|
|
|
|
|
|
|
مُقوِّمات الأمة |
|
|
للشيخ محمد الراوي |
|
|
رئيس
قسم التفسير بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: |
|
|
فإن الأمة الإسلامية ليست حدثا عارضاً في حياة الإنسانية، وليست نبتا بلا قرار، إنها – وفيها التوحيد – شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. |
|
|
إنها- وفيها الحق- ليست زبداً طافياً يذهب جفاء وإنما هي معدن أصيل ينفع الناس فيمكث في الأرض. |
|
|
إنها- وفيها القرآن وبيانه - لن ينتهي مدها ولن يطفأ نورها ولن يخمد ذكرها بفضل من الله ورحمته. |
|
|
إنها أمة الرسل والأنبياء جميعاً. تآخت فطرتها مع فطرة الكون الذي أسلم كل من فيه لله طوعاً وكرهاً. |
|
|
إنها ذات أصل ثابت وفرع ممتد في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، غيرها من أهل الباطل له في الزمن ساعة وهي بفضل الله إلى قيام الساعة. |
|
|
تأتى إليها الريح فتميل بها ولا تقتلعها، وتهب عليها العواصف فتسقط من ورقها ما صار هشيماً، وتظل تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. |
|
|
ولئن مرت عليها فترات فتور أو خمول يراها أهل الكفر مواتاً ويرون حماها بواحاً فإن لها من مقوماتها ما يبعث الحركة فيها ويجدد الحياة. |
|
|
ومهما طال الليل فإن فجراً صادقاً يأتي عليه فيطوى ظلامه ونجماً رائداً متألقاً مجددا يؤذن بطلوع الفجر، فتتحول الحياة- وهي تسمع الآذان- من حال إلى حال، فيصحو الغافل ويستيقظ النائم ويصبح نشيطاً طيب النفس. |
|
|
فما مقومات هذه الأمة؟ وما أَسباب النهوض بها؟ |
|
|
ذاك ما سنحاول في هذا اللقاء أَن نتحدث عنه أو نشير إليه. |
|
|
إن المقومات تمثل الثابت في تاريخ هذه الأمة ولذا فإنها لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وبها يرتبط ما هو متغير من أسباب النهوض في كل عصر. |
|
|
ولكي تبقى الأمة قائمة برسالتها لابد أن تحافظ على الثابت من مقوماتها وألاّ تفرط في شيء منه، فهو مصدر عزها وقوتها وبه تتميز أخلاقها وتتحقق إمامتها. |
|
|
وهذا الجانب هو صمام الأمن للمجتمع الإنساني كله بل صمام الأمن لنتائج العلم - التي يخشى في غيبة الثابت من المقومات أو التفريط فيها- أن تدمر في لحظات عمر الإنسان في قرون وأن تسوق الفناء إلى ما شيد من بناء. |
|
|
بالأصل الثابت من المقومات يسارع الإنسان إلى الخيرات ويسبق لها {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} والمسارعة إلى الخيرات عمل إجابي في محاربة الفساد ومقاومة شره وتأمـين الناس من تسلطه وظلمه. |
|
|
ومن هذا نستطيع أَن نقف عند الأصل الأول من هذه المقومات: |
|
|
1- عقيدة التوحيد: وهذه العقيدة كما دعا إليها الرسل جميعاً يتم بها التحول من حال إلى حال، من ظلمات وجمود وخمول وموات إلى نور وحركة حية واعية راشدة، والإيمان تصديق وقول وعمل، وجميع الرسل قد طلبوا من أقوامهم أَن يفعلوا أو يتركوا على أساس من عقيدة التوحيد فبدافع من هذه العقيدة يتم الفعل أو الترك. {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}. |
|
|
فعلى أساس من توحيد الألوهية يتم التحول من شر إلى خير، ومن إفساد إلى إصلاح، ومن ظلم وظلمات إلا عدل ونور، ومن صد وانحراف إلى استقامة واتباع. ويقترن الإيمان بالأعمال فعلا وكيفا فيزيد وينقص ويبقى ويذهب. |
|
|
و بالتوحيد: يتحدد موقف الإنسان من الأشياء ومن الناس وتترتب النتائج {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً} {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} يتحدد موقف الإنسان من أقرب الناس إليه {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}. |
|
|
لا تتميع المواقف ولا تختلط ولا تلتبس مع صدق الاعتقاد {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ الله أَلا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ} |
|
|
وبالتوحيد: يتميز سلوك الإنسان في العسر واليسر والشدة والرخاء ويتبين الصادق من الكاذب، ولذا كان الابتلاء سنة من سنن الله وكـانت المحن والشدائد سبيلا للتنقية والتصفية يميز الله بها الخبيث من الطيب {مَا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب} {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}. ولولا ذلك لاختلط الأمر على الناس والتبس ولم يتميز خبيث من أصيل وادعى بعض الناس لأنفسهم ما ليس لهم {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذَا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ، وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ}. |
|
|
وبالتوحيد: نقاتل ونسالم، ونصاحب ونعادي، ومن أجله نجد في الحقل والمصنع، والدكان والديوان والبر والبحر، والأعمال الصالحة تقترن بالإيمان فلا تدع مجالا في الحياة دون إصلاح وإحسان. |
|
|
ومن الواجب على الأمة الموحدة أن تحسن ما تحتاج إليه في أي شيء ولا تكون عالة على غيرها في شيء، والأعداد الذي نرهب به عدو الله وعدونا والذي أمرنا الله به يستوجب شئون الحياة في ترابط واتساق فالضعف في جانب قد يؤدي إلى الضعف في غيره. |
|
|
والحديد الذي أنزله الله فيه بأس شديد ومنافع للناس يقترن في ديننا بما أرسل الله من رسول وما أنزل من الكتاب. |
|
|
وعقيدة التوحيد تفرض أن يطوع الحديد لإقامة العدل ونصرة الحق ومن وراء ذلك أعمال وأعمال تستوجب قيام المصنع، ووجود الغواص في البحر، والطيار في الجو، والباحث في المعمل، كما تطلب قلم الكاتب ودفتر المحاسب وفقه العالم، وتدبير الحاكـم وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ففي سورة واحدة بل في آية واحدة نقرأ قول الله عز وجل {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ}. |
|
|
والقران الكريم عندما يتحدث عن آيات الله في الآفاق وفي الأنفس ويحث على النظر والتفكر فيها إنما يريد تفاصيل هذه العقيدة في النفس وجعلها مبنية على معرفة لا يعتريها شك ولا يحبط عمل صاحبها شرك. |
|
|
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ الله مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. |
|
|
{الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ}. |
|
|
إن جميع ما يذكر من مقومات هذه الأمة يستند إلى هذا الأصل ويقوم عليه فما ندعى إليه من توثيق روابط الأخوة والمودة، وما نأمر به أو ننهى، لا يثمر ولا يغني ما لم يكن الدافع إليه والغاية منه القصد لله وابتغاء مرضاته. |
|
|
وإذا تسرب الشرك إلى شـيء من عمل أحبطه ودمره. |
|
|
هذا الأصل ثابت مستقر في رسالة الرسل جميعا لا يتغير مع أي شرعة ومنهاج {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} |
|
|
والحياة التي تقوم على التوحيد تصان فيها الفرائض وتؤدى الواجبات وهي متنوعة متعددة تحتاج إلى علم وجهد وكد يتساند فيها أهل التوحيد معتصمين بحبل الله غير متفرقين وتقوم نعم الله التي لا تحصى بين أيديهم لتكون عونا على إعلاء كلمة الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل ونصر المظلوم بإنصافه وتأمينه والظالم بالأخذ على يده وبهذا تحافظ الأمة الإسلامية على خيريتها، وتعز بإيمانها وأداء رسالتها، وتفلح بالدعوة إلى سبيل ربها {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. |
|
|
إنها أمة مجاهدة ذات رسالة خالدة، فرض عليها أن تحيا مرابطة في سبيل الله تجير المظلوم وإن كان من غيرها وتأخذ على يد الظالم وإن كان منها، وتعلي كلمة الله في كل شأن من شئونها. |
|
|
والإسلام يعتبر المسلمين أمة واحدة تجمعها العقيدة ويشارك بعضها بعضا في الآلام والآمال. |
|
|
وأي عدوان يقع على قطر من أقطارها أو على فرد من أبنائها فهو عدوان عليها جميعا، ولكي تستطيع هذه الأمة أن تنهض برسالتها وأن تؤدي ما أوجب الله عليها لابد أن تعمل دائما على تحقيق الأسباب التي تعينها على ذلك، وأن تحافظ على المقومات الأصيلة الثابتة التي تميز شخصيتها وتجعلها أمة دعوة ورسالة. |
|
|
وواقع الأمة الإسلامية الآن لا يحتاج إلى بيان ولكن من الخطأ أن نظن أن ما وصلت إليه يستحيل علاجه ومن الخطيئة أن ندع اليأس يتسرب إلى النفوس، وأن نترك أولئك الذين لا يريدون لأمتنا إلا مزيداً من الفشل وذهاب الريح، أن يفرضوا عليها الرضى بالواقع أو يجعلوها تؤمن بالتبعية لغيرها في شرق أو غرب. |
|
|
فإن أمتنا تملك- بفضل من الله- أن تبدأ البداية الصحيحة دون حاجة لشرق أو غرب وعليها أن تدرك أن ما سلط عليها من أعدائها بسبب معاصيها وقعودها عن أداء رسالتها {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}. |
|
|
ورب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً. |
|
|
فعلى أمتنا أن تبدأ بما أمر الله به {فَاتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، عليها أن تكف شرها عن نفسها وأن تأخذ على يد العابثين الذين يفسدون في الأرض ويقطعون الأرحام. |
|
|
في الجاهلية تداعت قبائل من قريش إلى حلف قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: |
|
|
"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى إليه في الإسلام لأجبت". |
|
|
وكانت هذه القبائل قد تعاهدت على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. |
|
|
في الجاهلية تداعت قبائل من قريش لهذا الحلف الذي أثنـى الرسول صلى الله عليه وسلم عليه وقال لو أدعى إليه في الإسلام لأجبت. |
|
|
أفلا يتداعى المسلمون- وكتاب الله يتلى عليهم وفيهم رسوله - لما ينقذ حياتهم ويرد كيد أعدائهم ويدفع الشر والبلاء عنهم، أفلا يتداعى المسلمون لتحقيق أمر الله فيما بينهم والأخذ على يد الظالم وإنصاف المظلوم، إن تحقيق معنى الأمة الإسلامية في أدنـا صورة ممكنةٍ قد غاب كثيراً عن حياة المسلمين فغدت الأمة نهباً لكل طامع وتحقق ما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه في قوله: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها". |
|
|
أي والله لقد تحقق ما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه وتداعى الأكلة من أمم الكفر في شراهة وضراوة لتمزيق الجسد الإسلامي وفصل أجزائه بعضها عن بعض. |
|
|
ومنذ فترة قيل عن تركة الرجل المريض، وأخشى أن يكون الإصطلاح لديهم الآن تركة الرجل الميت، ولكنني أؤمن أن الأمة لن تموت مهما بدت مظاهر الضعف والسكون فيها. |
|
|
وعلينا أن نبحث في غير يأس في وسائل النهوض بأمتنا الإسلامية فإنها أمة باقية بإذن الله إلى قيام الساعة. |
|
|
أولاً: أسلوب التربية والثقافة والإعداد في عالمنا الإسلامي يحتاج إلى مراجعة وإصلاح فإنه فيه كثير متناقض ومتضارب ومختلف الإتجاهات والشعارات ولا يخفى ما يترتب على ذلك من صراع داخل الأمة الإسلامية نفسها وما يقع من شر بين أبنائها. |
|
|
فكيف نخضع جميع وسائل التربية والإعداد والثقافة لتوحيد هذه الأمة وجمع كلمتها؟ وما السبيل لإعداد إنسان الغد بما يتناسب وأخطار الغد؟ |
|
|
إن أصحاب المذاهب في شرق أو غرب يعملون على صياغة الإنسان في أمتنا الإسلامية ليكون لهم لا لأمته وينفقون فـي سبيل ذلك من الجهد والمال ما لا يخفى على أحد، وكلنا يعرف ما تفعله الشيوعية في سبيل نشر مذهبها وما يفعله الغرب وما يقدمه لمؤسسات التبشير لتكون طلائع له في صياغة إنسان الغد لصالحه، وكل ما وقع من اغتصاب أرض المسلمين في أي مكان أو زمان قد مهد له من قبل الإستيلاء على الإنسان. ومن هنا كان الحرص شديداً على تقديم المنح الدراسية وإغراء الدول الإسلامية بالبعثات التعليمية وهي تحقق جانباً كبيراً مما يريده أصحاب المذاهب في شرق أو غرب من صياغة الإنسان لما يريدون. |
|
|
الإنسان هو الأساس الذي تقوم به ومن أجله الحضارة والنهضة والعناية به هي السبيل للنهوض بأمتنا من كبوتها ولا تصلح الأشياء إلاَّ بإيجاد الإنسان الصحيح، من أجل هذا أرسل الله الرسل وأنزلت الكتب. |
|
|
والنعم في أيدي الناس مسخرة من الله عز وجل وبالإنسان يتحدد اتجاهها إلى شكر أو كفر، ونتائج العلم أسلحة في يد الإنسان ينصر بها عدلاً وحقاً أو يبغي علواً وفساداً والسيف يمسك به لص يهدد أمن الناس ويحمله حارس أمين. |
|
|
والأرض قد هبط إليها الإنسان بعد إصلاحها وما يقع فيها من إفساد هو مما كسبت أيدي الناس والله يعلم المفسد من المصلح. |
|
|
ولكل شـيء في الحياة وسائل وأسباب تحقق صلاحه، فإذا اتبعت الأسباب في كل شيء بما يناسبه استقام الإنسان وبرت النتائج، وكذلك فعل المصلحون في الأرض ومن أثنى القرآن عليهم وتلا على الناس ذكرهم {وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً...}. |
|
|
وتراه وهو يعالج قضايا الناس يأخذ بجميع الأسباب التي تحقق الإصلاح ومن وراء الأخذ بالأسباب صدق النية وشكر النعمة فهو لا يطلب جزاءً إلاَّ من ربه، من وراء الأخذ بالأسباب نفس مؤمنة لا تستغل حاجة الناس ولا تعمل عملاً يمكن أهل الفساد من تحقيق فسادهم بل تعمل وتحسن وتضع أمام الفساد سداً منيعاً لا يستطيع الباطل أن ينفذ منه أَو يعلو عليه {فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً}. |
|
|
وأمتنا الإسلامية - وأمامها من التحديات - ما لا يخفى على أحد عليها أن تعد الإنسان بالإيمان الموجه للنفوس إلى الخير والإصلاح وبالعلم الذي تنشده النهضة في جميع شئون الحياة بحيث لا تكون الأمة الإسلامية في قبضة غيرها، فالأمة الإسلامية إذا احتاجت إلى مائة ألف طبيب عليها أن تعمل على إعداد هذا العدد بتخصصاته المتنوعة وأن تدرس في صبر وأناة وجد حاجتها في كل شأن وأن تعرف ما تملكه من طاقات وإمكانات قبل أن تطلب عوناً من أحد. وفي جميع الأحوال تكون مهمة الدين إعداد الإنسان لكي يصلح في الأرض ولا يفسد. |
|
|
والمهمل في عمله والمقصر فيه مفسد غير مصلح، والقعود عن الأخذ بالأسباب معصية ومفسدة تتيح للغير أن يتفوق، تفوق جاد أَمام قاعد، وعامل أمام خامل، والتنافس قائم بين الخلق، وأهل الباطل لن يسكتوا أبداً عن إضعاف أهل الحق {لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}. |
|
|
ويا له من ضياع ويا لها من مفسدة حين تظل أمة الحق عالة على أهل الباطل، لا تسل عن الأتباع والطواعية، أتباع أهل الحق لأهل الباطل حتـى لو دخلوا جحر ضب وطواعيتهم فيما يريدون لأهل الحق من ردهم بعد إيمانهم كافرين. |
|
|
والأمة الإسلامية إن هي قصرت في أن تصنع الضروري من وسائل حياتها احتاجت إلى غيرها من دول الكفر وقد يؤثر ذلك في مقومات حياتها من عقيدة وسلوك. والذين يتصورون أن العمل للدين يقف عند تعليم الناس بعض الفرائض التي لا تأخذ من حياة المسلم إلا دقائق معدودات يخطئون في فهم الدين ويعزلونه عن الحياة وهم يحسبون أنهم محسنون صنعا. |
|
|
إن العقيدة وهي أَصل الدين تتحرك بموجبها الحياة كلها لتكون في صلاتها وتشكلها ومحياها ومماتها لله رب العالمين. ومن أجل العقيدة طولِبنَا بالنظر في خلق السماوات والأرض، وفي أنفسنا لنظفر بثبات العقيدة ووسائل حمايتها لذا فإن الإعداد والتربية لا يفصل فيهما مصنع عن مسجد فيقال هذا للدين وذاك للدنيا، لا يفصل كد وجهد عن تسبيح وذكر. {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله وَاذْكُرُوا الله كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. وإعداد المسلم على هذا الفهم والعمل به يزيل من دنيانا نحن المسلمين كثيراً من التوتر الذي يقع بين الأفراد والجماعات ويقيم صراعاً في داخل الأمة الإسلامية يجني ثماره من يتربص بها ويضمر الشر لها. |
|
|
الإسلام شامل كامل منظم لشئون الحياة كلها، باعث للنهضة في جميع أجزائها بلا تفرقة والدين ليس إتباعا لأهواء الناس وليس خاضعاً لما يرغبون إنه تكليف ومسئولية {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} |
|
|
والذين يريدون الدين هوى لأنفسهم فيأخذون منه ما لا مشقة فيه ويدعون ما فيه كره ومشقة لم يحملوا ديناً وإنما حملوا عليه، وكم من ناس أفرزتهم المصالح والمشقات وألقت بهم في حظائر أهل النفاق {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا الله لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ}. |
|
|
وكم كان اللوم شديداً على من قيل لهم {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}. |
|
|
وإعداد المسلم عملياً ليؤدي واجبه في الإصلاح في جميع شئون الحياة يحفظ للأمة دينها وكرامتها وعزتها ويجعلها في مأمن من تكالب الأعداء عليها. |
|
|
وإذا اتسع فهم المسلم لما يطلبه إسلامه انشرح صدره لكل من رغب في الإسلام وأقبل عليه لأن الساحة تسع الناس جميعاً بل تسع الإنس والجن وساحة الإسلام أرحب من عالمنا الذي نعيش فيه، وإسلام الناس أحب إلينا، ونبينا صلى الله عليه وسلم بعث هادياً ورحمة. |
|
|
وإذا ضاق الفهم لما يطلبه الإسلام وما ينشده للعالمين قصرت الجهود عن الوفاء بحقه وغدت عبئاً عليه مسيئة إليه وإن قنعت مع نفسها أنها تقوم بفرائضه وتفي بواجباته. إن الواجب قد ينشدك في لحظة لتركب البحر وتحلق في الفضاء وتقف أَمام نيران المصنع وطلقات المدفع فإذا أجبت هذا الواجب بمزيد من ركعات وسجدات غير ما فرض الله وسن رسوله وقعدت ولم تستجب قد يذهب مع القعود دينك وأنت تحسب أنك مستمسك به. |
|
|
وهل ترك الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم إحسان صلاتهم والقيام بها؟ إذن لماذا قاطعهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر بمقاطعتهم؟ لأنهم لم يكونوا في لحظة ما حيث طلبهم الواجب وحثه النداء، ولما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من أداء ما وجب جاءه من لم يخرج معه فمن اعتذر كذبا هلك ومن صدق أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعته حتى جاءت توبة الله عليه ولولا هذه التوبة لهلكوا مع الهالكين. |
|
|
إن المسلم يكون حيث يدعوه واجب دينه لا حيث يرغب هو أو يجب. والتفريط في أداء ما يجب له عواقبه ومخاطره. ولقد تحولت في زمننا هذا بعض فروض الكفاية إلى فرض عين لتفريط المسلمين وإذا أردت أن تحصر ذلك وجدت أَمتنا الإسلامية تحتاج إلى تخطيط شامل في حياتها كلها لتسد كل جانب بما يكفيه ليسقط الفرض عن الباقيين. |
|
|
فإذا ظللنا جميعا نأكل مما تنتجه أَرض غيرنا وأرضنا أخصب وأرحب فإننا نأثم جميعا ما لم تتحرك الحياة في أرضنا وتؤتـي ثمارها بإذن ربها ولو استثمرت كما يجب أن يكون لأغنت عالمنا الإسلامي كله وسدت حاجة غيره من المحتاجين. |
|
|
قلت أولا: أسلوب التربية والثقافة والإعداد للإنسان في عالمنا الإسلامي يحتاج إلى مراجعة إصلاح بحيث تتوحد الغاية وتتسق الوسائل وتمضي لما يجب أن يكون. |
|
|
إعداد الإنسان الصحيح هو الأصل فيما ننشده من نهضة وما نطلبه من إصلاح. |
|
|
ثانيا: لابد من جهاز متخصص ذي إمكانات عصرية يقوم بمسح شامل لمعرفة الطاقات والإمكانات الهائلة في عالمنا الإسلامي، ويقدم الأسباب الصادقة لهجرة أبناء المسلمين من ديار الإسلام إلى غيرها وهي تمثل خطراً حقيقياً في تطوير عالمنا الإسلامي بما يتناسب وضرورات العصر. |
|
|
وهؤلاء المهاجرون لم يهاجروا عقوقاً لأوطانهم وإنما هناك عوامل لا يجهلها كثير من الناس دفعتهم إلى الهجرة وأرغمتهم عليها وأكثر هذه العوامل تنتسب إلى الشعارات المنافية للإسلام التي رمي بها عالمنا الإسلامي في كثير من دياره والتي سحقت معها كرامة الإنسان وامتهنت آدميته وإنسانيته ووضع في غير موضعه باسم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وصعب التكامل أَو التفاهم في عالمنا الإسلامي لاختلاف الشعارات وتناقض الغايات، مع أن عالمنا الإسلامي يملك من التكامل فيما بينه ما يقنعه عن الحاجات إلى الغير ويملك من الطاقات البشرية المتخصصة ما يسد حاجته في كثير من ضروراته. |
|
|
فهل من حصر لهذه الطاقات، وتهيئة الأسباب عودتها بل وتهيئة لأسباب الإستقرار في عالمنا الإسلامي بنبذ الشعارات المفرقة، والتمسك بالكلمة الطيبة الموحدة كلمة الإسلام الذي يجمعنا على إتباع صراط واحد ويجنبنا إتباع السبل المفرقة. {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. |
|
|
ويخشى أن تستمر الهجرة من ديار الإسلام إذا ظلت الشعارات بشؤمها ولؤمها تأسر فريقا من أبناء المسلمين وتقتل فريقا وتعادي الإسلام في أَرض الإسلام. |
|
|
لابد للإسلام أَن يحكم على أَرضه ليؤمن أبناءه ويفتح أمامهم أَسباب النهضة الشاملة الكاملة ويجمعهم على كلمة سواء يكونون بها هداة ودعاة للإنسانية جمعاء. |
|
|
نحتاج في كثير من ديارنا الإسلامية إلى تأمين الإنسان المسلم على أرضه كما نحتاج إلى قيام الأخوة الإسلامية وهي -الأصل- مقام الشعارات الدخيلة المفرقة، إن عالمنا الإسلامـي يحتاج إلى نهضة شاملة كاملة في الزراعة والصناعة وجميع مرافق الحياة، إن أمتنا تعيش مشلولة الحركة حين البأس إذا لم يكن على أرضها المصنع الذي يمدها بما تحتاج إليه، كما تعيش منكسة الرأس إذا لم تتعلم كيف تستغني بما أعطاها الله وتجاهد عدو الله وعدوها، وأسلافنا من قبل قد نهضوا بالقليل الذي في أيديهم لأنهم عرفوا أن الإيمان حركة حياة لا قعود معه ولا تواكل ولا يأس ولا قنوط. |
|
|
والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخش على أمته الفقر فيما استقبلت وتستقبل من أيامها فيقول فيما جاء في الحديث المتفق عليه "أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أَخشى عليكم ولكني أَخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم". |
|
|
تنافسنا عليها وتقاتلنا وقتلنا بها أَنفسنا ولم نجاهد عدونا. بسطت الدنيا فهل استطعنا أن نحقق بها غنى حقيقيا لأنفسنا أم أَنها كثيرة في أيدينا ونحن معها فقراء، وديارنا الإسلامية مع كثرة ما سلب منها هي أوسط وأَخصب بلاد العالم ومعظمها يستورد ما يحتاج إليه من طعام وشراب ولباس وغير ذلك مما هو ضروري وغير ضروري. |
|
|
ولقد وقع ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم به وحذر منه فاستفاد غيرنا وخسرنا وانتصر بباطله وهزمنا وشغل بتمزيقنا وشغلنا بأنفسنا. |
|
|
والرسول صلى الله عليه وسلم يحذرنا من ذلك في آخر فترة من حياته وفي الحديث المتفق عليه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى قتلى أحد فصلى عليهم بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع إلى المنبر فقال: "إني بين أيديكم قرط وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مكاني هذا وإني لست أَخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها"، قال (فكانت آخر نظرة نظرها الرسول صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية "ولكني أَخشى عليكم الدنيا أَن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" قال عقبة (فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر). |
|
|
كم فرقت الفرقة والتنازع على المسلمين من ايجابيات وجلبت عليه مع الشعارات المنافية للإسلام شعارات اللؤم والغدر والسلبيات المدمرة في أَخص شئونهم وفي علاقتهم بعضهم ببعض. ويخطئ من يظن أننا بغير الإسلام تجتمع لنا كلمة أَو يرتفع لنا بناء. إن ما صلح به ماضينا هو ما يصلح به حاضرنا ومستقبلنا، ولم تستطع القبيلة ولا روابط الجنس والدم أن تجمع الناس على رسالة خير إصلاح وإن جمعت فرقت. والعرب لماذا لم تجمعهم روابط الجنس من قبل؟. لماذا لم يجتمع الأوس والخزرج وبينهم من الصلة ما بينهم؟. إنها الحروب والدماء والقطيعة والبغضاء، أزيلت حين شع نور الإسلام على الديار فصفت النفوس والتقت القلوب وتعانقت الأرواح وأَصبحوا بنعمة الله إخوانا. |
|
|
بالإسلام صاروا خير أمة أخرجت للناس وبالإسلام امتد نورهم وسما ذكرهم وعرف فضلهم وبالإسلام بطل كيد عدوهم الذي أراد أَن ينفذ إليهم عن طريق إعادتهم إلى عصبية الجاهلية وتناحرها، بالإسلام تتماسك الصفوف وتأتلف النفوس وتتحول الطاقات والإمكانات إلى بناء حضارة تصان فيها كرامة الإنسان. |
|
|
بالإسلام تسقط جميع السلبيات التي حالت بيننا وبين التعاون على البر والتقوى. |
|
|
قد تظن أن كل بلد يستطيع أن يبني نفسه ويستصلح أرضه ويوفر حاجة أبنائه ويختار لنفسه من المذاهب ما شاء ولا تدخل لأحد في شئون غيره. وهل يطلب أعداؤنا أكثر من ذلك؟ إنه السبيل لإبتلاع كل فريسة على حدة يؤكل الأبيض والأحمر والأسود وأي تفريط في ترابطنا وتماسكنا وتداعـي بعضنا البعض سيجعلنا نقول في حسرة أكلت يوم أكل الثور الأبيض أكلت يوم أكل الأندلس المفقود ويوم ابتلعت جزر البحر الأبيض المتوسط ويوم استعمرت روسيا الشيوعية ديار الإسلام واغتصبت أرضه ويوم ويوم ويوم. |
|
|
ولن يتوقف جشع الأكلة من الكفرة والفجرة ما لم تؤد أمتنا الإسلامية رسالتها مع نفسها ومع الناس وتحيا مرابطة في سبيل ربها قائمة بما أوجب الله عليها عندئذ تستطيع أن تجير المظلوم وإن كان من غيرها وأن تضرب على يد الظالم وإن كان منها، عندئذ تجيب نداء من قالت وامعتصماه بمائة ألف مقاتل لا بمائة ألف شكوى لمجلس الأمن وهيئة الأمم عندئذ تستطيع أن تصحح مفهوم السلام بإقامة الحق والعدل في الأرض. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}. عندئذ نستطيع أَن نتكلم بلغة ديننا لا في شعارات غيرنا وأن ننادي أهل الكتاب بما ناداهم الله به- {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. عندئذ نستطيع أن نقدم للإنسانية كلها أسباب الأمن والسلم وهي تعيش على بركان من النار يوشك أن يقضي عليها وعلى حضارتها، عندئذ نستطيع أَن نحافظ على أقوات الناس التي أخذت من أفواههم وحشرت في بطون المدافع في ظل حضارة صار فيها الإنسان أرخص شيء. |
|
|
إن تجارة السلاح قد روجها المفسدون في الأرض وهي تجارة خاسرة مهلكة مدمرة وعندما نقوم نحن المسلمين برسالتنا نستطيع أن نعلم الناس وأن ندلهم على تجارة لن تبور تنجيهم من عذاب أليم، فنصون أَنفسنا ونعلم الإنسانية من حولنا وهذا حقها علينا وسنسأل عنه بين يدي ربنا، لقد انتقل تجار الفساد وموقدو نار الحرب إلى أرضنا ولن يطفئ نارهم ويقتلع فسادهم إلا صدق ولائنا لديننا واعتصامنا بحبل ربنا {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. |
|
|
فإن أمتنا الإسلامية تملك من المقومات ما يحفظ شخصيتها وتملك من الأسباب ما يحقق نهضتها من نعم الله التي لا تحصى. |
|
|
والأمر يتوقف على مدى المحافظة على المقومات والأخذ بالأسباب، وسنة الله لا تجامل أحداً ولا تحابي، والله لا يغير ما بنا حتـى نغير ما بأنفسنا. |
|
|
إن الأخذ بالأسباب يرتبط بالمحافظة على المقومات فهل يتفاعل المسلمون بمقوماتهم مع الأسباب تفاعل شكر لا كفران له، فتنبت الأرض وينتج المصنع ويعمر المسجد ويشغل الفراغ وتذهب المفسدة. |
|
|
إن الأمر جد لا هزل فيه وخطر محدق يحتاج إلى إعداد وحذر. |
|
|
والميدان يتسع لكل جهد من كبير وصغير ورجل وامرأة وطالب وعامل. |
|
|
ورجاؤنا في الله أن تكون الصحوة الإسلامية بارة راشدة، أن تكون على فقه بدينها ومعرفة لعصرها وحكمة وهي تدعو إلى سبيل ربها. |
|
|
رجاؤنا في الله أَن تكون الصحوة على مستوى الأحداث التي تحيط بالأمة الإسلامية. وأن تعلم أن الأمور لا تدرك بالأماني ولا تطلب بالتمني. |
|
|
وإنما هو الجد والكد والصدق والصبر والأخذ بالأسباب. |
|
|
ولقد وصف الله من يختارهم لنصره ومن يؤتيهم فضله {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} |
|
|
نسـأل الله أن يجعلنا منهم. |
|
|
ولم تخل من قوت يحل ويغرُبُ |
إذا ما كساك الله سربال صحة |
|
بمقدار ما يكسوهم الدهر
يسلب |
فلا تغبطن المترفين
فإنهم |
|
(ابن الرومي) |
|