|

|
|
|
|
تفاعل
المسلمين مع
دينهم |
|
للدكتور محفوظ إبراهيم فرج |
|
أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية |
|
|
 |
|
|
|
يحدثنا
التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه أن المسلمين تكون لهم العزة والسيادة إذا تمسكوا
بدينهم في جميع شئونهم. وإذا لم يكن لدينهم واقع في حياتهم دبّ الضعف في صفّهم
وتداعى عليهم المعتدون كما تتداعى الأكلة على القصعة وليس ذلك عن قلتهم بل إنهم
كثير- ولكنهم غثاء كغثاء السيل كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه
الصحيح.
|
|
وقد
حمل المسلمون السابقون شريعتهم قوية فتية في إطار جميل من المعاملة الطيبة
والاحترام الصادق للحقوق والأموال والأعراض.
|
|
وساعد
على ذلك ما أدركوه وفقهوه من أن تلك الشريعة أشبعت حاجة الناس إلى القواعد
العادلة للعلاقات الاجتماعية ولجميع المعاملات، فأيقظت بذلك الضمائر، وأحيت فيها
رقابة الله تعالى، فقد علقت الامتياز والخيرية بأمر هو في إمكان الناس جميعا ذلك
ما يوحي به قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }
وما نأخذه ومن قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا
فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".
|
|
وكان
من تفاعل المسلمين مع دينهم أن سلوك الواحد منهم في حياته الخاصة والعامة كان
انعكاسا لما يقوم به من طاعة وما يؤديه من عبادة مرتفعا عن الأغراض والأهواء لا
تتحكم فيه الغرائز والميول.
|
|
تمتع
المسلمون وهم على هذا المنهج القيم بالقوة والمنعة ودانت لهم الدنيا وملكوا
العالم،وسادوا الشعوب ومكن الله لهم في الأرض وتحقق وعد الله القائل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ
يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }.
|
|
ذلك
أن مبادئ الإسلام الخالدة هي مبادئ الحضارة التقدمية، ولم يشهد التاريخ قوة
للإسلام ولا عزة للمسلمين إلا حينما كانوا يتخلقون بما في هذه المبادئ من أخلاق
وقيم.
|
|
والقوة
في هذه المبادئ أنها تنتظم جميع الأفراد وأنها عامة يتساوى أمامها الأمير
والصغير، والغني والفقير، فليس هناك تفاضل بالأموال أو الأنساب أو الجاه. وإنما
التفاضل بالعمل الصالح والتنافس فيه.
|
|
وإذا
قدر لواحد منهم أنه استجاب لداعي شهوة أو غريزة ذكر الله فاستغفره. كي تظل حياته
عامرة بالإيمان. ولا يجد حرجا أن يعلن عن مخالفته ليرجع إلى الله بالتطهير مما
اقترف ولو كان في ذلك قضاء على حياته. لعلمه أنها فانية، وأن الدار الآخرة هي الحيوان
فنجد ماعزاً رضي الله عنه يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: يا رسول
الله زنيت فأقم عليّ الحدّ. فيراجعه الرسول صلى الله عليه وسلم مرة ومرة ويظل
على رأيه لا يحيد عنه، فيأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإقامة الحد عليه.
|
|
وتجيء
الغامدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول له: زنيت. هذا الحمل من سفاح
فراجعها الرسول صلى الله عليه وسلم وتصر على الاعتراف فيؤخر الرسول صلى الله
عليه وسلم إقامة الحد عليها حتى تضع حملها وتلد ويستغني الولد عن اللبن بالفطام.
وتأتي بعد كل ذلك مختارة ليقام عليها الحد. فتطهر من الدنس الذي علق بها وتلقى
الله وهو راض عنها.
|
|
كما
نجد أن صحابيا تحت تأثير شهوة أتى امرأته في نهار رمضان ولمـا أفاق من غفلته
تحرك فيه الوازع الديني فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: هلكت ليجد
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقا لنجاته، فيرشده رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى فعل الكفارة على ضوء الحديث الذي حدثنا به أبو هريرة رضي الله عنه من
رواية البخاري.
|
|
هذه
أمثلة توضح أن السلف الصالح رضوان الله عليهم حققوا المبادئ الإسلامية في
تفكيرهم، وأحسنوا تنفيذها في معاملتهم. ورجعوا إليها إذا انحرفوا عنها تحت تأثير
شهوة، لإيمانهم العميق بتلك التعاليم التي اعتنقوها مبدأ وسلوكا.
|
|
ولما
بدأ التفاعل بين المسلمين ودينهم يضعف. أخذ الإسلام يتحول في نفوس أهله من حياة
قوية متوثبة إلى تقاليد وشكليات. فكان أن دب الضعف في الصف الإسلامي، ولعب
الاستعمار دوره فصرفهم عن دينهم. وقتل فيهم حيويته وقوة تعاليمه. فتفتتوا بعد
توحد، وتمزقوا بعد تجمع، وقل الوازع الديني الذي بجمع الكلمة ويوحد الصف.
|
|
وهكذا
دار الفلك دورته. وعاد الإسلام غريبا كما بدأ. وهذه الغربة نعيشها اليوم في عصر
العلم وغزو الفضاء، فمع التفوق
العلمي في جميع ميادين الحياة. نشاهد طغيان المادة على القيم والمبادئ. ونلمس أن
الغرائز أضلت عقول الناس لبعدهم عن غذاء النفس وتقويتها، فكان التصدع بين
الأفراد والجماعات، وبين الدول والشعوب نتيجة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وتعدي
الجماعة على الجماعة، وحرب الدولة للدولة.
|
|
في
هذا الجو المكفهر المشحون بالمخالفات يتحقق قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي
يحدثنا به أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعا من رواية لمسلم: "بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء
الذين يصلحون إذا فسد الناس".
|
|
فتعاليم
الإسلام أصبحت غريبة غير مألوفة في المجتمعات الإسلامية وأصبح التدين رجعية.
والقابض على دينه كالقابض على الجمر. وفقدت التربية الإسلامية، وانعدمت الرحمة
من القلوب. فلا شفقة لصغير، ولا تقدير لكبير، واختلت الموازين. وأصبح الأمر
فوضى، واستخفت الناس بشعائر الله، وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفاً، وسيطرت
الأنانية وانعدم الإيثار أو كاد. وضلّ الناس طريقهم، فمنهم من ظالم يظن أنه
عادل، ومسيء يظن أنه محسن. وجاهل يظن أنه عالم، وغبي يظن أنه فاهم، وضنين بنعم
الله عليه يظنّ أنه من المزكين، وسار الناس حياتهم في إطار من البغض والكراهية
والتمزق، ووهنت الروابط وكادت تنعدم الإنسانية.
|
|
وعاد
الناس في أزمة ضمير، وساعد على ذلك الأفكار المستوردة، وسموم الاستعمار حتى طفح
الكَيل، وحاربت مع الأسف الدولة المسلمة شقيقتها. وكان ضياع آلاف الأرواح
والخسائر المتعددة الأشكال والأنواع. وتحقق قول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }.
|
|
فذل
المسلمون بعد عز. وضعفوا بعد قوة، وأصبحوا فرقاً وأحزاباً بعد أن كانوا أمة
واحدة قوية فتية لها وضعها ومكانتها في المجتمع الدوليّ.
|
|
ولن
يلتئم الجرح النازف في الصف الإسلامي، ولن يعود للإسلام مجده وحيويته، ولن تعود
للمسلمين قوتهم ومنعتهم إلا إذا فهموا دينهم كما فهمه السابقون من أتباع الرسول
صلى الله عليه وسلم عبادة ومعاملة ومنهجا وسلوكا يسيرون على أضوائه في محيط
حياتهم. وفي جميع شئونهم الخاصة والعامة لا يجدون في أنفسهم حرجاً من تنفيذ
أحكامه.
|
|
وصدق
قول الإمام مالك رضي الله عنه إمام دار الهجرة (لا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح
به أولها).
|
|
وعندئذ
يعود المسلمون سيرتهم كما وصفهم القرآن الكريم: { أَشِدَّاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً }.
|
|
وقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في
توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالحمى والسهر".
|
|
وقوله
عليه الصلاة والسلام: "المؤمن للمؤمن كالبنيان
يشد بعضه بعضاً" هذا رجاؤنا، وما ذلك على الله بعزيز.
|
|
|
|
زيادة
النعم بالشكر عليها
|
|
قال
أبو يوسف ينصح هارون الرشيد رحمهما الله: إن الله عزَّ وجل، بمنه ورحمته، جعل
ولاة الأمر خلفاء في أرضه، وجعل لهم نوراً يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور
فيما بينهم، وبين ما اشتبه من الحقوق عليهم.. وإضاءة نظر ولاة الأمر:
|
|
إقامة
الحدود، ورد الحقوق إلى أهلها بالتثبت والأمر البين، وإحياء السنن التي سنها
القوم الصالحون أعظم موقعاً، فإن إحياء السنن من الخير الذي يحيا ولا يموت.
|
|
وجور
الراعي هلاك الرعية، واستعانته بغير أهل الثقة والخير هلاك للعامة..
|
|
فاستتم
ما آتاك الله، يا أمير المؤمنين، من النعم بحسن مجاورتها، والتمس الزيادة فيها
بالشكر عليها، فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز:
|
|
{ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ
إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }
|