعمال شذونه وهي شرقي شذونه وقبلي قرطبة، ومدينتها من أشرف المدن وأطيبها أرْضَا، وسحرها يضرب به ماء البحر، ولا يحيط بها البحر كما تكون الجزائر لكنها متصلة ببر الأندلس... ومرساها من أجود المراسي وبين الجزيرة وقرطبة خمسة وخمسون فرسخا، وهي على نهر برباط... الخ)).

وقد تحدث العلماء عن مكانته العلمية فقالوا: إنه كان رأساً وأستاذاً في العربية بعامة والنحو بخاصة فقد تلقى تعليمه عن أساتذة أفذاذ أمثال عمر بن عبد المجيد الرندي[11] (بضم الراء) وعلي بن محمد بن يوسف[12]  ومصعب بن محمد بن ذرّ الخُشْني[13] وأخذ القراءات عن والده[14] كما أفاد منه وتتلمذ عليه من كان لهم شأنهم مثل عمر بن محمد المعروف بالشلوبين والذي لقب بالأستاذ[15] وغيره من الذين نهلوا من علمه.

وقد ترك عدداً لا بأس به من المصنفات دلَّت على المكانة المرموقة التي يتمتع بها هذا العالم وهي: فصل المقال في أبنية الأفعال، المسائل النخب، الإفصاح بفوائد الإيضاح، الاقتراح في تلخيص الإيضاح، شرح الإيضاح، غرر الإصباح في شرح أبيات الإيضاح، النقض على الممتع لابن عصفور، وله نظم ونثر وتصرف في الأدب... ((وقد وافته المنية بتونس ليلة الأحد رابع عشر جمادى الآخرة سنة 646 هـ بعد حياة حافلة بالعطاء والعلم والمعرفة))[16].

والقارئ لكتب النحو المختلفة يجد حشدا من آرائه النحوية التي تحمل سمات شخصيته ومذهبه النحوي، فهناك آراء تفرَّد بها وآراء وافق فيها البصريين والكوفيين، وآراء وافق فيها العلماء قبله وآراء كانت موضع نقد من العلماء ويتمثل كل ذلك فيما يلي:

أولاً: له آراء اجتهادية أو آراء انفرادية إن صحَّ هذا التعبير تطالعنا في كتب النحو المختلفة، وهي تكشف عن فكره واستقلال شخصيته في كثير من الأحيان، فقد ارتضى كثيراً من الآراء وتفردَّ بها، ورفض أن يكون مقلدا فيما ذهب إليه، والمقام يقتضينا أن نذكر طرفا منها على سبيل المثال لا الحصر:-

. من أوجه ((حتى)) أن تكون عاطفة بمنزلة الواو، إلا أنه يشترط في معطوفها ثلاثة شروط:

الأول: أن يكون المعطوف إمَّا بعضا من جمع قبلها نحو: قدم الحجاج حتى المشاة، أو جزءا من كل نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أو غير ذلك.

الثاني: أن يكون المعطوف غاية لما قبلها إمَّا في زيادة أو نقص نحو: حضر الفقراء حتى الأغنياء، ونحو: غلبك الرجال حتى الأطفال.

الثالث: أن يكون معطوفها ظاهراً لا مضمراً، كما أن ذلك شرط مجرورها، ذكر ذلك الخضراوي. قال ابن هشام المصري: ولم أقف عليه لغيره[17]، أي الشرط الثالث.

. من أوجه ((لو)) أن تكون للتمني نحو: لو تأتيني فتحدثني، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين)[18] أي فليت لنا كرة، ولهذا نصب (فنكون) في جوابها، كما انتصب (فأفوز) في جواب ليت في نحو قوله تعالى: (يا ليتني كنت معهم فأفوز)[19].

واختلف في (لـو) هذه فقال ا بن هشام الخضراوي: هي قسم برأَسها لا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط ولكن قد يؤتـى لها بجواب منصوب كجواب ليت، وتبعه في هذا ابن الضائع المتوفى سنة 680 هـ[20].

. جوز الزمخشري في قوله تعالى: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً}[21] أن تعرب (منْ) فاعلا، والواو قبلها علامة، واختلف هل يقاس على هذه اللغة فيقال: جاءوا زيد وعمرو وبكر على أن الواو علامة وما بعدها فاعل. منع ذلك ابن هشام الخضراوي[22] وحده.

. أجاز النحاة إسناد ((أوشك، وعسى، واخلولق)) من أفعال المقاربة إلى ((أن يفعل)) فتكون أن والفعل مغنية عن الخبر، وسادة مسد الجزأين، فتقول: اخلولق أن تمطر السماء. قال الخضراوي لا يجوز ذلك الإسناد في اخلولق، بل يختص بأوشك وعسى فقط[23].

. ذهب قوم منهم الزمخشري والسيرافي إلى أنه: يجب وقوع خبر ((أن)) الواقعة بعد ((لولا)) فعلا ليكون جبراً لما فات ((لو)) من إيلائها الفعل ظاهراً نحو قوله تعالى: (ولو أنهم صبروا)[24] ولا يجوز عندهم: لو أَن زيداً أخوك، وجوز الخضراوي: وقوع خبر ((أنَّ)) بعد ((لـو)) جامداً ومشتقا غير فعل، قال السيوطي[25] : وهو الصواب لوروده في قوله تعالى: (ولو أنَّ ما في الأرض من شجرة أقلام)[26].

. ذهب ابن هشام الخضراوي إلى أَن ((الباء)) المفردة قد تكون بمعنى ((الكاف)) حين تدخل على الاسم، ويراد التشبيه نحو: لقيت بزيد الأسد، ورأيت به القمر، فالباء عنده بمعنى الكاف أي بلقائي إياه الأسد والقمر، أي يشبهه، ولم يرتض هذا أبو حيان الذي قال: والصحيح أنها هنا للسبب، أي بسبب لقائه وسبب رؤيته[27].

. تقع ((كم)) ظرفا نحو: كم ميلا سرت وكم يوما صمت، ومصدراً نحو: كم ضربةً ضربت زيدا، وتقع ((كم)) مفعولا له نحو: (لكم إكراما لك وصلت) قال بهذا الخضراوي، قال أبو حيان: ولا نعلم أحداً نصَّ على جواز وقوع ((كم)) مفعولا له غيره[28].

. إذا قلت: نجح الطلاب لا سيّما زيد، بجر زيد، فسيبويه يرى أن ((سـيَّ)) مضافة إلى زيد وما زائدة، وزيادة ((ما)) بين المضافين مسموعة. ولهذا يجوز حذفها، وزعم ابن هشام الخضراوي أنها زائدة لازمة لا تحذف، قال السيوطي: وليس كما قال [29].

. فـي الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفعولات زاد فيها سيبويه ((نَبَّأ)) وزاد فيها الخضراوي (أَنبـأ) [30].

ثانيا: وافق الخضراوي غيره من النحاة في بعض الآراء، تحريا للصواب، ولم تمنعه أندلسيته أن يكون يكون موافقا للمشارقة في آرائهم، وهم الذين نشأ عندهم علم النحو ونما وترعرع ولم يصل إلى الأندلس إلا بعد أن اكتمل نموه تقريبا. فاختياره يدل على أنه ذو تفكير حر أييضا فهو يتحرى الحق ويسير إليه ومن أمثلة ذلك:

. يشترط فيما يصاغ، منه فعلا التعجب أن يكون فعلا ثلاثيا، فإن كان مزيدا على وزن ((أفعل)) فذهب بعض العلماء إلى عدم الجواز مطلقا. وذهب بعضهم إلى أنه يجوز مطلقا، وعلى ذلك سيبويه وفد اختار الخضراوي ما ذهب إليه سيبويه وصححه [31].

. إذا أكد الضمير المتصل أعيد مع ما اتصل به: نحو: قمت قمت، أما الحرف فإن كان جوابياً أعيد وحده نحو: (لا لا) وإن لم يكن جوابيا فقال ابن مالك: يعاد مع ما اتصل به نحو: إنّ زيدا إن زيدا. ولا يعاد وحده إلا ضرورة، وأجاز الزمخشري: إنّ إنّ زيدا. بإعادة الحرف وحده دون ضرورة وتبعه على ذلك ابن هشام الخضراوي [32].

. يذكر النحاة أن المركب تركيب إسناد لا يثنى ولا يجمع اتفاقاً نحو: تأبط شرا، وشاب قرناها، وأما المركب تركيب مزج كبعلبك وسيبويه فالأكثر على منعه أيضا لعدم السماع ولشبهه بالمحكي غير أن الكوفيين أجازوا تثنية المركـب المزجى وجمعه، وقد وافقهم في هذا ابن هشام الخضراوى [33].

. قال عمرو بن يعد يكرب:

يـسوء الـفالـيات إذا فـلـيـنى

تراه كالثِّـغام يُـعـلُّ مسكا

فقد اجتمع في (فلينى) نون الوقاية مع نون الإناث، وحذفت إحداهما. وقد اختلف العلماء في أي النونين حذفت، فقال المبرد: هي لون الوقاية. لأن النون الموجودة ضمير فاعل لا يليق بها الحذف ورجح ذلك ا بن جني واختاره ابن هشام الخضراوي [34].

. فـي نحو قولك: (ظننت زيدا قائما) يجوز أن تحذف الفاعل ويقام المفعول الأول مقامه فيقال: ظن زيدٌ قائما. وذلك عند البصريين حسن وذهب الجزولي المتوفـى 607 هـ إلى أنه لا يجوز إقامة المفعول الأول في المثال المتقدم، وتبعه في هذا ا بن هشام الخضراوى [35]، والجزولي من علماء الأندلس كان إماما في العربية لا يشق غباره، لزم ابن برّي بمصر ثم عاد إلى بلده (المريِّه) متصدرا للإقراء.

 

. لحتى الداخلة على المضارع المنصوب ثلاثة معان:

مرادفة ((إلى)) نحو {حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [36]ومرادفة ((كي)) التعليلية نحو {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ}[37] ومرادفة ((إلا)) في الاستثناء، وهذا المعنى قال به سيبويه حين فسَّر قولهم (والله لا أفعل إلا أن تفعل) المعنى عنده: حتى أن تفعل، وقد اختار هذا المعنى ابن هشام الخضراوي [38].

ثالثا: وكما وافق غيره من النحاة فقد وافقه بعضهم في كثير ما ذهب إليه تأثراً به واعتدادا بوجهته واعترافا بأستاذيته من ذلك:-

. في باب العلم: كنّوا عن اسم جنس غير علم (بهن) في المذكر. (وهنَه) بفتح و (هنْه) بسكونها في المؤنث، ولا يكنى بما تقدم عن علم عاقل أو غيره كأسامة، وعلى هذا الخضراوي والشلوبين [39]، ومعلوم أن الشلوبين أخذ عنه وانتفع بعلمه.

. لـو المستعملة في نحو: ((لو جاءنـي زيد لأكرمته)) تفيد ثلاثة أمور:-

أحدها: الشرطية، الثاني: تقييد الشرطية بالزمن الماضي، الثالث: الامتناع، وقد اختلف النحاة في إفادتها له وكيفية إفادتها إياه فذهب بعضهم أنها لا تفيده بوجه وأن ((لـو)) في المثال المتقدم لا تدل على امتناع الشرط ولا على امتناع الجواب، بل على التعليق في الماضي، كما في دلت (إن) على التعليق في المستقبل، ولم تدل بالإجماع على امتناع ولا ثبوت وعلى هذا الرأي ابن هشام الخضراوي والشلوبين [40].

. تمييز (كم) الخبرية يكون مجرورا ويكون مفردا وجمعا. وذهب الخضراوي والشلوبين إلى أن (كـم) إذا انتصب تمييزها التزم فيه الإفراد. لأن العرب التزمته في كل تمييز منصوب [41].

رابعاً: وهو يرفض بعض الآراء بعد أن يقف عندها مليّا ثم يعرضها على منطق تفكيره وميزان عقله ثم يرفضها ويردها بالحجة القوية والدليل الواضح. مثال ذلك:

. ذهب بعض النحاة إلى جواز إضافة الصفة إلى الموصوف نحو: كريم زيدٍ أي زيد الكريم وأنكر ذلك أبو علي، وقال: العرب لا تقول: قائم زيد، ولا قاعد عمرو. ويريدون: زيد القائم وعمرو القاعد، قال ابن هشام الخضراوي: وقد جاء الذي منعه أبو علي في قول الشاعر:

حج بأسفل ذي الحجاز نزول

وكأن عافية النسور عليهم

وإنما أراد النسور العافية [42].

. جوّز الكوفيون جمع الصفة المؤنثة التي لا تقبل التاء جمع مذكر سالم واستشهدوا بقول أبي قيس بن رفاعة:

والعانسون ومنا المرد والشيب

منَّا الذي هو ما إن طُرَّ شاربه

وقول الشاعر:

جلائل أسودين وأحمرينا

فما وجدت نساء بنى نزار

والبيتان عند البصريين من النادر الذي لا يقاس عليه. قال الخضراوي:

عادة الكوفيين إذا سمعوا لفظا في شعر أو نادر كلام جعلوه بابا أو فصلا، وليس بالجيد [43].

خامسا: وهو ذو مكانة علمية مرموقة، فالنحاة يثقون في علمه وفيما ينقله عن العلماء، وحسبنا أن كتابه (الإفصاح) يعد أحد المصادر المهمة التي نهل منها أبو حيان والسيوطي وابن هشام المصري وغيرهم وللتدليل على ذلك نذكر ما يلي:

. (رُبَّ) عند البصريين حرف. وعند الكوفيين وابن الطراوة اسم، وهي تفيد التقليل. ونقل في (الإفصاح) أنها للتكثير قال بذلك جماعة منهم صاحب العين وابن درستويه [44].

. إذا وقع بعد شبه الجملة مرفوع، فإن تقدمها نفي أو موصوف أو موصول نحو:

ما في الدار أحد. ومررت برجل معه صقر. وجاء الذي في الدار أبوه. وزيد عندك أخوه".

ففي المرفوع ثلاثة مذاهب:

أحدها: أن الأرجح كونه مبتدأ، مخبرا عنه بالظرف أو المجرور، ويجوز كونه فاعلا.

والثاني: أن الأرجح كونه فاعلا واختاره ابن مالك.

والثالث: أنه يجب كونه فاعلا، نقله ابن هشام الخضراوي عن الأكثرين [45].

. جمع التصحيح والمحمول عليه كالهندات والبنات والأخوات وأولات، الأفصح الوقف عليه بالتاء. ويجوز إبدالها (هـاء) وفى الإفصاح: ما حكاه الفراء وقطرب من الوقف عليها بالهاء شاذ لا يقاس عليه [46].

. أنكر المبرد أن تكون (عـامّة) من ألفاظ التوكيد، وقال: إنها هي بمعنى أكثر، قال السيوطي: (عامة) لم يذكرها أكثر النحاة غير أن سيبويه قال بها على أنها بمنزلة (كل) معنى واستعمالا. قال أ بو حيان: وممن نقلها عن سيبويه صاحب الإفصاح [47].

. قال ابن هشام في أوضح المسالك: (( وإذا تعدى الفعل لأكثر من مفعول، فنيابة الأول جائزة اتفاقا. ونيابة الثاني ممتنعة اتفاقا. نقله الخضراوي)) [48].

سادسا: وعلى الرغم مما تقدم فقد تعقّبه بعض النحاة كابن هشام المصري وأبي حيان الغرناطي والسيوطي. واستدركوا عليه أمورا ينبغي عليه أن يتثبت منها وأن يقف عندها مدققا غير أنه لم يفعل، وفي الحقيقة هي هنات لا تقلل من قيمة الرجل وشموخه في فنه. ومن أمثلة تلك الهنات:

. (كأنّ) حرف مركب عند أكثر النحاة، والأصل في (كـأن زيداً أسدٌ) إنّ زيدا كالأسد. ثم قدم حرف التشبيه اهتماما به ففتحت همزة أن لدخول الجار عليها، ولقد حكى الإجماع على أنها مركبة ابن هشام الخضراوي قال ابن هشام المصري: ليس كذلك فقد ذهب بعض العلماء إلى القول ببساطتها كأبي حيان. لأن التركيب خلاف الأصل فالأولى أن تكون حرفا بسيطا، إذن فادعاء الخضراوي الإجماع على التركيب غير سديد [49].

. ذهب بعض النحـاة إلى جواز منع الصرف وعدمه في المؤنث المعنوي إذا كـان ثنائيا (كيد)،  أو ثلاثيا ساكن الوسط كهند ومصر، وعلى جواز الأمرين اختلف في الأجود منهما. فالأصـح أن الأجود المنع. قال ابن جني: وهو القياس والأكثر في كلامهم، وقال أبو علي الفارسي: الصرف أصح. قال الخضراوي: ولا أعلم أحداً قال هذا القول قبله، وبعد أن ذكر السيوطي آراء بعض العلماء علّق على كلام الخضراوي قائلا: وما ذهب إليه غلط جلي [50].

. تلزم اللام والنون في جواب القسم، والاكتفاء بأحدهما أي اللام أو النون إن لم يفصل بينه وبين اللام ضرورة. خلافا لأبي على الفارسي والكوفيين في تجويزهم ذلك في الاختيار، وعلى الرغم من تجويز أبي علي الفارسي والكوفيين فقد نقل السيوطي عن أبي حيان أن الخضراوي وهم فادعى الإجماع على المنع، وذلك غير سديد [51].

. يتعدى الفعل اللازم بتضعيف العين سماعاً نحو: فرح زيد وفرَّحته، ومنه قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [52]وقيل: يتعدى الفعل اللازم بتضعيف العين قياساً. قال السيوطي: وادعى ابن هشام الخضراوي الاتفاق على الأول، قال أبو حيان: وليس بصحيح [53].

 

(وبعد)

فهذه لمحة عجلى عن ابن هشام الخضراوي الذي كان إماماً في العربية، مقدما فيها، فهو عالم بالأدب والقراءات والنحو، ويعد بحق واحدا من النحاة الأفذاذ في موطنه الأندلس حيث تلقى النحو وغيره عن علماء لهم مكانتهم العظيمة كما انتفع بعلمه الكثيرون أمثال أبي علي الشلوبين الذي لقب بالأستاذ، ويبدو أن الخضراوي قد أعجب كل الإعجاب بأبي علي الفارسي [54] المتوفـى سنة 337هـ، وبكتابه الإيضاح، ومن ثم أخذ يشرح هذا الكتاب ويلخصه ويشرح شواهده وغوامضه، ولا عجب فأبو علي الفارسي كان واحدَ زمانه فـي علم العربية، وحسبنا أن ابن جني [55] المتوفى سنة 392 هـ من تلاميذه، وهو الأديب البارع والعالم المتبحر في علوم النحو والصرف واللغة.

ويبدو من خلال الآراء المتقدمة لابن هشام الخضراوي أنه يميل إلى مذهب البصريين، فهو يهتم بالسماع الكثير ويقيس عليه مثلما يفعلون، ومن ثم أخذ يعيب على الكوفيين أنهم يقيسون على الشاذ والنادر من الكلام.

وقد ترك آثاراً نحوية تشهد بكثرة عطائه ورسوخ قدمه في فنه. ولعل أهمها هو كتاب الإفصاح الذي يعد بحق مصدراً من المصادر المهمة التي اعتمد عليها النحاة بعده في مؤلفاتهم كأبي حيان والسيوطي والمرادي وغيرهم، ولا يزال هذا الكتاب (مخطوطا) ومن المفيد أن يحقق هذا الكتاب لينتفع به ولتعم فائدته.

والله نسأل أن يلهمنا السداد في الفكر والقول والعمل فهو حسبنا.

وألبس ثوب الصبر أبيض أبلج

وإني لأغض مقلتي على القذى

فمــــا ينفك أن يتفرجا

وإني لأدعو الله، والأمر ضيق

أصاب لها من دعوة الله مخرجا

وكم من فتى ضاقت عليه وجوهه

 

 

 



[1] إنباه الرواة: 2/306، وبغية الوعاة 1/490.

[2] تأريخ الفكر الأندلسي: 185 ط أولى مصر 1955م.

[3] إنباه الرواة: 3/216.

[4] بغية الوعاة: 1/306.

[5] ظهر الإسلام جـ3ص91، وتأريخ الفكر الأندلسي: 185.

[6] المدارس النحوية: 292.

[7]مغني اللبيب: ص169، 171، 337، ط دار المعرفة بيروت 1972م.

[8] المرجع السابق: 252، 352، 480، 579.

[9] بغية الوعاة ص115 ط دار المعرفة بيروت.

[10] راجع معجم البلدان جـ1 ص136 ط دار صادر ـ بيروت.

[11] ترجمته في بغية الوعاة: 361.

[12] ترجمته في التكملة لابن الأبَّار 676 ومعجم الأدباء 15، 75، وفوات الوفيات: 2/79، وبغية الوعاة:354.

[13] المغني: 334 وبغية الوعاة: 393.

[14] البغية: 115.

[15] ترجمته في إنباه الرواة:2/232 والتكملة لابن الأبَّار658 والديباج المذهب 185 وشذرات الذهب5/232.

[16] راجع بغية الوعاة: 115 والمدارس النحوية: 303، 304.

[17] المغني: 171ط بيروت وانظر الهمع 2/136.

[18] الشعراء: 102.

[19] النساء: 72.

[20] الهمع: 2/66 وراجع الأشموني 4/32.

[21] مريم: 87.

[22] المغني: 48.

[23] ارتشاف الضرب 1/472، 473 والهمع 1/131 والأشموني 1/266، 7

[24] الحجرات: 5.

[25] الهمع 1/138.

[26] لقمان: 27.

[27] الهمع 2/22.

[28] ارتشاف الضرب 1/238.

[29] الهمع 1/234.

[30] ارتشاف الضرب 2/955 وحاشية الصبان 3/40.

[31] ارتشاف الضرب 2/926 وحاشية الصبان 3/21.

[32] ارتشاف الضرب 2/857 والتصريح 2/125.

[33] الهمع 1/42.

[34] المرجع السابق 1/65 وراجع المغني 808 والخزانة 2/445.

[35]  ارتشاف الضرب 1/523 وراجع الأشموني 2/69.

[36] طه 91.

[37]  البقرة 217.

[38] المغني 169 وراجع معاني القرآن 1/136.

[39] الهمع 1/74.

[40] المغني 337 والهمع 2/65.

[41] ارتشاف الضرب 1/239 والهمع 1/255.

[42] ارتشاف الضرب 2/776 وحاشية الصبان 2/242.

[43] الهمع 1/45 وراجع المغني 400 وشرح شواهد المغني 244.

[44] ارتشاف الضرب 2/735.

[45]  المغني 579.

[46]  الهمع 2/209.

[47] الهمع 2/123 وراجع الكتاب 1/189 والواضح في الدراسات النحوية 64،65.

[48] أوضح المسالك 1/264.

[49] المغني 252 والارتشاف 1/483 والهمع 1/133 والأشموني 1/271،272.

[50] راجع الهمع 1/33،34.

[51] راجع الهمع 2/42.

[52] الشمس /9.

[53] المرجع السابق 2/82.

[54] ترجمته في إنباه الرواة 1/273 ونزهة الألباء 315 ومعجم الأدباء 7/232 وطبقات النحويين واللغويين 120.

[55] ترجمته في إنباه الرواة 2/335 وبغية الوعاة 2/132 ونزهة الألباء 332.