طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رسائل لم يحملها البريد

للشيخ عبد الرؤوف اللبدي

المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية

 
 

أختي العزيزة هل:

أريد اليوم أن أحدثك عن صيغة جديدة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع هي: "ألم أقل" وهي الصيغة الثالثة عشرة في سلسلة هذه الصيغ.

جـاءت هذه الصيغة في ست آيات من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى من هذه الآيات هي الآية الثالثة والثلاثون من سورة البقرة، ولأن مضمون هذه الآية يتصل اتصالا وثيقا بمضمون الآيات الثلاث التي قبلها كـان أوضح للمعنى وأبين للاستفهام أن أذكر هذه الآيـات جميعا:

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين. قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون}.

الآيات (30-33) من سورة البقرة

الآية التي اشتملت على صيغة الاستفهام {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} تتضمن أمره تعالى آدم أن ينبئ الملائكة بالأسماء التي علمه الله إياها بعد أن عجزوا هم عن الإنباء بها، فلما أنبأهم بتلك الأسماء قال سبحانه وتعالى لهم: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون}

والاستفهام في {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} يفيد التقرير على معنى الإخبار، أي قد قلت لكم، والقول الذي سبق أن قاله تعالى لهم هو: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون}  ويفيد أيضاً التنبيه، تنبيه الملائكة على ما كان قد غاب عنهم من علم خص الله به آدم حين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.

ومما ينبغي أن تلاحظيه أيتها الأخت أن المقول الأول {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون}  جاء على وجه من الإبهام والإجمال، ثم أعيد على وجه من الإيضاح والتفصيل والبسط: {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون}. ولا شك أن أسلوب الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس، وأثبت في الذهن، وأنصر وأنق في التعبير.

ولا يتسنى يا أخت أن تتذوقي جمال هذا الطباق بين الإبداء والكتم في قوله تعالى:  {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون}.

و (لكم) في قوله تعالى {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} تنبه المخاطبين لما يلقى إليهم تنبيها قويا، وتهزهم إلى سماعه هزاً شديداً.

ومعنى قوله تعالى {مَا تُبْدُون}هو ما سبق أن أبداه الملائكة بقولهم {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}. والتعبير عنه بالمضارع مع أنه قد مضى لاستحضار المخاطبين صورته.

ومعنى قوله تعالى {مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}هو ما كانوا يضمرونه في أنفسهم من أن الله سبحانه وتعالى لن يخلق أعلم منهم وأكرم.

ومجيء {تَكْتُمُونَ} خبرا لكان يدل على أن الكتمان قد وقع فيما مضى ثم انتهى أمره، فقد هجس في أنفس الملائكة شيء لم يظهر بعضهم بعضا عليه وربما كان ذلك ظنهم أنهم أعلم الخلق وأكرمهم على الله، فلما عجزوا عن الإنباء بتلك الأسماء وأنبأهم بها آدم تلاشي ذلك الظن وانقضى عمره.

وللعلماء في تفسير {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} آراء أخرى أقربها أن يحمل اللفظ على ظاهره فيكون عاما فيما أبدوه وما كتموه من أمروهم كلها.

وأعيد ذكر الفعل (وأعلم) في قوله تعالى {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} مع أن معموله وهو اسم الموصول (ما) مندرج تحت ما قبله، أعيد اهتماماً بشأن هذا المعمول، ولبيان أنه جدير بأن يفرد بجملة مستقلة.

 

أختي العزيزة هل

أحب أن أنبهك على شيئين قبل أن أنتقل بك إلى الآية الثانية:

الأول: قال العكبري في كتابه (إملاء ما من به الرحمن)[1] "{وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} مستأنف وليس وليس بمحكي بقوله {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} ويجوز أن يكون محكياً أيضا". أ.هـ.

وقال أبو السعود في تفسيره[2]: "{وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} عطف على جملة ألم أقـل لكم لا على أعلم إذ هو غير داخل تحت القول". أ.هـ.

وترجيح الاستئناف عند العكبري، والحكم بـالعطف على جملة ألم أقل عند أبي السعود، كلاهما يقتضي أن ما {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} غير داخل تحت عموم غيب السماوات والأرض وغير  محكي بألم أقل لكم، ولا أدري لم ذهبا هذا المذهب مع أنه يخالف ما يبدر إلى الذهن من معنى، وما يدل عليه سياق اللفظ والأسلوب، ويخالف أيضا ما ذهب إليه جمهور المفسرين.

أما الشيء الثاني فقد جاء في تفسير الجلالين[3]: "قال تعالى موبخا { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}".أهـ.

أبان جلال الدين السيوطي بكلامه هذا أن الاستفهام في {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} للتوبيخ، توبيخ الملائكة الذين قـال اللّه تعالى فيهم {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} (26 الأنبياء) {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } (49، 50) النحل {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين} (177- البقرة).

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً} (136- النساء).

لقد نسى السيوطي حين أبان معنى هذا الاستفهام أن هؤلاء الملائكة الذين وصفهم اللّه سبحانه وتعالى بأنهم مكرمون وأنهم لا يستكبرون، وأنهم يفعلون ما يؤمرون، وأن الإيمان بهم بر، وأن الكفر بهم ضلال بعيد، نسي أنهم أكرم على اللّه سبحانه وتعالى من أن يوبخهم.

ثم إنه ليس في الآيات القرآنية ما يدل على أنهم فعلوا أو قالوا ما يستحقون به التوبيخ، فسؤالهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} كان سؤال استرشاد - وسوف يأتي بيانه مفصلاً في موضعه-. وليس في قوله تعالى لهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} ولا في قوله تعالى لهم: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} ليس فيه ما يفيد التوبيخ.

الآية الثانية من الآيات التي وردت فيها هذه الصيغة: { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ .} هي الآية الثانية والعشرون في قوله تعالى: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} الآيات (19- 35) من سورة الأعراف.

تتضمن هذه الآيـات الكريمة قصة آدم في الجنة وخروجه منها:

فقد أنعم اللّه على آدم وزوجه أن يسكنا الجنة وأباح لهما أن يأكلا من ثمار أشجارها وأن يتمتعا بنعيمها ولم يحظر عليها مكانا من أماكنها، ولم يحرم عليهما ثمراً من ثمارها إلا شجرة كانت على مقربة منهما عينها اللّه تعالى بقوله: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} وهذا يعني ألا يأكلا منها أيضا، فإن اقتربا وأكلا فالظلم والخسران، ومن يتعد حدود اللّه فقد ظلم نفسه.

ويبدو أن الشيطان قد أعجـل آدم وزوجه عن أن يذوقا شيئا من ثمار الجنة، وأن يتمتعا بشيء من نعيمها، فبادر يحاور ويوسوس ليسوءهما بكشف عوراتهما، وليحط من مرتبتهما بمخالفتهما ما نهاهما الله عنه، وفال لهما مانهاكما ربكما عن الاقتراب من هذه الشجرة والأكل منها إلا من أجل أن يحول بينكما وبين أن تكونا ملكين، أو تكونا من الذين يسكنون الجنة خالدين فيها لا يموتون.

وعاد الشيطان يعزز وسوسته ويؤكد مقالته فأقسم إنه لهما لمن الناصحين.

واستطاع الشيطان بهذا الإغراء والغرور والخداع أن ينزلهما من مرتبة عالية ومقام حميد، فيقربا الحجرة ويأكلا منها، فلمَّا ذاقاها ووجدا طعمها، تطايرت عنهما ملابس الجنة وظهرت لهما عوراتهما، فجعلا يلصقان عليهما من ورق الجنة يستران تلك العورات، فناداهما اللّه سبحانه وتعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ}، فاعترفا بأنهما قد خالفا نهيه تعالى وكـانا من الظالمين لأنفسهما وطلبا منه تعالى أن يغفر لهما وأن يرحمهما وإلا كـانا من الخاسرين، {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}.

قوله تعالى في الآية الثانية والعشرين المتقدمة: {وَأَقُلْ لَكُمَا} عطف على {أَنْهَكُمَا} في قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} فهو داخل في حيز الاستفهام والنفي اللذين تدل عليهما {أَلَمْ}، والتقدير وألم أقل لكما..

والاستفهام في قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} وقوله تعالى: {وَأَقُلْ لَكُمَا} معناه العتاب على ما صدر منهما والتنبيه على موضع الغفلة، فقد قال تعالى لهما: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. (19- الأعراف). فخالفا النهي وقرباها وذاقاها، وقال تعالى يحذرهما من الشيطان: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِك}. (117- طه)، فاغترا بقول الشيطان وقبلا ما عرض عليهما حين قاسمهما إني لكما لمن الناصحين.

 

أختي العزيزة: هل:

قال الزمخشري في تفسيره الكشاف[4]:" {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} عتاب من اللّه تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ حيث لم يحذرا ما حذرهما اللّه من عداوة إبليس" أ. هـ.

وقال أبو السعود في تفسيره[5]:" {وَأَقُلْ لَكُمَا} عطف على أنهكما أي ألم أقل لكما {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} وهذا عتاب وتوبيخ على الاغترار بقول العدو"أهـ.

ما ذهب إليه الزمخشري وأبو السعود من أن الاستفهام للتوبيخ توبيخ آدم عليه السلام بعيد عن الحق فيما أحسب وأرى، وما كان ينبغي أن يقال.

فآدم عليه السلام نبي مكلّم، وقد فضله اللّه على الملائكة، فعلمه الأسماء كلها على حين  جهلوها، وأمرهم بالسجود له فسجدوا، فهو أكرم على اللّه من أن يوبخ.

الآية الثالثة من الآيات التي وردت فيها صيغة (ألم أقل) قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}. الآية (96) من سورة يوسف.

الاستفهام هنا للتذكير، تذكير يعقوب أبناءه بما كان قد قاله لهم من قبل:

{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (الآية- 86- يوسف) ولتنبيههم أيضاً على أن قوله من قبل: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}. (87 يوسف) لتنبيههم على أن قوله هذا كان عن علم من اللّه سبحـانه وتعالى.

الآية الرابعة قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} (الآية- 72- الكهف).

الآية الخامسة قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}. (الآية- 75- الكهف).

الضمير المستتر في قال في هاتين الآيتين يعود على (عبدا) الوارد في قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً}. (الآية 65 من سورة الكهف).

والجمهور على أن المراد بـ {عَبْداً} هو الخضر.

والمراد بضمير المخاطب في {إِنَّكَ} وفي {تَسْتَطِيعَ} في هاتين الآيتين هو موسى.

وقد قال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط [6]: "ولم يذكر اللّه في كتابه غيره" أ.هـ.

ولكي يكون معنى الاستفهامين في هاتين الآيتين واضحاً أذكر ما جاء قبلهما وما جاء بينهما من الآيات الكريمة:

{فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.   وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً. قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}  الآيات (56- 75) من سورة الكهف).

معنى الاستفهام في {أَلَمْ أَقُلْ} الوارد في الآية الثانية والسبعين المتقدمة، معناه التذكير، تذكير الخضر لموسى بما سبق أن قاله الخضر لموسى: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}.

ومعناه أيضا العتاب، عتاب الخضر لموسى أن لم ينفذ موسـى ما وعد به من قبل حين {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} (69) الكهف).

والاستفهام الثاني {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} الوارد في الآية الخامسة والسبعين المتقدمة يفيد التذكير أيضا بالمعنى الذي قد تقدم في الاستفهام قبله، ويفيد أيضا العتاب، ولكن على وجه أشد وأغلظ، وقد دلّ على شدة العتاب واللوم الزيادة التي وردت في هذا الاستفهام وهي (لك) وكأنها تعني: قلت لك من قبل إنك لنا تستطيع معي صبرا، قلت هذا لك أنت! ألم تسمع؟! ألم تع؟! لقد اعتذرت فيما مضى بالنسيان، فبأي عذر تعتذر الآن؟!.

الآية السادسة قوله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ} (28- القلم)

هذه الآية الكريمة التي اشتملت على هذا الاستفهام جاءت مع آيات قبلها وآيات بعدها تحكي قصة أصحاب الجنة، ولكي تفهمي - يا أخت - معنى الاستفهام هنا على وجه أدق وأوضح أقص عليك قصتهم ملخصة مما نصت عليه الآيات القرآنية ومما ذكره أبو حيان في تفسيره البحر المحيط[7].

وهذه هي الآيات أذكرها أولا:

{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ. وَلا يَسْتَثْنُونَ. فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ. فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ. أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ. فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ. وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ. فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ.  بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ. قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ. عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ}. الآيات (17- 31) من سورة القلم.

يراد بالجنة هنا البستان، ويقال إنها كانت لرجل يؤدي منها حق اللّه تعالى، ويفتح أبوابها للمساكين أيام القطاف وجني الثمر، فينالون منها خيراً كثيراً مما تخطئه أعين القاطفين ولا تناله أيديهم، ومما يتناثر هنا وهناك بعيداً عن البسط الممدودة من تحت ا لأشجار.

ومات هذا الرجل، وصارت الجنة إلى أبنائه من بعده، فقالوا نحن أولو عيال وسوف يضيق علينا الرزق إن دخل علينا الجنة هؤلاء المساكين على عادتهم أيام أبينا، فأقسموا ليقطفْنّ ثمرها في الصباح الباكر قبل أن يجيء المساكين على عادتهم مع أبيهم، عزموا على ذلك عزم من يملك أمره، لا ينثنون عما عزموا عليه، ولا يقولون إن شاء الله.

وبينا هم نائمون أتاها أمر ربك فأصبحت كالرماد الأسود أو الليل البهيم، وأصبحوا ينادي بعضهم بعضاً أن اغدوا على جنتكم إن كنتم عازمين على قطافها، وكانوا يخافتون في أصواتهم وهم يقولون لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، كانوا يخافتون خشية أن يسمعهم مسكين أو يحس بهم أحد.

غدوا على جنتهم وهم يظنون في أنفسهم أنهم قادرون على قطافها وعلى منع المساكين من خيراتها، حتى إذا جاءوها ورأوها سوداء لاتحمل الثمر ولا تلبس الورق الأخضر أنكروها أول وهلة، وقالوا لقد ضللنا الطريق إليها، فهذه ليست جنتنا، ثم يتبين لهم أنها هي وأنها قد أصابها من أمر الله ما أصابها، ويثوب إليهم ما كان قد ضل عنهم من صواب ويقولون بل نحن الذين حرمنا خيراتها جزاء غفلتنا عن ذكر الله وعن امتثال ما أمر به من مواساة المساكين.

فقال أرجحهم عقلاً وأفضلهم رأياً ألم أقل لكم لولا تسبحون، قال ذلك تأنيباً لهم وتوبيخاً على تركهم ما كان حضهم عليه من قبل من ذكر الله وتنزيهه عن السوء، ولو ذكروا اللّه وذكروا إحسانه إليهم لامتثلوا ما أمر به من مواساة المساكين، ولا قتفوا سنة أبيهم في ذلك، فلما غفلوا عن ذكر اللّه سبحانه وتعالى وعزموا على منع المساكين ابتلاهم اللّه فأحرق جنتهم وحرمهم ثمارها.

ولما أنّبهم أوسطهم رجعوا إلى ذكر اللّه تعالى، وأقروا بأنهم كانوا ظالمين، وأخذ بعضهم يلوم بعضاً، فقد كان منهم من زيّن، ومنهم من قبل، ومنهم من أمر بالكف، ومنهم من عصى الأمر، ومنهم من سكت راضياً، ثم اعترفوا بأنهم كانوا طاغين، وأخذوا يطلبون من الله سبحانه وتعالى أن يفرج عنهم، وأن يبدلهم بهذه الجنة خيراً منها ويقولون إنا إلى ربنا راغبون في أن يجيب رجاءنا، وألاّ يخيّب آمالنا، فقد تبنا إليه ونسأله الغفران والرحمة.

وبهذا تنتهي قصة أصحاب الجنة وقد تبين فيها معنى الاستفهام، تبين أن معناه التأنيب والتوبيخ، التوبيخ على تركهم ما كان حضهم عليه أوسطهم من قبل من ذكر الله تعالى وتنزيهه.

وإعراب هذه الصيغة (ألم أقل) سهل واضح لا يحتاج إلى بيان.

 

أختي العزيزة هل:

بقي في هذه الرسالة أن أحدثك عن الصيغة الرابعة عشرة وهي الصيغة التي دخلت فيها على لم النافية الجازمة لمضارع (جعل)، وقد وردت هذه الصيغة في أربع آيات من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى وردت في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً.      وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاًً. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}. الآيات (25- 28) من سورة المرسلات.

والهمزة في {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً.  أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً}. تفيد التقرير والتوبيخ: التقرير على معنى الإخبار، أي قد جعلنا الأرض تجمع الأحياء على ظهرها، وتضم الأموات في بطنها.

وتفيد التوبيخ أيضاً توبيخ المكذبين على تكذيبهم بالبعث وعلى كفرهم بعذاب يوم القيامة مع أن قدرة الله تعالى على خلق هذه المخلوقات تدل دلالة واضحة على قدرته أن يعيد خلقهم مرة ثانية، وأن يبعثهم من قبورهم ليوم الحساب.

و (نجعل) في قوله تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً} بمعنـى نصيّر، فالفعل قد تعدى إلى مفعولين: (الأرض) مفعول أول، و (كفاتاً) مفعوله ثان.

و (كفاتاً) اسم للموضع يكفت فيه الشيء أي يضم ويجمع، فلا يعمل فيما بعده، و (أحياء) و (أمواتاً) منصوبان على المفعولية بفعل محذوف يدل عليه (كفاتاً)، والتقدير يكفت أحياء وأمواتاً.

ويجوز أن يكون (كفاتاً) مصدراً، فأحياءً وأمواتاً منصوبان به على المفعولية.

الآية الثانية التي وردت فيها هذه الصيغة جاءت في قوله تعالى:

{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ. الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ. كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ. أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً. وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً. وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاًً. وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً. وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً. وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً. وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً. وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً. لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً. وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً. إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}. الآيات (1- 17) من سورة النبأ.

الهمزة في قوله تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً} تفيد التقرير والتوبيخ:

التقرير على معنى الإخبار أي قد جعلنا الأرض مهاداً والجبال أوتاداً، وتفيد التوبيخ أيضاً توبيخ كفار مكة على تساؤلهم عن البعث مستهزئين، وعلى اختلافهم فيه جاحدين، مع أنهم لو أنعموا النظر في آيات الله الباهرة العجيبة، وأحسنوا التأمل في مخلوقاته العظيمة الغ 2 يجة، وهي أمامهم مشاهدة محسوسة، يرونها صباحاً ومساء، صيفاً وشتاءً، ويبصرونها غدوّاً ورواحاً، وسباتاً ومعاشاً، لو فعلوا ذلك بتفكر وتدبر واعتبار لآمنوا بأن الله الذي خلقها قادر على أن يبعثهم يوم القيامة، وهو عليه هين.

و (نجعل) في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً} بمعني نصيّر، فالفعل متعد إلى مفعولـين: (الأرض) مفعول أول، و (مهاداً) مفعول ثان.

الآية الثالثة التي وردت فيها هذه الصيغة جاءت في قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ. أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً. أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ. وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ. فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ.  يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}. الآيات (4- 17) من سورة البلد.

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن اللّه سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان يعاني متاعب ومشاق لا تكاد تنحصر، وأن هذا الإنسان يحسب لاغتراره بقوته وكثرة عدده وعدده ألا يقدر عليه أحدا ويقول مرائياً مفاخراً بكثرة ما أنفق في سبيل المكارم في الدنيا، ومن جراء أن يحمده الناس فيها، يقول أهلكت مالاً كثيراً، ويحسب أن أعماله التي لم يبتغ بها الدار الآخرة، وأن مقاصده التي لم يرد بها مرضاة الله تظل خافية لا يطلع عليها أحد، وقد غاب عنه أن عليه حفظة يكتبون عنه كل صغيرة وكبيرة إلى يوم الجزاء.

وتتضمن هذه الآيات أيضاً أن الله سبحانه وتعالى قد أنعم على هذا الإنسان بنعم جليلة فقد جعل له عينين يبصر بهما المرئيات، ويستعين بهما على كسب القوت وحاجات الحياة، وينعم النظر بهما في آيات الله المبثوثة في جنبات الأرض وفي آفاق السماء.

وقد جعل له لساناً وشفتين يستعين بهن على مضغ الطعام الذي هو قوام حياته في الدنيا، وعلى النطق بلغة هي من أعظم النعم التي وهبها اللّه لهذا الإنسان، وقد هداه اللّه النجدين، طريق الخير وطريق الشر، فكل نفس بما كسبت رهينة.

ولكن هذا الإنسان الذي أنعم الله عليه بهذه النعم الجليلة غمط هذه النعم فلم يشكر، وكفر بمن أنعم بها عليه فلم يؤمن.

والشكر على نعم اللّه تعالى عقبة كؤود، لا يقتحمها إلا الذين يؤمنون بالمنعم بها تبارك وتعالى فيشكرونه على ما أنعم به عليهم بالإنفاق فيما يرضيه من فك الرقاب، وإطعام اليتامى الأقرباء الفقراء، والمساكين الجياع الأباعد، ويتواصون بالصبر على الإيمان به سبحانه وتعالى، وبالصبر على طاعاته، وعلى ما يصيبهم من ضراء وبأساء، وبالصبر عما تهواه الأنفس ويزينه الشيطان من فساد وفسوق وعصيان، ويتواصون أيضاً بالتعاطف والتراحم وبما يؤدي إلى رحمة اللّه تعالى.

ومما تقدم تستطيعين أيتها الأخت أن تتبيني أن الهمزة في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} تفيد التقرير والتوبيخ: التقرير على معنى الإخبار أي قد جعلنا لهذا الإنسان عينين ولسانا وشفتين، والتوبيخ توبيخ هذا الإنسان على غمطه هذه النعم الجليلة، وعلى كفره بالمنعم تبارك وتعالى.

و (نجعل) في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} بمعنى نخلق، فالفعل يتعدى إلى مفعول واحد هو (عينين) و(له) جار ومجرور يتعلقان بـ (نجعل).

وقد ذهب صاحب تاج العروس[8] إلى أن الجعل في قوله تعالى :{أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} بمعنى التسوية والتهيئة، وإلى أن الجعل في قوله تعالى :{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَة} بمعنى الخلق والإيجاد، ولا أرى وجهاً واضحا في التفرقة بين معنى الجعل في الآيتين.

الآية الرابعة التي وردت فيها هذه الصيغة جاءت في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ}. الآيتان (1- 2) من سورة الفيل.

والهمزة في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} للتقرير بمعنى الإخبار، أي قد جعلنا كيدهم في تضليل.

و (يجعل) هنا بمعنى يضع، فهو يتعدى إلى مفعول واحد، و (كيد) المضافة إلى ضمير الجماعة هي هذا المفعول، والجار والمجرور (في تضليل) يتعلقان بيجعل.

 

أختي العزيزة هل:

لقد آن لهذه الرسالة أن تنتهي، وأسأل اللّه تعالى أن يعين على رسالة قادمة نلتقي فيها عما قريب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أختك همزة الاستفهام

 

-المـراجع-

 مراجع الصيغ:

أ- مراجع صيغة (ألم أقل) وهى الصيغة الثالثة عشرة:

1- تفسير البحر المحيط المتقدم ذكره:

جـ 1 ص 150/ جـ 4 ص 280/ جـ 5 ص 346/ جـ 6 ص 149/ جـ 6 ص 15151/جـ 8 ص 313.

2- تفسير أبي السعود المتقدم ذكره/ جـ 1 ص 86/ جـ 3 ص 221/ جـ 5 ص 235/ جـ 5 ص 236/ جـ 9 ص 16.

3- تفسير ابن كثير: جـ 1 ص 74/ جـ 2 ص 490. الناشر: الحلبي بمصر.

4- تفسير الكشاف المتقدم ذكره: جـ 1 ص 273/ جـ 2 ص 73/ جـ 2 ص 343/ حـ 2 ص 494/ جـ 4 ص 145.

5- تفسير الجلالين (هامش الفتوحات الإلهية) المتقدم ذكره: جـ 1 ص 40/جـ 2 ص 131.

6- الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين: الناشر: الحلبي بمصر: جـ 1 ص 40/ جـ 4 ص 387.

ب: مراجع صيغة (ألم نجعل) وهي الصيغة الرابعة عشرة:

1- تفسير البحر المحيط المتقدم ذكره: جـ 8 ص 408/ جـ 8 ص 411/ ج8 ص476

2- تفسير أبي السعود المتقدم ذكره: جـ 9 ص 201.

3- تفسير الجلالين المتقدم ذكره: جـ 4 ص 471/ جـ 4 ص 538/ جـ 4 ص 589.

4- حاشية الفتوحات الإلهية المتقدمة الذكر: جـ 4 ص 589.

5- تفسير البيضاوي: جـ 3 ص 560/ طبعة الحلبي الجامعة بين تفسير البيضاوي وتفسير الجلالين.

6- تاج العروس، المجلد السابع: مادة (جعل) ص 257.

 

 

 

[1]إملاء ما منّ به الرحمن للعكبري جـ 01 ص 30/الطبعة الأولى – الناشر: الحلبي بمصر.

[2] تفسير أبي السعود: جـ 1 ص 86 / الناشر: مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد – القاهرة.

[3] تفسير الجلالين: (هامش الفتوحات الإلهية. جـ 1 ص 40/ الناشر: الحلبي بمصر.

[4] تفسير الكشاف للزمخشري: جـ 3 ص 73/ الناشر: الحلبي بمصر.

[5] تفسير أبي السعود المتقدم ذكره: جـ 3 ص 221.

[6] تفسير البحر المحيط لأبـي حيان الأندلسي: جـ 6 ص 143/ الناشر: مكتبة ومطابع النصر الحديثة/الرياض.

[7] تفسير البحر المحيط المتقدم ذكره: جـ 8 ص 311- 313- 313.

[8] تاج العروس، المجلد السابع، مادة (جعل) ص 257.