طباعة

 توثيق النص

 

 

 

خصائص العمران في المدن الإسلامية

للدكتور عبد المنعم حسنين

أستاذ بالدراسات العليا بالجامعة ورئيس شعبة الدعوة بها

 

 

تمهيد

كان شروق شمس الإسلام نقطة تحول في تاريخ المسلمين بخاصة، وفي تاريخ البشرية بعامة، لمـا أحدثه من تغيير جذري في حياة المسلمين، وفي مظاهر حضارتهم، ثم ما أحدثه في الحضارة الإنسانية في القرون التي تلت ذلك الحدث العظيم، وهو تغيير ستظل آثاره باقية إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها.

وكانت هجرة خاتم الأنبياء والمرسلين- صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى يثرب بداية لقيام دولة المسلمين، بقيادة النبي الأمين في هذه المدينة الطيبة التي أصبحت القلب النابض في الدولة الإسلامية وصارت مركز إشعاع للدعوة الإسلامية، وسميت المدينة المنورة، وانتشرت منها أشعة شمس الإسلام، دين اللّه الحق، فاستضاء بنور الإسلام أَهل الأرض في كثير من أنحائها، فخرجوا من الظلمات إلى النور، وهدوا إلى سواء السبيل.

وكان من نتيجة ذلك التحول العظيم في مظاهر الحياة في المدينة المنورة، قاعدة الدولة الإِسلامية، بعد استقرار الرسول –صلى اللّه عليه وسلم- فيها، أَن أصبح للعمران في المدن الإسلامية بعد ذلك خصائص واضحة مميزة جديرة بأن يدرسها، ويهتم بها المشتغلون بتخطيط المدن، ويتبينوا آثارها في الحضارة الإسلامية.

وسأحاول في هذا البحث أن أبين أهم خصائص العمران في المدينة المنورة في عصر رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- وهي الخصائص التي ظهرت بوضوح في المدن الإسلامية الأخرى، بعد عصر الرسول في أنحاء العالم الإسلامي الكبير، حين اتسعت دولة الإسلام، وغلبت صبغته على مظاهر الحياة، عند كثير من شعوب العالم على اختلاف أماكن هذه الشعوب، وأجناسها وألوانها وألسنتها وبالله التوفيق.

 

أولا- المدينة قبل الإسلام:

كانت مدينة يثرب- التي تعد النموذج الأول والكامل للمدن الإسلامية- قبل الإسلام تقع في واحة خصيبة كثيرة العيون على الطريق التجاري بين اليمن والشام على بعد أكثر من أربعمائة كيلومتر من جهة الشمال من مكة المكرمة، وكانت تسكنها قبائل عربية قبل شروق شمس الإسلام.

وتفيد الأخبار التي وصلت إلى الدارسين أن قبائل العماليق سكنت مدينة يثرب واستقرت فيها، وهي قبائل تنتمي إلى العرب البائدة، وتدل الأخبار كذلك على حدوث هجرات يهودية إلى يثرب، وأن اليهود استطاعوا الانتصار على العماليق، مما مكنهم من النزول بيثرب والاستقرار فيها.

وقد ذكرت كتب التاريخ أن الهجرات اليهودية إلى يثرب حدثت منذ عصر نبي اللّه موسى عليه السلام، ثم تتابعت في أوقات الغزو البابلي لفلسطين، ثم في أثناء احتلال الرومان لبيت المقدس، وبطشهم باليهود، وتدميرهم لهيكل نبي الله سليمان عليه السلام.

ومن المسلم به بين الدارسين أن اليهود سكنوا يثرب قبل الإسلام، فكان عدد من القبائل اليهودية يعيش في يثرب في الوقت الذي أشرقت فيه شمس الإسلام، وحين هاجر رسول الإسلام -صلى اللّه عليه وسلم- إلى هذه المدينة وأسس فيها دولة الإسلام، فأصبحت تسمى المدينة المنورة وظهرت فيها الخصائص المميزة للمدن الإسلامية في شتى أنحاء العالم.

ومن القبائل اليهودية التي كانت تسكن يثرب -وقت ظهور الإسلام- بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، إلى جانب القبائل العربية الساكنة فيها، وكان أشهر هذه القبائل العربية الأوس والخزرج.

ومن المرجح أن اليهود سكنوا مدينة يثرب قبل أن يسكنها الأوس والخزرج، وأن اليهود كانوا يشتغلون بالزراعة ويملكون جزءاً من أراضي المدينة، ويقيمون الحصون والأطم ليحتموا بها، وليحفظوا بها حاصلاتهم الزراعية.

أما الأوس والخزرج فهم من قبائل الأزد اليمنية التي هاجرت من اليمن بعد تهدم سد مأرب واتجهت شمالاً، فأقام جزء منها في بادية العراق، وأقام جزء آخر في مكة، وواصل جزء ثالث منها سيره حتى بلغ بادية الشام فأقام فيها، ووصل جزء رابع إلى منطقة يثرب فأقام فيها، وكانت مضاربه بجوار اليهود، وكان الأوس والخزرج يشكلون أفراد ذلك الجزء الرابع من قبائل الأزد اليمنية الأصل، وكانوا يعرفون مدينة يثرب جيداً، لأنها تقع على الطريق التجاري بين اليمن والشام.

وكان اليهود ينظرون باستعلاء إلى الأوس والخزرج في بداية الأمر، ثم ما لبثوا أن حالفوهم، غير أن الأحوال تغيرت بعد ذلك، فقويت شوكة الأوس والخزرج، ورجحت كفتهم، بعد أن تغلبوا على اليهود، فأخذوا يملكون جزءاً من الأراضي الزراعية، ويبنون الحصون، فصارت لهم الكلمة العليا في المدينة وأخذ نفوذ اليهود في الضعف.

وتنافس الأوس والخزرج على السلطان، فظهر الشقاق بين صفوفهم، مما أدى إلى اشتعال نيران الحروب بين الطرفين، واستمرت هذه الحروب زمناً، وتبادل الطرفان النصر والهزيمة، واضطربت -في أثنائها- الأحوال في المدينة، فاستغل اليهود تمزق الصف العربي، وحالف بعضهم الأوس، بينما حالف بعضهم الآخر الخزرج، ليزيدوا الصف العربي تمزقاً وضعفاً، وليزيدوا الأحوال في المدينة اضطراباً، وظلت الأحوال مضطربة إلى وقت شروق شمس الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي.

وتفيد الأخبار المروية أن الصراع بين الأوس والخزرج ظل قائماً إلى وقت قريب من هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى مدينة يثرب، وأن يوم بعاث كان آخر مظاهر الصراع بين الطرفين، وكان ذلك قبل الهجرة النبوية بخمسة أعوام.

وكانت طبيعة مدينة يثرب الجغرافية تيسر الحياة فيها، حيث المياه وفيرة، والعيون كثيرة، والأرض خصبة، تجود فيها الزروع المختلفة، ويكثر فيها النخيل مما يجعل العيش فيها أكثر يسراً من العيش في مكة الشديدة الجفاف، لوجودها في واد غير ذي زرع، تحاصره الجبال، وتقل فيها المياه.

غير أن التكوين السكاني في مدينة يثرب قبل الإسلام لم يساعد على إيجاد تجانس بين سكانها الذين كانوا من اليهود والعرب، فلم يكن الوئام سائداً بين الطائفتين، كما أن العرب أنفسهم كانوا متخاصمين تكثر بينهم الحروب -كما ذكرنا- فانعدم الاستقرار في المدينة قبل الإسلام، وافتقدت التنظيم الإداري الصحيح الذي يجعل الطمأنينة تسود ربوعها، مما أثر في النواحي العمرانية فيها قبل هجرة الرسول –صلى اللّه عليه وسلم- إليها.

وهكذا أثر انعدام التجانس السكاني في المدينة قبل الهجرة النبوية في شكل العمران فيها، فكان سكانها يعيشون في وحدات منفصلة، وفي قبائل متنافرة تخشى كل منها الأخرى، وتبني الحصون لتحتمي بها إذا هوجمت، فلم تستطع المدينة قبل الإسلام منافسة مكة في التقدم والزعامة، برغم تيسر الحياة في المدينة لوجود الزراعة فيها، ووفرة المياه، لأن مكة كانت ذات تكوين سكاني يساعد على الاستقرار والتقدم، فكان أكثر سكانها من العرب تحب زعامة قريش، مما ساعد على تنظيم أمور الإدارة والحكم، كما ساعد وجود البيت الحرام بمكة على جعلها مهوى لنفوس العرب ومحل احترامهم جميعاً، مما أدى إلى نمو التجارة بهذه المدينة المقدسة، فقامت الأسواق فيها، للتعامل مع الوافدين إليها لزيارة الكعبة، فارتفع شأن مكة، وصارت لها الزعامة في شبه الجزيرة العربية بينما قل شأن مدينة يثرب لانعدام التجانس بين سكانها، وفقدانها التنظيم في الحكم والإدارة، وعدم وجود أماكن مقدسة فكانت لا تقوى على منافسة مكة في أهميتها وزعامتها.

وقد تغير هذا كله بعد هجرة الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة وتأسيس دولة الإسلام فيها، فأصبح للعمران فيها خصائص ظاهرة مميزة، وصارت هذه الخصائص واضحة في جميع المدن الإسلامية بعد عصر الرسول مما سنبينه فيما يلي:

 

ثانياً- المدينة بعد الإسلام:

كانت هجرة خاتم الأنبياء والمرسلين- صلوات الله وسلامه عليه- من مكة إلى مدينة يثرب أهم أحداث التاريخ الإِسلامي، لمـا كان لها من نتائج كثيرة في حياة المسلمين وتاريخهم ومظاهر حضارتهم بعامة، وفي المدينة وسائر المدن الإسلامية بخاصة، فقد ظهرت آثارها في التنظيم السكاني، وفي التنظيم العمراني، وفي جميع مظاهر الحياة بعد تأسيس الدولة الإسلامية في تلك المدينة المنورة.

فصارت مقراً لرسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- ومركزاً لإشعاع الإسلام، دين اللّه ودين الحق الذي يزهق أمامه كل باطل، دين التوحيد، الذي يدعو إلى عبادة إله واحد لا شريك له، ويحارب الشرك والوثنية، دين المساواة، الذي لا يفرق بين الناس جميعاً، على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم وأمكنتهم ولا يفضل عربياً على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى، لأن الناس جميعاً سواسية كأسنان المشط، فكلهم لآدم، وآدم من تراب، ولأنهم جميعاً مخلوقون من نفس واحدة كما قال اللّه الخالق سبحانه في أَول سورة النساء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} وقد جعل اللّه بحكمته الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا.

قال تعالى في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

وعلى هذا الأساس تبدو أهمية هجرة الرسول -صلى الله عدية وسلم- إلى المدينة واتخاذها قاعدة لدولة الإسلام، فقد أدى هذا الأمر إلى إيجاد تغيرات جوهرية في هذه المدينة بعد أن هاجر الرسول إليها وهاجرت معه فئة قليلة، أخرج أَفرادها من ديارهم وأموالهم، فراراً بدينهم الحق، فأصبح على هؤلاء المهاجرين أَن يدبروا أمر معاشهم، في مقرهم الجديد بالمدينة، بعد أن تركوا ما يملكون في مكة ولم يلبثوا أن ظفروا برعاية اللّه وتوفيقه فارتفع شأنهم، وأَصابوا توفيقاً لم يصيبوا مثله في مكة وصارت لهم الغلبة والعزة لاتباعهم ما جاء في كتاب الله الكريم، وهدي الرسول ذي الخّلق العظيم، صلوات الله وسلامه عليه.

وكان اليهود في المدينة قبل الهجرة قد أعلنوا ما وجدوه في التوراة والإنجيل دالاً على بعثة رسول جديد، يدعو إلى التوحيد، ويختم به الأنبياء والمرسلون لأن اليهود كانوا أهل كتاب، فكانوا على يقين من بعثة رسول الإسلام، أما الأوس والخزرج فكانوا وثنيين، وكان اليهود يعيرونهم بوثنيتهم، فلما بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودعا الناس إلى الدخول في الإسلام، حتى يسعدوا في الدنيا والآخرة، كان الأوس والخزرج الوثنيون أكثر استعدادا لتقبله من اليهود الذين أعماهم الحقد عن رؤية الحق وأصم آذانهم الكره فلم يستمعوا إلى نداء رسول الهدى بل ناصبوه العداء، وكان الأوس والخزرج في وقت شروق شمس الإسلام أصحاب الكلمة العليا في المدينة برغم تناحرهم، فكانت استجابتهم لنداء الحق ودخولهم في الإسلام من العوامل الميسرة للرسول وللذين آمنوا معه أَن يهاجروا إلى المدينة دون أن يخشوا عداوة اليهود لهم، وكان وصول الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- إلى المدينة، واتخاذها مقاماً ومقراً لدولة الإسلام إيذاناً ببدء تنظيم عمراني جديد ظهرت فيه صبغة الإسلام، وأصبحت له خصائص مميزة صارت واضحة ظاهرة في المـدن الإسلامية بعـد ذلك، وما زالت واضحـة ظاهرة إلى يومنـا هـذا.

وكان المسلمون على قلة عددهم -وقت الهجرة- أقوياء بإيمانهم بالله، وثقتهم في نصره، وفي أنهم سيهزمون أعداء الله مهما كثروا، بعد أَن باعوا أنفسهم وأموالهم للّه عز وجل وأصبحوا يتوقون إلى الظفر بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة وهكذا أخذ مجتمع المدينة بعد الهجرة النبوية يتشكل على أَساس جديد من العقيدة يختلف اختلافاً جوهرياً عن مجتمعها قبل الهجرة، الأمر الذي ظهرت آثاره بوضوح في العمران في هذه المدينة المنورة الطيبة في عصر الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- وقد أخذ الرسول الكريم بعد استقراره في المدينة يقيم دولة إسلامية تضم طوائف المدينة المختلفة دون تمييز بينها، فكان نظام الدولة من نوع جديد، لم يشهد له التاريخ مثيلا لأنه يقوم على أساس من الدين، الذي يقرر المساواة بين الناس جميعا ويكفل لهم حق الحياة الكريمة تحت ظله، ولا يكره أحداً على الدخول في الإسلام.

وهكذا طبقت الدولة الإسلامية منذ قيامها مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد الدولة على اختلاف أَجناسهم وألوانهم وعقائدهم، وأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ينظم الحياة في المدينة، وفقاً لمبادئ الإسلام القويمة. وكان سكان المدينة من الأوس والخزرج واليهود في حاجة إلى التوفيق بينهم، حتى تستقر الأحوال، ويختفي الاضطراب ويصفو الجو في المجتمع الجديد.

وكان نفر من الأوس والخزرج قد أسلموا قبل هجرة الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- إلى المدينة، ووصف الذين لقوا الرسول منهم قومهم بأنهم في حالة فرقة وشقاق، مما أورده ابن هشام في سيرته، وذكر أنهم قالوا للنبي: "فإن يجمعهم اللّه عليه- أي على الإسلام- فلا رجل أعز منك".

ثم جاء المهاجرون من مكة إلى المدينة، فانضافوا إلى سكانها من الأوس والخزرج واليهود، مما جعل المدينة في حاجة إلى تنظيم سكاني جديد، وتخطيط عمراني، يهيئ لدولة الإسلام السبيل إلى التقدم، لهداية الضالين إلى صراط الله المستقيم، وحمل نعمة الإسلام إلى العالمين.

وقد نظم الرسول الكريم -بتوفيق من رب العالميين- الحياة في المجتمع الجديد في المدينة المنورة، وثبت قواعد العمران فيها بعد أن أصبح -صلوات الله وسلامه عليه- الإمام والقائد يبلغ الوحي، ويغرس الثبات والصبر واليقين في قلوب المؤمنين وهو في الوقت نفسه ينظم الحياة في مجتمع الدولة الإسلامية ويحكم في كل خلاف يشجر بين أفراد هذا المجتمع، وييسر أسباب الحياة للمهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله، ونصرة لدين الحق الذي ارتضاه لعباده، وبعث به خاتم أنبيائه ورسله.

ومن الثابت أن المهاجرين استقبلوا استقبالاً حسناً من إخوانهم المسلمين في المدينة، غير أن إقامتهم واستقرارهم وتدبير معيشتهم، كانت من الأمور التي تحتاج إلى تنظيم في مدينة يشكل اليهود جزءاً من سكانها، ويضمرون للمسلمين الحقد والكره والشر، مما يجعل من المتوقع أن يظهر غدر اليهود بالمسلمين في وقت من الأوقات، ويدعو إلى أخذ الحيطة والحذر، كما أن الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- ترك وراءه في مكة عدواً لدوداً من المشركين المنكرين لدين اللّه الحق، وكان هذا العدو يتربص بالمسلمين الدوائر ويبيت في نفسه العدوان، فكانت حماية المسلمين في المدينة من عدوانه تحتاج إلى تثبيت الجبهة الداخلية في المدينة، وبنائها بناءً قوياً يستطيع الصمود في وجه الخطر الخارجي المتوقع.

وقد عالج الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- هذه الأمور جميعاً- بعد استقراره في المدينة- معالجة حكيمة، فنظم الحياة بين سكان المدينة تنظيماً يكفل لهم الاستقرار والتعاون فيما بينهم لصد الخطر الخارجي، وأرسى قواعد دولة إسلامية عظيمة لا مثيل لها في التاريخ، فأصبح للعمران في المدينة المنورة خصائص مميزة سنعرضها فيما يلي:

 

ثالثاً- خصائص العمران في المدينة:

نستطيع التعرف على خصائص العمران في المدينة المنورة في عصر الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- إذا درسنا أَعمال الرسول الكريم بعد هجرته واستقراره في المدينة، وإقامته دولة الإسلام فيها.

وكان مجتمع المدينة يتكون من طائفتين واضحتين بعد الهجرة النبوية، طائفة المسلمين وطائفة غير المسلمين، وكانت طائفة المسلمين تتكون من المهاجرين الذين هاجروا مع الرسول من مكة إلى المدينة، ومن الذين أسلموا من أَهل المدينة من الأوس والخزرج، ومن الذين أسلموا من اليهود وهم قلة.

أما طائفة غير المسلمين فكان أكثر أفرادها من اليهود ثم من الذين لم يسلموا من الأوس والخزرج.

وقد حرص الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- على توفير أسباب الحياة الآمنة المريحة لجميع سكان المدينة المنورة من مسلمين وغير مسلمين مع صبغ المجتمع بالصبغة الإسلامية، فجعل للعمران خصائص أهمها:

 

1- المسجد مركز تجمع المسلمين:

كان أول عمل قام به الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- بعد استقراره في المدينة بناء المسجد، ليكون مكاناً يجتمع فيه المسلمون، وكان هذا العمل من جانب الرسول دليلا على أن بناء المسجد هو أول سمة من سمات المدن الإسلامية، وأول شيء يجب أن يبنى فيها، فهو أول خصيصة من خصائص العمران في ظل الإسلام، ولذلك بدأ الرسول الإمام القائد -صلى اللّه عليه وسلم- به في المدينة المنورة حين صارت مقراً له، وقاعدة للدولة الإسلامية، وقد صار هذا العمل أهم خصائص العمران في المدن الإسلامية في أنحاء العالم المختلفة، فكان أول عمل يقوم به قائد المسلمين المجاهدين بعد النصر والفتح بناء مسجد في المدينة المفتوحة، وقد فعل المسلمون هذا في كل مدينة يسر اللّه لهم فتحها سواء في بلاد الفرس أو في بلاد الهند أو في أي مكان آخر من العالم، تمكن المجاهدون المسلمون بفضل اللّه من الوصول إليه، وكان المسجد مركز تجمع المسلمين في العبادات، وفي الدراسة والتعلم، وفي المعاملات، كما كان المسجد مركز إشعاع، يشع منه نور الإسلام في المنطقة التي أشرقت عليها شمس الدين الحنيف.

لقد كان ما فعله الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- بعد استقراره في المدينة المنورة بقليل سنة، اتبعها ولاة المسلمين وقادتهم بعد عصر الرسول الكريم، فقاموا ببناء المساجد في المدن الإسلامية وجعلوا بناء المسجد أول عمل يقومون به.

وكان المسجد هو المقر الذي اتخذه رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- في المدينة المنورة، وهو إمام المسلمين وقائدهم، لأنه المكان الذي تؤدى فيه جماعة المسلمين الصلوات والشعائر الدينية، وتتشاور فيه في شؤونها المختلفة، من حرب وسلم ومعاملات، وتستقبل فيه الوفود، فهو المكان الذي تتحد فيه القلوب، ويشعر فيه الجميع بأنهم في ضيافة الله سواسية لا فرق بين حاكم ومحكوم وغني وفقير وقوي وضعيف وعالم وجاهل، فالكل عبيد اللّه يرجون رحمته، ويخشون عقابه، ويدعونه ضارعين طالبين مغفرته ورضوانه، وهكذا تبدو أهمية البدء ببناء المسجد في المدينة الإسلامية وجعله الخصيصة الأولى من خصائص العمران في المدن الإسلامية.

 

2-إقامة ولي الأمر بجوار المسجد:

أما الخصيصة الثانية من خصائص العمران في المدن الإسلامية، فهي إقامة ولي الأمر بجوار المسجد، وقد فعل رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- هذا الأمر بعد استقراره في المدينة المنورة، فقد اتخذ مسكنه بجوار المسجد بعد بنائه، وكان صلوات اللّه وسلامه عليه يخرج من بيته إلى المسجد رأساً- كما ذكر ابن هشام في سيرته- فأصبح هذا الأمر تخطيطاً عمرانياً طبق في المدن الإسلامية بعد عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- اقتداءً به، وتطبيقا لسنته، فكان ولاة المسلمين يقومون ببناء المساجد أولاً ثم يبنون بيوتهم ودواوينهم بجوار المساجد، فكان مسكن الوالي في عاصمة ولايته بجوار المسجد.

وقد حقق هذا الأمر فائدة كبرى فقوى الصلة بين الراعي والرعية، ووثق الرابطة بين أفراد الجماعة الإسلامية، وزاد الألفة بينهم، فصار المؤمنون جسداً واحداً، يشعر كل عضو فيه بما يصيب العضو الآخر، وقوى بذلك بناء المجتمع الإسلامي، وأصبح مجتمعاً فريداً، لم يشهد له التاريخ مثيلاً في سمو الخلق، وصلة الرحم، وانتشار التراحم والتعاطف والود بين أفراد المجتمع بحيث يحب الواحد منهم لأخيه ما يحبه لنفسه، بل قد يؤثر أخاه على نفسه لأنه يراقب اللّه في كل أعماله، ويرجو بها ثواب الله ويخشى عقابه.

 

2- العقيدة تحدد مكان الإقامة:

والخصيصة الثالثة من خصائص العمران الإسلامية هي تحديد مكان الإقامة في المدينة الإسلامية على أساس العقيدة، وقد اتضح هذا الأمر منذ استقرار الرسول الكريم -صلى اللّه عليه وسلم- في المدينة المنورة، واتخاذها قاعدة لدولة الإسلام.

وكان المسلمون في المدينة يتكونون من المهاجرين الوافدين مع رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم - ومن الذين أسلموا من سكان المدينة الأصليين من الأوس والخزرج وبعض اليهود وهم الذين سموا الأنصار، لأنهم هم الذين آووا المهاجرين من مكة ونصروهم.، بعد أن تركوا ديارهم وأموالهم وأصبحوا في حاجة إلى ضمان معيشتهم في المدينة المنورة.

وقد أحسن المسلمون من سكان المدينة الأصليين استقبال إخوانهم المهاجرين وأعطوهم شيئاً من المـال، كما سمحوا لهم بالتجارة والزراعة، فعمل بعض المهاجرين في مزارع إخوانهم الأنصار مزارعة، واستطاع المهاجرون بذلك أن ينظموا أمور معيشتهم.

وهكذا أصبحت العقيدة هي الأساس الذي قام عليه التنظيم العمرانـي في المدينة المنورة في عصر الرسول – صلى اللّه عليه وسلم – وصار مبدأ الأخوة الإسلامية هو السائد في المجتمع الإسلامي وهو المبدأ الذي قرره اللّه جل وعلا في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وقرره الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- في قوله "المسلم أخو المسلم" وبهذا أصبحت رابطة العقيدة أقوى من رابطة الدم، لأن لحمة الدم فشلت – قبل الإسلام في التأليف بين قلـوب سكان المدينة الأصليين - كما ذكرنا - فأحل الإسلام محلها رابطة العقيدة، وجعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه الرابطة خصيصة من خصائص التنظيم العمرانـي في قاعدة دولة الإسلام، ثم أصبحت خصيصة من خصائص العمران في المدن الإسلامية بعد عصر الرسول.

وكانت رابطة العقيدة هي التي أصلح بها الرسول - صلى اللّه عليه وسلم – بين الأوس والخزرج، وجمعهم في اسم واحد هو الأنصار، فبعدت عنهم روح العصبية، وتآلفوا لنصرة دين الله الحق الذي أنعم اللّه به عليهم، وصار ذلك الاسم علماً عليهم، فعرفوا جميعاً به.

كما ألف الرسول الكريم - صلى اللّه عليه وسلم - برابطة العقيدة بين المهاجرين والأنصار، وجعل المؤاخاة هي الأساس الذي يبنى عليه التآلف، فجعل كل رجل من المهاجرين يؤاخـي رجلاً من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين، تربط بينهما المؤاخاة برباط كرباط الدم.

وقد حققت المؤاخاة الهدف المنشود، فألفت بين قلوب المسلمين جميعاً في المدينة المنورة من مهاجرين وأنصار، فكان رباط العقيدة أقوى أسس التنظيم العمرانـي في المدن الإسلامية في مختلف العصور.

 

4- تنظيم العمران والحياة وفقاً لدستور:

وكانت الخصيصة الرابعة من خصائص العمران في المدن الإسلامية تنظيم العمران والحياة على أسس قويمة وفقاً لدستور، يستمد مبادئه من كتاب الله جل وعلا، ومن هدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما حدث في المدينة المنورة، بعد الهجرة النبوية، واستقرار المسلمين فيها، واتخاذها قاعدة لدولة الإسلام فقد آخى الرسول الكريم - صلى اللّه عليه وسلم - بين المسلمين على اختلاف قبائلهم ثم حدد العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين من سكان المدينة المنورة من ناحية، وبين سكان المدينة من مسلمين وغير مسلمين وسكان شبه الجزيرة العربية خارج المدينة المنورة من ناحية أخرى، وكتب الرسول - صلى الله عليه وسلم- صحيفة لتحديد هذه العلاقات وتوضيحها وتنظيم العمران والحياة، في قاعدة دولة الإسلام، ثم في المدن الإسلامية بعد ذلك.

وكانت هذه الصحيفة دستوراً مكتوباً، يقوم على أساس من العلم بأحوال الناس والفهم الدقيق لظروفهم، ويقرر العلاج الناجع لاستمرار حياتهم واستقرارها.

وقد كتبت الصحيفة بعد استقرار الرسول صلى اللّه عليه وسلم في المدينة المنورة وحدد الرسول الكريم فيها العلاقات بين سكان المدينة من المهاجرين والأنصار واليهود، وبينهم وبين الذين يحيطون بهم من سكان العالم حينذاك، وكانت كتابتها بعد العام الأول من الهجرة النبوية، أي بعد إقامة الدولة الإسلامية فأصبحت من الوثائق ذات الأهمية البالغة، اللازمة لفهم الأحداث التي وقعت بعد كتابتها، ولتوضيح خصائص العمران في المدينة المنورة في عصر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم- وفي المدن الإسلامية جميعها بعد ذلك.

أما سكان المدينة المنورة في عصر الرسول الكريم فكانوا طائفتين طائفة المسلمين الذين دخلوا في دين اللّه الحق واستجابوا لدعوة الرسول- صلى اللّه عليه وسلم- من المهاجرين والأنصار الذين ربطت كلمة التوحيد بين قلوبهم فصاروا يكونون أمة الإسلام، التي تحمل أَمانة الدعوة إلى دين اللّه الحق، وتجاهد في الله حق جهاده، حتـى تصير كلمة اللّه هي العليا فتنتشر أشعة شمس الإسلام في أرجاء العالم المختلفة، وقد حددت الصحيفة الصلات بين المسلم وأخيه المسلم والعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين من سكان المدينة الذين هم أَفراد الطائفة الثانية، وبينت الحقوق والواجبات بالنسبة للجميع.

وقد أورد ابن إسحاق في سيرته نص هذه الصحيفة، وسجل هذه الوثيقة القيمة المنظمة للعمران والحياة في المدينة فهي تكفل للسكان من غير المسلمين- وأكثرهم من اليهود- حقوقهم وتبين ما عليهم من واجبات، فقد وادع الرسول الكريم في تلك الصحيفة اليهود وأقرهم على دينهم وأموالهم كما جعل عليهم الاشتراك مع المسلمين في مواجهة الظروف الإقتصادية الصعبة إذا وجدت، وفي صد العدو الخارجي إذا هاجم المدينة، غير أن اليهود غدروا وتآمروا على الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- وعلى جماعة المسلمين، فكان إخراجهم من المدينة في عصر الرسول الكريم جزاءً وفاقاً لهم، وكان لهذا الأمر أثره في المدينة المنورة منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا.

وكانت نصوص الصحيفة مستمدة مما جاء في القرآن الكريم، فنصت على أن المسلمين أمة واحدة، وأن هذه الأمة خير أَمة أخرجت للناس، لقول اللّه تعالى في سورة آل عمران: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه}.

وحثت الصحيفة المسلمين على التراحم والتعاون بينهم مصداقاً لقول اللّه عز وجل في سورة الأنفال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض}.

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} كما دعت الصحيفة إلى مراعاة حقوق القربى والصحبة والجوار تطبيقاً لقول اللّه سبحانه في سورة النساء: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ..}.

ودعت الصحيفة كذلك إلى التمسك برباط الولاء ومراعاة حقوق الموالاة، امتثالاً لأمر الله عز وجل في سورة النساء: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً}.

كما دعت إلى مراقبة الله في كل عمل، لأن الإنسان سيحاسب على الصغيرة والكبيرة، كما قال الله عز وجل في سورة الزلزلة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} ولا يخفى ما لهذا من أثر في الحياة والعمران.

ودعت الصحيفة كذلك إلى ترك عادات الجاهلية، ورد الأمور إلى الله ورسوله والإلتزام بحكم اللّه ورسوله في كل أمر، امتثالاً لأمر اللّه سبحانه في قوله في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.

وهكذا قام المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة – التي أسست فيها دولة الإسلام- على أسس ثابتة من تقوى اللّه، ومن المبادئ القويمة التي جاء بها الإسلام في كتاب اللّه الكريم.

وفي قول الرسول وعمله، وكان لهذأ أثر واضح في طبيعة العمران وخصائصه في المدينة المنورة، وفي سائر المدن الإسلامية في عصور قوة المسلمين، والتزامهم بمبادئ دينهم الحق القويم.

وواضح أن خصائص العمران في ظل الإسلام، قد تغيرت تغيراً جوهرياً عن خصائصه قبل الإسلام، فقد جعل الإسلام المسلمين جميعا أمة واحدة يتساوى أفرادها في الحقوق والواجبات، و بذلك أصبح الإسلام يجب ما قبله، وصار الشعار والدثار لسائر المسلمين.

وكانت أمة الإسلام في المدينة المنورة أمة فاضلة، تراقب الله في أعمالها فلا تبدأ بالعدوان، بل تحب السلام، وتحمي الجار وتنصر المظلوم، وتلتزم بالعهد، وتفي بالوعد، وكانت تضم المسلمين وغير المسلمين الذين أدمجوا في الأمة بنص صريح في الصحيفة، وكان المسلمون بقيادة الرسول- صلى اللّه عليه وسلم- هم قلب هذه الأمة النابض بالحياة والحركة وكانت الأمة تزداد قوة، كلما أزداد الدين انتشاراً.

وقد حرصت الأمة الإسلامية على استقرار الحياة والعمران في المدينة المنورة، ومنع نشوب الحروب الداخلية، وأوجبت تحكيم الرسول في كل ما يشجر من خلاف، والتسليم بما يقضى به، وتطبيق مبدأ العقاب بالمثل فالنفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص تنفيذاً لأمر الله عز وجل الذي جاء في سورة المائدة، مما ساعد على أستتاب الأمن والسلام في منطقة المدينة المنورة.

كما أوجبت الصحيفة على أهل المدينة جميعاً أن يتحدوا لصد أي عدوان يتهدد المدينة من خارجها، فتكامل بذلك نظام الأمة، وصارت الهجرة إلى المدينة شرطاً للحصول على رعاية الدولة الإسلامية، تطبيقاً لقول اللّه تعالى في سورة الأنفال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}.

 

5- حماية المدينة من الغزو الخارجي والتمرد الداخلي:

أما الخصيصة الخامسة من خصائص العمران في المدن الإسلامية فهي حمايتها من الغزو الخارجي والتمرد الداخلي. وقد ظهرت هذه الخصيصة في الدولة الإسلامية منذ قيامها في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أن وجدت فيها أداة للحكم وضم إليها ما حولها من القبائل ومن المناطق الزراعية التي تمدها بالمؤن، فقد وجـه الرسول – صلى الله عليه وسلم- سرايا عديدة من المدينة إلى ما حولها، وكانت السرايا حملات حربية صغيرة تهدف إلى تأمين الحدود واستكشاف ما حول المدينة، ورد أي عدو مجاور، وكان عدد هذه السرايا ثماني سرايا، أرسلت قبل غزوة بدر، وقاد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بعضها بنفسه، وقاد أَصحابه البعض الآخر.

وكان من نتيجتها عقد أحلاف مع القبائل المجاورة، لتأمين المدينة من غارات البدو عليها ومنع أي غزو خارجي عنها، حتى تستقر الحياة والعمران فيها، فتقوى الجبهة الداخلية على صد أي هجوم يأتـي من خارج المدينة وبخاصة من جانب قريش التي منعت السرايا مرور تجارتها في أراضي الدولة الإسلامية، وأَظهرت أن حدود الدولة محروسة كما أصلح الرسول في تلك الأثناء بين الأوس والخزرج حين دب النزاع بينهم بتحريض من اليهود، حتى يكون الإخاء والتماسك بين المسلمين عوناً لهم على الانتصار على أعدائهم في الدين.

وهكذا قام العمران في المدينة المنورة ثم في سائر المدن الإسلامية على مبادئ قويمة من الأخوة في الدين والسلام بين المقيمين داخل حدود دولة المسلمين، والضرب على أيدي الخائنين والمعتدين، ونشر الدين بالإقناع لا بالإكراه، والجهاد في سبيل اللّه للدفاع عن دينه الحق ولإعزاز أَمة الإسلام التي جعلها اللّه خير أمة أخرجت للناس حتى تواصل حمل نعمة الإسلام - التي أنعم اللّه بها عليها- لإيصالها إلى الحيارى الضالين من أفراد البشر في سائر أنحاء العالم، أداء لزكاة النعمة التي أنعم الله بها على هؤلاء المؤمنين.

 

خاتمة:

هذه دراسة سريعة موجزة لخصائص العمران في المدينة المنورة في عصر رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- وهي القاعدة الأولى لدولة الإسلام ومركز الإشعاع الذي انتشرت منه أَشعة شمس الإسلام إلى أرجاء العالم المختلفة فهدت شعوباً كثيرة إلى صراط اللّه المستقيم ودخل الناس في دين الله الحق على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم فنعموا بنعمة الإسلام، الذي لا يقبل من أَحد دين غيره لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

ونستطيع من هذه الدراسة أن نتبين أَبرز خصائص العمران في المدن الإسلامية على مر العصور وهي خمس خصائص:

أولها: بناء المسجد وجعله مركزاً للحياة الإسلامية، تؤدى فيه الصلوات والشعائر الدينية، ويتلقى فيه المسلمون العلم، ويتدارسون أمورهم.

وثانيها: إقامة ولي الأمر بجوار المسجد وبناء بيوت الولاة ودواوينهم حوله لتقوية الرابطة بين الراعي والرعية ومراقبتهم جميعاً للّه في كل عمل.

وثالثها: إقامة التنظيم العمراني على أساس العقيدة، والتأليف بين المسلمـين جميعاً على هذا الأساس، وإزالة الفوارق بينهم بالمؤاخاة بينهم لإبعاد روح العصبية والإتحاد صفاً واحداً لنصرة دين اللّه الحق..

ورابعها: تنظيم الحياة وفقاً لدستور يحدد العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين من سكان دولة الإسلام وبين هؤلاء السكان وبين جيرانهم خارج حدود الدولة على أن يكون هذا الدستور مكتوبا ومستمداً من كتاب اللّه، وعمل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وإخراج الخائنين للعهد من بلاد المسلمين.

وخامسها: حماية بلاد المسلمين من التمرد الداخلي والغزو الخارجي بالإصلاح بين المتنازعين، وقتال المعتدين، والجهاد في سبيل الله، لنصرة دينه الحق، ونشره في الآفاق.

وإن أَوضح دليل على التمسك بمبادئ الإسلام هو الحفاظ على هذه الخصائص في المدن الإسلامية، بحيث تظهر في تخطيطها وتنظيمها وتبقى واضحة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

 

حينما كان الزمام إسلاميا

الإسلام دين حضاري، نشر الحضـارة والإيمـان في صالح الإنسان أينما كـان.

إن الغرب استعمل العلم من أجل استغلال الإنسان.. واخترع السلاح ليفتك بالشعوب.. وتطور التكنولوجيا كان للسيطرة على مقدرات الإنسان. أي أنه تطور في كل شـيء بهدف تحطيم العالم وقد فقد إنسانيته نهائيا.. في حين أن الإسلام هو الآخر تطور في أحقاب طويلة من الزمن وكان العلم بيد المسلمين والطب بيد المسلمين والقوة بيد المسلمين.. فماذا حدث؟. لا شيء إلا ما هو في صالح الإنسان وإنسانية الإنسان.

الفيلسوف الفرنسي روجي جارودي