طباعة

 توثيق النص

 

 

 

مكافحة المُخدَّراتِ واجبٌ ديني وطني إنساني

للواء جميل محمد الميمان

مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فإن من فضل الله تعالى على عباده أن شرع لهم من الدين ما فيه صلاح دنياهم وأخراهم، ومن رحمته سبحانه أنه لم يفرض عليهم من التكاليف الشرعية إلا ما يطيقون، فأحل الله لعباده الطيبات من الرزق، وحرم عليهم الفواحش والخبائث ونهاهم عن كل ما يفسد دينهم أو يضر بمصلحتهم. فجاءت الشريعة الإسلامية الغرّاء لحفظ كيان الأمة. فأوجبت حماية الضروريات الخمس التي يقوم عليها البناء القوي للمجتمع الصالح وهي حماية النفس والعقل والدين والمال والعرض. وحرمت ما يضر بشيء منها بنصوص محكمة لا تقبل التأويل.

ومن فضل الله تعالى أن رفع الإنسان وفضله على كثير من خلقه، بأن أنعم عليه بالعقل ليكون مسئولا عن تأدية التكاليف الشرعية التي فرضها على الإنسان والتي لم يحصرها سبحانه في الصلاة وغيرها من العبادات. بل إن الإسلام يتطلب من المسلم يقظة فكرية دائمة وتحكيم عقله في كل شيء، واستجلاء كل الظواهر المحيطة به سعياً وراء خير الأمة الذي هو مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية وغاية من غاياتها. لذلك فقد حرم الله سبحانه وتعالى كل ما يضعف العقل أو يذهبه، والمخدرات بمختلف أشكالها وأنواعها محرمة شرعاً لتأثيرها المباشر على العقل، فهي تعطله وتذهب به.

إن تعاطي المواد المخدرة ظاهرة عرفت منذ زمن بعيد، وكانت حتى عام 1940م تنحصر في بعض الدول التي عانت من إساءة استعمال المخدرات الطبيعية ذات الأصل النباتي ( الـحشيش  والأفيون ). وأثناء الحرب العالمية الثانية بدأ الطيارون الألمان يستعملون جرعات من عقار الأمقيتامين المنشط لزيادة عدد طلعات الطيران، ثم تطور الأمر إلى إساءة استخدام العقاقير الأخرى المصنعة سواء المنشطة أو المنومة أو المهلوسة، والتي تنتجها مصانع الأدوية من مواد كيمائية على شكل حبوب أو أقراص أو كبسولات أو حقن أو أشربه، وقد كانت تنتجها أصلاً للأغراض الطبية والعلاجية لبعض الأمراض النفسية أو لتسكين بعض الآلام أو لإذهاب القلق والمساعدة على راحة الإنسان المريض ولكن للأسف، أسيء استعمال تلك العقاقير بشكل رهيب، فشكلت ظاهرة خطيرة أخذت بتلاليب معظم المجتمعات الدولية وأصبحت كظاهرة المخدرات الطبيعية سواء بسواء إذ أنها كلها سموم، بل إن مشكلة العقاقير المخدرة أشد وطأةً وأثراً على المجتمعات الدولية في وقتنا المعاصر، بل وكارثة عظمى تهدد المجتمع الإنساني بسبب سهولة تناولها ووجودها بالصيدليات ومراكز الأدوية، ولتشابهها مع تلك الأدوية التي يستعملها المريض بوصفات طبية مشروعة. وقد نشأت المشكلة بسبب استعمالها بطريق خاطئ يؤدي إلى الإدمان، وتنتج عنه أبلغ الآثار السيئة والأخطار الجسيمة على مستعمليها وعلى المجتمع.

  ولقد أحس المجتمع الدولي بخطورة المشكلة.. فهب إلى إبرام اتفاقية المواد النفسية عام  1971م وضع بمقتضاها نظاما للرقابة على العقاقير ذات التأثير على النفس والعقل بهدف قصر استخدامها للأغراض الطبية والعلمية فقط، وبذلت _ وما زالت تبذل _ من كافة الأجهزة المعينة بشئون المخدرات والهيئات العالمية الصحية جهود مضنية في سبيل التصدي لهذه المشكلة ودرء أخطارها الجسيمة.

ولم يسلم مجتمعنا العربي السعودي من هذه الظاهرة ( استعمال الحبوب المخدرة ) ولكن      _  والحمد لله  _ ما زالت لا تعدو أن تكون دقاً لناقوس الخطر الذي بدأ في الآونة الأخيرة يقرع أسماعنا. والمشكلة إن كانت قائمة، فالوقاية منها والاحتياط لها _ قبل أن تستفحل _ واجب. وهناك دول وقعت فريسة لهذا الداء الوبيل ولم تدرك خطره إلا بعد أن عانت الكثير منه. فعلينا أن نأخذ درساً مما عانته تلك الدول، فالتقى من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه. ومن واجبنا الديني والوطني والإنساني أن نتصدى لهذه الآفة بكل إيمان وجدية لندرأ عن شبابنا أخطارها. وعن مجتمعنا آثارها، فالوقاية خير من العلاج.

والكارثة التي تحل بالفرد وبالمجتمع نتيجة استعماله للمخدرات. تبدأ من مستصغر الشرر. فيبدأ الفرد في تعاطيها لهدف أو لظرف خاص، مثل الطالب الذي يستعمل حبوب الأمفيتامين بهدف اليقظة والسهر للاستذكار وقت الامتحانات، والمرآة التي تأخذ الحبوب لمعالجة البدانة التي تفقدها الشهية لتزيد من نشاطها وقدرتها على القيام بمسئولية بيتها. والعامل الذي يبغي الحفاظ على قواه وزيادة نشاطه وقدراته على العمل والإنتاج، والسائق الذي يتناول الحبوب المنبهة لتساعده على السهر لمواصلة السفر بسيارته، والشارب الذي يجاري صديقه فيستعمل الحبوب المخدرة مجاملة أو تقليدا في ميوعة يريد بها إنعاش نفسه، أو إزالة همومه، أو الهروب من مشاكله العائلية، أو النفسية التي تنتابه نتيجة بعض الظروف التي تحيط به اجتماعياً أو أسرياً، وذلك الذي يتناول الحبوب لأسباب صحية دون استشارة الطبيب. كل هؤلاء واهمون، مخطئون.. إذ أنهم بعد وقت قصير يتأكدون من ذلك. ويشعرون أن كل ما سعوا إليه من استعمالهم للمخدر أثره وقتي، وسريعاً ما يزول، فيدفعهم ذلك بلا شك إلى زيادة الجرعة التي يتعاطونها أملا في تحقيق ما يريدون فيعتادونها، ثم يدمنونها، وهنا تقع الكارثة.

إن إدمان المواد المخدرة يعود بأسوأ النتائج على الفرد في صحته الشخصية وإرادته وعمله وإنتاجه ووضعه الاجتماعي، فيعاني من الأمراض وضعف البنية والشخصية، وينتابه الخمول والوهن، ويفقد السيطرة على تحركاته وأعماله وأقواله، ويتحول إلى شخص يفتقر إلى الطاقة المهنية والحماس والإرادة اللازمة لتحقيق واجباته العادية المألوفة، ويصبح شخصاً كسولاً. سطحياً. متواكلاً. غير موثوق فيه، مهملاً، منحرف المزاج، فينعكس أثره على عمله، وعلى تعامله مع الناس، وغالباً ما يفشل في دراسته، أو يطرد من عمله، أو يقل إيراده، وينعكس كل ذلك على أسرته، فلا تكون له القدرة على رعاية أبنائه وتربيتهم التربية السوية، فهو شخص مهموم مرتبك التفكير، لا همّ له إلا أين، ومتى، وكيف يتعاطى الجرعة التي اعتادها، فيحطم بذلك ذاته وعلاقاته مع أسرته ومعارفه وجماعته، وتصبح أهداف الحياة لديه ثانوية.

ولا شك أن المجتمع يتأثر تأثراً مباشراً من هذه الظاهرة، اقتصاديا، واجتماعيا، وأمنيا. فضعف إنتاج الفرد يؤثر على إنتاج المجتمع. بالإضافة إلى أن دخول العديدين ممن يتعاملون في المواد المخدرة السجن يشكلون عبئاً على اقتصاديات الدولة لما تتكبده من مصاريف باهظة لإعاشتهم ورعايتهم وعلاجهم وهم أيدٍ عاطلة لا يؤدون عملاً، فضلا عما تنفقه الدولة من أموال طائلة على قوات الأمن، وقوات المكافحة، والقضاء، وكان من الأجدى أن تتجه تلك الأموال إلى دعم اقتصاديات المجتمع. ثم إنه يجب أن لا نغفل تلك المبالغ الهائلة التي تضيع سدى خارج البلاد أثماناً للمواد المخدرة. ويا ليتها كانت ثمناً لآلات ومعدات تدعم الاقتصاد الوطني وتنشد الرخاء للمجتمع. كما يجب أن لا نغفل مدى القلق والفزع الذي يلحق أفراد المجتمع من جرائم متعاطي المسكرات والمخدرات، فلقد أكدت الدراسات والإحصائيات ارتباط تعاطي المخدرات بالجريمة، فكلما زادت ظاهرة التعاطي زادت معها معدلات الجرائم المختلفة من قتل وسرقة واعتداء على النفس والعرض، فضلا عن حوادث السيارات والحريق وإصابات العمل. فالمخدرات في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها النظام، ومن يرتكبها يمكن أن يستمرئ لنفسه ارتكاب غيرها من الجرائم، فهي تشجعه على مخالفة الأنظمة الأخرى وارتكابه أفعالا ضارة وتصرفات طائشة، وتزين له نفسه غير الواعية _ تحت تأثير المخدر _ أن يرتكب الفواحش والجرائم فتعرضه لعقوبة السلطة، وتؤدي به إلى السجن. فيفصل من عمله إذا كان موظفا، ويضيع مستقبله، ويضر بأسرته التي يتركها دون عائل. فيتشرد أبناؤه ويسيرون في طريق مظلم دون هادٍ أو راعٍ لهم، ويضلون السبيل وتتفكك الأسرة التي هي عماد المجتمع.

وإن كان عاملا على آلة أو ماكينة، فإنه يتسبب بفعل المخدر وعدم وعيه إلى إتلافها أو إلى إحداث حريق مدمر للمؤسسة التي يعمل بها، أو أن يصاب بإصابة تعجزه عن العمل. أو تودي بحياته. فيخسر نفسه وتخسر أسرته. ولو أن المجال هنا يتسع لسردت الكثير مما صادفني أثناء ممارستي لعملي من مآسي لحقت بأسر انهارت وتشردت بسبب تعاطي عائلها للمخدرات ودخوله السجن، وفصله من عمله وطرده من الخدمة العسكرية، أو موته أو إصابته. وكم من سائقين راحوا ضحية حوادث سيارات وراح معهم ضحايا أبرياء بسبب عدم وعيهم نتيجة استعمالهم للمخدرات. وتشير الإحصائيات والدراسات أن 10%  من حوادث السيارات كانت نتيجة استعمال السائقين للمخدر. وقد ازدادت النسبة إلى 25% حتى أصبحت الآن تشكل السواد الأعظم من أسباب حوادث السيارات والشاحنات خاصة على الطرق.

وإن الشباب _ عدة الأمة ومناط آمالها ورجال الغد والدعامة الأساسية التي يرتكز عليها المجتمع في التنمية ونهضة البلاد _ مُستهدف من أعدائنا لتقويض عزيمته، والفت في عضده لإبعاده عن المشاركة بفاعلية والإسهام بجدية في تقدم الأمة ورقيها وتحقيق آمالها الطموحة في التنمية والازدهار _ فتتجه مشكلة المخدرات اليوم للنيل من شبابنا _ وقد فطنت حكومتنا الرشيدة وبتوجيهات من جلالة مولاي الملك المعظم وسمو ولي عهده الأمين وسمو وزير الداخلية وسمو نائبه إلى الاهتمام بالتصدي لهذه المشكلة، وحماية شباب هذه الأمة من أخطارها، ووقايته من كل ما يعوقه عن المشاركة الإيجابية في عمليات التنمية، وهبت كافة الجهات المعينة ذات العلاقة بالمملكة للمساهمة في المكافحة وحل المشكلة من كافة جوانبها الاجتماعية والصحية والنفسية، كما أن سعادة الفريق أول / عبد الله عبد الرحمن آل الشيخ مدير الأمن العام قد والى عنايته بأعمال المكافحة، بمدها بكل عون ومساعدة في سبيل الضرب على أيدي كل من يتعامل في المواد المخدرة تهريباً، أو تجارةً، أو ترويجاً، أو استعمالاً. وأسأل الله عز وجل أن يهدي شبابنا إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه، وأن يلهمه الصواب والهدى والتقى، وأن يجنبه سوء الأخلاق ما ظهر منها وما بطن إخلاصا لدينه ومليكه ووطنه.

وأختم كلمتي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله _ الشباب الذي نشأ في عبادة الله _ وفق الله شبابنا المسلم إلى تحقيق ذلك، والله الموفق وهو من وراء القصد.

 

القات والوقت والأموال الضائعة

إن الجمهورية العربية اليمنية تخسر سنويا ما يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمائة مليون ساعة عمل هو الوقت الهائل الذي يضيع على أبناء اليمن بسبب مضغ أوراق القات وتخزينه وهو وقت تتبين قيمته في التنمية المطلوبة لهذا البلد الإسلامي فيصيب اقتصادها بخسائر فادحة فضلاً عن ألف مليون ريال ثمناً للقات الذي يستهلكه المواطنون.

( من تقرير المكتب العربي لشئون المخدرات )