|
|
|
حُقوُقُ
الإنسان |
|
للشيخ محمد المجذوب |
|
كلية الدعوة أصول الدين |
|
|
|
بمناسبة مرور
ثلاثين عاماً على الإعلان الدولي لحقوق الإنسان تحدث الرئيس الأميركي عن موقف
بلاده من هذه القضية مؤكداً أن (حقوق الإنسان) تؤلف جوهر السياسة الأمريكية الخارجية.
وقد أعادت إذاعة (صوت أميركة) وغيرها هذه الفقرة من خطاب الرئيس أكثر من مرة في
أكثر من فترة إذاعية، ومثل هذه الفقرة ينطق بها رئيس أمريكي من حقها أن تستوقف
كل مفكر يُعنى بأحداث العالم، ويتابع مواقف الدول والشعوب، ومجاري السياسة
العالمية. وإذا كان هذا شأن المفكر أيا كانت هويته، فهو أكثر إثارة للمفكر
المسلم، لما يرى من المفارقات العجيبة بين الكلام عن حقوق الإنسان وبين الواقع
الذي يعانيه الإنسان من أصحاب هذا الكلام. |
|
لقد مرت
البشرية خلال التاريخ بالكثير من أحقاب الشقاء، فقد الإنسان أثناءها قدرة الرؤية،
فراحت تتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض، إذ قضي عليها أن تمارس لعبة الموت، ويسير
بعضها على أشلاء بعض، دون أن يكون لها في ذلك أي مصلحة أو رأي، ولكنها إرادة
الطواغيت الذين استحوذوا على أزمتها، فلم يدعوا لها فترة للتنفس، بل مضوا
يستاقونها بالسياط إلى حيث تبنى لهم من جماجمها أقواس النصر منقوشة بأزاميل
المعذَّبين، وتماثيل المجد الكاذب منحوتة بأظافر المستعبدين المذللين. |
|
ويتخايل إلي
وأنا في غمار هذه الصور الدامية من ماضي الإنسان، أنها لا تزال هي التي تتحكم في
حياته، وإن اختلفت ألقاب السفاحين الذين ينيخون على صدره في كل مكان.. |
|
إن مجرد (إعلان
حقوق الإنسان) في العصر الحديث شاهد صارخ على أن هذه الحقوق لم تكن شيئاً
مذكوراً عند طواغيته، فهم يريدون استحداثها للتخفيف أو لإِيهام التخفيف من أعباء
الشقاء الذي تعانيه الإنسانية تحت كوابيسهم.. وقد فاتهم أن حقوق الإنسان أكبر من
أن تكون منحة يتصدق بها (الطغاة) بل هي قيمة أساسية خلقت معه منذ أن أخرجه الله
من عالم العدم إلى نطاق الوجود، ثم لم يهبطه إلى هذا الكوكب إلا بعد أن أسجد له
ملائكته، تكريماً لنوعه، وتفضيلا له على سائر مخلوقاته الأرضية.. ولو استقام هذا
الإنسان في الطريق الذي خطه له خالقه لما وجد إنسان نفسه في حاجة إلى من يلوّح
له بهذا الحق. ولكن الشيطان الذي أعلن منذ ذلك اليوم ملاحقة الجنس البشري
بالإفساد والتضليل، قد استطاع أن يضرب بين الإخوة فإذا هم بين ظالم ومظلوم،
وقاتل ومقتول.. وهكذا استحالت الحياة التي ينبغي أن تكون جنة من المودة والرحمة،
حلبة صراع لا يثبت فيها إلا المتفوق في القسوة والمكر وفنون التخريب ثم استحالت
اللغة نفسها على ألسنة البغاة أداة للتزوير، فهم بها يسمون الأشياء بأضدادها،
فالعبودية التي يفرضونها على الشعوب هي
الحرية المفضَّلة، والتعاون بينهم على استنزاف طاقات محكوميهم هي الحقوق
التي يجب أن يصفقوا لها؛ ويقيموا الحفلات لذكراها... ولو هم صَدَقوا العمل،
وآمنوا بخالق الإنسان الذي سوّاه وعَدَلَه وكرّمه لوسعهم أن يعيدوا إليه الكثير
من حقيقته التي سلبها الطواغيت، ومسختها المناهج المفسدة التي يسوسون بها
الشعوب، وإذن لاسترد هذا الإنسان إيمانه بخالقه، ومن ثم إيمانه بنفسه وبرسالته
التي هي تحقيق ملكوت اللّه في هذا الكون.. ليس فقط في نطاق السيادة على عالم
المادة بل على نطاق الحياة بأكملها، بكل ما في الحياة من حاجة إلى البر والعدالة
والأخوَّة، حتى يكون (المجد للّه في الأعالي وعلى الأرض السلام). |
|
ولنعد إلى
مناقشة الرئيس الأميركي في زعمه الكبير بأن توكيد حقوق الإنسان هو جوهر السياسة
الأميركية... وحبذا لو أتيح لنا أن نصل إلى سمعه لنقول له: في وسع كل رئيس أن
يردد مثل هذا القول، ولكنه قول سيظل يعوزه التجسيد حتى يحققه العمل، وما دام عمله
يباين ادعاءه، فلن يجد من يصدقه، بل أن سامعَه سيزداد شكا في جدية هذا الضرب من
التصريحات التي لا تغير من الواقع شيئاً. |
|
* لقد خاضت
أميركتكم يا سيادة الرئيس عدداً من الحروب خلال هذا القرن، وفي كل حرب كان هذا
الزعم الكبير هو الشعار الذهبي الذي ترفعه جيوشها، حتى إذا انجلت الحرب لمصلحتها
نسيت ما كانت تزعمه، واكتفت بمحاولة توجيه المسيرة البشرية في خدمتها وحدها ولو
هلك العالم كله، وهل أنا بحاجة إلى تذكيركم بهيروشيما وناجاساكي، اللتين جعلتم
منهما مخبراً فنياً لتجارب علمائكم في مدى قدرتهم على التدمير فكانت حصيلة التجربة
مئات ألوف الضحايا ممن لا ناقة له ولا جمل في ميادين القتال.. ومع ذلك فلم تسمع
البشرية كلمة تعزية من أي رئيس أميركي في هذه الكارثة العالمية.. فليت شعري..
أين كانت حقوق الإنسان من سياسة أميركية يومئذ...؟ أم أنكم لا تعتبرون المخلوق
إنساناً إن لم يكن أميركياً أو يهودياً!!.. |
|
ثم جاءت مجازر
كمبودية وفيتنام ولاوس وأخواتها اللاتي أحلتم بهن الأرض بحاراً من الدماء.. ولما
رأيتم مصلحة أميركة في مغادرتها تركتم شعوبها للجزارين الحمر يصَفّونها على
الطريقة المـاركسية، التي تعتبر الرحمة أبشع ألوان الضعف، دون أن تعتذروا ولو
بكلمة واحدة لهذه الملايين من القرابين.. فأين كانت مبادئ أميركة في احترام حقوق
الإنسان..؟ أم أن هؤلاء بنظر السياسة الأميركية من غير نوع الإنسان الذي يستحق الإحترام
أو الإحسان..؟ |
|
ويا سيادة
الرئيس.. لعلكم لم تنسوا بعد جريمة أميركة التاريخية في اقتلاع ملايين العرب من
الأرض التي جبل ترابها من أشلاء
آبائهم وأجدادهم، منذ عهود العرب الكنعانيين قبل آلاف السنينِ لتزرعوا مكانهم
عصائب الشذاذ، الذين ضاقت بمفاسدهم أكناف الأرض، ثم مازلتم بهذه العصائب تسميناً
وتعزيزاً وإغْراء حتى جعلتم منها غابة من الضواري، لا يشبع نهمها شيء مثل البغي
والعدوان على حقوق الإنسان.. فقل لي بالله كيف غابت عن أميركة يومئذ فكرة
الإنسانية..؟ فوقفت بجانب الغاصبين، ولم تكتف حتى نصبت منهم دولة تهدد الأمن
وتروع الآمنين.. ثم مضت تستغل كل مناسبة لتضخيمها بآلاف الملايين ولتسليحها
بأحدث ما اكتشفه الفكر الإبليسي من وسائل التدمير والتتبير والتمكين حتى هذه
الصرخات الجديدة التي تواجهون بها العالم في المؤتمرات الدولية والمناسبات
القومية حول (حقوق الإنسان) لا تكاد تُسمع إلا حين يكون الأمر متعلقا باليهود،
فأنتم من أجلهم تساومون روسية حتى على الحنطة وتحديد الأسلحة، فلا تجيبون لها
مطلباً إلا بمقدار ما تفتح لهم من أبواب الهجرة لتكثير سواد القتلة في فلسطين
السليبة. |
|
ثم هاأنتم
هؤلاء تشهدون اليوم عدوان صنيعتكم هذه على بقية أهلها بالقتل والتشريد، واجتياح
المقدسات، واغتصاب الأرض لإِقامة المستوطنات المنذرة بزواله الجنس العربي من
فلسطين.. حتى إذا تحرك الضمير البشري باستنكار هاتيك الجرائم في مجلس الأمن
لجأتم إلى قذائف النقض- الفيتو- فأبطلتم مفعول الإستنكار دون أن تأخذكم هزة
الحياء، إذ تقفون وحدكم إلى جانب المعتدين بوجه العالم كله.. وقد نسيتم شعاراتكم
التي تتبجحون بها في كل مناسبة تستدعي الكلام عن حقوق الإنسان. |
|
وها هي ذي
بورمة البوذية الشيوعية تجتاح ديار المسلمين، وتفتك بجموعهم لتقذف ببقاياهم إلى
بنغلادش المختنقة بسكانها... |
|
وغير بعيد من
بورمة مذابح المسلمين في جزر الفيلبين، حيث تغتال العصبية الصليبية حشودهم في
بيوت الله، وتجليهم عن منازلهم وأراضيهم، دون ذنب سوى تشبثهم بهويتهم
الإسلامية... |
|
ولطالما لقي
إخوانهم مسلمو الهند من أمثال تلك المجازر بأيدي عتاة الهندوس، حيث تحرق المئات
من قراهم، ويباد الألوف من أبريائهم حتى الأطفال والنساء... |
|
وما أحسبك بناس
بعد مذابح الأوغادين، التي دفعتم بها لقمة سائغة لدبابات منغستو تسحق العزل من
سكانها المسلمين، فتطمس معالم الديار، وتمزق أشلاء الكبار والصغارِ إلى جانب
مذابحه الأخرى في ربوع الأرتيرية حيث تزحف قوى الشيوعية الدولية لتدمر فيها
بقايا الحياة.. |
|
وكل ذلك على
مرأى ومسمع من أهل الأرض.. ومع ذلك لا يذكر أحد أن رئيساً أو كبيراً في أميركة
رفع صوتاً أو أطلق كلمة في الإحتجاج على الظالمين أو الإنتصار للمظلومين... |
|
فأين كانت رحمة
أميركة بالإنسان؟.. أم أن هؤلاء وأولئك من غير الجنس الذي تطلقون عليه اسم
الإنسان؟!.. |
|
وهل أنا بحاجة
إلى تذكيركم يا سيادة الرئيس بذلك البلد العربي العريق، الذي صبت عليه صواعق
المهلكات من الجو والبر فأحالته مقبرة كبيرة ينطوي تحت أنقاضه الآلاف من الرجال
والنساء والأطفال.. وذلك على مسمع من الدنيا كلها، وعلى مشهد من أجهزتكم
الفضائية، التي بلغت من الدقة (أن تصور كرة لا يتجاوز قطرها أربعة سنتيمترات عن
ارتفاع ستة عشر ألف متر) ومع ذلك لم تجدوا في هذه المأساة العالمية ما يستحق
منكم كلمة إشفاق، أنتم الذين أقمتم الدنيا ولم تقعدوها انتصاراً للكلبة (لايكا)
أن تنتهك الحكومة السوفياتية حقوقها بإرسالها إلى الفضاء في تجربة علمية!.. |
|
أفكانت دماء
آلاف المسلمين أرخص في معياركم (البراغمي) من إنزعاج كلبة؟.. أم هو المنطق الخاص
الذي يسقط من حقوق الإنسان كل آدمي ينتمي إلى عالم الإسلام!!.. |
|
الحق يا سيادة
الرئيس أني عاجز عن ملاحقة مواقفكم المتضاربة في هذا الموضوع، الذي أطلتم
وأطنبتم في الحديث عنه، لتوهموا العالم أن أميركة هي الحامية لكرامة الإنسان دون
منازع.. في حين تكشف الصحف الأميركية عن ضروب المؤامرات الأميركية على حقوق
الشعوب، سواء عن طريق الرشاوي التي تشترى بها الحكام، أو عن طريق المخابرات
المركزية التي تقف وراء كل انقلاب يراد به فرض العملاء البغاة على الشعوب التي
تتطلع إلى الحرية والحياة.. وماذا أقول يا سيادة الرئيس عن (المعونات) التي
(تتبرعون) بها سنوياً لغوث البلاد المتخلفة بعد أن أعلنت مراكز القوى في أمريكة
أنها ليست سوى (طعوم) لاصطياد المحتاجين، فليس لمعارض سياستكم الدولية واليهودية
حظ في أي شيء منها. |
|
لقد ظل هدف هذه
(المعونات) سراً مستوراً حتى كشفه الكونغرس الذي قرر أن ليس لحكومة أي نصيب فيها
إن لم تدفع ثمنها من كرامتها وحقوق رعاياها، وهكذا اتضح لكل ذي عينين أن معونتكم
ليست سوى وسيلة لإخضاع الدول التي قضي عليها أن تكون في صفوف المتخلفين.. |
|
وما أظنكم
تنسون موقف مندوب (تاهيتي) في هيئة الأمم عام/ 1948/ يوم حشدتم العملاء لتقرير
التقسيم الظالم فأبى عليه ضميره أن يشارك حكومة (ترومان) في هذه الجريمة، وأعلن
موقفه بجانب الحق العربي إلا أن عاتق (تاهيتي) الضعيف لم يستطع الصمود أمام
الضغط الأميركي أو الإغراء الأميركي، فأصدرت أمرها إلى مندوبها بوجوب التصويت
لصالح الغاصبين، فلم يسعه إلا الخضوع، وأدلى بصوته في طاعة أميركة وهو يعلن
احتجاجه عليها بدموعه النبيلة.. |
|
يا سيادة
الرئيس: من حقك أن ترد على هذه التساؤلات بحجة أنك لم تشارك عملياً في معظم هذه
الجرائم، لأن أكثرها إما سابق على عهدك، أو مفروض عليك بقوة الإستمرار، ولكن ما
تعليلك لموقفك الراهن من موضوع القنبلة النيوترونية، التي يعتبر تبنيك لها من
ثمار رئاستك وحدها في هذه الأيام.. ..؟. |
|
لقد أعلنت
دوائركم في مختلف المناسبات أن قنبلتكم هذه فاقت كل ما تقدمهـا من أدوات الفتك..
وأن أبرز مميزاتها كونها تقتل الأحياء وحدهم دون أن تمس الأبنية بأي سوء.. |
|
فأي قيمة بعد
هذا لكل ادعاء يريد أن يوهم الأغبياء بأنكم تقيمون أي وزن للإنسان!. إنها
لمعادلة تفوق كل عجائب العقلية (البراغماتيزمية) إذ تجعل الحجر أحق بالرحمة من
البشرية!. ولعمر الحق.. لقد بات أفضل من ادعائكم الإنتصار لحقوق الإنسان أن
ترفعوا شعاراً جديداً آخر أليق بعصر النيوترون، هو (المادة أولاً وآخراً)..
وألاَّ حق في البقاء لإنسان إلا إذا كان من اليهود أو الأميركان! |
|
يا سيادة
الرئيس، لقد أفسدت المكيافيلية الغربية عقلية البشر حتى استساغت تسمية الأشياء
بأضدادها، وحتى بات مثل هذا النقاش الذي أواجهك به من غرائب الوقائع في مقاييسها
الزائغة، ولكن استغرابك قمين بأن يزول عندما تعلم أنني أناقشك بمنطق الإسلام
الذي استعصى على مكيافيلية الغرب وشيوعية الشرق جميعاً، فبضوئه نرى، وبمعايره
نحكم، وبذلك نرتفع على التضليل الذي يفرض نفسه اليوم على معظم البشر، فنقرر أنكم
ومن ورائكم من ورثاء الميكيافيلية والماركسية إنما تهزءون بعقول الناس حين
تنسبون إلى أنفسكم وأممكم فضيلة الإيمان بكرامة الإنسان، ذلك لأننا نحن المسلمين
الأمة الوحيدة التي جعلت ولا تزال تحمل للبشرية دعوة السماء إلى احترام الإنسان
انطلاقاً من إيماننا الراسخ بقول خالق الإنسان:
{وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ
خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} |
|
فقضية (حقوق
الإنسان) التي ترتبط عندكم بالمصلحة المتقلبة، هي بالنسبة إلينا نحن المسلمين
قضية دين لا يقبل التغيير ولا التبديل، وأمامكم شواهد التاريخ فاستنطقوها تؤكد
لكم أننا لم نعرف على مر القرون مثل الإستعمار الذي لوثتم به ضمائر البشرية، ولا
مثل التمييز العنصري الذي مزقتم به أرحام الإنسانية... |
|
ولا جرم ولا
غرابة... فأنتم تنظرون بعين المادة الصماء إلى كل شـيء من هذه الحياة، ونحن ننظر
إلى الكون كله بنور اللّه.. وشتان بين النظرتين والمعيارين.. |
|
ولعلك أخيراً
يا سيادة الرئيس قد قرأت شيئاً عن أسلاف المسلمين وأصغيت ذات يوم لتلك الصيحة
العمرية التي لا تبرح تدوي في مسامع العالمين: متى استعبدتم الناس.. وقد ولدتهم
أمهاتهم أحراراً.؟ |
|
تذييـل |
|
ولقد شاء الله
جلت حكمته أن يتأخر موعد هذا العدد من (مجلة الجامعة الإسلامية) حتى نشهد هجمة
العدوان الجديد، الذي سجلت به لقيطتكم -
إسرائيل- قمة الهمجية، التي توشك أن تمحو من ذاكرة التاريخ أسماء جنكيز وهولاكو
وتيمورلنك، وأشباههم من أعداء الإنسانية في القديم والحديث. |
|
وإني لأكتب هذا
التذييل العجلان في غمرة من أنباء التدمير المبير، الذي تنشره أسلحتكم الشيطانية
على امتداد لبنان بعامة، وفي أحياء المسلمين من بيروت الغربية بخاصة، حيث يدك
المجرمون من حلفائكم عديد المستشفيات على أجساد نزلائها من المرضى والأطباء،
وآلاف المنازل الآمنة على رؤوس المئات من ضحاياها البرآء.. وقد قطعوا الماء
وموارد الغذاء والضياء عن كل مكان من ذلك البلد المنكوب، كي لا يدعوا لأهله
موضعاً للأمل بالبقاء.. وكل ذلك على مرأى ومسمع منكم يا سيادة الرئيس، دون أن
يحرك فيكم ساكناً، أو يطلق لسانكم بكلمة حاسمة تقف وحوش الغاب عن اندفاعها
المجنون.. هذا مع يقينكم التام بأن أولئك السفاحين ما كانوا ليقدموا على جرائمهم
الجهنمية لولا ثقتهم بتأييدكم المطلق، سواء في مجلس الأمن الذي تنسفون كل
مقرراته المنصفة بقذائف النقض، أو في فنون الهلاك من المبيدات العنقودية والإنشطارية
والفوسفورية والفراغية، التي تمدون بها أولئك السفاكين للإجهاز على بقية
الأبرياء المساكين.. |
|
ولم كل هذا
الإجرام بحق الإنسانية، التي تنادون بوجوب الحفاظ على حقوقها؟!. |
|
ستقلون حتماً:
إنه حق إسرائيل في الأمن على حدودها من غارات الفلسطينيين!... |
|
ولكن.. هل بلغ
تحجر الضمير الأميركي إلى حد أن يتناسى حق هؤلاء المشردين في الدفاع عن
وجودهم؟!. |
|
هل بلغ الفساد
في ذلك الضمير إلى حد ألاَّ يفرق بين ظالم زحف بقضه وقضيضه من مختلف أرجاء
العالم، ليقتلع شعبا من وطن ورثه عن عشرات الأجيال من آبائه، وبين هذا الشعب
المظلوم الذي اغتصب القتلة وأنصارهم أرضه ودياره، فبات شريداً في المجاهل، حتى
لم يجد مناصاً من اللجوء إلى السلاح للدفاع عن حقه في الحياة؟!!. |
|
وليت أصحاب هذا
الضمير المتحجر قد اكتفوا بالسكوت عن الظالم، والتصامّ عن المظلوم، فلم يزودوا
القاتل الغاصب بالعون على ضحيته، ولكنهم أبوا إلا أن يرفدوه بكل أسباب القوة
التي تمكنه من القضاء عليها، ولو أدى ذلك إلى تحويل معالم الحضارة إلى مقابر
يغَيَّب تحت أنقاضها آلاف الأبرياء من الشيوخ والأطفال والنساء.. |
|
فيالها محنةً
جنيتم بها على ثقة الإنسان بنوعه!.. |
|
ولكن.. رب محنة
أعقبتها منحـة... |
|
وحسب هذه
المحنة العالمية أنها حرَّكت مشاعر الغافلين المأخوذين بمدَّ عياتكم نحو حقوق
الإنسان، فإذا هم يشهدون ما وراءها من مخاز تشمئز من فظائعها حتى أنفس الحيوان!. |
|
ولا جرم سيكون
لذلك أثره البعيد في تاريخ أميركة كله، وفي موقف الضمير الإنساني المستيقظ من
صنيعتها، التي أزالت بوحشيتها الضارية آخر الستور عن وجهها الكالح الكريه.. |
|
{إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ
شَهِيدٌ}. |