طباعة

 توثيق النص

 

 

 

فاجتنبوه لعلكم تفلحون

للشيخ أبي بكر الجزائري

الأستاذ بالدراسات العليا بالجامعة

 

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد فقد قال العلماء: "معرفة سبب نزول الآية يساعد على فهمها".

ومن هنا نورد لك أيها القارئ سبب نزول هذه الآية ليعينك على فهمها بإذن الله تعالى.

روى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهم:أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: فيَّ نزل تحريم الخمر، وذلك أن رجلا من الأنصار صنع طعاماً فدعانا فأتاه ناسٌ فأكلوا وشربوا حتى انتشوا[1]من الخمر، وذلك قبل تحريم الخمر، فتفاخروا، فقالت الأنصار: الأنصار خير، وقالت قريش: قريش خير! فأهوى رجل بلحْيِ[2]جزور فضرب على أنفي ففزره[3]فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ...الآية}.

ولما كان فهم الآية الكريمة يتوقف على فهم كلماتها فإنا نشرح لك أيها القارئ الكلمات التي نرى شرحها ضروريا لما فيها من خفاء لعدم استعمال الناس لها في مخاطباتهم اليوم وهي:

آمنوا: معناها: صدقوا جازمين بالله رباً وإلهاً حقاً، وبمحمد نبياً ورسولاً، وبالإسلام ملة ودينا، وبلقاء الله تعالى وصادق وعده لأوليائه وأهل محبته، ووعيده لأهل عداوته وبغضته.

إنما: هذا الحرف أداة قصر بمعنى أن المحرمات الأربعة التي اشتملت عليها الآية الكريمة وهي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام مقصورة على الرجس فليس فيها خير ولانفع ولا شيء آخر أبداً إلا الرجس فقط.

الخمر: هذا الفظ مأخوذ من التخمير الذي هو التغطية والستر، ومنه خمار المرأة المسلمة التي تغطي بهاراسها وتستر به محاسن وجهها قال تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ}.

وفي الحديث الشريف: " خمّروا الإناء بالليل" أي غطوه واستروه حتى لا يقع فيه ما يفسد ما فيه، فسميت الخمر خمراً لأنها أولا تخمر في إناء وتغطى حتى تشتد وتقذف بالزبد، وثانيا تغطي شعور شاربها وتستر عقله حتى يصبح لايعي ما يقول ولايدرك عاقبة ما يفعل، ولذالك حرمت، وأصبح كل مسكر خمرًا، وكل خمر[4]حرام، وما أسكر قليله فكثيره حرام.

الميسر: هذا الفظ مشتق من اليسر والسهولة؛ لأن المال المتحصل به يحصل بسهولة ويسر أي بدون تعب ولاحصول مشقة، ولا يبعد أن يكون مشتقا أيضا من اليسار الذي هو السعة والغنى، هذا وجه اشتقاق كلمة الميسر، أما حقيقته فهو كل أنواع القمار التي يحصل بها المال بلا كلفة ولامشقة كلعبة الطاولة والنرد والشطرنج والكعاب والجوز والكيرم والورق والدمنو وما إلى ذلك من أنواع الألعاب غير ما أبح الرسول صلى الله عليه وسلم من الرماية والمناضلة والسباق.

الأنصاب: جمع نصب بفتح النون والصاد، أو نُصْب بضم النون وسكون الصاد، حجارة تنصب للعبادة،وكل علم أو تمثال، أوصنم عبد من دون الله تعالى، وتحريمها يشمل عبادتها أو إيقاع العبادة عندها، أو صنعها أو بيعها وشراءها او الرضا بها.

الأزلام: جمع زُلَم بضم الزاي وفتح اللام كصُرَد – طائر معروف – والزلم سهم لا ريش عليه ولا نصل فيه. ويقال له قِدح وجمعه إقداح وأقداح وهو سهم الميسر، كان العرب في الجاهلية يستقسمون بها أي يتعرفون بها إلى ما قسم لهم وقدر من خير أو شر وكيفية الإستسقام بها: أن يكتب على أحدها: أمرني، وعلى الثاني: نهاني، ويترك الثالث غفلا ليس عليه علامةن فإذا أراد أحدهم أن يسافر أو يتاجر أو يحرث أو يبني أو يتزوج وهو لا يدري الخير في أيها يدخل تلك القداح في خريطة ويحركها ويخرج واحدا منها فإن كان الذي عليه أمرني فعل ما أقدم عليه، فإن كان الذي عليه نهاني ترك ما عزم عليه من الأمور، وإن خرج بعد تخليط القداح وتخليطها في الخريطة القدح الغفل أعاد تخليط القداح وتحريكها وأخرج واحداً منها ويعمل بمقتضاه.

ولما جاء الإسلام رحمة الله للعامين حرم الإستقسام بالأزلام ومثله خط الرمل والحساب بالمسبحة،وقرعة الأنبياءن والشوف، والنجوم، والطيرة، والعرافةن والكهانة.

وأعطى المسلمين أحسن بديل وهو الإستخارةن وحقيقتها: إذا أراد المسلم أمرًا كزواج أوطلاق أو تجارة أو حرث أو بناء أو بيع أو شراء أو سفر أو إقامة ولم يدر الخير في أيها صلى ركعتين[5]وسأل الله تعالى أن يختار له ما فيه خيره  عاجلا أو آجلا.

رجس: أي مستقذر فالرجس هو ما استقذر من قول أو عمل أو اعتقاد، والرجز: العذاب مستقذرا كالأوبئة والركس: النَّجس مساً كالروث والعذرة، والنَّجس – فَعِلُ كفرح – المتلوث بالنجاسات ويكون مساً كالجسم المتنجس لما خالطه من أنواع النجاسات، ومعنى كأرواح المشركين والكافرين وأرواح الشياطين وهي أن الرجس في الآية التي نشرحها خبر –والخبر وصف في الحقيقة – عن الربعة المحرمة وهي الخمر والميسر والأنصاب والزلام، إذ ما من واحد منها إلا وهو رجس مستقذر شرعا وعقلا وطبعا لعدم وجود أي نفع أو خير فيه فهو شر كله ولكن وصفه بارجسية أبلغ في التنفير منه.

من عمل الشيطان: الشيطان: إبليس الذي أخرج آدم وزوجه من الجنة بوسوسته لهما وتغريره بهما حيث زين لهما الأكل من الشجرة المنهي عن الأكل منها فأكلا منها فأخرجهما مما كانا فيه، وهو مشتق من شطن الحبل من البئر إذا بعد، وسمي إبليس شيطانا لشدة بعده عن الحق والخير والفضيلة، وكان شرب الخمر ولعب القمار وعبادة الأصنام والإستقسام بالأزلام من عمله، لأنه زينه لفاعله ودفعه إليه وحمله عليه ليهلك به معه والعياذ بالله من الشيطان وشِرْكه وشَرَكه[6].

فاجتنبوه: الفاء حرف عطف وتكون للسببية نحو نزل المطر فنبت العنب، وهي هنا الفصيحة إذ قد أفصحت عن جواب شرْط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن هذه المذكورات الأربعة رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، وذكر الضمير فاجتنبوه باعتبار: المذكور، أو لفظ الرجس والكل صحيح ومعنى اجتنبوه: اتركوا ذلك المذكور جانبا لتبتعدوا بالاجتناب أبلغ، وهو كثير في القرآن.

لعلكم: لعل حرف ترجٍ غالبا وهي هنا كذلك أي اجتنبوا ذلك المذكور لكم رجاء أن تفلحوا.

تفلحون: أي تفوزون. يقال أفلح المرء في عمله نجا من خسارة ما بذله فيه من جهد وظفر بما أراده منه من نفع مصلحة. وعليه فالفلاح معناه الفوز، والفوز: النجاة من المرهوب، والظفر بالمرغوب المحبوب هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالفوز النجاة من النار، ودخول الجنة.

قال تعالى:{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}.

 

معنى الآية الكريمة:

بعد أن عرفت أيها القارئ الكريم معاني كلمات الآية الكريمة المفردة فإليك معناها مركبة؛ نادى الله عباده المؤمنين بوصف الإيمان ليقبلوا عليه ويسمعوا عنه ما يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...} ثم أخبرهم ناصحا مبينا أن الخمر وهي كل مسكر، والميسر وهو كل لعب مُلْهٍ عن ذكر الله، والأنصاب وهي كل ما صرف القلب عن الله تعالى، والأزلام وهي كل تطلع إلى ما أخفاه الله عن عباده مما كتب لهم أوعليهم من خير أو شر. أو ضر أو نفع لحكمة استمرار الحياة واطرادها إلى نهايتها المحدودة لها رجس مستقذر يطلب العقلاء البعد عنه والبراءة منه لضرره وفساده وانعدام النفع منه والخير فيه.

ثم أمرهم بعد أن بين لهم شر وفساد ما أخبرهم عنه من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام أمرهم مرتبا أمره على ما عرفهم من رجسية المذكور أمرهم باجتنابه وهو تركه والبعد عنه، وعدم تحديث النفس بالقرب منه فضلا عن فعله.

وعلل لهم الأمر بترجيتهم للفلاح وتأهلهم لخير الدنيا والآخرة إن هم امتثلوا أمره فتركوا ما أمرهم بتركه من هذه المذكورات الأربعة في الآية وهي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام.

 

ما تضمنته الآية الكريمة من أحكام:

لقد تضمنت الآية الكريمة الأحكام التالية:

1- نجاسة المذكورات الربعة نجاسة معنوية إلا الخمر فقد تكون نجاستها حسية أيضا على خلاف في ذلك.

2- تحريم الخمر صنعا وبيعا وشربا وإهداءً وحملا إذ لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم شارب الخمر وبائعها وحاملها والمحمولة إليه.

3- تحريم الميسر سواء كان بخطر كالقمار أو بدونه، إذ لم يعلل لغريمه بالخطر وإنما علل بكونه رجس، والرجس يجب تركه والبعد عنه، والميسر كل لعب مله إلا ما أباح الشرع من السباق والمناضلة.

4- تحريم الأنصاب وهي التماثيل صنعا وبيعا، وتذكارا وآثارا، وما ينصب للزعماء اليوم تقليدا للكفار من تماثيل لبعض زعماء العرب والمسلمين كتمثال أتاتورك، والأمير عبد القادر، وسعد زغلول، وبورقيبة.

5- تحريم كل تطلع إلى الغيب وبأي واسطة من الوسائط إلا ما رخص الشارع فيه من الإستخارة.

 

ما في الآية الكريمة من الهداية:

لقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنواعًا من الهداية القرآنية: منها أن أهل الإيمان الصحيح هم الذين يتشرفون بخطاب الله تعالى، ويسمون بالاستجابة له تعالى، وينهضون بما يطلب إليهم ربهم ويكلفهم به من أمر ونهي لاكتمال قوتهم بالإيمان وإرادتهم بالمعرفة.

ومنها: أن المجتمع الإيماني الذي أراد الله إيجاده في ظروف ختمت فيها الدنيا بالشر والفساد، شاء تعالى أن يقيم دعامة الحضارة فيه والكمال الإنساني على مبدئ العقيدة السليمة الصحيحة، والطهر التام لظواهر الناس وبواطنهم، فلذا كانت كلمة السر فيه لا إله إلا الله، محمد رسول الله {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت}.

ومنها: أن أولياء الله الذين يعمر بهم الكون، وتزدهر بهم الحياة ، وتتجلى بهم وفيهم الكمالات الإنسانية هم أهل الإيمان والتقوى، ومن عداهم من أهل الكفر والفسق هم ظلمة الحياة وثقلها، وفساد الأرض وخرابها، ولو كلمة الفصل لما كان لهم أن يعمروها دقائق بل ثوان.

وأخيرًا أيها القارئ الكريم وقد أطلت عليك، وما كان لي أن أطيل لولا الحاجة الماسة إلى البيان والبلاغ، فاعلم أن المجتمع البشري مؤمنه وكافره بره وفاجره قد سادته الشرور وانتظمته المفاسد وعمته الظلمات والمظالم، وأصبح يقرب من هاوية سحيقة قد لا يخرج منها إذا وقع فيها إلى يوم القيامة.

وإن كان هناك حيلة لإنقاذه مما يتوقع له فهي الإسلام برافعته العظمى، تلك الرافعة التي انتشلت أقواما ومجتمعات من الحضيض فوضعتهم في مستويات رفيعة ناطحوا بها الجوزاء علوا وسموا، وسادوا فيها الدنيا هداية وقيادة، فسلام عليهم في الماضينن وسلام عليهم في الحاضرين والآتين، أولئك رجال سلف هذه الأمة الطاهرة وصدرها الصلح.

هذه الرافعة هي القرآن الكريم، قال تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} إنها آيات القرآن الكريم، فإذا قيض الله للبشرية رجلا قادها بالقرآن، وساسها به وأصلحها عليه، فقد نجت وسعدت، وإلا فعلى الحياة العفاء، وعلى الدنيا السلام.

 

 

 


[1]  سكروا.

[2] فك بعير.

[3] شقه.

[4] وفي الصحيح " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" رواه مسلم وأبو داود، وفي رواية لمسلم: " كل مسكر خمر وكل خمر حرام".

[5] دعاء الإستخارة دعاء خاص كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن، والدعاء يوجد في الصحاح والسنن وفي كتابنا منهاج المسلم وهو أيسر تخريجا، فليطلب منه.

[6] وشركة الأولى من الشرك الذي هو عبادة غير الله، وشركة الثانية من الشراك الحبائل التي توضع للصيد، وإبليس ينصب شركه وهو تزينه للشر والباطل ليصيد به ابن آدم فيرديه ويهلكه.