|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
|
الدين بين
الشرق والغرب |
|
للشيخ عادل رمضان |
|
|
|
من جملة الظواهر التي
تعاني منها المجتمعات الغربية بشكل عام ظاهرة التشكيك في كل شيء، في القيم،
والمبادئ، في المثل، والأخلاق، وحتى في الإنسان نفسه، في وجوده المادي والروحي،
هل هو وجود حقيقي أم هو ضرب من الأوهام؟ |
|
وتستشري هذه الظاهرة
حتى تمس الدين وتطرح التساؤلات حول صلاحيته لهذا العصر وما بعده. |
|
وإننا سوف نقتصر في
موضوعنا هنا على بحث ما يتعلق من هذه الظاهرة التشكيكية بمسألة الدين لكونها على
درجة كبيرة من الأهمية، لا سيما وأن الخطورة فيها تكمن في تسرب هذه الأفكار
الخاطئة إلى رؤوس بعض الشباب داخل المجتمع المسلم، وبشكل خاص أولئك الذين
يستهويهم زيف الحضارة الغربية ويخطف لبهم بهرجها. |
|
صحيح إن الشباب في
الغرب يعيشون مزيجاً من القلق والضياع والاضطراب الفكري بعد أن فقدوا الثقة بما
لديه من قيم دينية. |
|
لكن الأمر يختلف تماما
بالنسبة لنا وفيما يتعلق بديننا الحنيف، إذ هو مناط وجودنا والمحافظ الوحيد على
شخصيتنا، وبه كان عزنا ومجدنا وانتصاراتنا. وحقائق التاريخ تثبت ذلك، وتثبت أن
الإسلام كان ولا يزال العامل الأساسي في حياتنا واستقلالنا الفكري والثقافي في
عالم تضطرب فيه الموازين وتضيع فيه ملامح الشعوب الصغيرة أمام تجاوزات الدول
الكبرى، والقوى الاستعمارية العالمية والشيوعية الدولية التي تخطط للقضاء على
الإسلام وتعمل لذلك، انطلاقا من خلفيات متعددة تحيك خيوطها في الظلام مسخرة في
ذلك كلّ ما لديها من وسائل وضغوط وإغراءات لتخريب كيان الأمة وتمييع شخصيتها
تمهيدا لربطها بفلكها وإخضاعها لسيطرتها الدائمة. |
|
والحقيقة التي يجب أن
لا تغيب عن البال مطلقاً هي أن هنالك حلفا استعماريا صهيونياً إلحاديا يعمل بمكر
وخداع من أجل الهيمنة على العالم الإسلامي ونهب ثرواته واستغلال خيراته، وإفساد
عقيدته عقيدة أفراده وتسميم أفكار شبابه وإدخال التشكيك في حياتهم اليومية بطرح
فلسفات مادية إلحادية وأفكار وجودية فوضوية تحمل لهم الفساد الاجتماعي والانحلال
الخلقي وتشغلهم بجدليات فارغة تكرس الأفكار المشوهة، والآراء المتطرفة، مستغلة
أجواء الحرية المتاحة في بعض الدول المسلمة في القول والتعبير ونشر الأفكار
المسمومة في أوساط بعض أنصاف المثقفين ليجعلوا منهم أذناباً لهم يتوصلون به إلى
أهدافهم العدوانية والتوسعية. |
|
والغريب في هذا الخصوص
أن يسقط بعض شباب الأمة في شباك المجرمين دون تبصّر فينساقون وراءهم فيبعدون عن
كل القيم والمبادئ، متأثرين بمظاهر الحياة الأوربية الزائفة، فيعيشون حياة ضياع
فكري وخلو روحي ونفاق وجداني، تمهيدا لربطهم بفلكهم وإخضاعهم لسيطرتهم البغيضة. |
|
ولئن كان للشباب في
الغرب العذر في الخروج على تعاليم الكنيسة والتمرد على أوامرها لأنها تتنافى مع
الحق والمنطق السليم، فليس لشبابنا عذر في السير خلفهم وتقليدهم في كـل شيء دون
دراسة أو بحث مدفوعين بنظرة الإعجاب لكل ما هو غربي. |
|
إن من الجهل الفاحش أن
يغمض الإنسان عينه عن البحث والدراسة والمقارنة خاصة وأن الله تعالى مَنّ عليه
بعقل لو استعمله لاستطاع أن يصل إلى الحقيقة مهما بعدت. |
|
صحيح أن الدين في أوربا
مشوه مزيف يقوم عليه تجار الكنيسة وباباواتها. وكان سبباً في التأخير والانحطاط
ومبعث الفوضى والاضطراب عكس ديننا الحنيف الذي لم تمسه يد التحريف إطلاقاً. |
|
وإذا كان إقليدس مثلاً
قد تعرض للحكم عليه بالإعدام لقوله بكروية الأرض ودورانها من محكمة كنسية أصدرت
حكمها باسم الدين. فإن ديننا الحنيف جعل الحقائق الكونية من جملة المعارف
الأصلية التي وفق بعض الباحثين إلى معرفتها، ثم وجد السباق إلى معرفة كثير من
الحقائق التي وقف العلم حائراً أمامها فترة من الزمن. |
|
الدين في أوربا يأمر
أتباعه أن يغمضوا أعينهم عن حقائق الكون ويسلموا لرجال الكنيسة بلا مناقشة أو
اعتراض، وأول ما يعلم البطارقة أتباعهم المقولة المتخلفة (أطفئ نور عقلك
واتبعني) ويلقنونهم بعد ذلك ما يحلو لهم من الأوهام والأباطيل. |
|
هذه حقيقة ما يعرض باسم
الدين في أوربا اليوم. وهو يتنافى مع أبسط قواعد العقل والمنطق. ولشباب الغرب
كما أسلفنا العذر في نبذه والإعراض عنه إذ كيف يمكن للعقل السليم أن يقبل دعوى
ألوهية المسيح وهو بشر يأكل كما يأكل البشر وينام كما ينامون مع زعمهم أن اليهود
عدوا عليه فلم يملك أن ينجي نفسه منهم فأخذوه وصلبوه على حد دعواهم الباطلة،
وكيف يمكن للفكر أن يتصور أن الإله لا يملك أن يغفر لبني آدم- وهو الذي خلقهم-
فيقدم على التضحية بابنه الوحيد أمام اليهود ليخلص البشر من وبال الخطيئة
القديمة التي وقع فيها أبوهم قبل ملايين السنين وهم بريئون لا جريرة لهم في ذلك،
وهل يمكن أن نقبل هذا التلفيق في الوقت الذي نرى فيه الخوري أو البابا أو
البطريق يغفر لمن يشاء ويحلل ويحرم كما يحلو له. |
|
إن الدين في أوربا
اليوم يقوم عليه سماسرة ماكرون، اتخذوا من الخديعة والافتراء مهنة لهم،
واستخدموا أساليب الحيلة واللف والدوران للسيطرة على الناس وابتزاز أموالهم.
ولقد استنكر القرآن الكريم عليهم تشويه كتبهم السماوية وتحريف كلمها عن مواضعه
وعاب عليهم أكلهم أموال الناس بالباطل. ومضاهاتهم قول الذين كفروا، وتعاملهم
بالربا وتحايلهم على قواعد الشرع وأسسها فما يؤمنون به اليوم يخالفونه غداً، { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ
بِبَعْضٍ }. |
|
إن دراسة الأديان
ومقارنتها من خلال منظور التطور الحضاري للإنسان ومن خلال المخطط الإلهي لبناء
الإنسان تبين أن الدين المسيحي في حد ذاته إنما كان يناسب فترة زمنية محددة من
تاريخ البشرية. |
|
وبسبب المنافع الدنيوية
الرخيصة أصر بعض رجاله المسيحية المتأخرون على التوقف بمسيرة الإنسان عند حد
معين لتبقى لهم الرياسة والزعامة والسيطرة، فعادوا الإسلام وكادوا لأبنائه،
ووقفوا في وجه مسيرته المعطاءة الخيرة، فخالفوا أمر ربهم ونقضوا ميثاقه الذي
قطعه عليهم بالإيمان بالرسول الذي يأتي من بعد عيسى عليه الصلاة والسلام متمماً
لشرائع الأنبياء قبله ومتمماً لمنهج الأديان وخاتماً للمرسلين. |
|
وبهذا اصطدم رجال
الكنيسة بناموس الحياة فانفرط عقد الدين في أوربا، وتفرق الناس أشتاتاً وشيعاً
وحدثت لدى المثقفين منهم ردود فعل أدت بهم إلى رفض التدين مطلقاً بل والتهجم على
الأديان عموماً، وراح يصفها بالرجعية والتخلف حتى زعموا أنها أفيون الشعوب وأنها
لا تصلح لهذا الزمن. |
|
ولقد استغل أنصار
الشيطان ودعاة الإلحاد هذه الظروف، فاتخذوا من الشيوعية المادية، والوجودية
الفوضوية مبادئ راجت عندهم. |
|
وكانت ردود الفعل هذه
بمغالاتها وتطرفها أكثر تهوراً ومثلها كمثل المستجير من الرمضاء بالنار. |
|
وظهرت على الساحة
الأوربية أفكار أخرى كانت أقلّ خطراً من ردود الفعل السابقة فصلوا فيها الدين عن
الحياة، فقالوا دع ما لقيصر لقيصر والدين للرب في الأعالي. |
|
ووقف بعضهم من الصراع
الدائر حول الكنيسة موقف اللامبالاة، ووقع كثيرون غيرهم في الحيرة، ولجأ آخرون
إلى القوانين الوضعية وراحوا يحدثون لأنفسهم أنظمة يسيرون عليها. ولم تخلُ
الساحة من أناس حكموا عقولهم وأعملوا فكرهم بالبحث ووضعوا المسيحية تحت الفحص
والتمحيص وظهرت نتيجة ذلك حركات التحرر والمذاهب الإصلاحية، وأزيلت الحواجز التي
أقيمت بين الشباب وبين الإسلام للتعرف على حقيقة والإطلاع على دقائقه وتفاصيله
التي ليس هناك مجال للمقارنة ولا يحتاج الإسلام للحكم عليه. |
|
إن الإسلام لا يغفل
العقل بل يحث على المحافظة عليه واستخدامه ويدعو إلى العلم ويطالب بفهم الحجة
والبرهان. |
|
وقد حث أتباعه على
النظر في ملكوت السماوات والأرض، ونعى على المشركين عدم استخدامهم عقولهم،
واعتمادهم على الأصنام والأوثان، وما يروجوه لهم سدنتها من الخرافات والأباطيل،
واستنكر تقليدهم الأعمى للآباء والأجداد، واتباعهم الهوى والظن. |
|
وأمر بالعلم وجعله
فرضاً على كل مسلم، ونفر من الجهل، وكانت أول آية نزلت من عند الله على رسوله
محمد صلى الله عليه وسلم آمرة بالقراءة { اقْرَأْ
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }. |
|
وقرر الإسلام أنه لا
واسطة بين العبد وربه وأن الرسل والأنبياء إنما هم مبلغون. مبشرون ومنذرون،
وينحصر عملهم في الدلالة على الهدى وتوضيح معالم الطريق وكذلك العلماء من بعدهم،
وبذلك قطع الإسلام الطريق على كل من تسول له نفسه الدجل الرخيص والتلاعب بالمثل
والقيم والتستر خلف الدين لتحقيق منافع شخصية ومآرب دنيوية رخيصة. واستنكر على
أصحاب الديانات قبله ما قاموا به من تشويه كتبهم السماوية وتحريف كلمها عن
مواضعه. |
|
ولقد وجد منصفون كثيرون
غايتهم وضالتهم في الإسلام حين عرفوا أنه الدين الوحيد الذي يتلاقى مع العقل
والعلم ويتناسب مع الفطرة البشرية السليمة ولا يُكره الإنسان على طقوس روحية
غامضة ومرهقة، فلم يكلفه مالا يطيق، ولم يكبت فيه نوازع الغريزة وإنما وجهها
الوجهة الصحيحة التي تتلاقى مع الفطرة الصافية وتدفع عن المجتمع أوضار الرذيلة
والفساد، كما راعى في تشريعاته التوفيق بين متطلبات النفس وضروريات الحياة،
وأقام التوازن بين المادة والروح، في وضوح وعلى البصيرة. |
|
ثم إنه حارب الفقر
والمرض، وفرض في أموال الأغنياء حقاً للفقراء والمساكين. |
|
وأعلن المساواة التامة
بين الناس فلا تفاضل بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح. |
|
وضمن حقوق الإنسان
كاملة وسهر على حماية روحه وعرضه وماله. |
|
وقرر حرية الفرد كاملة
وبما لا يتعارض مع حرية الآخرين، وأنصف المرأة وأعطاها حقوقها وألزمها واجباتها،
وحماها من سوء تصرف الرجل. ومنع الظلم، ودعا إلى تحرير العبيد والقضاء النهائي
على كل أشكال الاسترقاق، فقد حث على العتق، ورغب فيه، وجعله من أفضل الطاعات
والقربات، بل لقد فرض العتق كحد وكفارة وعقوبة. |
|
وفي كنف الإسلام نشأ
علماء أفذاذ مهدوا طريق العلم لمن خلفهم، وكانت أوربا غارقة في ظلمات الجهل
فأخذوا من المسلمين علمهم ونهضتهم. |
|
لقد تأسف مستشرقون
منصفون على هزيمة العرب في معركة بواتيه واعتبروا ذلك سبباً في تأخر الحضارة عن
أوربا عدة قرون. |
|
وفي مجال العلوم
والمعرفة الحديثة كان الدين الإسلامي رائداً وسباقاً إلى الكثير من المعارف
والحقائق العلمية. بحيث جاءت العلوم الحديثة تثبت بنظريات جديدة ما بادر القرآن
الكريم إلى إثباته قبل آلاف السنين. |
|
من كل ما سبق يتبين لنا
أن الفرق الواضح بين ما يعرض باسم الدين في أوربا وبين حقيقة الدين الإسلامي،
ليدرك الناس الحقيقة قبل أن يجرفهم تيار الهوى ويميت الشيطان قلوبهم- { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }. |