طباعة

 توثيق النص

 

 

 

سبيلُ الدَّعوة الإسلاميَّةِ للوقايةِ من المسكِراَت والمخدّرات

للدكتور جمعة الخولي

رئيس قسم الدعوة بكلية الدعوة وأصول الدين

 

 

وضع الإسلام جملة من الوسائل التي تعمل على تنقية الفطرة من الأوشاب والأوضار التي تعكر صفاءها، أو تطمس معالم الحق فيها، وتحرص على حماية الإنسان من كل ألوان الخبائث التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

وقد سلكت الدعوة في تحقيق هذه الوسائل وفي تربية النفس البشرية على حب الطيبات من المطاعم والمشارب والأعمال، والإقبال عليها، وعلى بغض الخبائث من هذه الأنواع والبعد عنها، سلكت منهجا قويماً جديراً بالتأمل والاعتبار.

وقبل أن نبين الطريق الذي سلكته الدعوة قديما وتسلكه حديثا لتجنيب أتباعها خطر المسكرات والمخدرات وكل ما من شأنه أن يضر بالإنسان ويورث غضب الله.

قبل ذلك نعرف بالمسكرات والمخدرات..

 

أولا: المسكرات:

المسكرات جمع مسكر، وهي تطلق في اللغة على كل ما يغطي العقل ويخرجه عن طبيعته المميزة الواعية، قال صاحب القاموس المحيط: سكر كفرح.. نقيض صحا.. والسكر محركة: الخمر، وكل ما يسكر [1] وقال الجوهري: السكران خلاف الصاحي [2].

أما في اصطلاح الشريعة فالمسكر كل ما من شأنه الإسكار بلا تفريق بين شكل المسكر أو مظهره، ودون نظر إلى المادة التي أخذ منها سواء كان عنبا أو حنطة أو شعيرا أو غير ذلك، سائلا كان أو جامدا، وآياً كانت طريقة تناوله شربا أو أكلا.. بذلك جاءت الأحاديث والآثار..

في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"[3]، ولفظ مسلم"كل مسكر حرام"دون تفريق بين نوع ونوع.

وقال:"كل شراب أسكر فهو حرام"[4]"دون تفريق أيضا"

كما قال عليه الصلاة والسلام"وإني أنهاكم عن كل مسكر"[5].

ولما نزل تحريم الخمر في القرآن الكريم فهم الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك تحريم كل ما يسكر نوع دون اعتبار للمادة التي أخذت منه، فما كان مسكرا من أي نوع من الأنواع اعتبروه خمرا ويأخذ حكمه، سواء كان ذلك موجودا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أو ظهر بعده، وسواء وجد في عصرنا أو يظهر في المستقبل، وسواء سمي باسمه حقيقة، أو بغير اسمه.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:"إن تحريم الخمر نزل وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير"ثم قال: والخمر ما خامر العقل [6].

فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع هو ما خامر العقل في أي زمان ومكان، أي غطاه وخالطه ولم يتركه على حاله.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه سأل النبي عن شراب من العسل يقال له النبيذ: وشراب من الشعير يقال له المزر، وكانت تصنع باليمن فقال عليه الصلاة والسـلام:"كل مسكر حرام"[7].

أي: بأي اسم، أو من أي مادة وماهية، ولا عبرة بالأسماء فالأسماء لا تغير الحقائق، وكل ما كان فيه إسكار فهو حرام.

كما روي عن السيدة عائشة قولها:"لا أحل مسكرا وإن كان خبزا أو ماء"[8].

وقال ابن رجب الحنبلي:"قالت طائفة من العلماء وسواء كان هذا المسكر جامدا أو مائعا، وسواء كان مطعوما أو مشروبا، وسواء كان من حب أو تمر أو لبن أو غير ذلك"[9].

وقبل أن يذكر ابن رجب ذلك يقول:"إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر حرام"على تحريم جميع أنواع المسكرات"ما كان موجودا منها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما حدث بعده"[10].

كما سئل ابن عباس عن الباذق فقال: سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق، فما أسكر فهو حرام، يشير إلى أنه إن كان مسكرا فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة"[11]

والباذق: شراب كان معروفا عندهم وهو معرب من الفارسية، قال ابن الأثير: هو بفتح الذال، تعريب باذه، وهو اسم الخمر بالفارسية [12].

ومعنى سبق محمد الباذق، أي سبق حكمه أو سبق قوله فيها وفي غيرها من جنسها، وبهذه الاعتبارات السابقة في معنى المسكرات فإن اسم الخمر يطلق على كل المسكرات، لأن الاشتراك في الصفة يقتضي الاشتراك في الاسم أيضا، وإلى ذلك الإشارة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق:"كل مسكر خمر"كما روى عن النعمان بن بشير أنه عليه الصلاة والسلام قال:"إن من الحنطة خمرا ومن الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر مسكر"[13].

هذا.. وإذا كان البعض ذهب إلى تخصيص الخمر بعصير مواد معينة كالتمر والعنب مثلا، وما عداهما فلا يحرم إلا القدر المسكر، فإن ما سبق من أدلة ونصوص يكفي بعضهم في الرد عليهم.

ولعل مما استدل به هؤلاء حديث"الخمر من هاتين الشجرتين، النخلة والعنبة"[14] لكن الحديث ليس على إطلاقه، وإنما هو مبنى على الغالب الموجود، أو الأهم الأكبر، كما في حديث"الحج عرفة" أي أهمه ومعظمه.

فليس في الحديث ما يشير إلى نفي الخمر من غيرهما قال القرطبي: "ثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه _ وحسبك به عالما باللسان والشرع _ خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس: ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، ثم قال: والخمر ما خامر العقل" وهذا بين ما يكون في معنى الخمر، يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة من الصحابة، وهم أهل اللسان، ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه، وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر وإنما يسمى نبيذا [15].

وساق ابن رجب حديث"كل شراب مسكر فهو حرام"عن عائشة رضي الله عنها، ثم قال:"نقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم بالحديث على صحته وأنه أثبت شيء يروي عن رسول صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر ثم قال:"وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن معين من طعنه فيه فلا يثبت ذلك عنه، وخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم       قال:"كل مسكر حرام"وإلى هذا القول ذهب جمهور من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمطار وهو مذهب مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد وإسحق ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو ما أجمع على القول به أهل المدينة كلهم وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة وقالوا: إن الخمر إنما هو خمر العنب خاصة، وما عداها فإنما محرم منه القدر الذي يسكر ولا يحرم ما دونه، وما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم"[16].

ونعود فنقرر _ ما قرره جمهور الفقهاء وهو الصحيح _ أن كل ما من شأنه أن يسكر يعتبر خمرا ولا عبرة بالمادة التي أخذت منه، فما كان مسكرا من أي نوع من الأنواع فهو خمر شرعا ويأخذ حكمه، يستوي في ذلك ما كان من العنب أو التمر أو الحنطة أو الشعير أو العسل، أو ما كان من غير هذه الأشياء [17].

يقول الإمام ابن تيمية:"إن الله حرم الخمر لأنها توقع بيننا العداوة والبغضاء وتصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة، كما دل القرآن على هذا المعنى، وهذا المعنى موجود في جميع الأشربة المسكرة لا فرق في ذلك بين شراب وشراب، فالفرق بين الأنواع المشتركة من هذا الجنس تفريق بين المتماثلين، وخروج عن موجب القياس الصحيح كما هو خروج عن موجب النصوص"[18].

 

ما أسكر كثيره فقليله حرام:

وإذا كانت الشريعة قد اعتبرت كل مسكر حراماً دون اعتبار للمادة التي أخذت منه فقد اعتبرت أيضا أن القليل منه كالكثير..

قال صلى الله عليه وسلم:"ما أسكر كثيره فقليله حرام"[19].

وقال:"ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام"[20] وفي رواية"الحسوة منه حرام".

أي ما أسكر الكثير منه فالجرعة منه حرام، والفرق _  بفتح الفاء وسكون الراء أو فتحها   إناء _ يسع ستة عشر رطلاً [21] إن قليل الخمر يدعو إلى كثيرها، والكأس منه تنادي على أختها، وتغري بغيرها وهكذا حتى الإدمان.

وروى ابن عجلان عن عمرو بن شعيب حدثني أبو وهيب الجيشاني عن وفد أهل اليمن أنهم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن أشربة تكون باليمن فسموا له البتع من العسل والمزر من الشعير قال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تسكرون منها؟ قالوا: إن أكثرنا منها سكرنا، قال: فحرام قليله ما أسكر كثيره"[22].

 

ثانيا: المخدرات:

الخدر _ بالكسر _ ستر يمد للجارية في ناحية البيت، وخدر الجارية أهلها إذا ستروها وخدر العضو إذا استرخى فلا يطيق الحركة، والخدر الكسل والفتور [23].

ويجمع هذه المعاني اللغوية كلها أن المخدر يطلق على كل ما يورث الكسل والضعف أو الفتور والاسترخاء ومن معانيه أيضا الستر والتغطية. وبذلك يلتقي المعنى اللغوي مع المعنى الشرعي للمخدرات.. إذ أن الفقهاء يذهبون إلى أن المخدر هو تلك المادة التي يترتب على تناولها كسل وفتور، أو تغطية العقل من غير شدة مطربة، ذلك أن من شأن الإسكار بنحو الخمر أنه يتولد عنه النشاط والطرب والعربدة والحمية، ومن شأن السكر بنحو الحشيشة أن يتولد عنه أضداد ذلك من تخدير البدن وفتوره ومن طول السكوت والنوم وعدم الحمية [24].

 

أنواع المخدرات:

تنقسم المخدرات إلى قسمين:

أ _ مخدرات طبيعية.

ب _ مخدرات صناعية أو كيماوية.

فالمخدرات الطبيعية هي المواد الخام التي تستخلص من النباتات المخدرة مثل:

1 _ الأفيون ومشتقاته، ويستخرج من ثمار نبات يسمى"أبو النوم".

2 _ الكوكايين، الذي ستخرج من شجرة الكوكا.

3 _ الماريجوانا، الذي يستخرج من نبات الخشخاش والقنب الهندي.

4 _ البنج، نبات يسمى في العربية شيكران، أو سيكران.

5 _ الحشيشة، من ورق القنب الهندي.

6 _ القات، وتنتشر زراعته في اليمن، والبنقو وينتشر في السودان.

وهناك أنواع أخرى ذكرها العلماء مثل جوزة الطيب والجنزفوري والداتورة وغيرها [25].

والمخدرات الصناعية هي التي تصنع في المعامل وتقدم في شكل حبوب أو كبسولات أو حقن.. وأخطرها عقاقير الهلوسة المسماة بعقار إل, سي, دي الذي يؤثر تأثيراً كبيرا على الذاكرة والسلوك، ويؤدي إلى اختلال الشخصية وعدم توازنها.. ويلجأ المتعاطون إلى المخدرات الصناعية كبديل للمواد المخدرة الممنوعة إشباعا لرغباتهم في هذه المواد، وتهربا من عقوبة إحراز المخدرات، أو عجزا عن الحصول على المخدرات الطبيعية كالأفيون والحشيش لارتفاع سعره، أو ندرة وجوده أو صعوبة الحصول عليه.

وهكذا لم يعد تعاطي المخدرات مقصورا على المخدرات التقليدية، وإنما تجاوزتها لتشمل العقاقير المصنعة منها للاعتبارات السابقة أو غيرها.

 

حكم المخدرات:

يعرف السكر بأنه"غيبة العقل من تناول خمر أو ما يشبه ذلك [26] ولما كانت المخدرات تحدث نفس الأثر الذي تحدثه المسكرات فإنها تدخل تحت هذا التعريف وتأخذ حكمها، وما جاء في الوعيد على الخمر يأتي في المخدرات كذلك لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشرع حفظه وسلامته. ولذلك يدخل تحت التعريف السابق للمسكرات كل أنواع المخدرات إلا ما استعمل منه في التطبيب والعلاج كما سيأتي بيانه ونسوق الآن الأدلة على حرمة المسكرات من جوانب ثلاث.

 

الأول: من السنة النبوية الشريفة:

روى أبو داود في سننه من حديث شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر"[27].

والمفـتر: هو المخدر الذي يورث الفتور والخدر في أعضاء الجسم، وإن لم ينته إلى حد الإسكار [28].

والفتور هو الأثر البارز لتناول المخدرات.

وعليه فإن كل مادة يثبت إسكارها أو تخديرها أو تفتر الجسم أو العقل ينطبق عليها الحكم بالتحريم آيا كانت مادتها أو اسمها، طالما أن جوهرها مسكر أو مفتر بناء على ما ثبت عن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر.

فالنهي عن تناول شيء يدل على تحريمه، وقد نهى عن المسكر ثم عطف عليه المفتر وصيغة العطف تقتضي اشتراك المعطوف على المعطوف عليه في الحكم لأن القاعدة عند المحدثين والأصوليين أن النهي إذا ورد عن شيئين مقترنين ثم جاء النص على النهي عن أحدهما حرمة أو غيرها أعطى الآخر ذلك الحكم، وقد ذكر المفتر مقرونا بالمسكر في الحديث، وبما أنه قد تقرر حرمة المسكر استنادا إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع المسلمين فيجب أن يعطى المفتر حكمه.

قال العلقمي في شرح الجامع حكى أن رجلا من العجم قدم القاهرة وطلب دليلا على تحريم الحشيشة وعقد لذلك مجلساً حضره علماء العصر، فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بحديث أم سلمة "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر" فأعجب الحاضرين قال: ونبه السيوطي على صحته، واحتج به ابن حجر على حرمة المفتر ولو لم يكن شرابا ولا مسكرا [29].

قال ابن رجب :"واعلم أن المسكر المزيل للعقل نوعان، أحدهما ما كان فيه لذة وطرب فهذا هو الخمر المحرم شربه،... ثم قال: وادخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق العنب وغيرها مما يؤكل لأجل لذته وسكره، ثم ساق حديث أم سلمة السابق.

الثاني: ما يزيل العقل ويسكره لا للذة فيه ولا طرب كالبنج ونحوه، فقال أصحابنا إن تناوله لحاجة التداوي به وكان الغالب منه السلامة جاز.. وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي فقال أكثر أصحابنا كالقاضي وابن عقيل وصاحب المغني إنه محرم لأنه سبب إلى إزالة العقل لغير حاجة فحرم شرب المسكر، وروى حبيش الرحبي  _ وفيه ضعف عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا"من شرب شرابا يذهب بعقله فقد أتى بابا من أبواب الكبائر"[30].

وقال ابن تيمية في فتاويه:"من العلماء من حرم كل مسكر بطريق القياس إما في الاسم وإما في الحكم، وهذه الطريقة التي سلكها طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، يظنون أن تحريم كل مسكر إنما كان بالقياس في الأسماء أو القياس في الحكم، والصواب الذي عليه الأئمة الكبار أن الخمر المذكورة في القرآن تناولت كل مسكر، فصار تحريم كل مسكر بالنص العام والكلمة الجامعة لا بالقياس وحده، وإن كان القياس دليلا آخر يوافق النص، وثبتت أيضا نصوص صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم كل مسكر، وبعد أن ساق ابن تيمية بعضا من الأحاديث التي سبق أن ذكرناها قال: وعلى هذا فتحريم ما يسكر من الأشربة والأطعمة كالحشيشة المسكرة ثابت بالنص وكان هذا النص متناولاً لشرب الأنواع المسكرة من أي مادة كانت من الحبوب أو الثمار، أو من لبن الخيل أو من غير ذلك"[31].

ويقول في مكان آخر:"كل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل نشوة ولا طرب فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين [32].

 

الثاني: من القواعد العامة في الشريعة:

من القواعد المقررة في الإسلام أن كل ما أضر الجسم أو العقل فهو حرام.

وقد ثبت أن المخدرات تحمل من الأخطار والمفاسد الدينية والدنيوية الكثير..

يتحدث الإمام ابن تيمية عن بعضها فيقول:"كفى بالرجل شرا أنها تصده عن ذكر الله وعن الصلاة إذا سكر منها، وقليلها وإن لم يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر، ثم أنها تورث من مهانة آكلها ودناءة نفسه وانفتاح شهوته ما لا يورثه الخمر.. فهي بالتحريم أولى من الخمر لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر، وضرر شارب الخمر على الناس أشد"كما ذكر أنها تورث قلة الغيرة وزوال الحمية حتى يصير آكلها إما ديوثا، وإما مأبونا، وإما كلاهما، وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقا كثيراً مجانين، ومن لم يجن منها فقد أعطته نقص العقل، ولو صحا منها فإنه لابد أن يكون في عقله خبل"[33].

كما يسوق ابن حجر الهيثمي بعض هذه الأضرار التي ذكر أنها تبلغ مائة وعشرين مفسدة دينية ودنيوية منها"تعرض البدن لحدوث الأمراض، تصدع الرأس تورث النسيان تورث اختلال العقل وفساده وتذهب الحياء والغيرة وإتلاف الأموال والوقوع في المحرمات تورث الرعشة، ولها آثار ضارة على الكبد... الخ ما ذكره"[34].

كما يذكر فريد وجدي في دائرة معارفه أن الحشيش الذي يستعمله الناس للتخدير هو عصارة القنب الهندي وهو مخدر مفقد للإحساس مضر بالمجموع العصبي ضررا بليغا جدا ونتيجته الطبيعية الجنون بأشد حالاته وتدخينه عادة مرن عليها بعضهم واستناموا لها استنامة لا فواق منها، وهم في الحقيقة جانون على أنفسهم وعائلاتهم جناية ليس وراءها"[35].

وإذا كان هذا ما ذكره بعض علماء المسلمين منذ سنوات طويلة، فإن التقارير العلمية الحديثة والأبحاث الطبية تؤكد هذه الأضرار للمخدرات وتزيد عليها. يذكر تقرير صادر عن لجنة المخدرات بالولايات المتحدة الأمريكية أن الآثار المباشر للتخدير تتخلص في الآتي:

ارتعاشات عضلية _ زيادة في ضربات القلب _ سرعة في النبض _ شعور بسخونة في الرأس _ دوار _ برودة في الأطراف _ شعور بضغط وانقباض في الصدر _ اتساع في العيون _ تقلص عضلي _ قيء في بعض الحالات _.

ويضيف التقرير بأن هذه الاستجابات قد تزيد في شدتها تبعا للحالة التي تنتهي بالنوم [36] ويزيد بعض الباحثين الأمريكيين آثارا أخرى مثل: جفاف بالفم مع التهاب بالحلق _ عدم توازن حركي في الجلوس والمشي _ دوار ودوري بالأذن _ انخفاض ضغط الدم _ إحساسات جسمية خاطئة أو وهمية كشعور بطول الأطراف [37].

كما ذكر الدكتور عبد العزيز شرف تحليلا علميا لما تحدثه المخدرات في الجهاز العصبي للإنسان فكان مما قال:"إن المخ يحوي سلسلة من المراكز العصبية الهامة التي تتحكم في الشخص وحركاته وسكناته وتفكيراته، وتتخلص هذه في:

1 _ مراكز عليا ويتميز بها الإنسان عن الحيوان، وهي مراكز تتعلق بالخجل والإحراج التي لولاها لفعل الإنسان ما يفعله الحيوان، وكذا هناك مراكز للخوف والهموم والتقدير السليم للوقت والمسافات والأشكال وغيره.

2 _ مراكز الوعي والانتباه وهذه تحكم في اليقظة والنوم ولها علاقة قوية بالحواس الخمس التي بإخمادها وضعفها يتم النوم أما تنبيهها فيحدث اليقظة والوعي.

3 _ مراكز الحركة ومنها الكلام، وهذه إن اختلت اختل معها المشي والكلام.

4 _ مراكز الحواس الخمس، وهي مراكز السمع والبصر والحس والذوق والشم، ولها علاقة متينة بمراكز الوعي والانتباه التي تعتمد عليها تماماً.

هذا ويعتمد المخ كذلك في وظائفه على مراكز الوعي والانتباه والحواس الخمس فإذا اختلت هذه اختل المخيخ وجاء الجسم بحركات غير متزنة.

فإذا ما أخذ الإنسان مخدرا أو مسكرا تتأثر به هذه المراكز وتلك الوظائف المخية بترتيب رقمها كما هو مذكور بدرجة تتوقف على كمية المسكر أو المخدر، وأول المراكز تأثيراً هي المراكز العليا للخجل والإحراج والتقدير وخلافها، وهذه إذا ما خمدت بالمخدرات مثلا فلا خجل ولا خوف ولا إحراج ولا تقدير للأشياء، وبهذا قد تنمي الفوارق الإنسانية وتظهر الجرأة في الحركات والغلظة في الأقوال، ويسود اعتقاد القوة والبطش.. فتنقلب إنسانية المتعاطين إلى حيوانية باطشة لا تقدير للعواقب ولا للوقت والمسافات والأشياء، فيظن الثواني ساعات، والأمتار أميالاً، والنمل أفيالا وضعفه قوة، وغباءه ذكاء، ومهاراته نكات فينساق وراء تلك المظاهر الخداعة الكاذبة بدون مخ يسيطر عليها ولا حكمة توقفه عنها حيث المراكز العليا المتحكمة في ذلك قد خمد سلطانها عليه.

أما الدور الثاني في تأثير المخدرات والمسكرات فيظهر أثره بعد تعاطي كميات منها أكبر مما يؤثر على المراكز المخية الثابتة، وهي ما تتحكم في وعي الإنسان وحواسه وانتباهه، وهذه إذا ما تأثرت وخمدت بالمخدرات صارت خاملة غير قادرة على استيعاب التنبيه الخارجي، ومن هنا يبتدئ النظر والسمع وغيرهما من الحواس في الاضطراب مما يسبب خمولا وكسلا في وعي الإنسان وانتباهه ويميل إلى الوحدة والخمول غير قادر على الحركة والاتزان والكلام فيثقل لسانه غير مبال بما حوله (مسطول ) وهذه تدفعه إلى نوم عميق قد يفيق منه بعد مدد تتوقف على الكمية المأخوذة.

وإذا ما زادت الكمية زادت الأعراض السابقة وتأثرت الدورة الدموية، وكذا التنفسية، واضطراب القلب، مما قد يؤثر على المدمن ويقضي عليه إذا لم يسعف في الوقت المناسب، وهذا هو أخطر أدوار السكر والتخدير، وكثير من المدمنين يصلون إلى هذه الدرجة، وذلك لأن التعود على المخدر قد يجعل المدمن يتناول كميات أكثر ثم أكثر إلى أن يصل إلى الحد الذي يتأثر به الجسم تأثيرا قد يقتله"[38].

هذه بعض الأضرار المترتبة على تعاطي المخدرات، ولما كانت قواعد التشريع في الإسلام تؤكد على حرمة كل ذي ضرر كما جاء في الحديث"لا ضرر ولا ضرار"فقد حرم الإسلام المسكرات لما فيها من ضرر مؤكد.. ولما حرمت الشريعة الخمر لم تحرمها لذاتها، بحيث لا يقاس عليها، ولم تحرمها لأنها عصير لنوع معين من المشروبات أو المأكولات، وإنما للأضرار الكثيرة المترتبة على تناولها وخاصة فيما يتعلق بضررها على العقل _ آلة التمييز الإنساني _ ولذلك حرمت كل ما في حكمها فحرمت المخدرات لضررها الذريع بجسم الإنسان وعقله وماله وبيئته كلها وبهذا أجمع فقهاء الإسلام الذين ظهرت في عهدهم كما سيتضح في النقطة التالية.

 

ثالثا: إجماع المتأخرين من الفقهاء:

قرر فقهاء الإسلام الذين ظهرت في عهدهم المواد المخدرة على حرمتها وحرمة الاتجار بها وعقوبة من تناولها، وذلك بعد أن تبين لهم أضرارها السيئة على الإنسان وظهر ذلك في كلامهم..

يقول صاحب الدر المختار:"ويحرم آكل البنج والحشيشة والأفيون لأنه مفسد للعقل ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وزاد في رد المحتار نقلا عن ابن البيطار وإن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم"[39].

وقال الصنعاني:"إنه يحرم ما أسكر من أي شيء وإن لم يكن مشروبا كالحشيشة"[40]، كما أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الرابع والثلاثين من فتاويه في بيان حكم الحشيشة فكان مما قال: هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب، ثم قال: ومن كان يستحل ذلك جاهلا فإنه ما يعرف الله ورسوله وأنها محرمة، والسكر منها حرام بالإجماع.. وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين... وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة، وإنما يتناولها الفجار لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة، وفيها مع ذلك فساد المزاج والعقل، وفتح باب الشهوة، وما توجبه من الدياثة مما هي من شر الشراب المسكر [41].

ويقول العلامة الحطاب: "وأما ما يغطي العقل فلا خلاف في تحريم القدر المغطى من كل شيء وما لا يغطي من السكر [42] وقال في مكان آخر... إذا تقرر ذلك فللمتأخرين في الحشيشة قولان: هل هي من المسكرات أو هي من المفسدات مع اتفاقهم على المنع من آكلها، فاختار القرافي أنها من المخدرات، قال: لأني لم أرهم يميلون إلى القتال وإلى النصرة، بل عليهم الذلة والمسكنة، وكان شيخنا الشهير بعبد الله المنوفي يختار أنها من المسكرات لأنا رأينا أن من يتعاطاها يبيع أمواله لأجلها ولولا أن لهم طربا لما فعلوا ذلك"[43].

ثم وهذا ابن حجر الهيثمي _ وهو فقيه شافعي _ من علماء القرن العاشر الهجري يؤكد حرمة الحشيش بقوله"عد ما ذكر _ يقصد الحشيشة والأفيون وجوزة الطيب _ ونحوها من الكبائر ظاهرة، وبه صرح أبو زرعة وغيره كالخمر بل بالغ الذهبي فجعلها كالخمر في النجاسة والحد ومال في ذلك إلى ما قدمته عن الحنابلة وغيرهم قال: وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة إلى أن قال وبكل حال فهي داخلة فيما حرم الله ورسوله من الخمر لفظا ومعنى"[44].

وهكذا نجد اتفاق الفقهاء وإجماعهم على تحريم كل مخدر ومغيب للعقل، ويحكي هذا الإجماع ابن حجر بقوله:"وحكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، قال ومن استحلها فقد كفر [45]"وإنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة لأنها لم تكن في زمانهم كما قال ابن حجر وإنما ظهرت في آخر المائة السادسة وأول السابعة حين ظهور دولة التتار [46].

ولا يعترض بأن هذا إجماع المتأخرين من الفقهاء، لأن هذه المخدرات لم يظهر تناولها في زمن الصدر الأول من فقهاء الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة، ولو ظهرت في عهدهم لما ترددوا في القول بحرمتها استنادا إلى ما في الشرع من أدلة ونصوص تحرم المسكرات والمضرات، وشمول تلك النصوص الواردة في تحريم الخمر والمسكرات للمخدرات أيضا على أساس أنها مخدرة أو مسكرة، أو بالقياس على الخمر بعلة الإسكار، واستنادا إلى ما هو ثابت بقاعدة مقررة في الشريعة الإسلامية وهي تحريم كل ما يسبب ضررا للإنسان في جسمه أو عقله أو خلقه، وقد ثبت مما قرره الفقهاء وأيدته الدراسات الطبية والعلمية الحديثة ضرر المخدرات وخطرها الذريع على الأفراد والجماعات فيكون تعاطيها محرماً لما يترتب عليها من أضرار.

 

التداوي بالمسكرات والمخدرات:

أفاد الفقهاء بأنه لا يجوز التداوي بالمسكرات استنادا إلى ما ورد في السنة من نصوص صحيحة تحرم التداوي بالخمر والمسكرات وتصفها بأنها داء لا دواء كما سيأتي بيانه في طرق الوقاية من أضرار المسكرات والمخدرات.

وأما التداوي بالمخدرات فهذا ما نعرض لآراء الفقهاء فيه، ثم نسوق نتيجتها في النهاية..

قال المالكية والأحناف والشافعية بجواز التداوي بالمخدرات وهذه مواطن أقوالهم:

في الشرح الصغير"يجوز التداوي بالحشيش والأفيون والسيكرن في ظاهر الجسد"[47] وفي حاشية الدسوقي"قال ابن فرحون: والظاهر جواز أكل المرقد لأجل قطع عضو أو نحوه، لأن ضرر المرقد مأمون، وضرر العضو غير مأمون"[48] وفي المبسوط للسرخسي"البـنج لا بأس بأن يتداوى به الإنسان"[49]. وفي حاشية ابن عابدين"أكل قليل السقـمونيا والبنج مباح للتداوي [50] وفي المجموع"استعمال النبات الذي يسكر وليس فيه شدة مطربة يحرم أكله ويجوز استعماله في الدواء وإن أفضى إلى السكر ما لم يكن منه بد [51].

كما يرى ابن حزم جواز التداوي بالمخدرات أيضا لأن التداوي بالمحرم بمنزلة الضرورة عنده وقد قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه} [52].

أما الحنابلة فقد سئل الإمام ابن تيمية عن التداوي بالخمر ولحم الخنزير وغير ذلك من المحرمات هل يباح للضرورة أم لا؟ وهل الآية {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه}  في إباحة ما ذكر أم لا..

فأجاب: لا يجوز التداوي بذلك بل قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الخمر يتداوى بها فقال أنها داء وليست بدواء، وفي السنن أنه نهى عن الدواء بالخبيث، وقال: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها.." ثم قال: وليس ذلك بضرورة فإنه لا يتيقن الشفاء بها كما يتقين الشبع باللحم المحرم، ولأن الشفاء لا يتعين له طريق من الأدوية وبغير ذلك، بخلاف المخمصة فإنها لا تزول إلا بالأكل"[53] ومعروف أن ابن تيمية يذهب إلى أن"هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات، وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر"[54].

والنتيجة التي يمكن التوصل إليها أنه لا يجوز التداوي بالمحرم وكل خبيث إلا أن التخدير الآن بات أمرا أساسيا في إجراء العمليات الجراحية، وعليه فلا مانع من القول بإباحة استعمال البنج المخدر المعروف الآن في المستشفيات والمستخدم في شئون العلاج والتطيب، ولا يسوغ أن نقول بمنعه الآن لأن في استعماله واستخدامه مصلحة محققة وغرضا شرعيا صحيحا، ثم إن كثيرا من الفقهاء كما رأيت من أقوالهم لا يمنعون من التداوي بالمخدرات عموما.

أما تعاطي المخدرات وتناولها أكلا أو شربا فنحن مع ابن تيمية في القول بمنعه، وهناك بدائل كثيرة يمكن استخدامها في مجال العلاج، وقد قيل من استشفى بالأدوية الخبيثة كان دليلا على مرض قلبه [55].

 

الحكمة في تحريم المسكرات والمخدرات:

لم يضيق الله على عباده واسعاً، ولم يحرمهم طيباً.. وإنما أباح لهم من طيبات الحياة وخيراتها ما يزيد عن حاجتهم ورغائبهم.. وكم في الأرض من خيرات وكنوز وزروع. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ( البقرة آية 168 ) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ( البقرة آية 172 ) {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ( النحل آية 114 ).

ومن رحمة الله بعبده أنه يصونه مما يضره ويحميه مما يتلفه ولذا حرم عليه ما يعود بالضرر على بدنه أو نفسه أو عقله أو ماله، كالخمر وسائر المسكرات والمخدرات..

ولقد كشف البحث الإنساني أضرارا بالغة من وراء تعاطي شيئا من هذه الأشياء المحرمة جعلت محمد فريد وجدي يقول:"لو عمل إحصاء عام عمن في مستشفيات العالم من المصابين بالجنون والأمراض العضالة بسبب الخمر، وعمن انتحر أو قتل غيره بسبب الخمر، وعمن يشكو في العالم من آلام عصبية ومعدية بسبب الخمر، وعمن أورد نفسه موارد الإفلاس بسبب الخمر، وعمن تجرد من أملاكه بيعا أو غشا بسبب الخمر.. لو عمل إحصاء بذلك أو ببعضه لبلغ حدا هائلا تجد كل نصح بإزائه صغيرا"[56].

وحق لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول:"اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر"[57].

و"لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر"[58] و"الخمر أم الخبائث"[59].

وتأمل كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم الجامعة العامة"مفتاح كل شر"وقوله"أم الخبائث"لتدرك أن شرب الخمر مفتاح لمصائب فادحة وكرب جسام.

وكذلك كل مادة يثبت إسكارها أو تخديرها للعقل ينطبق عليها نفس الحكم الذي تقرر للخمر..

ومن حق الله تعالى وهو المنعم المتفضل بالخلق والرزق أن يتعبد عباده بما يشاء من التكاليف دون أن يسأل عما يفعل، فذلك حق ربوبيته جل وعلا، لكن من رحمة الله بخلقه ولطفه بهم أنه جعل التحريم يتبع الخبث والضرر فما يعود علينا بالمصلحة والفائدة أحله، وما يعود بالخبث أو الضرر حرمه {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ( البقرة آية 220).

{يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَات} ( المائدة آية 4).

فالله لم يحل إلا الطيب النافع ولم يحرم إلا الخبيث الضار، ولهذا كان من أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم عند أهل الكتاب أنه {أْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} ( الأعراف آية 157 ).

ثم إنه من لطف الله ورحمته أيضا بخلقه أنه ما حرم عليهم شيئا إلا أعطاهم البديل الواسع والعوض الطيب الذي يسد مسد الحرام ويغني عنه.

قال الإمام ابن القيم:"ما حرم الله على عباده شيئا إلا عوضهم خيرا منه، كما حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم منه دعاء الاستخارة، وحرم عليهم الربا وعوضهم منه التجارة الرابحة، وحرم عليهم القمار وأعوضهم منه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام، وحرم عليهم الحرير وأعوضهم منه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن، وحرم عليهم الزنا واللواط وأعوضهم منها النكاح الحلال بصنوف النساء الحسان، وحرم عليهم شرب المسكر وأعوضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن، وحرم عليهم سماع آلات اللهو ومن المعازف والمثاني، وأعوضهم عنها بسماع القرآن والسبع المثاني، وحرم عليهم الخبائث من المطعومات وأعوضهم عنها بالمطعومات الطيبات.. ومن تلمح هذا وتأمله هان عليه ترك ما حرمه الله ونهى عنه، وعرف حكمة الله ورحمته وتمام نعمته على عباده فيما أمرهم به ونهاهم عنه، وفيما أباحه لهم، وأنه لم يأمرهم به حاجة منه إليهم، ولا نهاهم عنه بخلا منه تعالى عنهم، بل أمرهم بما أمرهم ‘حسانا منه ورحمة، ونهاهم عما نهاهم عنه صيانة لهم وحمية [60] فلك الحمد ربنا على ما أنعمت وأوليت {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ( المائدة آية 6 ).

 

كيف قضى الإسلام على الخمر وسائر المسكرات:

نلقي نظرة سريعة على المنهج الذي سلكته الدعوة في البداية للقضاء على الخمر في المجتمع الإسلامي، وكل مسكر من شأنه أن يضر بالمسلمين.

نظرا لأن السكر والإدمان كانا من العادات المتأصلة في المجتمع الجاهلي فإن الإسلام لم يفاجئ المسلمين بتحريم الخمر، وإنما أخذ بأيديهم خطوة، خطوة في الطريق الذي أراده الله لهم، وصار يحرمها عليهم بالتدريج، فبدأ أولا بتحريك الوجدان الديني في نفوس المسلمين نحو هجر الخمر والابتعاد عنها، وذلك حين أشار إشارة خفيفة مضمونها أن الخمر والميسر {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} وفي ذلك إيماء للعاقل بترك هذا المشروب الذي إثمه أكبر من نفعه.. لذلك تركها قوم لما فيها من الإثم الكبير وشربها آخرون حيث لم تمنع الآية.

وقال عليه الصلاة والسلام عقبها"إن ربكم يقدم في تحريم الخمر".

ثم حدث أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما ودعا إليه عددا من الصحابة فأكلوا وشربوا وسكروا، فلما حضرت الصلاة صلى بهم عبد الرحمن بن عوف - وفي رواية أخرى علي بن أبي طالب - فقرأ قل يا أيها الكافرون، فخلط فيها فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [61].

ومعلوم أن أوقات الصلاة متقاربة، لا تكفي الأوقات التي بين كثير منها للسكر والأفاقة، ولا شك أن في ذلك تضييقاً لفرص التعاطي وكسراً لعادة الإدمان التي مرنوا عليها.

ومدمن الشراب إذا اجتاز الوقت الذي اعتاد الشراب فيه وتكرر ذلك منه فترت حدة العادة عنده وسهل عليه التغافل عن الشراب وتركه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام بعدها أن ربكم يقرب في تحريم الخمر