طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية (1)

للدكتور محمد نغش

أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالجامعة

 

 

الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية تلقي الضوء على تاريخ أمتنا الإسلامية في فترة من فترات كفاحها المجيد ضد الصليبيين المعتدين، وتلك الحقبة تماثل ما نعانيه في عصرنا الحالي من الاحتلال لأراضينا المقدسة، وما سوف نخوضه إن شاء اللّه تعالى من جهاد مقدس من أجل تحرير الأرض الإسلامية من أيدي هؤلاء الكفرة الفجرة.

وقد قسمت البحث إلى ثلاثة أبواب:

الباب الأول: عن الدواوين وثيقة الصلة بالجيش الأيوبي، وهي: ديوان الإنشاء، وديوان الجيش وديوان الأسطول. وديوان الأسرى، وديوان البريد.

وقد ذكرت السمات الواجب توافرها في رؤساء الدواوين، والأعمال التي يباشرونها.

والباب الثاني: عن الرسائل الحربية في عصر مؤسس الدولة الأيوبية الملك المظفر صلاح الدين الأيوبي وابنه الملك العزيز، ثم الملك المعظم توران شاه، ثم الملك الصالح نجم الدين أيوب.

وقد ذكرت الأسلوب الذي صيغت به تلك الرسائل في إيجاز، وطريقة إعداد الرسائل وتصديرها.

والباب الثالث: عقدت فيه موازنة بين الرسائل الحربية والشعر المعاصر لها، في تنافسهما فـي التعبير عن مشاعر المسلمين وفرحتهم بنصر اللّه المبين بفتح القدس وتطهيره من المغتصبين.

واللّه أسال أن يحقق النصر للمؤمنين، وأن يستردوا أرضهم السليبة من أيدي الصهاينة الآثمين.

 

الباب الأول: الدواوين وثيقة الصلة بالجيش الأيوبي

كانت الدولة الأيوبية دولة عسكرية، نشأت وترعرعت إبان الحروب الصليبية، وخاضت المعارك الحربية الواحدة تلو الأخرى في بسالة.

وبرز في هذه الدولة ديوانان كبيران هما ديوان الإنشاء وديوان الجيوش، وكان عليهما المعول الأكبر في سياسة الدولة كلها في الداخل والخارج، يساعدهما في التنفيذ باقي الدواوين، وكان يضم هذه الدواوين جميعا دار الوزارة.

 

ديوان الإنشاء:

ظل ديوان الإنشاء طول عصر الحروب الصليبية رفيع المكانة، معنياً به أشد العناية، فهو ديوان عظيم المقدار، وهو خزانة الأسرار، شريف بمراسلة السلطان[1].

كان ديوان الإنشاء يومئذ رأس الدولة المفكر، ووسيلة اتصال الحكومة بفروعها في داخل البلاد، وبغيرها من الحكومات في خارج حدودها، وقد استطاع النثر أن يفي بحاجة الأمة وأن يعبر عن مشاعرها وإحساساتها[2]، وقد أدرك صاحب صبح الأعشى قيمة ما يسجله ديوان الإنشاء، فقال: "إنه لو جمعت بعض دفاتره لاجتمع منها تاريخ كامل"[3].

وكان العاملون في ديوان الإنشاء في غاية الصيانة والنزاهة وقلة الخلطة بالناس، وأتفق أن الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير كان من جملتهم، فسمع الملك الصالح نجم الدين أيوب عنه أنه يحضر في السماعات[4]، فصرفه من ديوان لا يحتمل مثل هذا[5].

 

ديوان الجيش:

أشرف ديوان الجيش في عهد الأيوبيين على شئون الجيش، من تجنيد وعتاد وخلافة، وكان يطلق عليه أيضا ديوان الإقطاع[6] وتسمية ديوان الجيش بديوان الإقطاع يدل في صورة

قاطعة على مبلغ اعتماد النظام الحربي الأيوبي أو معظمه على الأقل على التوزيع الإقطاعي[7]، فمن الطبيعي أن ينقل صلاح الدين عن مخدومه نور الدين نظام الإقطاع الحربـي الوراثـي والشخصي إلى مصر، غداة أن استتب له الأمر فيها، بعد وفاة العاضد سنة (567 هـ= 1172 م) [8].

وكتب ابن مماتـي فصلا في المقرر عن ميرة الإقطاعات في دولة صلاح الدين، مرتبة قيمتها حسب درجات الأجناد وجنسياتهم.

فالأجناد من الأتراك والأكراد والتركمان دينارهم الإقطاعي دينار واحد كامل جنديا.. الكتابة والعاقلة من العربان ومن يجري مجراهم على عادة الأجناد المصريين، دينارهم نصف دينار... والغزاة والقواد ومن هم في معناهم، دينارهم ربع دينار.. السعر الناقص عن كل دينار جندي...

والمأمور بالحوالة به عن كل دينار واحد جندي أردب واحد الثلثان قمح والثلث شعير، والحوالة علا بيت المال في مستحق الأجناد، كل جندي ربع دينار عنباً على سبيل المصالحة.

على أن المراجع الأيوبية - فيما يعلم الباحث - خلت من ذكر تفصيلات عن تقييم تلك الطوائف إلى أقسام أصغر منها، ليعرف كل أمير وجندي رتبته ومركزه في الجيش[9].

وفي صبح الأعشى صورة لما كان عليه ديوان الجيش في عهد الفاطميين، وأعتقد أن الصورة العامة في عصر الأيوبيين لم تتغير كثيرا من الناحية الإدارية، فتقسيم هذا الديوان إلى ثلاثة أقسام أولها خاص بالشئون الحربية العامة، والثاني خاص بالرواتب. والثالث خاص بالإقطاعات.

فديوان الجيش مثلا في العصرين الفاطمي والأيوبي لا يكون صاحبه إلا مسلما، وله الرتبة الجليلة والمكانة الرفيعة، وبين يديه حاجب، وإليه عرض الأجناد وخيولهم، وذكر حلاهم ومعدات خيولهم. وكان من شرط هذا الديوان عندهم ألا يثبت لأحد من الأجناد إلا الفرس الجيد دون البغال والبراذين، وليس له تغيير أحد من الأجناد، ولا شيء من إقطاعهم إلا بمرسوم. وبين يدي صاحب هذا الديوان نقباء الأمراء، يعرفونه أحوال الأجناد من الحياة والموت والغيبة والحضور وغير ذلك، وكان قد فسح للأجناد في المقايضة بالإقطاعات لما لهم في ذلك من المصالح بتوقيعات من صاحب ديوان المجلس من غير علامة، ومن هذا الديوان كان يعمل أوراق أرباب الجرايات، وله خازنان.

وإدارة الرواتب تشتمل على اسم كل مرتزق في الدولة وجار وجراية، والتعريفات واردة عليه من كل عمل باستمرار من هو مستمر. ومباشرة من أستجد، وموت من مات، وأما إدارة الإقطاع فقد كانت مختصة عندهم بما هو مقطع للأجناد[10].

 

ديوان الأسطول:

وشرع صلاح الدين بعد وصوله القاهرة في النظر في الشئون البحرية والأسطول، وربما كان سر اهتمامه بالأمور البحرية مباشرة بعد إزالة الدولة الفاطمية، أنه كان يخشى مجيء حملة بحرية من ناحية أفريقية من المغاربة أو من ناحية الصليبيين وأحلافهم من البيزنطيين والصقليين، كما حدث قبلا، بحجة التدخل لإعادة الدولة الفاطمية، أو أنه رأى البحرية الفاطمية ودور الصناعة في حال تدعو إلى العناية، بعد أن نزل بها ما نزلت بسبب إحراق شاور الفسطاط ودور الصناعة بها غداة وصول حملة أمورى الثالثة فـي سنة 563 هـ = 1168 م أو أنه أخذ في ترتيب شئونه الحربية عامة بمجرد أن صار صاحب الأمر في مصر بعد وفاة العاضد، وهذا الاحتمال الثالث هو الأرجح، بدليل اهتمامه بالجيش في السنة نفسها[11].

وولى صلاح الدين نظر ذلك الديوان وقتذاك صديقا من أصدقائه، لم تذكر المراجع اسمه أو شيئا عنه ماعدا أن صلاح الدين أفرد له إقطاعاً مخصوصاً وديواناً مفرداً هو ديوان الأسطول، وأنه كتب إلى جميع الأعمال المصرية والشامية يؤكد عليهم وجوب تلبية طلبات صاحب الأسطول، كلما وصلت إليهم، من حيث جمع الرجال الذين يأخذهم ناظر ديوان الأسطول للخدمة في السفن الأيوبية[12].

ويقول المقريزي: لما كان زوال الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب اعتنى أيضا بأمر الأسطول، وأفرد له ديوانا عرف بديوان الأسطول، وعين لهذا الديوان الفيوم بأعمالها والحبس الجيوش في البرين الشرقي والغربي، وهو من البر الشرقي بهتين والأميرية والمنية، ومن البر الغربي ناحية سفط ونهيا ووسيم والبساتين خارج القاهرة، وعين له أيضا الخراج، وهو أشجار من سنط لا تحصى كثرة البهناوية وسفط ريشين والأشمونين والأسيوطية والأخميمية والقوصية، لم تزل بهذه النواحي لا يقطع منها إلا ما تدعو الحاجة إليه، وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد منه مائة دينار.

وعين له أيضا النطرون وكان قد بلغ ضمانه ثمانية آلاف دينار، ثم أفرد لديوان الأسطول مع ذكر الزكاة التي كانت تجبى بمصر، وبلغت في سنة زيادة على خمسين ألف دينار، وأفرد له المراكب الديوانية وناحية أشناق وطنبوى، وسلم هذا الديوان لأخيه الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب[13]. فأقام في مباشرته وعمالته صفي الدين عبد الله بن شكر، وتقرر ديوان الأسطول الذي ينفق في رجاله نصف وربع دينار بعد ما كان نصف وثمن دينار، فلما مات السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب استمر الحال في الأسطول قليلا، ثم قل الاهتمام به وصار لا يفكر في أمره إلا عند الحاجة إليه، ثم لما انقرضت دولة بني أيوب وتملك الأتراك المماليك مصر أهملوا أمر الأسطول، إلى أن كانت أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداوى فنظر فـما أمر الشوافي الحربية، وأستدعى رجال الأسطول، وكان الأمراء قد استعملوها في الحراريق وغيرها، وندبهم للسفر، وأمر بمد الشوافي.  وقطع الأخشاب لعمارتها وإقامتها على ما كانت عليه، في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب[14]!

وأسماء المراكب الحربية في أسطول الدولة الأيوبية كما ذكرها ابن مماتي هي: (طريدة، حمالة، شيني، مسطح، حراقة، مركوس، شلندي، أعزازي)[15].

وكان في مصر حتى آخر القرن السادس للهجرة ثلاث دور للصناعة مشهورة ذكرها ابن مماتي صاحب قوانين الدواوين فقال:

صناعة العمائر فيها تنشأ المراكب المذكورة، ولها مستخدمون يستدعون ما يحتاج إليه، ويطلق لهم المال والأصناف ويسترفع منهم الحسبانات وفيها يباع من حطام وغيره، وترد حساباتهم، والصناعات الآن ثلاثة، بمصر، والإسكندرية، ودمياط[16].

 

ديوان الأسرى:

قال القاضي محي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر في كتاب الدر النظيم في أوصاف القاضي الفاضل عبد الرحيم، ومن جمله بنائه دار التمر بمصر المحروسة، ولها دخل عظيم يجمع ويشترى به الأسرى من بلاد الفرنج، وذلك مستمر إلى هذا الوقت، وفي كل وقت يحضر بالأسارى فيلبسون ويطوفون ويدعون له، وسمعتهم مرارا يقولون: يا اللّه يارحيم أرحم القاضي الفاضل عبد الرحيم. وقال القاضي جمال الدين بن شيث: كان للقاضي الفاضل ريع عظيم يؤجره بمبلغ كبير فلما عزم على الحج ركب ومر به ووقف عليه. وقال: اللهم إنك تعلم أن هذا الخان ليس شيء أحب إلي منه، أو قال أعز علىّ منه، اللهم فاشهد أني وقفته على فكاك الأسرى من بلاد الفرنج[17].

 

ديوان البريد:

من الترتيبات العسكرية العامة التي قررها السلطان صلاح الدين سنة 567 هـ= 1171 م استخدم البريد الحربي، نقلا عن مخدومه نور الدين، ورتب لذلك في كل ثغر رجالا، ومعهم حمام المدينة التي تجاورهم، فإذا رأوا أو سمعوا أمراً كتبوه لوقته وعلقوه على الطائر وسرحوه إلى المدينة التي هو منها في ساعته، فتنتقل الرقعة من الطائر إلى طائر آخر من البلد الذي يجاورهم، وهكذا إلى أن تصل الأخبار إليه[18].

ويشرح القاضي الفاضل في إحدى رسائله ما كان يؤديه به الحمام من دور فعال في هذا الشأن. ومما قاله في هذه الرسالة: "سرحت لإنزال أجنحتها محملة البطائق أجنحة، وتجهيز جيوش القاصد والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر، وتطوي الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوي به الأرض ما يبلغه ملك هذه الأمة، وتضرب من السماء حتى ترى ما لا يبلغه ولا همه وقد أخذت عهود الأمانة في رقابها أطواقا، وصارت خوافي من وراء الخوافي، وغطت سرحها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضوافي، ترغم أنف النوى بتقريب العهود، وتكاد العيون بملاحظتها تلاحظ أنجم السعود، وهي أنبياء الطير لكثرة ما تأتي به من الأنباء، وخطباؤها لأنها تقوم على الأغصان مقام الخطباء"[19].

 

رؤساء الدواوين:

إذا كان التنظيم الإداري بمفهومه العلمي الحديث هو تحديد المسئوليات والسلطات والعلاقات بين الأفراد في الجهد الجماعي بقصد تحقيق أهداف محددة، فالدواوين الأيوبية كانت تنهج هذا السبيل في تحديد المسئوليات للعاملين، وتنظيم العلاقات بينهم و بين رؤسائهم.

وعندما نستعرض الهيكل الوظيفي في عصر الدولة الأيوبية، ندرك أنه يوجد نظام إداري يتسم بالإحكام والتخطيط السليم.

فالدولة يحكمها السلطان عن طريق وزير يمثل قمة السلطنة التنفيذية، ويلي الوزير فـي المرتبة رؤساء الدواوين المختلفة، وفي كل ديوان العاملون به، وهم على درجات عليا ودنيا، إذن فهم يتبعون التسلسل الإداري فـي السلطة. ولكل موظف اختصاصات محددة يسير على هداها، وصفات معينة يلزم توافرها فيه، وكانت هناك نظرية الإنابة في العمل فهذا الموظف يحل مكان فلان في وظيفته في حالة غيابه.

وإذا نظرنا للتقسيمات الوظيفية بالمصطلح الحديث من وظائف إدارية أو قيادية، ووظائف فنية أو كتابية، ودرجات عمالية، وجدنا هذا النمط معمولا به في تلك الحقبة من الزمن.

فنحن نعرف أن مصر بلد زراعي، وأن بها بعض الصناعات اللازمة لمواجهة الحروب الصليبية، وكانت بها دار الضرب المصرية لصك النقود.

إذن كانت الوظائف بها أغلبها خاص إما بالزراعة أو بالصناعات الحربية مثل بناء السفن وغيرها، أو بالعمل في صك النقود، وماعدا ذلك فيتعلق بالشئون الاجتماعية العامة.

 

الوزير:

لم يرد تعريف للوزير في الكتب التي أرخت للدولة الأيوبية على رغم أن هذه الوظيفة كانت موجودة ومسندة إلى رئيس ديوان الإنشاء كالقاضي الفاضل، أو إلى وزير كصفي الدين بن شكر، وبين أيدينا تعريف لهذه الوظيفة، والصفات الواجب توافرها فيمن تسند إليه، كما جاء ذلك في كتاب صدر في عصر الدولة الفاطمية، إذ يقول مؤلفه[20]: "يجب أن يكون الوزير قيما بجميع أنواع الكتابة وأقسامها، عالما بشروطها وأحكامها، لأن كل ناظر في فن من فنونها إليه يرفع ما ينظر فيه، فلا يجوز أن يكون جاهلا بشيء منه، وأن يكون نافذا في علوم الدين، لأن الدين أساس الملك الذي يبنى عليه أمره".

ويشترط أبن خلف أن يتحلى لوزير بحميد الأخلاق، وأن يتسم بنبيل الصفات، وأن يظهر في سعة المنزل والطعام، والفرش والثياب، وما إلى ذلك، مما يليق بمقامه الخطير.

كما يشترط أن يكون خبيرا محنكا في جميع ما يخص السلطان والرعية، فيقول: "يجب أن يكون الوزير متجنباً للغضب، قليل اللهو والطرب، مداوماً للتجارب، ملابساً للنوائب، عارفاً بتصرف الأحوال، عالماً بوجوه الأموال، ومصالح الأعمال، مستوفياً لحقوق السلطان، من غير حيف على معاملته ورعيته، معتمداً للإنصاف لهم والإنصاف منهم، مقدماً أهل الفضيلة والدين والغنى، مستكفياً للكفاة، عارفاً لذوي البيوتات والرتب أَقدارهم ومنازلهم، منزلاً لهم بحيث ما يستحقون منها، بصيراً بمكايد الحروب، ومعاجمة الخطوب، وتدبير الدولة، وسياسة الرعية، عارفاً بما يعتمد كل طبقة منها من عسف ولطف، وخشونة ولين، وما يصلح عليه من السير المتضادة، لا يشغله كبير أمر عن صغيره، مقدماً للحزم، عاملاً بالعزم، ناظراً في العواقب"[21].

 

نظار الدواوين:

ونظار الدواوين في الدولة الأيوبية، كانوا يمثلون السلطة الإدارية العليا، وكانت تسند إليه من قبل الوزارة الأعمال الهامة الخاصة بشئون الدولة الداخلية والخارجية.

ويسمى الناظر أَحياناً بصاحب الديوان أو بوالي الديوان وكان يطلق على ناظر ديوان الإنشاء صاحب الدست، وفى هذه التسميات دلالة على مدى السلطات الممنوحة له في مجال اختصاصه.

ومن الصفات العامة لأعمال الناظر. أنه رأَس الديوان ويلزمه ضبط جميع جهات الديوان استخراجاً  وخرجاً، وإقامة الجرائد بالجهات وخدمتها بما يستأدى منها لأنه يكتب على العمل الجامع لها، ويعين ما ينساق من الباقي في المعاملات[22].

ويقول ابن مماتى: "ليس لأحد مستخدميه أَن ينفرد عنه بشيء من علم المنظور فيه، ومن لوازمه أن يكون علمه محوطا بضبطه، محفوظا بخطه، وإن كان ناظر مشارف، كتب خطه على ما يرفع من الحساب، ويخرج من الوصولات، وهو مخاطب على كل ما يتم في معاملته من خلل"[23].

 

ناظر ديوان الإنشاء:

ونقرأ شروط النابلسي في ناظر ديوان الإنشاء نثراً وشعراً إذ يقول: "يشترط أن يكون الناظر فيه مضطلعاً من العلوم لاسيما الأدب، له قدرة على صعود ذروتي النظم والنثر بل على ارتقاء درج البلاغة، إلى طبقة حل المنظوم ونظم المنثور والإستشهاد بما يحتاج إليه من الكتاب العزيز بآيات في المعنى الذي رسم له.

وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وسير الخلفاء وأخبار الملوك، وتواريخ العجم، وأيام العرب، ووقائعها وأمثالها، إلى غير ذلك من الفنون التي يطول شرحها ووصفها، وهو باب متسع، وعر المسلك، عزيز الوجود جداً".

والظاهر أن وظيفة رئيس ديوان الإنشاء، وما ينبغي أن يكون حاصلاً عنده من العلوم والمعارف والأخلاق، قد حظيت بعناية كبيرة فـي العصر الفاطمي، وقد دون ابن منجب الصيرفي ذلك في كتابه قانون ديوان الرسائل، ولما كان كتاب الدواوين في العصر الأيوبـي قد أشاروا إلى هذه الوظيفة في كلمات مقتضبة، إلا أنها تدل على خطورة مكانة صاحبها، وأهمية الدور الذي يؤديه في الجهاز الحكومي للدولة الأيوبية، فقد رأينا أن نذكر الشروط الأساسية الواجب توافرها في رئيس ديوان الإنشاء التي تعتبر من وجهة نظرنا قواعد عامة سارت عليها الدولة الأيوبية فيمن يتولون العمل بهذا الديوان، خاصة وأن القاضي الفاضل وزير السلطان صلاح الدين ورئيس ديوان الإنشاء في عصره، تربى في الدولة الفاطمية، وتولى رئاسة الديوان في أيام العاضد آخر خلفائها، واستمر في عمله حنى نهاية عمره في عهد الدولة الأيوبية.

فهو إذن امتداد طبيعي لهذه الوظيفة التي يقول عنها ابن منجب الصيرفي ما فحواه: "أن يكون ذا دين وورع وأمانة، ونزاهة نفس، ويجب أن يكون دينه الإسلام، لأنه من الملك بمنزلة الوزير، وأن يكون متمذهباً بالمذهب الذي عليه الملك، ويجب أن يكون من يختار لهذه المرتبة ممكنا من عقله، ويجب أن يكون أصيلاً في قومه، رفيعا في حسبه، ويجب أن يكون صبيح الوجه، فصيح الألفاظ، طلق اللسان، ويجب أن يكون وقورا حليما، مؤثرا للجد على الهزل، محبا للشغل أكثر من محبته للفراغ، مقسما للزمان على أشغاله، كثير الأناة، قليل العجلة والحذق، نزر الضحك، مهيب المجلس، ساكن الظل، وقور النادي، حسن اللقاء، لطيف الإجابة، شديد الذكاء، متوقد الفهم، حسن الكلام إذا حدث، حسن الإصغاء إذا حُدث، سريع الرضا، بطيء الغضب، رؤوفا بأهل الدين ساعيا في مصالحهم محبا لذوي العلم والأدب، راغبا في نفعهم، يغلب هوى الملك على هواه ورضاه على رضاه، ما لم ير في ذلك خللا على المملكة، فإنه يجب أن يهدي النصيحة للملك، من غير أن يوجد أن فيما تقدم من رأيه فسادا أو نقصا، ولكن يتحيل لنقص ذلك وتهجينه في نفسه، وإيضاح الواجب فيه بأحسن تأن وأفضل تلطف، ويكون من كتمان السر بمنزلة لا يدانيه فيها أحد"[24].

ما ذكرناه هو مجمل الصفات الشخصية الواجب توافرها في متولي هذا الديوان، فما هو نوع الثقافة اللازمة له؟

نجد أن العناصر الأساسية لهذا العمل أن يكون صاحب الديوان مثقفا، وأول ما يجب أن يعتني به حفظ كتاب اللّه تعالى. فهو أحوج الناس إلى الإستشهاد به في أثناء محاوراته، وفصول مكاتباته، والتمثل بنواهيه وأوامره، والذكر لقوارعه وزواجره، ويجب أن يكون من البلاغة والفصاحة في أعلى مرتبة وأسنى منزلة، بحيث لا يوجد أحد في عصره يفوقه في هذا الفن، وينبغي أن يكون مظطلعا بفنون الكتابة، عالما بأصولها وفصولها، مستقلا بأعبائها، يفوق في النهضة جميع المستخدمين معه والمعينين له.

و يكون حافظا لأخبار الرسول والأئمة، راويا لأخبار الملوك وأيام العرب ووقائعهم، وأخبار العجم وسائر الأمم، وما جرى في أيام الملوك الماضين، وما حدث من وزرائهم وكتابهم وقوادهم وأخبارهم.

ويجب أن يكون لديه شيء من معرفة الحلال والحرام، ليكون واجدا له متى دفع إلى أن يسأل عنه، ويجب أن يكون حافظا للأشعار راويا للكثير منها، ويجب أن يكون قد قرأ من العربية والتصريف واللغة أكثرها[25].

وأخيراً نتحدث عن مجمل صفاته السلوكية تجاه الملك كما جاء في كتاب قانون ديوان الرسائل، وهو أن ينحل الملك صائب الآراء، ولا ينتحلها عليه، ومهما حدث من رأي صائب أو فعل جميل، أو تدبير حميد أشاعه وأذاعه وعظمه وفخمه وكرر ذكره، وأوجب على الناس حمده وشكره، وإذا قال الملك قولا في مجلسه أو بحضرة جماعة ممن يخدمه، فلم يره موافقا للصواب فلا يجبهه بالرد عليه واستهجان ما أتى به، فإن ذلك خطأ كبير بل يصبر لحين الخلوة ويداخل في أثناء كلامه ما يوضح به نهج الصواب من غير تلق برد، ولا يتبجـح بما عنده، ويكون متابعا للملك على أخلاقه الفاضلة وطباعه الشريفة.

وإن أحس منه بخلة تنافي هذه الخلال، وفعلة تخالف هذه الأفعال، نقله عنها بألطف سعي وأحسن تدريج، ولم يدع ممكنا في تبيين متجهها وإيضاح رداءة عاقبتها، وفضيلة مخالفتها إلا بينه وأوضحه، إلى أن يعيده إلى الفضائل، التي هي بالملوك النبلاء أليق.

ثم يعقد ابن منجب الصيرفي فصلا فيما يختص متولي ديوان الرسائل بالنظر فيه من الأعمال التي لا يقوم بها غيره، وهو: أن يلازم مجلس الملك ما كان جالساً ليتأس به سائر المستخدمين معه، ولا يجدوا رخصة في الغيبة عن الديوان، ثم تأمل الكتب الواردة على الملك وتسليمها إلى أوثق كتابه، وأمنهم في نفسه، ليخرجها في ظاهرها، ثم يعيدها إليه، فيقابل بها، فإن وجده أخل بشيء منها، أضافه بخطه، وأنكر عليه إهمالها ليتنبه في المستأنف، وإن لم يكن فيها خلل عرضها على الملك، واستخرج فيها أمره، وسطر تحت كل فصل منها، ما يجب أن يكون جوابا عنه، على أحسن الوجوه وأفضلها، ثم سلمها إلى من يكتب الجواب عنها، ممن يعرف اضطلاعه بذلك، ثم قابل الجواب بالتخريج، وما وقع تحته، فإن وجد فيها خللا سده، أو مهملا ذكره، أو سهواً أصلحه، وإن علم أنه قد كتبها على أفضل الوجوه وأسدها، وأنه لم يغادر معنى، ولم يزد إلا ألفاظاً، ينمق بها كتابته، ويؤكد بها قوله، عرضها على الملك ليعلم ما فيها، ثم استدعى من يتولى الإلصاق فألصقها بحضرته، وجعل على كل منها بطاقة، يشير فيها إلى مضمونه، لئلا يسأل عنه بعد إلصاقه، فلا يعلم ما هو، ثم يسلمها إلى من يتولى تنفيذها، إلى حيث أهلت له، ويأخذ خطه بعدتها، منسوبا كل منها إلى من كتب إليه، ومشاراً إلى مضمونه، ويسلم النسخ المخرجة الملخصة إلى من يؤهله لحفظها وترتيبها.

ويلزمه أن يتصفح ما يكتب من السجلات والمناشير والأمانات، وجميع ما يقع عليه اسم الإنشاء تصفحاً تاماً، يأمن معه أن يدخل على شيء مما يكتب من ديوانه زيغ ولا زلل ولا تحريف.

ويلزمه أن يقيم حاجباً لديوانه، لا يمكن أحداً من سائر الناس أن يدخل إليه، ما خلا المستخدمين فيه[26].

ثم يفصل بعد ذلك كيفية مباشرته لأعماله بقوله: "يوقع فيما أمكنه التوقيع فيه من رقاع المتظلمين، مما جرت العادة بمثله، وما كان لابد له من عرضه على السلطان واستطلاع رأيه فيه، سلمه إلى متولي ديوانه ليحضر به المجلس، ويستخرج فيه الأمر، أو يحضر الكاتب نفسه فيقرأ المهمات منها، ويستأذن عليها، ويوقع بما يؤمر فيها، فقد تحدث فيها الرقعة المهمة التي تنتفع الدولة بها، ويستضر بتأخير النظر فيها، ويفهم من على هذه الرقاع من جور بعض الولاة والمستخدمين، وامتداد أيديهم ما توجب السياسة صرفهم عما ولوه منها، وما كان منها مما يسأل السلطان في صحته، ندب من يثق فيه لكشفه مع رافعه، فإن صح قوله أنصف من خصمه، وإن بان تمحله قوبل بما يردع أمثاله على الكذب والتخرص، فيكون ذلك كافاً لمن يهم بشكوى أحد على سبيل المحال وقول الزور فيه"[27].

 

ناظر ديوان الجيوش:

ولما كانت الدولة الأيوبية تتبع نظام الإقطاع الحربي في توزيع الأرض على الأمراء والأجناد، فإنه نشأت وظيفة ناظر ديوان الجيوش لرعاية مصالح هذه الإقطاعات، ويوضح النابلسي الأعمال التي يباشرها صاحب هذا الديوان، فيقول:

"إنه يسترفع كل سنة نسخة قوانين ري البلاد، ليعلم ما نقص وما زاد، وكذلك نسخ السجلات من البلاد ليعلم ما ترجح من ارتفاعها، وما هي عليه من أوضاعها، وما انتقل من مدن العين إلى الغلة، ومن الغلة إلى العين، ومن صنف إلى صنف، وما عمر فيها من الخراب الذي لا يعلوه النيل وغير ذلك.

وترفع إليه أوراق زيادة النيل بعد انتهاء الزيادة، ليعلم بها قوانين الري ما روى من البلاد، ومن صفات الناظر في هذا الديوان، أن يكون كبير القدر في نفسه وعند سلطانه، له جلالة ووجاهة، فإن أمراء الدولة مع جلالة أقدارهم، يحتاجون إلى مخاطبته والتلطف لأجل إقطاعاتهم وأجنادهم وجلب مصالحهم، ودفع مضارهم"[28].

وأما الصفات اللازمة له في أثناء الحرب، حتى يكون ناجحاً في تأدية مهمته القتالية على أحسن وجه، أن يأخذ لضعيفها من قويها، ويقيم الحدود فيها على من وجبت عليه، ويقوي يد ديوانها على استخراج الأموال، وتمشية الأشغال، وحفظ السبل إلى عمله من كل جهة، هي داخلة في حد عمله.

ويحتاج أيضاً إلى أن يكون ذا سياسة ورياسة، وعقل رصين ونزاهة، وعفة فرج ويد ولسان، وحسن تدبير، وصدق لهجة، ويقظة وعزم، وتحل بهمة وعزم[29].

ولما كانت المهمة المنوطة بناظر ديوان الجيش ذات أهمية بالغة في عصر الحروب الصليبية، أردنا أن نستعين بالصورة التي رسمها علي بن خلف في عصر الدولة الفاطمية، ففيها شيء من التفصيل، بخلاف ما عثرنا عليه في كتب الدواوين الأيوبية، خاصة وأن ظروف العمل الحربي ضد الصليبيين في العصرين واحدة.

إذ يقول: "أن منزلته بمقتضى خطر ما ينظر فيه من أمور الرجال الذين هم أعضاء السلطان وأعوانه، وهو يحتاج إلى الإستقلال بجرد كثير من الحساب، وإلى معرفة صفات الخيل، والمعرفة بالأسلحة وأنواعها، والسيوف وجواهرها ومياهها، والرماح وأجناسها والمختار منها، والقسي والسهام والدروع وما يجاريها من الآلات وأن يطالب الأجناد بتحصيلها وعرضها في كل وقت، كما تعرض الخيول التي يثبت شياتها في ديوانه، ولا يفتح لأحد منهم في الإستبدال من جيد برديء، ولا من عيق بهجين، ولا من أسل بذقى[30]، ومن غير شيئاً ألزمه بتعويض ما غيره، ولذلك أوقع حزمه الملوك الوسوم على الخيول والعلامات على الأسلحة، ولا بأس بأن يكون قد تأدب بالفروسية، وأخذ بطرف من العمل بالسلاح"[31].

وكعادة كتاب الدواوين يذيل ابن خلف كتاباته بذكر الصفات الحميدة التي يجب أن يتحلى بها القائم بهذه الوظيفة الخطيرة، فيقول: "يجب أن يكون فيه حسن مداراة، وجميل ملقى، وصبر على أمر أخلاق من عامله، فإنه مدفوع إلى سياسة طوائف عدة من أهل الحمية وعزة النفس، وهو محتاج إلى رياضتهم، وحسن السيرة في معاملتهم، ليتمكن من حملهم على الحق، وأن يبني أمره على النزاهة عن الطمع، ليعتذر بذلك عما يرومه من تركهم منازلهم، وليحذر وضع الأعلى، ورفع الناقص وليأخذ بالحزم والأمانة"[32].

 

صاحب ديوان الإقطاع:

أما صاحب ديوان الإقطاع، فمرتبته دون صاحب ديوان الجيش، وإن اشتركا في العمل، ويلزمه ما يلزم ذلك من أحوال الأجناد والإحاطة بهاء وأن يكون درباً بعبرة البلاد وحواصلها وأسمائها وأثقالها.

ويشترط فيه أن يكون حاضر الحس فـي الجمع درباً فيه، بحيث إذا سئل عن جملة مفصلة أجاب عنها في الزمن القريب.

وصاحب الجيش يكتب على يمنة الورقة ليثبت في ديوان النظر على الجيوش المنصورة إن شاء الله تعالى، ويقول صاحب ديوان الإقطاع في الجانب الآخر: في ديوان الإقطاع العمراني إن شاء اللّه[33].

 

الباب الثاني: الرسائل الحربية

هذه الرسائل كانت تحرر بقلم رئيس ديوان الإنشاء، إما عن لسان السلطان أو الملك. أو تكتب تعبيرا عما يقصده رئيس الديوان لنفسه.

وقد ازدهرت وكثرت في عهد السلطان صلاح الدين، الذي أسس الدولة الأيوبية في مصر، ووصفت المعارك الحربية وصفا تفصيليا، في أسلوب يمتاز بالقوة والجزالة فيناسب المعارك وضراوتها، والإنتصارات والفرحة بها.

وهذه الرسائل تعد من الناحية التاريخية وثائق بالغة الأهمية، وتعد من الناحية الإعلامية سلاحا رادعا يساعد على النصر ويؤازره، كما أنه يبث الرعب في نفوس الأعداء ويرهبهم، بـل هو من العوامل الهامة في قهرهم والإطاحة بهم.

فقد خاضت الجيوش العربية حروبا شرسة ضد الحشود الصليبية، وتم في هذه اللقاءات انتصارات حربية رائعة، توجتها معركة حطين، التي تطهر فيها بيت المقدس من دنس المغتصبين له.

وتقل الرسائل الحربية في الفترة التي تلى حكم السلطان صلاح الدين إلى نهاية الدولة الأيوبية، حيث قامت المنازعات ببن أفراد الأسرة الحـاكمة، كما أنه لم يكن لأحد ممن خلف السلطان صلاح الدين في الملك قوة في الشخصية مثلما كـان له، وبـالاختصار يعد عصر السلطان صلاح الدين العصر الذهبي في حكم هذه الأسرة، وهو أطولها مدة، وأدعمها قوة.

 

منشور بخصوص كسر السلطان صلاح الدين عساكر حلب وحماة:

هذا المنشور بقلم القاضي الفاضل، يبدأه بشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه السابغة هكذا: "لله سبحانه وتعالى عندنا عوائد نعم، قد صارت كـالأمر المعروف والواقع المألوف، والضياء اللازم للصباح، والعرف المتضوع مع الرياح، لا تستغرب غرائبها وإن كـانت بديعة. ولا تبهر عجائبها وإن كانت وسيعة وشيعة"[34].

ثم يأتي مباشرة إلى هدفه، وهو أن الحلبيين قد صاروا بنيانا مرصوصا في الخلاف، وعقدا واحدا في واحدا في الانشقاق والانحراف فعندما علم السلطان صلاح الدين بمسير عسكر المواصلة والحلبيين لقصد حماة، وهو وقتذاك بحمص، بعث إليهم في طلب الصلح، يشترط أن يسلم لهم حمص وحماة وبعلبك وجميع الحصون التي فتحها، مقابل اعترافهم بجنوب الشام، فأبوا عليه ذلك تحت ضغط غازي الطامع أن يخلف نور الدين في الشام كله والجزيرة كذلك[35].

ولذا لم يجد صلاح الدين بدا من السير إلى قرون حماة وهناك عاود الكتابة إليهم دون جدوى، فاستعد حينئذ للحرب، ولقيهم في يوم 19 رمضان سنة 570 هـ = 13 أبريل 1175 م[36].

واستطاع السلطان صلاح الدين أن يحمل على العدو، ويزيلهم عن مواقفهم، ويجتاز معسكرهم، وهم يعدون أمامه صوب حلب، تاركين غنائم كبيرة وآلة وسلاحا عظيما، ودواب كثيرة، ولحق بهم السلطان صلاح الدين في حلب وحاصرها للمرة الثانية، وأشتد على الحلبيين الحصار وطال، فراسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، مضافا إليه المعرة وكفر طاب، وبارين، ولهم ما بأيديهم منها، واشترطوا كذلك أن يكون الدعاء للسلطان الطفل في جميع منابر البلاد التي تحت يد السلطان صلاح الدين وولاية أصحابها، وأن تكون السكة باسمه، وأن ينجد السلطان صلاح الدين بنفسه وجيشه السلطان إسماعيل عسكريا إذا قصده العدو.

فأجابهم صلاح الدين إلى جميع ما طلبوه سياسيا وعسكريا، وأنتظم الصلح، ثم رحل السلطان صلاح الدين عائدا إلى حماة.

والجانب الإعلامي من إذاعة هذا المنشور، هو تفهيم الناس أن السلطان صلاح الدين، لم يقصد في محاربته أحدا من المسلمين ألبتة، بل أراد توحيد كلمتهم بالتفاهم الودي والإتفاق السياسي أولا، حتى إذا أخفق في الإتفاق بالمفاوضة عمد إلى القتال في غير هوادة.

وفيه يصف السلطان صلاح الدين هذا الفتح بأنه كان لفتوحه أميرا، وكان لبعده من سعادات الأيام بشيرا.

 

 



[1] النابلسي: لمع القوانين ص18.

[2] الدكتور أحمد بدوي، الحياة الأدبية في عصر الحروب الصليبية ص 334.

[3] صبح الأعشى جـ 1ص135.

[4] السماع: الغناء والسماعات هنا أي أماكن الطرب واللهو، والظاهر أن الملك الصالح نجم الدين أيوب كان لا يسمح للعاملين بديوان الإنشاء بالتردد على أماكن اللهو والمجون، حفاظا على مهابة هذا الديوان العظيم.

[5] الخطط المقريزية جـ 3ص158.

[6]ابن فضل الله، التعريف ص 89.

[7] دكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي ص 174.

[8] دكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي ص 27.

[9] دكتور نظير حسان سعداوي: جيش مصر ص 29.

[10] القلقشندي: صبح الأعشى جـ 3 ص 488:489.

[11] الدكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي ص 24.

[12] دكتور حسنين محمد ربيع: النظم المالية في مصر ص 71.

[13] ذكر المقريزي في السلوك جـ1 ق 1 ص 107 أن تسليم أمر الأسطول للملك العادل كان في عام 587هـ=1192م.

[14] الخطط المقريزية جـ3 ص110،111

[15] ابن مماتي: قوانين الدواوين ص 339.

[16] ابن مماتي: قوانين الدواوين ص 340.

[17] الخطط المقريزية جـ3 ص 11.

[18] الدكتور نظير حسان سعداوي، نظام البريد في الدولة الإسلامية ص 112 : 115.

[19] الدكتور نظير حسان سعداوي، نظام البريد في الدولة الإسلامية ص 112 : 115.

[20] أبو الحسن علي بن خلف: مواد البيان ق 23.

[21] مواد البيان ق 23.

[22] ابن شيث: معالم الكتابة ص 29.

[23] قوانين الدواوين ص 298.

[24] ابن منجب الصيرفي: قانون ديوان الرسائل ص 104 : 105.

[25] ابن منجب الصيرفي: قانون ديوان الرسائل ص 95 : 103.

[26] ابن منجب الصيرفي: قانون ديوان الرسائل ص 106 : 115.

[27] ابن منجب الصيرفي: قانون ديوان الرسائل ص 153 : 155.

[28] لمع القوانين ق 17 : 18.

[29] النابلسي: لمع القوانين ق 17.

[30] الأسل: تستحب في الفرس الأسالة، وهي دليل الكرم، والذقي: رخو الأذن والأنف، ولعل ذلك دليل على رداءته (اللسان).

[31] علي بن خلف: مواد البيان ق 26.

[32] علي بن خلف: مواد البيان ق 26.

[33] ابن شيث: معالم الكتابة ص 26 : 27.

[34] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة 102.

[35] الدكتور سعداوي: التاريخ الحربي ص 65.

[36] أبو شامة: الروضتين جـ 1 ص 250.