طباعة

 توثيق النص

 

 

 

التحذير من المعاملات الربوية

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز

الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

 
 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين- وبعد:

فقد كثرت الدعايات للمساهمة في البنوك الربوية في الصحف والمجلات المحلية والأجنبية وإغراء الناس بإيداع أموالهم فيها مقابل فوائد ربوية صريحة معلنة كل بحسب الفترة الزمنية التي يبقى فيها ما له مودعاً في ذلك البنك، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الفوائد التي يأخذها أرباب الأموال مقابل مساهمتهم أو إيداعهم في تلك البنوك حرام سحت وهي عين الربا الذي حرمه الله ورسوله ومن كبائر الذنوب، ومما يمحق البركة ويفسد المال على صاحبه إذا خالطه ويسبب عدم قبول عمله، وقد صح عن رسول الله أنه قال: "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له" رواه مسلم.

وليعلم كل مسلم أنه مسئول أمام ربه عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه. ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به".

واعلم أيها المسلم وفقك الله أن الربا كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب التي جاء تحريمها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بجميع أشكاله وأنواعه ومسمياته قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ الله}وقال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ الله الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ}.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ومعنى الموبقات المهلكات. وقد عد الربا منهن. وقال صلى الله عليه وسلم: "الربا ثلاثة وسبعون حوبا أيسرها مثل أن يأتي الرجل أمه" وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: "هم سواء" وقال صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء" رواه مسلم.

فهذه بعض الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تبين تحريم الربا وخطره على الفرد والأمة وإن من تعامل به وتعاطاه فقد أصبح محارباً لله ورسوله.

فنصيحتي لكل مسلم أن يكتفي بما أباح الله ورسوله وأن يكف عما حرمه الله ورسوله، ففيما أباح الله كفاية وغنى عما حرم وألاّ يغتر بكثرة بنوك الربا وانتشار معاملاتها في كل مكان فإن كثيراً من الناس أصبح لا يهتم بأحكام الإسلام وإنما يهتم بما يدر عليه المال من أي طريق كان وما ذلك إلا لضعف الإيمان وقلة الخوف من الله عز وجل وغلبة حب الدنيا على القلوب نسأل الله السلامة.

وهذا الواقع المؤلم من الكثير من المسلمين يوجب على المؤسسات الخاصة والجهات الرسمية وخواص التجار بأن يتعاونوا جميعاً على تعزيز المصارف الإسلامية التي بدأت تظهر في بلاد المسلمين وثبت نجاحها ولله الحمد وأن يعمل الجميع على تحويل البنوك القائمة اليوم إلى بنوك إسلامية تكون معاملاتها متمشية مع الشريعة الإسلامية وخالية من الربا بجميع أشكاله وصوره كما أني أَوجه نصيحتي إلى المسئولين في الصحف المحلية خاصة وفي صحف البلاد الإسلامية عامة أن يطهروا صحافتهم من نشر كل ما يخالف شرع الله في أي مجال من مجالات الحياة، كما آمل من الجهات المسئولة التأكيد على رؤساء الصحف بأن لا ينشروا شيئاً فيه مخالفة لدين الله وشرعه.

والله المسئول أن يوفق المسلمين عامة وولاة أمورهم خاصة للتمسك بشرعه وتحكيم شريعته وأن يأخذ بنواصيهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وأن يجنبنا جميعاً طريق المغضوب عليهم والضالين إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

والسبب في ذلك

في حين أن عدد المسلمين في بدء الفتوحات الإسلامية لم يتجاوز عدد سكان بلد صغير من بلداننا الحاضرة، نرى المسلمين اليوم يقاربون المليار.

وأن أرضهم تحتل سرة العالم إذ تمتد من الصين إلى الأطلسي وتتمتع بمناخ معتدل صالح لجميع الفلاحات وتتحكم في جميع خطوط المواصلات العالمية براً وبحراً وجواً وتشتمل على معظم الأجناس البشرية وتحتوي على أنواع المعادن والمحروقات الضرورية لكل تصنيع.

ولكن هذه الكتلة الهائلة من الطاقات المدخرة ينقصها النضج والتبصير وتمزقها الأطماع الداخلية والخارجية والنزعات العرقية والنعرات القبلية والتكالب على السلطان، فإذا بها قوة متآكلة وبركان يغلي في مرجله وطاقات تحترق في الهواء وتذهب بخاراً ودخاناً.

والسبب الأساسي في ذلك التشتت الرهيب هو انحراف العقيدة وحب الدنيا والبعد كل البعد عن روح الإسلام والتعصب الأعمى للمذاهب واندساس المخربين العاملين ليل نهار على تحريف المعاني الصحيحة وتهديم الأركان الثابتة وزرع الشك والبلبلة في الأفكار. (جوهرة الإسلام)