|
|
|
|
نماذج من الدعاة الصالحين |
|
|
الشيخ أبو بكر الجزائري |
|
|
رئيس قسم التفسير بالجامعة |
|
|
شيخ الإسلام أحمد بن تيمية |
|
|
|
|
|
|
|
|
حقا إذا ذكر الدعاة الصالحون في أمة الإسلام أن يذكر على
رأسهم أحمد بن تيمية الحراني شيخ الإسلام، وإمام الهدى، محيي السنة وقامع
البدعة، وناشر راية الإصلاح في العالم الإسلامي. |
|
|
وحقا أن في حياة هذا الداعي الكبير لأسوة حسنة، لمن يرغب في
الاتساء بالصالحين وتمثل جوانب الكمال في حياتهم. ولما كانت حياة شيخ الإسلام
كلها مجالا للقدوة والاتساء فإنا نكتفي بذكر أبرز الجوانب فيها: تعلمه وزهده،
وحلمه، وشجاعته، وصبره، وكمال عبوديته، وحسن دعوته. وقبل عرض هذه الجوانب
الكمالية في الحياة الأحمدية. نعرف به رحمه الله تعالى فنقول: |
|
|
من هو أحمد بن تيمية؟ |
|
|
فنجيب بأنه: الإمام تقي الدين أبو العباس أَحمد بن عبد
الحليم بن الإمام مجد الدين أبى البركات عبد السلام بن أبى محمد بن عبد الله بن
أبي القاسم بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية[1]
الحراني. ولد يوم الاثنين العاشر من شهر رببع الأول سنة 661 هـ. وهاجر به والده
إلى دمشق عندما أغار التتار على بلاد الإسلام سنة 667 وتوفي بقلعة دمشق ليلة
الاثنين لعشرين خلت من القعدة الحرام سنة 728 هـ. |
|
|
علمه رحمه الله: |
|
|
نبدأ في الحديث عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من منطلق
كماله ألا وهو العلم وطلبه وحصوله عليه وتفوقه فيه، فنقول لقد طلب أحمد بن تيمية
العلم صغيرا ولازم الدرس والتحصيل كبيرا حتى فاز بأنواع العلوم والمعارف ما أصبح
به إماما للعلماء، وشيخا للإسلام والمسلمين في سائر أنحاء العالم الإسلامي. |
|
|
وها هي ذي شهادات فحول علماء عصره ومصره له بذلك فلنستمع
إليها: |
|
|
قال ابن النجار- كما ذكر ذلك بهجة البيطار- : قدم بابن
تيمية والده إلى دمشق، فأخذ الفقه والأصول على والده. وسمع من خلق كثيرين منهم
الشيخ شمس الدين، والشيخ زين الدين بن المنجا والمجد بن عساكر. وقرأ العربية على
ابن عبد القوي، ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه وعنى بالحديث، وسمع الكتب
الستة، والمسند مرات وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه،
والفرائض والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من العلوم، ونظر في الكلام
والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وكبارهم، وتأهل للفتوى
والتدريس، ولم يبلغ العشرين سنة، وتضلع في علم الحديث وحفظه، حتى قال من قال: إن
كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث. وأمده الله تعالى بكثرة الكتب وسرعة
الحفظ وقوة الإدراك والفهم، وبطء النسيان، حتى قال غير واحد، إنه لم يكن يحفظ
شيئا فينساه، وألف في أغلب العلوم التآليف العديدة. حتى قال الحافظ الذهبي: وما
أبعد أَن تصانيفه تبلغ خمسمائة مجلد. |
|
|
وقال الحافظ المزي: ما رأيت مثله (أي ابن تيمية) ولا رأى هو
مثل نفسه، وما رأيت أَحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه. |
|
|
وقال ابن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا كل
العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدع ما يريد، وقلت له: ما كنت أظن أن الله بقي
يخلق مثلك!!! |
|
|
وقال الشيخ إبراهيم الرقي: إن تقي الدين يؤخذ عنه ويقلد فإن
طال عمره ملأ الأرض علما وهو على الحق، ولا بد أَن يعاديه الناس لأنه وارث علم
النبوة. |
|
|
وقال: قاضي القضاة ابن الحريري: إن لم يكن ابن تيمية شيخ
الإسلام فمن هو؟ |
|
|
وقال الحافظ الزملكانـي، قد أعطي ابن تيمية اليد الطولى في
حسن التصنيف، وجودة العبارة
والترتيب والتقسيم والتبيين، وقد ألاَنَ الله تعالى له العلوم كما ألاَنَ
لداود الحديد، كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير
ذلك الفن وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله. وقال: |
|
|
وصـفاته جـلت عن الحصر |
ماذا يقول الواصـفون لـه |
|
هو بـيـننا أعـجوبة الدهر |
هو حــــجة لله قاهرة |
|
أنوارها أربـت عن الفـجر |
هو آية في الخلق ظاهرة
|
|
هذه بعض شهادات العلماء لابن تيمية وغيرها كثير. وهي شهادات
حق وصدق ليس فيها مجازفة ولا مواربة أبدا، فإن الرجل أجل مما وصف به، وأعظم قدرا
مما قيل فيه. |
|
|
زهده رحمه الله: |
|
|
إن الزهد وهو الرغبة عن المال والجاه وسائر أعراض الدنيا
لتفاهتها وحقارتها وقلة قطرها. صفة كمال في الرجال وشيخ الإسلام ابن تيمية كان
أَكمل أهل عصره في هذا الوصف وصف الزهد، لأنه كان أعرف الناس بفضل الزهد، وشرف
أهله ولولا زهده لما نال ما نال من العلم والتقى والبصيرة في دين الله والهدى.
وحسبنا تدليلاً على زهده أن نذكر الروايتين التاليتين: |
|
|
الأولى: قال ابن فضل الله العمري كان يجيء ابن تيمية من
المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافا ومآت، لا يلمس منه درهما
بيده، ولا- ينفق آخر في حاجته، وكان إذا لم يجد ما ينفقه على من يسأله يعمد إلى
شيء من لباسه فيدفعه إليه. قال وهذا مشهور عند الناس من حاله. |
|
|
والثانية: قال أحدهم: كنت يوما جالسا بحضرة شيخ الإسلام ابن
تيمية فجاءه إنسان فسلم عليه فرآه الشيخ محتاجا إلى ما يقيم به، فنزع الشيخ
عمامته ومن غير أن يسأله الرجل وقسمها نصفين فاعتم بنصفها، وأعطى الرجل المحتاج
نصفها الآخر فاعتم به. |
|
|
حلمه رحمه الله تعالى: |
|
|
إن الحلم خلق فاضل، وكمال نفسي قل من يظفر به، والعلماء
كثيرون ولكن أهل الحلم فيهم قليل. |
|
|
إذ الحلم: ضبط النفس عند الغضب، أو هو عدم الغضب. والغضب
فطري، ولكن الحلم كسبي ومن لا يغضب لا يحلم. وأكثر مظاهر الحلم عند اشتداد سورة
الغضب وحب الانتقام ممن اعتدى وظلم. فمن أوذي وقدر على أذية من آذاه ولم يفعل
فقد حلم وعفا وغفر في القرآن الكريم (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه
عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). |
|
|
ومن هنا كان عظماء الرجال وخاصة دعاة الحق والخير من أعلم
الناس وأكثرهم صفحا وعفوا ولقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية المثل في باب الحلم،
فإنه على كثرة من آذاه وعاداه لم يثبت أنه انتقم يوما من أحد منهم حتى ولو مكن
منهم... وهذا غاية الحلم ونهايته أنه لما نقل ابن تيمية إلى الديار المصرية وسجن
بالجب بقلعة الجبل سنة ونصفا، ولما أفرج عنه واجتمع بالسلطان في حفل كبير ضم
القضاة والأمراء وأعيان البلاد، وأكرم الشيخ إكراما عظيما، وشاوره السلطان في
قتل بعض أعدائه وخصومه فامتنع الشيخ من ذلك، ولم يقبل أن يقتل أحد بسببه، وجعل
كل من آذاه في حل من أمره. وهكذا تتجلى في أحمد صفة الحلم التي هي عنصر من أقوى
عناصر الكمال في الدعاة الصالحين، وبذا كان ابن تيمية نموذجا صالحا في حياة
الدعوة ودنيا الدعاة. |
|
|
شجاعته وصبره. |
|
|
إن شجاعة أحمد بن تيمية بنوعيها العقلية والقلبية كانت
نادرة في الرجال وقد أصبح بها والحق يقال أسوة صالحة للمؤمنين، وليس أدل على
شجاعته القلبية والعقلية معا من تلك الوقفة الجبارة التي وقفها في وجه جيوش
التتار، ومـا أقام به من حشد القوات وجمع الطاقات لقتالهم، وهو العالم الزاهد
الرباني فقد جعل الله تبارك وتعالى طرد تلك القوة الفاتكة العاتية التي دمرت
وخربت وعاثت في ديار الإسلام فسادا، على يديه وبسبب ما قام به. وقد كانت له
مواقف مع بعض ملوك التتار نادرة في الشجاعة والتضحية والفداء. |
|
|
فقد روي أن ملك الكرج أراد أن يفتك بأهالي دمشق فيسبي
نساءهم وذراريهم ويغنم أموالهم فبذل مالاً كثيرا للسلطان غازان المغولي الذي كان
قد أسلم أول من أسلم من ملوك المغول، بذل له أموالاً طائلة ليخلي بينه وبين سكان
دمشق. وبلغ الخبر شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية فقام من فوره، وانتدب رجالا من
وجوه البلاد وكبرائهم، من ذوي النهى والعقول الراجحة. ولما وصلوا إلى السلطان
المغولي أخذ الشيخ يحدثه بقول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في العدل وغيره،
ويرفع صوته على السلطان ويقرب منه في أثناء حديثه حتى كاد يلصق ركبته بركبتي
السلطان، والسلطان مع ذلك مقبل عليه، مصغ لما يقول، شاخص ببصره إليه لا يعرض عنه،
وذلك مما أوقع الله تعالى في نفسه من المحبة والهيبة للشيخ حتى سأل قائلا من هذا
الشيخ؟ فإني لم أر مثله، ولم أر من هو أوقع منه حديثا في نفسي ولا رأيتني أعظم
انقيادا لأحد منه! وقال الشيخ للترجمان قل للسلطان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض
وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين وعملا الذي
عملت: عاهد قومنا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وَجُرْت. فبذل الشيخ نفسه في
طلب حقن دماء المسلمين فبلغه الله ذلك، فكان سببا، وكان رحمه الله تعالى يقول:
لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه. |
|
|
ومن مظاهر شجاعته أيضا أن أحدا من المسلمين شكا إليه ما فعل
به أحد السلاطين وكان هذا السلطان ذا جبروت، ظلم واعتدى وأخذ أموال الناس، فذهب
إليه الشيخ ولما دخل عليه قال له السلطان في تهكم وازدراء، إني كنت أريد أن آتي
إليك، لأنك عالم زاهد، فأجابه الشيخ قائلا، موسى كان خيرا مني، وفرعون كان شرا
منك وكان موسى يجيء إلى باب فرعون كل يوم ثلاث مرات، ويعرض عليه الإيمان. |
|
|
ومن مظاهر شجاعته أيضا أن وشى به أحد خصومه المبطلين إلى
الملك الناصر لدين الله فأحضره السلطان ووجه إليه تهمة الخيانة فقال له: بلغني
أنك قد أطاعك الناس وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث أحمد بالتهمة الباطلة وقال
في هدوء ورباطة جأش وثبات قلب وبصوت عال: أنا أفعل ذلك؟ والله أن ملكك لا يساوي
عندي فلسا واحدا، فتبسم السلطان من ذلك وقال: والله إنك صادق، وأن الذي وشى بك
لكاذب وهذا من جراء ما ألقى الله تعالى في قلبه من الهيبة العظيمة والمحبة
الدينية، ولولا ذلك لكان يفتك به. |
|
|
هذا عن شجاعة ابن تيمية رحمه الله تعالى. |
|
|
أما عن صبره فحدث ولا حرج، وحسبنا أن نعرف أن حياته كلها
قضاها في جهاد متواصل بالسيف واللسان والقلم فما كلَّ ولا ملَّ، ولا ترك دعوة
الإصلاح في كل حياة المسلمين حتى توفاه الله تعالى في قلعة دمشق. |
|
|
وماذا نقول عن صبر ابن تيمية وهو القائل: ماذا يبغي الأعداء
منى! أو ما يصنع أَعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا
تفارقني. أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة وكان يقول: المحبوس
من حُبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه. |
|
|
كمال عبوديته: |
|
|
إن تحقيق العبودية بالعبادة والتوكل، وصدق اللجأ، والإنابة
إلى الله تعالى بكل حال من صفات شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الغالبة عليه. فلننظر
إليه عندما يؤمر به إلى السجن كيف يكون حاله: ذكر صاحب الكواكب الدرية: إن الشيخ
لما أمر به إلى السجن بقلعة دمشق أظهر السرور بذلك، وقال إني كنت منتظراً ذلك،
وهذا فيه خير عظيم. وروي أنه لما سجن بمصر بسجن القضاة، بحارة الديلم صار الحبس
بالعلم والتعلم والعبادة والدين خيراً من كثير من الزوايا والأربطة والمدارس،
وصار عدد كبير من المساجين إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إلى
الشيخ حتى صار السجن يمتلئ بهم. |
|
|
وكان رحمه الله تعالى يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني
على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وكان يقول: المحبوس من حبس قلبه عن ربه والمأسور من
أسره هواه. ولما دخل القلعة وأصبح داخل سورها قال فضرب بينهم بسور له باب باطنه
فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. فكان يرى في السجن جنة الدنيا لما يحققه له
من القرب من ربه بالتفرغ لعبادته والانقطاع إلى الله تعالى فيصبح في جنة أنس
ونعيم نفس. حكى عنه عارفوه أنه مع كثرة ما يهدد، ويضايق ويحبس كان أطيب الناس
نفساً وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وما هذا إلا لقوة إيمانه، وكمال عبوديته،
وصدق توكله. |
|
|
حسن دعوته: |
|
|
إن من غير المشكوك فيه أن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية كما
كان رجل جهاد، بالنفس والمال في سبيل الله، كان رجل دعوة وإصلاح، وقد كملت رجولته
في ذلك فلم يدانيه أحد من معاصريه، ولا ممن جاءوا بعده بحال من الأحوال. وهذا من
فضل الله عليه، والله يؤتي فضله من شاء وهو الحكيم العليم. |
|
|
تصدى ابن تيمية لمحاربة الفساد المستشري في أمة الإسلام
والمتمثل في الحكام والعلماء والعباد من المتصوفة والمبتدعة والخرافيين، فقاومه
بالحجة والبرهان وانبرى لمقاومته الحكام بالوعيد والتهديد، والسجن والحرمان،
وتصدى له العلماء، بالإنكار والتشنيع والوشايات لدى الحكام وتصدى له المتصوفة
والمبتدعة بالكيد والمكر والدس والخداع والكذب والتضليل. |
|
|
ووقف الشيخ وحده في الميدان ليس له من ولي ولا نصير إلا ربه
تعالى وكفى بالله ولياً ونصيراً.
وكان ما أجمع عليه أعداؤه فيه ثلاث مسائل ادعوا أنه خالف فيها الإجماع
وهي طلاق الثلاث، والوسيلة، وشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة. هذه أبرز ما
اجتمع عليه أعداء الشيخ فحاربوه عليها حربا ضروسا بلا رحمة ولا شفقة، فما تركوا
وسيلة للنيل من الشيخ إلا استعملوها، فكذبوا عليه، وزودوا وافتروا. وقالوا ما لم
يقله عدو في عدوه والشيخ صابر محتسب يقرع الحجة بالحجة، ويبين زيف الدعاوى،
وافتراء المفترين. كل ذلك بأسلوب نزيه، وكلام طيب، وقول حسن فلا يغلظ في قول،
ولا يجفو في عبارة، ولا يحاول انتقاص أحد، أو النيل من كرامته إن كان من ذوي
الكرامات. الأمر الذي يعد فيه ابن تيمية فريدا وحيداً أشبه رجل بنبي في دنيا
الرجال، وكان إذا التبس عليه أمر أو خفيت عليه حال أو لم يتبين وجه الحق في
مسألة فزع إلى ربه يستعلمه ويستهديه فكان يقول في جوف الليل وقد انقطع إلى ربه:
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت
تحكم بين عبادك فيما فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك تهدي من
تشاء إلى صراط مستقيم. فيعلمه ربه ويهديه إلى وجه الحق الذي التبس عليه.. وما
مات ابن تيمية حتى أوضح منهج الإسلام، وأقام سبيل الدعوة، وفتح الله به عيونا
عميا وأسمع بدعوته آذانا صما، وهدى به قلوبا زائغة عن الحق حائرة في طلب الهدى.
وكل من أتى بعده من رجال الإصلاح والدعوة في هذه الأمة إنما هو من مدرسة شيخ
الإسلام ابن تيمية. فرحمه الله رحمة واسعة. |
|
|
وفاته رحمه الله تعالى: |
|
|
بعد أن أظهر الله تبارك وتعالى الحق على يدي عبده ووليه،
أَحمد بن تيمية، في مسائل كثيرة من أهمها العقيدة الإسلامية بجوانبها الثلاثة
توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. |
|
|
وبعد أن استنارت في ديار الإسلام بعلوم شيخ الإسلام، وتبددت
دياجير الظلام التي عاشتها بلاد الإسلام زمنا غير قصير وفي ليلة الاثنين لعشرين
خلت من شهر القعدة عام 728 هجرية قبض الله تعالى إليه روح عبده الصالح، ليكرمها
على ما قدمت من تضحيات جسام طلباً لمرضاة ربها، ورغبة فيما لديه من الكرامة. وفي
ظهر يوم الاثنين خرجت جنازة شيخ الإسلام من المسجد الأموي بدمشق بعد أن صلي
عليها عقب صلاة الظهر يشيعها إلى مثواها الأخير خلق من النساء منهن فقط تمكن
خمسة عشر ألف امرأة مشيعة لجنازة الإمام وقالوا: إنه لم يتخلف عن جنازة الإمام
ابن تيمية من سكان دمشق من حكام وأَمراء ورجال علم، وصلاح وعامة الناس إلا ثلاثة
نفر كانوا أعداء ألداء للشيخ تخلفوا خوفاً على أَنفسهم من أن يرجمهم المسلمون
بالحجارة لغضبهم عليهم وحزنهم على شيخهم وهم يودعونه الوداع الأخير. فرحم الله
أحمد بن تيمية ورزقنا الأسوة به في طلبه العلم وفي صبره وشجاعته وجهاده وحسن
دعوته. |
|
|
|
|
|
إن الحلقة الأخيرة في سلسلة نماذج من الدعاة الصالحين هي
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. |
|
|
تعريف: |
|
|
فمن هو يا ترى محمد بن عبد الوهاب؟ |
|
|
إنه أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن
محمد بن أحمد بن راشد التميمي. المولود بقرية العيينة سنة 1115 هجرية من البلاد
النجدية الواقعة شمال مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية. |
|
|
جوانب من الكمال في الشيخ رحمه الله: |
|
|
إننا في هذه السلسلة من أول حلقة فيها إلى هذه الأخيرة منها
لا نعرض كثيراً لكمال في الداعية إذا كان وهبيا غير كسبي بعلة أن الوهبي لا
تتأتـى الأسوة فيه وإنما الأسوة تكون في الكمال الكسبي، ولذا لا نبرز من حياة
الداعي إلا جوانب خاصة في حياته لكونها محط الاتساء، ومجال الاقتداء. |
|
|
وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب الحلقة الأخيرة في سلسلة الدعاة
الصالحين ممن آثرنا الكتابة عنهم للاقتداء بهم والاهتداء بهديهم. حياته كلها
عظات وعبر وما من جانب منها إلا وهو صالح لأن يكون قدوة صالحة للمقتدين، وأسوة
حسنة للمؤتسين ونظراً للحاجة الماسة للاختصار فإنا نكتفي بإبراز الجوانب التالية
من حياته المليئة بالبر والهدى وهي طلبه العلم ورحلته في سبيله: |
|
|
كماله العلمي. دعوته الإصلاحية. صبره وما لاقى من أذى في
سبيل الدعوة، نجاحه في دعوته. سر نجاحه فيها. |
|
|
طلب الشيخ العلم ورحلته في ذلك: |
|
|
ما من شك أن النبوغ في كل شيء لابد له من عوامل تساعد عليه،
ومن عوامل نبوغ الشيخ التي أثرت في حياته العلمية وكانت السبب البارز في نبوغه
في العلم وتفوقه فيه على |
|
|
أقرانه أن والده الشيخ عبد الوهاب بن سليمان كان عالما فقيها
ملما بالكتاب والسنة، ففتح الشيخ عينيه على نور العلم في بيت والده فأخذ منه ما
كان طاقة له اقتدر بها على استيعاب شتى الفنون والعلوم وبخاصة العلوم الشرعية،
وفي أثناء طلبه العلم ببيت والده قد ولع بمطالعة كتب الشيخين المصلحين الكبيرين
شيخي الإسلام أحمد بن تيمية، وابن القيم الجوزية، فانفتح له بمطالعة كتبهما آفاق
واسعة بعيدة في العلم والتطبيق. ونظر إلى ما حوله وإذا العلوم الشرعية في واد
والناس في واد آخر، العلوم الشرعية تدعو إلى أن يعبد الله تعالى وحده وأن لا
يعبد إلا بما شرع، والناس أكثرهم لا يعبدون الله وحده، ولا يعبدونه بما شرع ولكن
بما ابتدعوا وحسنوا، فالشرك بأنواعه الأكبر والأصغر والخفي والجلي شائع ذائع
معمول به وأكثر العبادات أعطيت حكم العادات فلا تأثير لها في تزكية النفس
وإصلاحها وذلك لخلوها من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها. ومن روح
الإخلاص لله تعالى. |
|
|
وهنا أخذ الشيخ تفكير عميق، وتواردت عليه أسئلـة عديدة: |
|
|
هل ما عليه المسلمون اليوم في هذه الديار هو فرض لله تعالى؟
وهل المسلمون في غير هذه البلاد أحسن حالاً من هؤلاء؟ ما هي مقومات إصلاحهم،
وعلى ما يصلحون، وتقفز إلى ذهنه إجابات متعددة، قد يكون منها: أن مقومات إصلاحهم
أن يعلموا فإن أَكثرهم لا يعلمون. وأن ما يصلحون عليه لن يكون غير ما صلح عليه
المسلمون الأولون: إنه الرجوع إلى كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
تعلما وعلماً وعملاً وتطبيقاً. وتحرَّك الداعية الموهوب في محيط بلده ينهى عن
المنكر ويأمر بالمعروف، فتُقَابَل دعوته بالاستنكار الشديد بل وبالتجهيل له
أحيانا والتسفيه، ورأى أن الرسوخ في العلم ضرورة لمن أَراد أن يقوم بالدعوة
الإسلامية، واقتنع برأيه. وهنا عزم على الرحلة إلى ديار الإسلام لتحقيق غرضين
ساميين: أَولهما التزود من العلم والإكثار من المعرفة، والثاني الاطلاع على
أحوال المسلمين. ومعرفة ما هم عليه من الهدى والضلال. |
|
|
وحان موعد الحج إلى بيت الله فخرج الشيخ حاجا وتمكن بذلك من
الاتصال المباشر بالعالم الإسلامي فعرف ما عليه المسلمون علماء وجهـالاً، وأن
حالهم لا تختلف عن حال أهل بلاده النجدية، وقضى حجه، وجلس إلى العديد من علماء
المسجد الحرام وأخذ عنهم ثم شد الرحْل زائراً المسجد النبوي الشريف ثم زار قبر
الرسول صلى الله عليه وسلم وزار قبري صاحبيه رضي الله عنهما وجلس إلى العلماء
وكانوا كثيرين بالمسجد النبوي حتى لكان المسجد النبوي جامعة قائمة بذاتها فأخذ
الحديث عن رجاله وأخذ التفسير عن رجاله كذلك وتضلع في كثير من العلوم كالفقه
الحنبلي والتوحيد السلفي. ثم رحل إلى البصرة فطلب العلم بها من كبار |
|
|
علمائها ثم رحل إلى الشام كما رُويَ راجلا بلا زاد ولا
راحلة حتى كاد يهلِك في بعض أسفاره إلا أن الله أنجاه وكذلك ينجي الله تعالى
أولياءه. |
|
|
ولما امتلأ وطابه وطال في العلم باعه، ورسخت في المعرفة
قدمه عاد إلى بلاده النجدية، وقد عرف أحوال المسلمين، وعرف ما هم عليه من شرك
وضلال وجهالات جهلاء وغايات دهماء وأيقن أنه لا دواء ولا شفاء إلا بالعلم
والعمل. العلم بشرع الله تعالى والعمل به. فوطن نفسه لذلك واستعان بالله تعالى
وبدأ دعوته. |
|
|
كماله العلمي: |
|
|
إن آية كمال علم المرء ورسوخه فيه هو ما يتحلى به من صفات
الكمال النفسي وما يقوم به من دعوة وعمل ومن هنا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب
على درجة من الكمال العلمي لا تدانى ولنستمع إلى الشهادة التالية: قال بعض من ترجم
له: كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى علما من الأعلام ناصرا للسنة
مانعا للبدعة، خبيرا مطلعا، إماما في التفسير والحديث والفقه وأَصوله وعلوم
الآلة كالنحو والصرف والبيان، عارفا بأصول عقائد الإسلام وفروعهـا، كشافا
للمشكلات حلالا للمعضلات، فصيح اللسان قوي الحجة، مقتدرا على إبراز الأدلة وواضح
البراهين بأبلغ عبارة وأَبينها، تلوح على محياه علامات الصلاح، وحسن السيرة
وصفاء السريرة، يحب العباد ويغدق عليهم من كرمه ويصلحهم ببره وإحسانه ويخلص لله
في النصح والإرشاد، كثير الاشتغال بالذكر والعبادة. قلما يفتر لسانه عن ذكر
الله. |
|
|
ومن مؤلفاته العديدة ما يلي: |
|
|
1- استنباط من القرآن (يقع في جزئين). |
|
|
2- كتـاب
التوحيـد. |
|
|
3- مختصر
صحيح البخاري. |
|
|
4- أَصـول
الإيمـان. |
|
|
5- كتـاب
الكبائـر. |
|
|
6- آداب
المشـي إلى الصـلاة. |
|
|
7- مختصر
الإنصـاف والشرح الكبير في الفقـه. |
|
|
9،- كشـف
الشـبهات. |
|
|
9- مختصـر السـيرة. |
|
|
10- الثلاثة
الأصـول. |
|
|
11- نصيحـة
المسلمـين بأحاديث خاتم المرسلين. |
|
|
12- مختصر
زاد المعاد. |
|
|
13- مسائل
الجاهليـة. |
|
|
وبهذه تبين أن الشيخ الداعية الكبير ما أطلق عليه لقب شيخ
الإسلام إلا لكمال علمه، وما حققه به من هداية لخلق لا يحصون عدا، ولا يعدون
كثرة ولا يخطئ المرء إن قال إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وإن كان تلميذا
للإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم في علومه، وأفكاره، ومقومات دعوته،
وأسباب جهاده، فإنه قد كان له الفضل الكبير في مد دعوة الإصلاح التي قام بها
الإمامان المذكوران آنفاً بعد أن انكمشت، وكادت تذوى وتموت، فبعث الله الشيخ
فجدد حياتها وأمدها بروح قوية ودفعها بحركة اطرد بها سيرها، حتى بلغت ما بلغ
الليل والنهار في هذه الأيام. وهذا عائد إلى ما وهب الشيخ من صدق نية وصفاء
طوية، وإخلاص لله تعالى في السر والعلانية. |
|
|
دعوته الإصلاحية: |
|
|
بدأَ الشيخ دعوته الإصلاحية التي أَطلق عليها المغرضون من
ذوي النيات السيئة (المذهب الوهابي) بدأَها رحمه الله تعالى بقرية الحريملا حيث
انتقل إليها والده الشيخ عبد الوهاب من العيينة وكانت حالة البلاد النجدية
العقائدية من أسوأ البلاد حالا، إذ كان بها بعض القبور المنسوبة إلى بعض الصحابة
رضي الله عنهم يحج إليها، ويطلب منها حجاجها وزائروها قضاء الحاجات، ويستغيثون
بها عند الشدائد، وإلمام الملمات. ومن بين تلك القبور قبر زيد بن الخطاب. ولم
يقف أمر أهل الجهل والباطل على عبادة القبور فحسب بل استغاثوا بالأشجار
والأحجار، فقد كان أهل المنفوحة يتوسلون بفحل نخل، ومن ذلك قول العانس من
النساء: يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول. |
|
|
وما أن أَعلم أهل بلاده بضلالهم، وأنكره عليهم حتى قام
الناس رجالاً ونساء ينكرون على الشيخ ويناصبونه العداء لطول ما ألقوا من الباطل
وما اعتادوا من الضلال ومع هذا فقد اهتدى أناس على يد الشيخ وأصبحوا أنصاراً
وأعوانا. |
|
|
ولما أَذن الله بنصر دينه، بيت بعض العبيد الأنكاد المناجيس
الشيخ فتسوروا عليه جدار المنزل وأَرادوا الفتك به، غير أَن الله أيقظ رجالاً من
أهل الحي فصاحوا فيهم فهربوا. وهنا قرر الشيخ العودة إلى بلاه وكان بها حاكم
صالح يقال له عثمان بن حمد بن معمر، فتلقى الشيخ بغاية الحفاوة والتكرم وعرض
الشيخ عليه الدعوة فقبلها بعد أن عرف أنها حق وأن غايتها إصلاح العباد والبلاد
وبانضمام هذا الأمير إلى الدعوة عزت فأمكن الشيخ أن يعلنها داوية وأن يغير
الباطل بيده بعد أَن عجز عن تغييره بلسانه، فهدم قبة زيد بن الخطاب وقطع ما كان
يعظم من الأشجار فعظم شأن الشيخ وذاع صيته في البلاد. |
|
|
وهنا شعر حاكم الأحساء بخطر الدعوة إذا استفحل أَمرها فكتب
إلى واليه عثمان بن معمر يقول له: إن المطوع الذي عندك قد فعل وفعل فإذا وصلك
كتابي هذا فاقتله، وإلا قطعنا عنك خراجك. فخاف عثمان على مركزه فأمر بإخراج
الشيخ من بلده، فخرج الشيخ يمشي على رجليه ووراءه فارس موكل به. |
|
|
ومن كرامات الشيخ رحمه الله أن الفارس الموكل به قد هم
بقتلة في الطريق بإيعاز من ابن معمر، غير أَنه لما هَمَّ ارتعدت يده وخارت قواه
ولم يفعل، فكفى الله الشيخ شره والحمد لله. وهذه ثمرة من ثمار ذكر الله تعالى
والتوكل عليه، إذ كان الشيخ في طريقه لا يفتر عن ذكر الله، ومن الحين إلى الحين
يردد قول الله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن
يتوكل على الله فهو حسبه). |
|
|
ووصل الشيخ قرية الدرعية ونزل ضيفا على الشيخ عبد الرحمن بن
سويلم، وخاف الأخير على نفسه من الأمير محمد بن سعود أمير المنطقة، فسكن الشيخ
من روعه، وطمأنه على نفسه فسكن وهدأ. وعلم بوجود الشيخ عند بن سويلم أعيانُ
البلاد وضواحيها فزاروا الشيخ خفية فوعظهم ورغبهم في الخير، وبين لهم أهداف
دعوته وأنها دعوة حق وخير، وكان للأمير محمد بن سعود إخوان وزوجة صالحة فعزموا
ثلاثتهم على أن يذكروا للأمير عن وجود الشيخ ويرغبونه في زيارته والاتصال به،
ونصرته وتأييده، ففعلوا، فزار الأمير الشيخ فدعاه إلى التوحيد، وبينه له، ورغبه
وبشره بنصر الله تعالى إن هو نصر دينه، واقتنع الأمير بالمبدأ وأعلن تأييده
للشيخ ونصرته على إبلاغ دعوته، غير أنه اشترط على الشيخ شرطين الأول أن لا يرجع
الشيخ عنه إن نصرهم الله ومكن لهم، والثاني أن لا يمنعه من أخذ الخراج المضروب
على أَهل الدرعية وقت الثمار فأجابه الشيخ إلى ذلك فقال أما الأول فالدم بالدم
والهدم بالهدم. وأما الثاني فلعل الله يفتح عليك الفتوحات وتنال من الغنائم ما
يغنيك به عن الخراج. |
|
|
وهنا دخلت الدعوة طوراً جديداً إذ علم الناس بانضمام الأمير
محمد بن سعود إلى صف الدعوة وعرفوا
أن الشيخ عز جانبه فأخذ الناس يفدون من أنحاء البلاد النجدية عليه لاسيما من سبق
أن اقتنع بالدعوة وآمن بها وكثر عدد الأنصار فخافها أصحاب المنافع المادية
فناصبوها العداء، وبدأت الحرب بين فريق الهدى وفريق الضلال. ودارت المعارك
دامية، ونصر الله جنده، فأخذت القرى النجدية تسقط الواحدة تلو الواحدة ولم تمضي
سنوات حتى سقطت العاصمة الرياض ودخلها الإمامان إمام القلم وإمام السيف وتكونت
أَول دولة قرآنية في البلاد النجدية وذلك سنة 1187 هـ وبعدها بسنة توفي الإمام
محمد بن سعود وبويع لولده عبد العزيز بن محمد بن سعود وهنا أَسند الشيخ مهام الأمور
إلى الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود وتفرغ لنشر العلم، والدعوة فأقبل على
إلقاء الدروس ومراسلة العلماء والحكام في أنحاء العالم الإسلامي يشرح لهم الدعوة
وبين لهم حقائق التوحيد ويظهر لهم ما هم عليه من الباطل والضلال. ووصل صوت الشيخ
إلى أقاصي البلاد الإسلامية وأجابه من أَراد الله هدايته وأعرض من لم يكن أهلاً
للخير والفلاح. هذه دعوة الشيخ الإصلاحية التي أثمرت وجود دولة إسلامية بكاملها
اتسع نطاقها حتى غزت على يد الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود العراق
ووصلت إلى كربلاء وأوقعت بأهلها خسائر جساما وهدمت قبة الحسين بها. |
|
|
صبر الشيخ وما لاقى من أذى: |
|
|
إن ما لاقاه الشيخ من الشدائد وما قاساه من أذى الناس في
سبيل الدعوة إلى الحق أمر لا يوصـف وحسبه أن عاش مجاهدا طيلة عمر مديد بلغ إحدى
وتسعين سنة (1) وحسبنا من ذكر صبر الشيخ ذكر مواطنه وقد مر بنا بعضها من ذلك
سفره في طلب العلم إلى الشام على رجليه حيث لم يجد راحلة ولا دابة يركبها، وما
لاقى من مشاق السفر مما أشرف معه على الهلاك خروجه من العيينة بأمر ابن معمر وهو
حاسر الرأس حافي القدمين خائفاً يترقب وقد هم الفارس الموكل به في الطريق بقتله
فاستل سيفه وأَراد أن يضرب الشيخ غير أن الله تعالى أنزل به رعبا فشل معه في ضرب
الشيخ. |
|
|
الحروب التي دارت في بلاد نجد وشنها عليه وعلى الأمير محمد
بن سعود أعداء الإصلاح والتوحيد تلك الحروب التي دامت سنوات كلها خاضها الشيخ
جنبا إلى جنب مع الأمير محمد بن سعود والموحدين. وقد يغنينا عن مزيد ذكر الأحداث
الجسام التي يتجلى فيها صبر الشيخ وتحمله الأذى في سبيل دعوة الحق أَن أخاه
سليمان وهو شقيقه قد تصدى له يوما في إبان الدعوة وظهورها، تصدى له أخوه فطعنه
بسكين طعنات قاتلة وفر والتحق بصفوف أَعداء الدعوة الإسلامية. غير أن الله تعالى
رحمه ببركة دعاء الشيخ فتاب وعاد إلى صفوف دعوة الحق وناصرها حتى مات. |
|
|
نجاح الشيخ في دعوته وسر ذلك النجاح: |
|
|
إن نجاح دعوة الشيخ أمر ظاهر لا يشك فيه، وقضية مسلمة لا
يجادل فيها فما من دعوة إصلاحية
ظهرت بعد دعوة الشيخ وفي كل ديار المسلمين شرقا وغربا إلا وهي ترديد لصدى دعوة
الشيخ رحمه الله تعالى. وبالرغم من العنف الذي واجه دعوة الشيخ والشدة التي حوربت
بها من قبل السياسيين والعلماء والانتفاعيين من ذوي النيات الفاسدة، والأغراض
الخبيثة فإنه لم يبق صقع من أصقاع العالم الإسلامي إلا وفيه مؤمنون قلوا أو
كثروا يترحمون على الشيخ ويدعون بدعوته، ويسيرون على منهجه في الدعوة إلى الله
تعالى وخير ما يقال في هذا الحديث عن نجاح دعوة الشيخ أن دعوة الشيخ شابهت دعوة
المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل مراحلها وإلى أن انتهت بنصرها، ولنورد وجوه
الشبه فنقول: إن البلاد النجدية بصورة خاصة كانت عند ظهور الشيخ في غاية الفساد
والضعف من حيث العقائد والأخلاق والسلوك العام والخاص وكذلك كانت حال مكة
والبلاد حولها عند بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بدأ الشيخ دعوته في نجد
بدأها سرا وكان المؤمنون بها قلة لا تذكر ولاقوا من الضغط الشديد والعداء العنيد
مما اضطر الشيخ إلى الهجرة من الحريملا إلى العيينة ثم إلى المدينة وكذلك أتباعه
كالذي حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى استقروا بدار الهجرة
والإيمان بالمدينة المنورة. |
|
|
عندما آمن بدعوة الشيخ الأمير محمد بن سعود وانتصر لها
أصبحت الدرعية مركز الدعوة ومنطلقها كالذي تم للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه
بالمدينة النبوية إذ بعد الهجرة إليها والاستقرار بها أصبحت مركز الدعوة
ومنطلقها بدأ جهاد الشيخ المسلح من الدرعية كما بدأ جهاد الرسول صلى الله عليه
وسلم المسلح من المدينة. انتصرت الدعوة الإسلامية على يد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه بعد أن خاض الرسول صلى الله عليه وسلم وأَصحابه المعارك
البطولية ضد جيوش البغي والطغيان. انتهت بتطهير مكة وكل شبه الجزيرة من الشر
ومظاهره والفساد وآثاره. وأعلن فيها عن التوحيد والحق والعدل وسادها طهر وصفاء
وعدل وأمن ورخاء. وانتصرت دعوة الشيخ في نجد أيضا بعد معارك طويلة خاضها الشيخ
وأتباعه على الحق وانتهت بتطهير البلاد النجدية من الشرك والخرافة والباطل والشر
والفساد وسادها العلم والعدل وحل بها الأمن والرخاء بتكوين دولة آل سعود بها
الأمر الذي لا مجال لإنكاره. |
|
|
ففي هذه المراحل كلها كان الشبه بين الدعوتين كبيرا مع
الفارق الذي هو النبوة وعدمها وآخر وجوه الشبه أن الرسول صلى الله عليه وسلم
راسل الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام لسعادتهم وكمالهم فراسل كسرى وقيصر
وغيرهما، فكذلك الشيخ راسل أمراء وعلماء العالم الإسلامي يدعوهم إلى الإسلام،
ومن بين ما أذكر رسالة وجهها إلى علماء جامع الزيتونة بتونس ورسالة وجهها إلى
الملك سليمان ملك المغرب، وقد رحب الأخير بالرسالة وشرحها لرجاله وقدمها للأئمة
في خطبة جمعة ضمنها أهداف الدعوة الإسلامية جزى الله تعالى كلاً من المرسل
والمرسل إليه خير الجزاء. |
|
|
وأخيرا إن سر نجاح دعوة الشيخ يكمن في أمور يجب أن لا تغيب
عن ذهن الداعي الإسلامي الذي يريد أن يبلغ الكمال في دعوته وتلك الأمور هي: |
|
|
1- العلم
والمعرفة والرسوخ في ذلك الأمر الذي يمكن الداعي من إظهار الحجج ومقاومة الباطل
وإظهار زيف التضليل مهما طلى وحسن ونمق. |
|
|
2- قوة الصلة
بالله تعالى وذلك بالإكثار من القربات وفعل الطاعات. |
|
|
3- الترفع عن
الدنيا والزهد في حطامها الفاني، وعدم الالتفات إلى ملاذها. |
|
|
4- الإخلاص
في الدعوة إلى الله تعالى، وعدم نسوبها بأمة شرك ما. |
|
|
5- الصبر
والتحمل وعدم الكلل أو الملل بحال من الأحوال. |
|
|
6- توطين
النفس على الجهاد وخوض معاركه عندما يحين وقته ويتعين القيام به. |
|
|
هذه الأمور كلها قام بها الشيخ واتصف بها في مثالية نادرة،
فكانت سر نجاحه في دعوته وبلوغها أهدافها في الهداية والإصلاح. ولا يسعنا هنا
إلا أن نترحم على الشيخ ونسلم عليه فرحمة الله عليك يا بن عبد الوهاب وسلام عليك
في المجاهدين، وسلام عليك في الدعاة الصالحين. |
|
|
قيل لحكيم أَي الأمور أَجل عقوبة فقال ظلم من لا ناصر له
إلا الله ومقابلة النعمة بالتقصير واستطالة الغني على الفقير قيل فمن أظلم الناس
لنفسه قال من تواضع لمن لا يكرمه ومدح من لا يعرفه قيل فمن أعظم الناس حلما قال
من قمع شبه بالصبر وجاهد هواه بالعزم قيل فبم يسلم الإنسان من العيوب قال إذا
جعل الشكر رائده والصبر قائده والعقل أميره والاعتصام بالتقوى ظهيره والمراقبة
جليسه وذكر الزوال أنيسه. |
|
|
الدوريات الخليجية |
|
|
عن مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي صدر كتاب بحصر
الصحف والمجلات (الدوريات) التي تصدر في دول المنطقة الأعضاء في المركز باسم
(الدوريات الخليجية- الصحف والمجلات الصادرة في أقطار الخليج العربي)- بغداد
1402 هـ/1982م- وذلك لتسهيل مهمات المركز ومهمات الباحثين والعاملين في المؤسسات
الإعلامية والثقافية والعلمية داخل منطقة الخليج العربي وخارجها. |
|
|
وقد تضمن هذا الكتاب بياناً عن مميزات الدوريات وأنواعها-
وشمل حصرا لها في الدول الآتية: |
|
|
1- دولة
الإمارات العربية المتحدة. |
|
|
2- دولة
البحرين. |
|
|
3- المملكة
العربية السعودية. |
|
|
4- الجمهورية
العراقية. |
|
|
5- سلطنة
عمان. |
|
|
6- دولة قطر. |
|
|
7- دولة
الكويت. |
|
|
وإن مجلة الجامعة الإسلامية ليسرها أن تقدم الشكر إلى مركز
التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي، لما يبذله القائمون عليه من جهد في إخراج
هذا الكتاب المفيد، ونسأل الله أن يجزيهم خيرا، وأن يوفق الجميع لما فيه الخير
للإسلام والمسلمين. |
|
|
|
|
[1]تيمية هذه هي أم الجد الأعلى لشيخ الإسلام نسب إليها ولدها لكونها كانت
عالمة واعظة، فنسب إليها ولدها وعرف بها. |