طباعة

 توثيق النص

 

 

 

افتتاحية العدد

لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد

نائب رئيس الجامعة

 

 

لقد هزتنا الفجيعة هزا عنيفا، وآلمنا النبأ المفاجئ إيلاما شديداً، لكنّا نظرنا في واقع هذه الحياة وما قدر الله أن يكون فيها، فألفينا أن من سنن اللّه تعالى التي يجريها أنه جعل لكل مخلوق أجلاً ينتهي فيه وجوده إليه، {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً}.

وقد كان جلالة الملك خالد بن عبد العزيز ملء أسماعنا، وملء أبصارنا، وملء قلوبنا، وملء حياتنا، ترفرف به ظلال الأمن على أمتنا، وتسعد به النفوس في رغد معيشتها، وتقام به حدود اللّه وتحكم شريعته، وينشر به العدل بين الجميع حتى ليحس كل من يقيم على أرض هذه المملكة بطيب الحياة حيث لا ظلم ولا جور ولا ضيم.

كم نذكر وكم نعدد من مآثر خالد-رحمه الله- في شتى الميادين التي ترك بصماته  عليها، وخلفه ذكراه العطرة أعلاما تضيء جوانبها؟ خلال فترة وجيزة لا تجاوز سنوات سبع؟

ففي ميدان العلم له منجزات، فكم أسس من المدارس، والمعاهد والكليات المتوسطة للبنين والبنات، والجامعات الإسلامية والجامعات العلمية، في مدن المملكة، بل حتى في قراها حتى عم التعليم، وسعد به كل بيت من بيوت شعب هذه المملكة، بل تجاوزها إلى أن نعم به كثير من أبناء العالم العربي والإسلامي، الذين وفدوا للنهل من ينابيع العلم الصافية ثم انطلقوا إلى آفاق الدنيا يحملون مشاعل الهدى والنور في ربوع العالمين.

وفي ميدان قضايا المصير له منجزات، فكم سهر وتعب وفكر وساعد من أجل قضية فلسطين واسترداد القدس السليب، وكم أسهم ما استطاع عوناً للمجاهدين الأفغان الذين يناضلون ضد الملاحدة السوفييت المجرمين، وكم حرص على إيجاد حل لكل قضايا المسلمين في شتى أنحاء العالم؟ وقد فارق- يرحمه اللّه- الحياة وهو يناضل بفكره وجهوده مع أصحاب الحق في لبنان، وفلسطين ضد الصهاينة المعتدين.

وفي ميدان الأخوة الإسلامية، كم زار من الدول العربية الشقيقة والدول الإسلامية المختلفة، ابتغاء توطيد أواصر صلات المحبة والمودة بين إخوانه المسلمين، وتحقيق لم الشمل على طريق التضامن العربي والإسلامي، وبلوغ ما كان يحرص عليه من تحرير الأراضي المحتلة من أعداء الله الغادرين في كل مكان وبخاصة قبلة المسلمين الأولى التي دنستها -ولازالت تدنسها- أقدام شراذمة الصهاينة الغادرين الباغين.

وكم زار من الدول الصديقة كفرنسا، وألمانيا الاتحادية، وبلجيكا وغيرها تدعيما للعلاقات وتنمية للتعاون البناء بينها وبين المملكة، وعرض عرضاً واضحاً لقضية المسلمين الأولى وهي قضية استرداد القدس الشريف وحل المشكلة الفلسطينية التي فرضها الوجود الصهيوني الغادر، وإظهارا لشخصية المسلمين وكيانهم ممثلتين في المملكة العربية السعودية أصل إشعاع هدى الإسلام ونوره في العالمين.

وفي ميدان المعونات، كم مد يد المساعدة لإقامة المراكز الإسلامية في أنحاء المعمورة، وأقام المساجد، وأرسل الدعاة ليقوموا بنشر الدعوة الإسلامية، وعرض الإسلام عرضاً سليماً، إيقافاً لخطر الغزو الفكري الأجنبي الخبيث، وصداً لموجات التبشير العارمة التي تبذل جهوداً خيالية لمحاربة الإسلام بل ولتنصير أكثر بلاد المسلمين.

إن ذلك جميعه قليل من كثير أنجز على يد خالد-رحمه الله- ولو أردنا أن نستقصي أثاره الخيرة على مدى السبع السنوات التي قضاها ملكا لهذه المملكة لملأ مجلدات، إنه لسجل حافل بالخير لا تزال أثاره ماثلة بين أيدينا نقطف من جناها ثماراً شهية طيبة.

هذا فضلاً عن جوانب الإصلاح الشاملة الداخلية لشتى ربوع المملكة التي طورت شعبها، ورقت به إلى مصاف الأمم المتقدمة الناهضة بما استخدم من أحدث الوسائل العلمية التي بلغتها أمم العالم الراقية.

ولئن كانت نهايته -رحمه اللّه رحمة واسعة- قد حلت على مشارف حلول شهر رمضان الكريم، فإن ذلك لمن جميل البشرى إن شاء الله- أن اختاره الله تعالى إلى جواره في أيام مباركات طيبات.

وفي نفس هذه الأيـام التي لها قدرها عند اللّه تعالى، تسلم اللواء، وحمل الراية، وتولى زمام الأمور، رجل طـالما تحمل الأعباء الرسمية خلال عهد أخيه الراحل، فكان ساعده الأيمن، والمسئول الأولى بعده، يبذل من جهده، ووقته، وفكره، ما أهَّله لأن يخلف ذلك الراحل الكريم في بداية شهر رمضان الكريم، فكانت تلك هي البشرى الثانية إن شاء الله.

ولئن حزنت قلوبنا، وملأ جوانبها الأسى بفقد خالدنا الحبيب، فقد سعدت واستبشرت بتولي الفهد الأمين عرش البلاد، يؤازره في مهامه، ويشد عضده ولي عهده الوفي، وباقي الرجالات الذين يقومون معه يحملون العبء، وينهضون بالتبعة.

ومن ثم كانت هذه الكلمات الموجزات منا تعزيةً في الراحل الكريم، سائلين اللّه تعالى أن يغفر له وأن يجزل له المثوبة، ويثقل ميزان حسناته بما قدم لأمته وللمسلمين من خير، وأن يرفع درجاته في جنات النعيم.

ثم كانت كذلك بيعةً وعهداً للخلف الكريم جلالة الملك فهد، الذي تخرج في مدارس عبد العزيز، وسعود، وفيصل، وخالد، فاجتمعت في شخصه الكبير خبرات هذه المدارس وتجاربها وثمار فكرها لينضج الثمر وتطيب القطوف في هذه الشخصية الجامعة، سائلين اللّه تعالى أن يسدّده، ويرشده، ويأخذ بناصيته إلى ما يرضيه سبحانه من الخير والحق، وأن يعين ولي عهده في معاضدته، وأن يشد به أمره، وأن يهيئ له البطانة الصالحة التي تنير له السبيل السوي، وتبعده عن سبل الشر، وأن يجعله خير خلف لخير سلف، وأن يرفع به الإسلام في ربوع الدنيا، وأن يعز به المسلمين في كل مكان.

إنك ربنا جواد كريم، وأنت مولانا ونعم النصير.