طباعة

 توثيق النص

 

 

 

عِتَابٌ من الكبدْ

لـلشيخ عبد الله إبراهيم الأنصـاري والدكتور أحمد مصطفى زهرة

مدير الشئون الدينية - وزارة التربية والتعليم بقطر - قسم الكيمياء بجامعة قطر

 

 

أخي الإنسان المكرم تعال معي بكل جوارحك لتسمع محاورة واقعية بين اثنين تكون سعادة أحدهما سعادة للثاني والعكس للعكس تعال واسمع.

إن تلك القطعة الحمراء الداكنة من اللحم الإسفنجي، والتي تزن حوالي كيلوجرام ونصف، وتحملها بين جنباتك، أينما ذهبت وحيثما حللت، والتي يطلق عليها العلماءُ اسم "الكبد"، هي الرفيق المخلص، وهي أكبر أعضاء جسمك من الداخل، وأكثر أعضاء جسمك وفاء وولاء لك.

ولو تخيلنا أن كبدك يتخاطب معك ويتعاتب فإنه ولاشك قائل لك:

* " أنا كبدك، أكبر أجهزتك الداخلية، تجدني دائماً في الجانب الأيمن من جوفك، تحميني ضلوعك اليمنى، ويمكنك أن تتحسسني في نهاية هذه الضلوع ".

*  لقد أثبت العلم حديثاً وقديماً أني أقدم لك خدمات جليلة، وبانتهاء خدماتي تنتهي حياتك.

ألا تذكر يا صاحبي أن لغة الغزل هي جملة " يا بعد كبدي "؟

* لقد قال العلماء إني مختبر كيماويات وإني مخزن كبير ومصنع لتصنيع الأطعمة وحفظها، وكذلك لإنتاج ما تحتاجه من أغذية، وأنا حارس يقظ لكل أجهزتك، ولمدة أربع وعشرين ساعة في اليوم.

* لقد قام الأطباء والعلماء بحصر شامل وإحصاء عام لوظائفي الحيوية فوجدوا أنها تزيد على خمسمائة وظيفة، ومازالوا يكتشفون الكثير.

فإذا كنت يا صاحبي تتقي الله في كبدك فأنا كبدك، أخفف عنك ما يتكبده كل جسمك من متاعب.

* فإذا ما تناولت طعاماً أو شراباً به نسبة من المواد الضارة أو السامة بطريق الخطأ، فإني أحاول جهد طاقتي أن أحتجزها فلا تذهب لباقي أجزاء جسمك، ثم أخلصك منها بعد ذلك بطرقي العجيبة، إن تركتني سليماً وحافظت على علاقات الصداقة بيني وبينك.

* أما إذا كنت ممن يتعاطون السموم متعمداً، خمراً كانت أم مخدرات ! فإنك تسبب لي متاعب لا قبل لك بها.

 ولا شك يا صاحبي أنك سمعت عمن ماتوا بسبب تليُّف الكبد !، لقد كان سبب ذلك إرادة ربك أن تتغلب علي الكحولات والمخدرات فأتوقف عن عملي ويموت صاحبي.

* ماذا تفعل بي الخمر ؟. لقد أثبت البحث العلمي يا صديقي أن الخمور تزيد من طاقتي على اختزان الدهون بكثرة، بينما واجبي أن أختزنها بحساب دقيق: فأحرق منها جزءاً يمدك بالطاقة عندما تقوم بعمل شاق، ولكن زيادة الدهون عن طاقتي تسبب لي بداية مرض تليف الكبد.

*n ولعلك لاحظت أن من يتعاطى الخمرة بانتظام، ولعدة أسابيع قد زادت شهيته للطعام، أو أصبح يأكل أكثر من المعتاد ! وقد يبدو هنا تشجيعاً لك على تعاطيها !! ولكن دعني أهمس في أذنك شارحاً السبب لهذا التغير المؤقت.

في الواقع يا صاحبي، كما قلت لك، أنا أقوم بدور وزارة التموين وأيضا وزارة الصحة بالنسبة لك.

وفيما يختص بالتموين: فإني أقسم بعض أجزائي إلى مخازن أو مستودعات، ويمر علي الطعام المهضوم، بعد امتصاصه في الأمعاء فأختزن منه ما يزيد على حاجتك، كل شيء في مكانه المخصص له، فهنا مكان للسكريات وآخر للدهون وآخر للبروتينات وآخر للفيتامينات و... و.... الخ.

وإذا احتاج جسمك إلى أي مادة فسوف يرسل مخك إشارة إلى كبدك، يحدد فيها المكان ونوع المادة المطلوبة وكمياتها، فأقوم في الحال بإرسالها عن طريق قلبك، أما إذا حدث لك نقص عام في أي مادة فإني أنبهك إلى ذلك عن طريق معدتك، فتأكل كالمعتاد.

أما إذا كنت تشرب الخمر، أو ما يحتوي على كحول، فإني أصاب بحالة من اللخبطة، ولا أقدر على تمييز بعض المواد في طعامك وتزداد قدرتي على اختزان دهون أكثر فتملئ الأماكن المخصصة لهذه الدهون وكذلك أماكن أخرى كانت مجهزة ومخصصة لمواد غذائية وكيميائية أخرى، تمتلئ بدورها بالدهون الزائدة. وأصبح عاجزاً عن التوفيق بين متطلبات جسمك من مواد وغذاء وبين الزائد من الدهون. فأرسل إليك إشارات خاطئة، وأخطر معدتك لتتقلص وتدعوك لتناول مزيد من الطعام المتنوع، ولكن يا صديقي ما إن يتم هضم طعامك حتى أرفض اختزان كل ما تحتاجه منه لأني كما قلت لك أعاني من ضيق المكان فيذهب معظم ما تناولت من طعام إلى نفايات لا فائدة لك منها، وهكذا تتسبب الخمرة في فتح شهيتك، فتأكل كثيراً وتستفيد بأقل القليل مما تتناول. تماماً كسيارة تحرق البترول بكثرة ولا تمشي إلا بضعة كيلومترات قبل أن تتزود مرة أخرى بالوقود. فهل فهمت السبب؟ وهلا توقفت عن تناول الكحولات حتى تعطيني فرصة لأحرق لك معظم الدهون المختزنة وأمدك بالطاقة، اللازمة لنشاطك وحيويتك؟ وهل تمنحني الفرصة لأعمل من جديد أميناً على خزائن غذائك؟

*  إنك يا صاحبي إن توقفت عن تناول الخمور والمسكرات، وكذلك أنقصت كمية الدهون في طعامك، فإني سأقوم بتنظيم العلاقة بين ما تتناوله وما تحتاجه من طعام، ولن أسمح للدهون بالزيادة في جسمك، وسأخلصك منها حتى لا تتسبب في انسداد شرايينك لا قدر الله، ويكون في ذلك مالا يحمد عقباه.

* دعني يا صاحبي أحكي لك قصة طريفة تحدث لي كل يوم ولا تشعر بها. بالطبع أنت تتناول من الحمضيات الكثير، وقد تتناول طعاماً أو دواء، وربما أعددت أدوية متعددة، بعضها قبل الأكل وبعضها أثناءه وبعضها بعد الأكل. لا بأس بذلك يا عزيزي ما دام الأمر يدعو إلى ذلك، ولكن قد يتسبب كل ما سبق في انفكاك ذرات الهدروجين وتتسرب إلى خلاياي وأغشيتي وفي هذا هلاكي، ولكن ربك منحني القدرة على استدعاء بعض الدهون المحتجزة في أماكنها لتقوم بأخطر عملية ذرية لم تستطع أنت ولا إخوانك العلماء محاكاتها في المختبرات، إنني أقوم بتصنيع مواد كيماوية أخرى تدخل في تركيبها الدهون مع ذرات الهدروجين مع مواد أخرى، وأحولها إلى مواد فيها سلام وشفاء لك من كل سوء، أقول لك إني أقوم بذلك عن طيب خاطر، طالما أنك لم ترسل إلي من الكحولات ما يعطلني عن أداء مهمتي وأعمالي.

*  وتعال معي أحكي لك أيضا عن قصة الحلوى والسكريات بل والنشويات التي تتناولها.

ما من شك أن جسمك يحتاج دائماً إلى المواد السكرية، في كل دقيقة بل في كل ثانية، ولكنك لا تعرف بالضبط الكمية التي تحتاجها، والكمية التي يجب أن تظل في دمك ولا تقل أو تزيد عنها!. أنا كبدك أقوم في صمت شديد بمراقبة ما تتناول من السكريات والنشويات، وحينما يصلني فإني أتولى بنفسي تحويلها إلى مادة أخرى اسمها " الجليكوجين"، وأختزنها في مكانها المخصص لها عندي.

فإذا كنت في عجلة من أمرك، أو كنت تجري، أو تصعد السلم في منزلك فإنك ولا شك تحتاج إلى طاقة. فأقوم في الحال بتحويل الجليكوجين إلى سكريات أحادية أرسلها إلى دمك بحساب دقيق، ويقوم أخي البنكرياس بإفراز مادة الأنسولين وهذه تتسبب في حرق السكريات وتحويلها إلى طاقة تحتاجها أنت. كل هذا يتم في ثوان قليلة وكما قلت لك بحساب دقيق وبتعاون تام بين أجزاء جسمك المختلفة، لو كانت كلها دون خلل.

فإذا تناولت يا صاحبي المسكرات أو المخدرات فماذا يحدث في هذا المختبر الذي ينظمه خالقك وخالقي؟ إن الأمور تختلط علي، ويضيع جزء من مجهوداتي في محاولاتي احتجاز أكبر قدر من هذه السموم حتى لا تصل إلى دمك، ولكن هذه المسكرات، يصل جزء كبير منها إلى الدم قبل أن تمر على كبدك، ويصلني جزء كبير يمنعني عن تنظيم كمية السكريات في دمك، فلا أقوى على تحويل أو اختزان الزائد منها، وبذلك تزداد فرصة إصابتك بمرض السكري، وخصوصاً إذا لم يستطع أخي البنكرياس بدوره أن يساهم في حرق السكريات الزائدة.

* ومما لاشك فيه أن صاحبي ينمو جسمه كل يوم، فتتجدد خلاياه وتتغير تلك الخلايا التي تتلف، ودوري هنا أني أقوم بتصنيع ما تتناوله من بروتينات وتحويلها إلى مواد تدخل في بناء خلايا جسمك فأساعدك على تجديد حيويتك ونشاطك بإذن الله.

*  هل تعلم يا صاحبي أني أختزن مركبات الحديد والنحاس وغيرها بين ثنايا كبدك؟

إنني أستخدم هذه المواد في صنع كريات الدم الحمراء عندما تحتاج لمزيد من الدم بعد عملية جراحية أو بعد نزيف. نعم يا صاحبي: أنا أزودك في دقائق بما فقدته من دماء إذا كنت تحافظ علي وتتركني أعمل دون كحولات. فأنا أرد لك الجميل وأنا مرتاح البال.

* أنا يا صديقي لا أمُن عليك، فأنا منك وبك، ولكني أود أن أذكر لك أن من أهم وظائفي التي ألزمني الله بها، أني أنتج لك كل يوم ما يزيد على لتر ونصف من مادة الصفراء، وأرسلها إلى جهازك الهضمي لتساعده على هضم الدهون وكذلك الفيتامينات الذائبة فيها. ومن حسن حظي أن الطب قد اعترف أخيرا بأني لست مسئولا عن مرض الصفراء، ولكنها مسئوليتك أنت إذا لم تحافظ علي.

* والآن يا عزيزي، هل تعلم أنه إذا جرح أحيانا موضع بجسمك، فإن الأوامر تصدر إلي فوراً من المخ تقول لي، " يا كبد فلان، هناك نزيف في المكان الفلاني يتدفق منه الدم". وسرعان ما أفرز مادة خاصة من مئات المواد التي أصنعها واسمها " الفيبرينوجين" وأرسل بها عبر أوعيتك الدموية إلى مكان النزيف، بالإضافة إلى كيماويات أخرى، تتحدد مع بعضها ويساعدها الهواء، فتقوم بعملية سد الجرح في الحال وتمنع عنك الميكروبات أو التلوث أو الموت نزفاً.

*  هناك يا صاحبي مئات الخدمات أقوم بها وأقدمها لك كل دقيقة إن حفظتني من السموم. ودعني أذكرك ببعضها وأدقَّها جميعا.

 لا شك أنك لا تدري أني أقوم بإفراز مضادات حيوية طبيعية. فأرسلها إلى دمك لتهاجم الجراثيم والميكروبات وخلافة لتقضي عليها فوراً، ولا أتركها تتكاثر فتقضي علينا.

وأخيراً يا صديقي فأنت تشرب الشاي، والقهوة وتتناول العقاقير المسكنة أو العقاقير المنبهة أو المنشطة، أو الأدوية دون استشارة طبيب. ولكني أقوم في مختبراتي بمجهود ضخم، وبما منحني الله من قدرة على العمل، أحول دون تراكم هذه السموم في جسمك، وربما أحولها إلى مواد غير سامة وأرسلها فوراً إلى زميلتي، كِلْيتَك، فتقوم هاتان الكليتان بالتخلص من هذه المواد الزائدة أو الضارة.

وبعد يا صاحبي. هذا قليل من كثير مما أقدمه لك. ومازلت أقدم لك الكثير. وحتى لو اقتطع الجراح جزءاً مني، فأنا كبدك أخفف عنك ما تكابد. وسوف أقدم لك خدماتي كاملة لأني أُضاعف من جهدي بما يتبقى سليماً مني.

وتعال يا صاحبي نتفق سوياً، ونعقد معا معاهدة صداقة وعدم اعتداءٍ.

فإذا لم تكن أكذوبة المدنية الحديثة قد أغرتك بتناول الخمور، وإذا لم يكن أقران السوء قد مهدوا لك طريق الانغماس في تعاطي الكحولات، وإذا كنت قوي الإرادة، متمسكاً بفضائل دينك، فإني أشكرك من كل "كبدي" وأعاهدك أن أظل وفياً مخلصاً مادمت قد ابتعدت عن طريق الإثم الكبير، ولكن!.. قد يهمس شرير في أذنك، أن قليلا من الخمر يصلح المعدة، أو أن الكحول يزيل الآلام، وينسيك الهموم، ولكني أقول لك بأمانة أن الكحول مخدر وقتي أي أن مفعوله مؤقت وقد يسكن الألم إلى حين، ولكنه يعاودك أشد ألماً، بالإضافة إلى ما تتركه المسكرات من آثار تتراكم على مر السنين وتسبب لي التليّف والتوقف.

ورجائي لك إن كنت ممن يتعاطون المسكرات أو المخدرات، أن تتوقف قبل ف5وات الأوان، ولا تيأس من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا، وأعدك، رغم ما سببته لي من تعطيل وآلام، أن أضاعف جهدي، وأبذل أقصى طاقتي لخدمتك، وأن أستخدم ما تبقى مني دون تليَّف. بفعل الخير. أستخدمه بأقصى كفاءة لأعوضك ما فاتك من خدمات جسمانية. وأن أحاول بعون الله أن أخلصك من آثار أم الخبائث مادمت على عهدك محافظاً، وعن الخمور والمحرمات مبتعداً.

بارك الله لك في عقلك، حتى تقرأ وتصدق وتتعظ، وجعلك الله " ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه".

صديقك المخلص كبدك

 

السم المرخص بتداوله في العالم..!

إن الكحول هو السم الوحيد بتداوله على نطاق واسع في العالم كله، ويجده تحت يده كل من يريد أن يهرب من مشاكله ولذا يتناوله بكثرة كل مضطربي الشخصية، ويؤدي هو إلى اضطراب الشخصية، ومرضها. أما الجرعة الواحدة من الكحول قد تسبب التسمم وتؤدي: إما إلى الهيجان. وقد تؤدي إلى الغيبوبة. أما شاربو الخمر المزمنون فيتعرضون للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون.

رئيس قسم الأمراض النفسية بجامعة لندن