|
|
|
والذين لايشهدون الزور |
|
للدكتور جمعة علي الخولي |
|
رئيس قسم الدعوة بكلية الدعوة وأصول
الدين |
|
|
|
|
وصف الله عز
وجل عباد الرحمن في سورة الفرقان ضمن صفات سابقة وصفات لاحقة بأنهم {لا يَشْهَدُونَ الزُّور} (الفرقان آية 73). |
|
والزور أصله "الميل"
ويطلق على الكذب لأنه ميل عن الحـقيقة وعلى كل باطل من الأقوال والأعمال لأنه
ميل عن الحق. |
|
وعدم شهادة
الزور تحمل معنيين: |
|
الأول: لا
ينطقون لشهادة الزور بمعنى أنهم لا يكذبون في شهاداتهم. |
|
الثاني: لا
يحضرون مجالس الزور.. سواء كـانت مجالس كذب أو بـاطل أو لهو،.. ولا يرونها، وإذا
أرادوها أعرضوا عنها. |
|
وحديثنا هنا عن
هذا الجانب الثاني.. لأنه أعم وأغلب كما ذكره ابن كـثير في تفسيره[1]. |
|
والمسلم مأمور
من دينه أن يبتعد عن كل مجالس السوء في هذه الحياة.. تلك المجالس التي تظهر فيها
المعاصي والموبقات. وتتنزل عليها اللعنات، كحفلات الغناء والرقص الماجنة. وأماكن
شرب الخمر ولعب القمار.. وشبه ذلك من مجالس الفسوق التي يصول فيها الشيطان
ويجول.. ولا يكفي أن ينكر المسلم ويجلس على طريق المجاملة مثلاً. لأن بقاءه في
هذه المجـالس يدل على الرضا بما يـجري فيها، وفيه إقرار لأهل الباطل على باطلهم.
ومشاركة لهم فيه. |
|
يقول اللّه عز
وجل: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي
آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}
(الأنعام آية 68). |
|
كما صب الله
لعنته على بني إسرائيل لرؤية بعضهم المنكر وتركه يمرّ دون نكير أو اعتراض {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى
لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا
يَعْتَدُونَ} (المائدة:78) |
|
وقال عليه
الصلاة والسلام: "إن أول ما دخل النقص على بني
إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا
يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما
فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض"[2]. |
|
ونظرة إلى
المجتمع الإسلامي الأول تريك كيف كـان يعالج الأخطاء ويتعامل مع المخطئين. |
|
إن هذا المجتمع
مع ما كان يتسم به من طهر واستقامة. وعفاف وتقوى كانت تظهر فيه لبعض الأفراد
بوادر وسقطات، كما هو شأن البشر دائما، والعصمة للأنبياء. |
|
فكيف كان يقابل
مثل هذه الأمور، وما الذي كان يشعر به المقصرون ومرتكبو بعض الأخطاء؟ |
|
إن المخطئ كان
يرى نفسه غريبا بين إخوانه لا يطيب له مقام بينهم حتى يبدأ يبرأ من علته. |
|
أما المجتمع
فكان يقظا يرقب الأخطاء، ويلاحق أصحابها باللوم والتثريب حتى لا تتسع دائرة
الشرور. |
|
وإليك هذه
الصورة من حديث كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تخلفوا بدون عذر عن الاشتراك مع
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوكِ قال: "ونهى رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه، فـاجتنبنا
الناس حتى تنكرت لي في نفس الأرض فما هي بالتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة
وكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك
شفتيه برد السلام علي أم لا؟… حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يأتني يقول: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
يأمرك أن تعتزل أمرأتك فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل أعتزلها ولا
تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك. فقلت لامرأتي: ألحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى
يقضي اللّه في هذا الأمر"[3]. |
|
ثم كان ما كان
من توبة اللّه عليهم.... |
|
قارن بين هذه
الصورة لبعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجلاء، وانظر كيف وقف منهم المجتمع
في عصرهم- وهم من هم في مكانتهم وتقواهم. |
|
ألا يستحق من
ينشرون بذور الشر والتحلل في المجتمع الإسلامي من وقفة تظهر الغيرة على محارم
اللّه ضد هؤلاء الساقطين.؟ |
|
وقد نبه على
ذلك الحسن البصري فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم قال: "يا سبحان اللّه هؤلاء
الثلاثة - يقصد المخلفين - ما أكلوا حراماً، ولا سفكوا دماً حراماً، ولا أفسدوا في
الأرض، أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فكيف بمن يواقع الفواحش
الكبار"[4]. |
|
هذا وقد بحث
الفقهاء موضوع السلام على العاصي والمبتدع، وأجازوا ترك السلام على مقارف الذنب،
وترك رده عليه تأديبا له وعلاجاً، حتى إذا أحس هو ومثله باحتقار المجتمع المسلم
لمساويهم، وعدم الرضا عن أفعالهم ثابوا إلى رشدهم. ودخلوا في زمرة الراشدين... |
|
من ذلك ما ذهب
إليه ابن تيمية من مشروعية الهجر للمخطئ وإن كان من أهل الفضل في جوانب أخرى[5]. |
|
وكان إبراهيم
بن المنذر الحزامي من ثقات العلماء، روى عنه البخاري وابن ماجة وروى له الترمذي
والنسائي بواسطة، لكنه أثناء محنة خلق القرآن لأن وخلط فذمه الإمام أحمد ولم يرد
عليه السلام..[6]. |
|
كما تحدث
البخاري في أكثر من مكان من صحيحه في هذا الموضوع فكان مما جاء فيه (باب.. هل
للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه)[7]
ثم أورد حديث الثلاثة الذين خلفوا كدليل على الجواز. وجاء أيضا (باب ما يجوز من
الهجران لمن عصى)[8]
وأورد حديث الثلاثة أيضا كما فصل ابن حجر الحديث في هذا الموضوع في (فتح الباري) فكان مما قال: "وفيه
ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث. وأما النهي من الهجر فوق ثلاث
فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيا"[9]. |
|
وقال: قال المهلب - أحد شراح البخاري - ترك السلام على أهل المعصية سنة ماضية، وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع، وخالف في ذلك جماعة، وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من يتعاطى خوارم المروءة ككثرة المزاح واللهو، وفحش القول، والجلوس في الأسواق لرؤية من يمر من النساء ونحو ذلك. وحكى ابن رشد قال: قال مالك: "لا يسلم على أهل الأهواء"، قال ابن دقيق العيد: "ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم والتبري منهم.." وقال النووي: "وأما المبتدع ومن اقترف ذنبا عظيما ولم يتب منه فلا يسلم عليهم، ولا يرد عليهم السلام، كما قال جماعة من أهل العلم"، واحتج البخاري لذلك بقصة كعب بن مالك، قال: "وهو مما يخص به عموم الأمر بإفشاء السلام عند الجمهور"[10] |
|
لكن ينبغي أن
يتناول موضوع الهجر هذا من قبل المسلمين بحكمة وفقه، حتى لا تحدث ردود فعل
عكسية، ويتولد من التطرف في الفهم وسوء المعاملة ما يسيئ أكثر مما يحسن.. |
|
قال ابن حجر:
قال المهلب "غرض البخاري في هذا الباب أن يبين صفة الهجران، وأنه يتنوع
بقدر الجرم، فمن كان من أهل العصيان يستحق الهجران بترك المكالمة كما في قصة كعب
بن مالك وصاحبيه، وما كان من المغاضبة بين الأهل والإخوان فيجوز الهجر فيه بترك
التسمية مثلا، أو بترك بسط الوجه مع عدم هجر السلام والكلام"[11]
|
|
أجـل.. نحن
بحاجة إلى حكمة ولباقة في معاملة المذنبين. |
|
فبدل الشتم
والتجريح يكون القول الحسن، والوعظ الهادئ الجميل قال سبحانه {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} (سورة البقرة آية
83) وقال: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ
قَوْلاً بَلِيغاً} (النساء آية 63). وقال: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}
(الإسراء آيـة 33) وبدل الحماسة والاندفاع وتجاهل طبيعة المخطئ مما قد يولد في
نفسه عزة بالإثم.. بدل هذا تكون الدعوة الودود، والتوجيه المتأني. ولنا في رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة. فمع شدة بغضه للمعصية، لكنه كان يعالج
الأمور بحكمة فائقة، فإذا المخطئ أسير حب رسول الله ووده. |
|
روى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي اللّه
عنه "أن غلاماً شاباً أتى النبي صلى اللّه عليه
وسلم فقال يا نبي الله: أتأذن لي في الزنا؟ فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه،
مه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، "إدنه". فدنا منه قريبا، قال:
فجلس، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "أتحبه لأمك؟" قال: لا والله
جعلني اللّه فداك، قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم". قال: "أتحبه
لابنتك؟" قال: لا والله يا رسول اللّه جعلني اللّه فداك.. قال: "ولا
الناس يحبونه لبناتهم" قال: "أتحبه لأختك؟" قال: لا والله جعلني
اللّه فداك.. قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم". ثم ذكر العمة والخالة
وهو يقول لا كل واحدة: لا والله جعلني اللّه فداك. قال: فوضع رسوله الله صلى
اللّه عليه وسلم يده عليه وقال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه"،
فلم يكن بعد... ذلك الفتى يلتفت إلى شيء"[12]. |
|
ومر أبو
الدرداء على رجل أصاب ذنباًْ، والناس يسبونه، فقال لهم: "أرأيتم لو كان في
بئر أكنتم مستخرجيه؟.قالوا: نعم. قال: فاستغفروا لأخيكم. واحمدوا اللّه الذي
عافاكم. فقالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي"[13]. |
|
فأبو الدرداء
يعلم حسن نية المنكرين على العاصي، وصدقهم في كراهية المنكر، لكنه لم يشأ أن
يغلق على الرجل باب الإنابة والتوبة، وذلك عن طريق كلمة راشدة قد تستيقظ بها
نفسه، فإذا هو مستقيم وجل. كما كان الحالة مع صاحب النبي صلى اللّه عليه وسلم. |
|
لكن.. ما الحكم
إذا لم ينفع هذا الأسلوب مع العصاة، ولم يفد في تأديبهم؟ هنا. لا بد من الهجر
والمقاطعة السلبية التي تحدثنا عنها آنفا.. |
|
هذا إذا لم تكن
هناك مخالفات شرعية توجب حدا أو تعزيزا فيجب إقامتها طبعاً.. |
|
وقد استشكل
البعض كون هجران الفاسق أو المبتدع أمراً مشروعا، على حين لا يشرع هجران الكافر
وهو أشد جرماً؟. |
|
وقد أجيب.. بأن
الهجران على مرتبتين.. الهجران بالقلب، والهجران باللسان. فهجران الكافر بالقلب،
وبترك التودد والتعاون والتناصر لا سيما إذا كان حربياً، وإن لم يشرع هجرانه
بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره، بخلاف العاصي المسلم فإنه ينزجر بذلك
غالباً، ويشترك كل من الكافر والعاصي في مشروعية مكالمته بالدعاء إلى الطاعة
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإنما المشروع ترك المكالمة بالموادة ونحوها"[14]. |
|
وبعد: فلابد-
حفاظاً على كيان المجتمع المسلم- أن يكون هناك حدود لكل منكر - يظهر على أرضه،
أو انحراف يطفو على سطحه، وهذا مفهوم قول النبي صلى اللّه عليه وسلم "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"[15]. |
|
ولو أن
الخطائين، وأرباب العهر والفساد أحسوا بنبذ المجتمع لهم، واحتقاره لمساويهم، فقد
يراجعون أنفسهم، أو يبحثون لهم عن مكان أخر في غير مجتمع الإسلام. |
|
لكن كيف
يتراجعون، والمجتمع يفتح ذراعيه لهم، ووسائل الإعلام تؤيدهم، وطلاب المتعة
والهوى يشجعونهم. بل وبعض المسئولين في بعض بلاد العروبة والإسلام يكافئونهم،
ويؤازرونهم في محافل رسمية وشعبية تمنح فيها أموال الشعب سيلا غدقاً على الذين
يقفون وراء كل سفه فاشٍ، وذهول لاغب. |
|
على حين يلقى
العاملون للإسلام كل غمط وتجاهل. |
|
وانظر.. كم من
حفل أقيم في دول عربية لتكريم أهل الفن والرقص والموسيقى؟ ومن برزوا في ميادين
اللهو والغناء. |
|
على حين لم
يذكر المجتمع علماءه الذين نافحوا عن قيمه، وأصّلوا ثقافته. |
|
إن هذا يجعل
الناشئة تشب وهي تعشق الهزل وتحترم أربابه. وترى فيهم مثلا تحتذيهم، وتقلد
أعمالهم، فيشيع في المجتمع الإستهانة بالحق ورجاله، والمغالاة بالباطل وأهلـه. |
|
وإذا شاعت هذه
الظاهرة في مجتمع دلت على تفاهته، وآذنت بسقوطه لذا قلت: لا بد أن يشعر أهل
الباطل أنهم أقزام في مجتمع الإسلام. |
|
|
|
[1] تفسير ابن كثير جـ 3/330،329 ط مكتبة الرياض. |
|
[2] تفسير ابن كثير جـ 2/82 ط الحلبي. |
|
[3] البخاري – كتاب الغازي. |
|
[4] فتح الباري جـ 8/123 ط. السلفية. |
|
[5] مجموع الفتاوى جـ 10/377 ط. أولى. |
|
[6] تهذيب التهذيب 1/167 ط أولى. |
|
[7] فتح الباري جـ 11/41،40 ط السلفية. |
|
[8] المرجع السابق 10/497. |
|
[9] المرجع السابق جـ 8/124. |
|
[10] المرجع السابق 11/41،40. |
|
[11] نفسه 10/497. |
|
[12] مسند أحمد جـ 5/257،256 ط بيروت. |
|
[13] فتح الباري جـ 10/497. |
|
[14] صفة الصفوة لابن الجوزي ط/640 ط ثانية. |
|
[15] مسلم – كتاب الإيمان. |