|
|
|
|
|
دراسات في
أصول الفقه |
|
إرساء أصل للاجتهاد في عهد النبوة |
|
للدكتور علي أحمد محمد بابكر |
|
أستاذ مساعد بكلية الشريعة |
|
|
|
|
|
|
|
في حياة الرسول صلى الله عديه وسلم أقر مبدأ الاجتهاد الذي تندرج تحته الأصول الاجتهادية المتعددة، هذا المبدأ أقره القرآن وأقرته السنة ثم تبعهما بعد ذلك إجماع الصحابة رضوان اللّه عنهم في إقراره. فأمر الاجتهاد لم يكن أمراً مستحدثاً ابتدعته عقول الفقهاء، وإن كانوا قد بينوه وفصّلوا قواعده ومهدوا طريقه ودونوه في الكتب كعلم له معالمه وحدوده. |
|
فالرسالة السماوية التي اشتمل عليها القرآن والسنة، والتي هي لصلاح الناس كافَّة كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (سـبأ:28) |
|
هذه الرسالة لابد وأن تشتمل على المبادئ والأسس التي عليها صلاح الناس في كل الأزمنة وكل الأمكنة. |
|
وبما أن أحداث الحياة كثيرة ومتنوعة ومتجددة فلا بد من وضع مبادئ تستوعبها. فالنص على جزئيات حياة الإنسان في كل الأزمنة والأمكنة، في كتاب اللّه وسنة رسوله - وإن كان ممكناً من جهة الشارع- فإنه يصعب بل يستحيل استيعابه على الناس إن نص الشارع عليه، فالأجيال الحاضرة لا تستطيع استيعاب ما يستجد في مقبل الأيام مما لا يعنيها في حياتها لأنه لم يظهر في زمانها، كما وأن الأجيال التي مضت ربما يصعب عليها استيعاب كثير مما استجد في الأزمان التي تلتها. ولا يخفى أن الفائدة تقل إن لم تنعدم في اشتغال الناس بأمور وتفصيلات لا تعنيهم ولا تفيدهم، وكذلك لا تخفى صعوبة تكليف الناس بإدراك تفصيلات حالات أفراد البشر وأسمائهم وما يتعلق بتصرفاتهم كلها من أحكام على سبيل التفصيل لا على سبيل الإجمال، إذا شاء اللّه أن ينص عليها جميعها. |
|
من أجل ذلك وضع الشارع عن طريق الوحي السماوي أسس ومبادئ وحدود الاجتهاد العقلي المستند على النصوص وروح الشريعة ليستنبط علماء الأمة أحكاماً شرعية للأحوال المستجدة في الأزمان المختلفة، تلك الأحوال التي لم ينص عليها رحمة بالناس ولطفاً. |
|
وبتقريرنا أن القرآن والسنة قد وضعا أسس الاجتهاد العقلي وحدوده فإنه يصبح لا مجال لاستحداث أصول جديدة للفقه كما يتوهم البعض- فأصول الفقه كلها قد وضعت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعن طريق الوحي- أما الاختلاف الذي وقع بين الأصوليين حول بعض وجوه الاجتهاد العقلي فقد وقع حول مدى احترام هذا الاجتهاد بعد تطبيقه على أفراد الحوادث، ومدى الإلتزام به بالنظر للجهة التي طبقت هذا المبدأ. وأيضا وقع ذلك الخلاف بين الأصوليين حول تسميات بعض وجوه الاجتهاد وما تشمله تلك التسميات كذلك وقع بعض الاختلاف عندما أَراد بعض الحائدين عن الجادة أن يتجاوزوا بالاجتهاد حدوده الشرعية، فوقع مع هؤلاء حوار ونقاش. |
|
فلا يستطيع قائل أن يقول: بأن التفكير العقلي المجرد من اعتبار القرآن والسنة يمكن أن يكون أصلاً من أصول الشريعة. ولا يستطيع أخر أن يقول: إن رأي الشعب- أي عامة الناس ممن يجهلون الشريعة- يمكن أن يعتبر أصلاً من أصول الشريعة. اللهم إلا إذا كانت شريعة أرضية وضعية وليست شريعة سماوية، فلا ينبغي أن يؤخذ بقول الذين يدركون أطرافاً من الشريعة ثم يجهرون بأقوال دون الشريعة وأصولها هي في واقع الأمر أقوال تخرج عن دوافع المسلم الحادب على نقاء شريعة الإسلام من غير خلط لها بأخلاط القصور عن فهمها وفهم أسسها وقواعدها، أو خلط لها بأخلاط التقُّرب من الملل الأخرى التي تهدف لتذويب الإسلام وشريعته بين تضارب القوانين الوضعية. |
|
|
|
دليل إرساء أسس الاجتهاد العقلي منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم: |
|
فيما- يلي نورد بعضاً من الأدلة على أن الاجتهاد العقلي في الشريعة قد أقر مبدؤه وأرسيت قواعده وتبيَّنت حدوده واتضحت صورته في حياة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعن طريق الوحي وحده. وأنه لا زيادة على ما ثبت في عهد النبوة في أمر الاجتهاد. والأدلة التي سنوردها ستكون من القرآن الكريم ومن السنة النبوية. ثم نردف ذلك ببيان موافقة دليل العقل لذلك، ثم موافقة إجماع الصحابة بعد عهد النبوة على العمل بأصل الاجتهاد الذي ثبتت مشروعيته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
|
|
|
دليل القران الكريم: |
|
يقول سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (سورة النساء 59). ويقول تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً} (النساء:83) |
|
هاتان الآيتان من سورة النساء هما من أوضح الأدلة من القرآن الكريم في هذا المقام، وإن كان العلماء قد أوردوا آيات أخر للاستدلال على مشروعية الاجتهاد العقلي في شريعة الإسلام، لكن نكتفي بهاتين الآيتين لما أشرنا من وضوحهما في الدلالة ولتطابق بقية الآيـات معهما فيما قصد الاستدلال بهما عليه. |
|
ونورد فيما يلي نقاطا مستخلصة من هاتين الآيتين نخلص منها إلى بيان وجه الاستدلال: |
|
أولا: يؤخذ من هاتين الآيتين أن المؤمنين مأمورون- في كشف تصرفاتهم- بطاعة الله تعالى بأن يتبعوا الأحكام المنزلة في كتابه الكريم، ومأمورون بطاعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يتبعوا ما جاء في سنته المطهرة، ثم إنهم مأمورون أيضا باتباع أولي الأمر من المؤمنين مادام أولو الأمر يستمدون آرائهم وتوجيهاتهم وتصرفاتهم من الكتاب والسنة. |
|
ثانيا: أن معنى أولي الأمر من المؤمنين يشمل أهل العلم والفقه في الدين وولاة المسلمين ما أطاعوا اللّه في الناس واتبعوا شريعته عن علم وورع. |
|
وممن قال بأن المراد أهل العلم والفقه في الدين: جابر بن عبد اللّه ومجاهد وعطاء ومالك والضحاك وابن كيسان وغيرهم. |
|
وممن قـال بأن المراد بأولي الأمر الولاة أبو هريرة وعلماء آخرون[1]. |
|
ثالثا: أن الأمر برد الأمور المتنازع فيها إلى اللّه تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم هو أمر للمسلمين جميعا على مر العصور وليس أمرا خـاصا بالمسلمين في حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فحسب، وهذا يعني مشروعية الاجتهاد العقلي لرد الأمور المختلف فيها والتي لا نص فيها إلى القرآن والسنة بمعنى أن يحكم فيها بما يتفق مع الأهداف التي قررها المصدران. و ليس المقصود بالرد استخدام الأحكام المنصوصة، لأن الأحَكام المنصوصة قد سبق الأمر بتطبيقها في قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول} و بعد تطبيق النصوص إذا واجه الناس أمر غير منصوص على حكمه وتنازعوا عليه فعليهم رده على النصوص بقياسه عليها والحكم عليه بما يتفق مع مبادئ وأهداف الشريعة وإذا فسرنا المأمور به بأن يتبع الناس الأحكام المنصوص عليها لكان هنالك تكرار في الآية الأولى، حـيث أن الأمر بطاعة اللّه وَرسوله- كما أشرنا- هو أمر باتباع نصوص القرآن والسنة فلو كان الرد أيضا باتباع نصوص القرآن والسنة لا القياس عليها لكان الأمر مكررا بصورة لا تستقيم مع بيان القرآن الكريم[2]. |
|
ويؤيد هذا المعنى ما جـاء في الآية الثانية: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} و الاستنباط هو استخراج الحكم و بيانه بعد أن لم يكن موجوداً، والنصوص عليه موجود أصلا ولا يحتاج إلى استنباط أما غير المنصوص فهو الذي يـحتاج إلى الاستنباط والقياس على ما نص عليه. |
|
رابعا: أن الاجتهاد العقلي في الأحـكام الشرعية مقصور على العلماء (الذين يستنبطونه) فيجب أن لا يمارسه الذين يجهلون الشريعة، وقد شنع بنفسه من قال: إن رأي الشعب يكون أصلا، من أصول الشرع ولعلنا نعقد فصلا خـاصا بهذه المسألة. |
|
خامسا: أن هنالك صفات وشروطا خاصة يجب أن تتوفر في العلماء الذين يقومون باستنباط الأحكام. لذلك لم يقل القرآن الكريم (لعلمه العلماء) ولكن قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} وهذا يعني الذين يـجوز لهم الاستنباط هم أصحاب علم دقيق بالشريعة، ولقد لخص علماء الأصول هذه الصفات والشروط الخـاصة، وسنذكرها في مكانها إن شاء الله مبينين مواطن الإتفاق والاختلاف فيها. |
|
فليس أمر الاجتهاد سهلا يخوضه من شاء من غير تسلح بأدواته ولا استعداد ببلوغ درجته. وإن كان الأمر في قوله تعالى (فـردوه) شامل لكل المكَلفين إلا أن الرد لابد من أن يكون عن طريق العلماء الذين تتوفر فيهم المعرفة الكافية بالشرع وتفصيلاته ومبادئه وأهدافه. وقد بينت هذا المعنى بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما بين ذلك تطبيق الصحابة رضي اللّه عنهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
|
والخلاصة أن هاتين الآيتين وأمثالهما من الآيات تدل على وجوب رد الأمور المتنازع فيها مما لم يرد في فيه نص إلى نصوص القرآن والسنة. وذلك الرد يكون عن طريق الاجتهاد العقلي بقياس ما لا نص فيه على ما ورد فيه نص، إما على حالات معينة مخصوصة أو على روح الشريعة التي بينتها النصوص. وبذلك تتعدد وجوه الاجتهاد وتتعدد تسميات هذه الوجوه من قياس ومصالحِ.. الخ، وهذا العمل الاجتهادي لا يقوم به إلا العلماء من ذوي المستويات العلمية الخاصة. ثم على عامة المسلمين أن يرجعوا في أمورهم إلى علمائهم الثقات. |
|
ولقد كان لبعض علماء الأصول رأي آخر في الاستدلال بهذه النصوص القرآنية الكريمة على جواز الاجتهاد العقلي في الشرع، ويتلخص هذا الرأي في أن هذه النصوص القرآنية التي أوردناها وأمثالها مما أورده بعض علماء الأصول للاستدلال في هذا المقام لا تدل دلالة صريحة قاطعة على هذا المعنى. وكذلك رأوا أن الأحاديث النبوية المروية في هذا المقام - والتي سنورد بعضا منها في الفقرات التالية- هي أحاديث آحاد وأنها معارضة بأحاديث أخرى تمنع الاجتهاد العقلي وعليه فدلالتها على جواز الاجتهاد في الشريعة ليست قاطعة، لذلك لجأوا إلى اعتماد إجماع الصحابة وحده ليدل على جواز الاجتهاد العقلي في الشريعة، ذلك أن الصحابة رضي اللّه عنهم اعتمدوا على مستندات كثيرة، منها ما اندرس ولم ينقل إلينا اكتفاء بما علموه ضرورة، ومنها ما نقل ولكنه كان نقل آحاد، ومنها ما نقل تواتراً لكن ألفاظه تحتمل التأويل، ومنها قرائن أحوال يصعب وصفها ونقلها فلم تنقل إلينا، فكان تطبيقهم الاجماعي للاجتهاد دليلا قاطعا في جوازه[3]. |
|
|
|
دليل السنة على إرساء أصول الاجتهاد في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: |
|
لقد رويت أحاديث عديدة أوردها علماء الأصول لإثبات أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجه الصحابة رضوان اللّه عنهم أن يجتهدوا رأيهم متى لم يجدوا نصا من قرآن أو سنة يوضح حكم الحادثة. وأنه صلى الله عليه وسلم ذكر تعليلات لأحكام شرعية عديدة مشيرا بذلك إلى أن أحكام الشريعة تشتمل على علل وحكم (جمع حكمة) هي بواعث التشريع وأهدافه. فما انكشف للعقل من تلك البواعث يمكن أن تقاس عليه الحالات التي لم ترد فيها نصوص. وفيما يلي نورد بعضا من تلك الشواهد السنية، ثم نبين وجوه دلالاتها، ونبدي الملاحظات المتعلقة بها. |
|
أولاً: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل حين بعثه قاضيا على اليمن: "بم تحكم؟" قال: بكتاب الله. قال "فإن لم تجد؟" قال: فبسنة رسول اللّه قال: "فإن لم تجد؟" قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "الحمد للّه الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي اللّه ورسوله". |
|
ثانيا: روي أن رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) قال لابن مسعود: "اقض بالكتاب والسنة إذا وجدتهما فإن لم تجد الحكم فيهما أجتهد رأيك". |
|
ثالثاً: روي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) تعليله لأحكام عديدة. وهذا التعليل يشير إلى أن بعض الأحكام معقول المعنى من أجل فهم مقاصد الشرع والاسترشاد بذلك لإيجاد أحكام للحالات التي لم ترد فيها نصوص. |
|
ومما ورد فيه تعليل رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) للحكم إباحته (صلى اللّه عليه وسلم) ادخار لحوم الأضاحي بعد أن كـان قد نهى عن ذلك فقال: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحـي لأجل الدافة فادخروها". |
|
وهناك نصوص كثيرة وردت من السنة تدل على إباحة استعمال العقل أو الرأي في الشريعة لاستنباط الأحكام عندما لا يوجد نص يحدد حكم الحالة المعنية. |
|
ولا يقدح في دلالة هذه النصوص السنيَّة أن نصوصا سنيَّة أخرى عارضتها في ظاهرها حيث جاءت تمنع استعمال الرأي في الشرع، فالتوفيق بين النصوص المبيحة لاستعمال الرأي والمانعة لاستعماله ممكن بحيث تقبل جميع هذه النصوص المبيحة والمانعة، هذا إذا لم نتعرض لتضعيف بعضها. |
|
وجملة الملاحظات التي يمكن أن نبديها حول هذه النصوص السنيّة المجيزة لاستعمال العقل في الشرع تنحصر فيما يلي: |
|
أولاً: أن ما أوردناه من شواهد من السنة النبوية وإن كانت من أخبار الآحاد إلا أنها تضافرت كثير من الشواهد الأخرى من السنة فأكدت تجويز السنة استعمال الرأي في الشريعة عند الضرورة، أي عند عدم وجود النص في الحادثة وقد تلقى أكثر العلماء هذه الأحاديث بالقبول واستشهدوا بها في هذا المقام. |
|
ثانياً: الأحاديث التي أوردها المعارضون لاستعمال الرأي في الشريعة- على افتراض صحتها- لا تنهض دليلا على منع استعمال الرأي في الشريعة، وذلك أن هذه الأحاديث وردت في ذم استعمال الرأي القائم على الهوى أو المعارض للنصوص أو القائم على الجهل. وهذا النوع من الرأي مرفوض عند الجميع، فالذين جوزوا استعمال الرأي في الشرع لم يجوزوه على إطلاقه بل جوزوه بقيود حيث لا نص ولا تعارض مع النص ولا هوى ولا جهل هذا بجانب وجود الضرورة الداعية لإيجاد الحكم. |
|
ثالثاً: هذه الأحاديث النبوية التي أوردناها وما ورد في معناها تجيز استعمال الرأي بوجوهه المختلفة المشروعة التي تعرض لبيانها علماء الأصول في كتبهم من قياس ومصالح وغيرها. |
|
ونحن لا نرى ما يرى بعض العلماء من أن الأولى عدم الاستدلال بهذه الأحاديث على جواز الرأي طالما أنها معارضة بأحاديث أخرى تنهي عن استعمال الرأي في الشرع، بحجة أن جميعها أخبار آحاد ولا يمكن ترجيح طرف على الآخر. فكما أوضحنا في السطور السابقة فإن التوفيق بين النوعين من الأحاديث ممكن، فلا معنى لاطراحها وترك الاستدلال بها. |
|
لا يتعارض الاجتهاد مع تمام الدين وشمول الكتاب: |
|
بحث المعارضون للاجتهاد في الشريعة عن كل دليل نصيّ أو عقلي للبرهنة على صحة قولهم، ولقد أشرنا إلى ما أوردوه من نصوص السنة المعارضة وأوضحنا كيفية التوفيق بينها وبين النصوص المجيزة. |
|
ونود هنا أن نتحدث عن بعض الآيات التي أوردها المعارضون للاجتهاد لدعم رأيهم، فمن هذه الآيات التي أوردوها[4] والتي تعتبر من أقوى استدلالاتهم القرآنية قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً} (المائدة:3) وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: من الآية89) |
|
أما الآية الأولى، وهي آية المائدة، ففي تاريخ نزولها قولان: |
|
القول الأول: أنها آخر آية نزلت من القرآن الكريم. وعلى هذا القول فكمال الدين يعني ورود تمام مبادئه في الكتاب والسنة- والكتاب والسنة قد اشتملا على جواز الاجتهاد العقلي. فلا تناقض بين هذا المعنى وجواز الاجتهاد في الشرع. |
|
القول الثاني: في تاريخ نزول الآية هو: أنها لم تكن آخر آية نزلت من القرآن، بل نزلت بعدها آيات وشرعت أحكام مثل آيات الكلالة والربا[5]. وعلى هذا القول فإن كمال الدين قطعاً لا يعنـي ورود كل تفاصيل الدين في القرآن والسنة بدليل ورود أحكام بعد نزول تلك الآية. وعليه فتفسير الآية هو أن كمال الدين يعني نزول معظم الأحكام الشرعية التفصيلية ونزول أصول الأحكام ومبادئها- حتى إذا نزلت أحكام بعد ذلك تكون مبنيّة على تلك الأصول. |
|
فعلى كلا الرأيين في تاريخ نزول الآية فإن المقصود من كمال الدين هو تضمن القرآن والسنة لأصول الشرع ومبادئه ودلالتهما على جواز الاجتهاد العقلي في ميدان الشرع، وتوجيههما لوسائل الاجتهاد وشروطه. |
|
أما الآية الثانية وهي آية النحل وهي قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} فإن هذه الآية والآيات الأخرى التي تحمل نفس المعنى مثل قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء} (الأنعام:38)، فإنها تدل على أن ما جاء في الكتاب الكريم هو بيان شامل للأحكام ولطريق الشرع، لكن هذا البيان قد حدث بأكثر من أسلوب. وهذه الأساليب تتلخص فيما يلي: |
|
أولاً: في دلالة ألفاظ القرآن دلالة مباشرة على الأحكام، مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (المزمل:20). وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة:90). ففي هاتين الآيتين دلالة مباشرة على وجوب الصلاة والزكاة وتحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. |
|
ثانياً: دلالة ألفاظ القرآن الكريم دلالة غير مباشرة على الأحكام وذلك بواسطة الاستنباط والاجتهاد العقلي القائم على مبادئ الشرع والمندرج تحت أهدافه. وهذا الاجتهاد العقلي قد دل على شرعيته القرآن الكريم نفسه. وكانت دلالة القرآن الكريم على مشروعية الاجتهاد بطريقين: |
|
الطريق الأول: دلالة القرآن الكريم على مشروعية الاجتهاد والاستنباط بألفاظ تعطي هذا المعنى مباشرة، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول} (النساء: 59). وقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم} (النساء: 83). |
|
فقد فهم العلماء من هاتين الآيتين ومثيلاتهما أن القرآن يوجه إلى رد مسائل التنازع التي لا نص على حكمها -ردها- إلى القرآن والسنة عن طريق استنباط علل الأحكام التي نص عليها في المصدرين ثم القياس بواسطة هذه العلل المستخرجة على الأحكام المنصوصة. |
|
الطريق الثاني: لدلالة القرآن على مشروعية الاجتهاد العقلي هو أمره باتباع السنة النبوية واتباع إجماع المسلمين، والسنة النبوية وإجماع الصحابة رضوان الله عنهم قد دلا على جواز الاجتهاد في الشرع، فآية سورة النساء المذكورة في السطور السابقة والتي ورد فيها: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}. وقوله تعالى في آية أخرى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء:115). |
|
فهاتان الآيتان وما شابههما من آيات في القرآن الكريم تدل على وجوب اتباع الرسول (صلى اللّه عليه وسلم) ولا يكون ذلك إِلا باتباع ما جاء به من سنة، وتدل هذه الآيات أيضا على وجوب اتباع سبيل المؤمنين والذي فسّره كثير من العلماء بأنه طريق إجماع المسلمين. وإذا لم يسلم بعض العلماء هذا التفسير فإن السنة التي دل على وجوب اتباعها القرآن الكريم دلت على وجوب اتباع الإجماع فالرسول عليه السلام يقول: "أمتي لا تجتمع على الخطأ" ويقول (صلى الله عليه وسلم): "أمتي لا تجتمع على الضلالة"، ويقول: "من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". وقد وردت أحاديث أخرى كثيرة موافقة لهذه الأحاديث في معناها توضح تعظيم الرسول (صلى الله عليه وسلم) لرأي جماعة المسلمين وتوجيهه للمسلمين بأن يلتزموا رأي إجماعهم وإجماع المسلمين هو إجماع علمائهم الذين يعرفون نصوص الشريعة ويفهمون مراميها. وهم الذين أشار إليهم القرآن الكريم في الآية المذكورة في الأسطر السابقة {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. |
|
وهذه الأحاديث الكثيرة ذات المعاني المتطابقة رواها جماعة من كبار الصحابة مثل: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعبد اللّه ابن عمر، وحذيفة بن اليمان. وهي وإن كانت أخبار آحاد لكنها كانت مشهورة بين الصحابة رضوان الله عنهم معمولاً بها، لم ينكرها أحد. فحدث بها علم ضروري بأن أمة المسلمين لا تجتمع على ضلال. |
|
ثم إن الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على اتباع الإجماع متى ما وجد وتحقق، حيث إن كبارهم أمثال أبي بكر وعمر كانوا لا يحيدون عما اجتمع عليه علماؤهم، أما قبل اجتماع علمائهم وانعقاد إجماعهم على حكم فلكل منهم أن يبدي رأيه وأن يتمسك به كما تمسك أبو بكر بقتال أهل الردة. |
|
فالسنة النبوية وإجماع المسلمين الذين دل على وجوب اتباعهما القرآن الكريم، قد دلا بدورهما على جواز الاجتهاد العقلي في الشرع فيما لم يرد فيه نص فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذاً إلى اليمن قاضياً أقره على أن يجتهد رأيه إذا لم يجد نصاً. وكذلك وجه صلى الله عليه وسلم ابن مسعود بأن يجتهد رأيه إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة كما أوضحنا ذلك في الصفحات السابقة[6]. |
|
أما الصحابة رضوان الله عنهم فقد نقل عنهم الإجماع على العمل بمبدأ الاجتهاد العقلي. ونقلت عن كثير من أفرادهم أحكام شرعية متعددة اعتمدوا فيها على الاجتهاد. فقد نقل عنْهم عدم إنكارهم على من اجتهد منهم برأيه فيما لم يرد فيه نص. أما الاجتهاد الذي أنكروه فهو الاجتهاد المتعارض مع النصوص الثابتة أو الاجتهاد الصادر عن الجهل من الذين لا يفرقون بين ما ورد في حكمه نص وما لم يرد فيه نص. |
|
ومن أمثلة عمل الصحابة رضي الله عنهم بالاجتهاد العقلي المبني على مبادئ الشريعة وأهدافها، اجتهادهم في تحديد مدلول قول من قال لزوجته: (أنت عليّ حرام) فقد قال أبو بكر وعمر (رضي اللّه عنهما): إن مدلول هذا القول يمين تجب فيه كفارة اليمين. وقال علي وزيد (رضي الله عنهما): هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود (رضي الله عنه) هو طلقة واحدة. وقال ابن عباس وبعض من الصحابة: هو ظهار، وقالوا تجب فيه كفارة الظهار وتلزم فيه أحكامه. |
|
وقد أجمع الصحابة (رضي الله عنهم) على عدم إنكار النظر في هذه المسألة بالاجتهاد لعدم ورود نص فيها. |
|
ومن أمثلة اجتهادات الصحابة (رضي الله عنهم) العقلية ثم إجماعهم على الحكم الذي توصلوا إليه باجتهادهم التشريك بين الجدتين أم الأم وأم الأب في الميراث بعد أن كان أبو بكر قد ورث أم الأم وحدها وحرم أم الأب. فقال له بعض الأنصار لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت، فرجع أبو بكر عن اجتهاده وشرك بين الجدتين في السدس[7]. |
|
فهذه الأدلة التي أوردناها من السنة وإجماع الصحابة والتي تدل على جواز العمل بالاجتهاد العقلي في الشريعة، هي في الواقع دلالة من القرآن الكريم نفسه على جواز العمل بالاجتهاد. فالقرآن الكريم دل على وجوب اتباع سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعلى وجوب اتباع إجماع المسلمين، كما دلت السنة أيضا على وجوب اتباع الإجماع، وبناء على ذلك فما ثبت من أحكام شرعية عن طريق القياس ووجوه الاجتهاد الصحيحة الأخرى تعتبر أحكاما شرعية لا تخرج عن مضمون ما ورد في الكتاب الكريم. وبذلك يتضمن قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} وقوله تعالى: {تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يتضمن ذلك ما توصل إليه بالاجتهاد السليم من أحكام فقهيه. ولا يكون الاجتهاد القائم على الأسس الشرعية أمراً مخالفاً لكتاب الله كما زعم ا لزاعمون. |
|
ولكن هنالك ملاحظة مهمة نشير إليها هنا إجمالاً وربما نعود عليها بالتفصيل إن شاء الله في مكان آخر من هذا البحث، تلك هي أن الاجتهاد العقلي في أحكام الشرع ليس وردا مشاعاً يرده كل من هب ودب. وليس ميداناً يستنسر فيه من يشاء ويطل من على جداره من يحبو على عتبات العلوم الشرعية. وليس قناة تلقين لمن يتطاولون بنتف العلوم ومختصرات الكتب. وليس الاجتهاد ميسراً لمن يعجز عن فهم كتب التراث فيصفها بالتعقيد والركة والغموض وقلة الفائدة ويصف المكتبة الإسلامية بأنها خالية! فمن لم يفهم القديم فلا جديد له. ولا يقوم البناء من غير أساس. وليس الاجتهاد في الشريعة من الأمور التي يمكن أن يقوم بها من يحمل ثقافة عامة أو تخصصاً في العلوم التطبيقية فحسب أو تخصصاً في القوانين الوضعية فحسب أو يحمل ثقافة إعلامية فحسب كما يظن البعض. |
|
إنما الاجتهاد في الشرع أمر شرعي يتطلب عقيدة سليمة وأمانة إسلامية ومعرفة بالقرآن والسنة وبلغة القرآن ومعرفة بالتراث الأصولي والفقهي وما يتصل بهما ذلك التراث الذي خلفه لنا السلف الذين نقلوا لنا القرآن والسنة ونقلوا لنا تفسيراتهما. والاجتهاد يتطلب إدراكا لمبادئ الشرع وأهدافه ويتطلب وعْيا تاما حتى لا تفوت عليه شاردة كما يتطلب الاجتهاد إحاطة بوسائل وأدوات لابد منها لممارسته فليس الاجتهاد أمراً عقلياً مطلقاً كما يظن بعض من لا يعلمون. |
|
ولقد رأينا في هذا العصر، كما سمعنا عن ذلك في العصور الغابرة، وربما يحدث ذلك في مقبل الأيام، أن كثيراً ممن لا أمل لهم في بلغ مرتبة الاجتهاد وممن ينتفون من أطراف العلوم التي يجدونها في بعض الكتيبات المعاصرة رأيناهم يرسلون مزاعم ويتجرأون على الاجتهاد، ويزعمون أنهم لم يسَبقوا على فهم أصول الشرع وأهدافه ويصمون أئمة الفقه الذين أجمعت الأجيال الإسلامية على الاعتراف بفضلهم في حفظ هذا الشرع وتفسيره يصفونهم بالفراغ، ثم يدعون بعد ذلك للتجديد في أصول الشريعة لينفتح الباب أمام الاجتهاد العقلي غير المقيد. |
|
وهذا مبدأ أخذت به فرق معروفة في تاريخ الإسلام لا اعتداد برأيها عند أهل السنة، فإذا تبنى اليوم بعض المتعالمين تلك الأفكار ظانين أنهم يأتون بالجديد فليعلموا أن تلك الأفكار لم تقو في الماضي على الثبات في وجه سيل الحق الجارف ولن تقوى إن شاء الله اليوم ولا غدا. |
|
|
|
[1]انظر: الشوكاني، فتح القدير، تفسير الآية 59 من سورة النساء. |
|
[2] انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، جـ 2، ص 739. |
|
[3] انظر: الغزالي، المستصفى. جـ 2، ص 241_242، 253_256. |
|
[4] انظر: ابن حزم / الأحكـام / جـ 8 / ص 1_2 وما بعدهما. |
|
[5] انظر فتح القدير للشوكاني في تفسير هذه الآية. |
|
[6] انظر أبو الحسين البصري / المعتمدة جـ / ص 735. |
|
[7] انظر: المرجع السابق/جـ 2/ص 726_735 وانظر: الآمدي/ الأحكام/جـ 4/ص 35_38 الخ. |