|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
||
|
|
||
|
السكران |
||
|
للشيخ محمد المجذوب |
||
|
كلية الدعوة |
||
|
|
||
|
|
||
|
|
||
|
عندما يقع بصرنا على شيء
يسترعى الانتباه نلاحظ أنه يترك صورته ماثلة في خيالنا بعض الوقت، وأكثر ما يكون
ذلك حين نغلق أعيننا عقب رؤيته فإذا هو منطبع على خلفية البصر بكل ما يميزه إلا
تفصيلات الملامح. على أن بعض هذه المرئيات طويلة
الأجل، فلا تكاد تفارق الذاكرة إلا ريثما تعود.؟. ومن أبرزها في أعماق نفسي صورة
ذلك الكهل الأروادي التي ما زالت مخيلتي تحتفظ بها
منذ خمس وستين سنة في وضوح يباين ما يتركه غيرها من الصورة العابرة. |
||
|
ها أنا ذا أنظر إليه من
خلال ركام الذكريات، وأوشك أن أميز كل ظاهرة في هيكله الضئيل الذي ما أحسبه
يتجاوز صورة ابن الرومي، الذي يحدد حجم شخصه بقوله: |
||
|
أنا من خفّ واستدقَّ فما يُثقل |
|
أرضاً ولا يَسُدَّ فضاء |
|
وقد عُبِئ هذا الهيكل في سروال صغير متوسط السعة، أحاط
أعلاه بأسفل قميص متواضع من أرخص الأقمشة، وبرز فوقه ذلك الوجه الأسمر المنمنم،
الذي استقرت عليه سمة غامضة يضيع تحديدها بين العبوس والابتسام، وتُطل من خلالها
عينان لطيفتان لا أستطيع تحديد رؤيتهما لأنه قلما يوجههما
إلى أحد من الناس.. حتى اسمه لا يخلص من ذلك الغموض، فهو في علمنا نحن الصغار
على الأقل يوسف، أما من أمه وأبوه وأسرته فوراء مدركاتنا المحدودة. وما أحسب
أحداً حتى من الكبار يُلِمُّ من تعريفه بغير هذا الاسم، ولا من هُويته بغير تلك
الصفة المشتقة من صناعته اليومية ( الكعَّاك ). |
||
|
*
كان المنزل الذي يسكنه أشبه بغار
صغير مستطيل لا يتخلله الضوء إلا من مدخله الذي لا يتسع لأكثر من اثنين بمثل
حجمه، ففيه يبيت ويأكل ويصنع الكعك، الذي يطوف به أسواقَ طرطوس
وأزقتها عصر كل يومٍ وهو ينادي بصوته الأجش الهزيل. |
||
|
كعك سخن .... سخن يا كعك |
||
|
ولقد ألفت منظر ذلك الكهل الأروادي
إذ لا أكاد أفقد رؤيته في أي يوم، فإذا غدوت إلى حانوت والدي أو رحت منه إلى
البيت، عبرت به فأقف قليلا مقابل مدخله أتطلع إلى يديه وهما تمارسان عمل الكعك،
وبنفسي رغبة في أن أسرق هذه الصنعة لأعلمها والدتي، التي كانت قليلة الخبرة
بصناعة الطعام، وبخاصة المشوقات التي لا تعرف منها سوى رصف الحمص على وجه العجين
المرسل إلى المخبز، حيث تُغير النار من طعمه فتجعله
أقرب القضامة، وكانت تلك هي المكافأة المغرية التي
تُحبِب إلي حمل أقراص الخبز إلى الفرن، لآخذ بحظي منها في كل نوبة.؟. |
||
|
وكان لهدوء ذلك الكهل الأروادي
أثره في تطلعي إلى عمله، إذ قلما يضيق صدره بمشهد الصغار أمام مصنعه فلا ينفرهم
كما يفعل أكثر الرجال الآخرين، وبخاصة ذلك النجار الأخرس الذي ما أن يكاد يرى
إنساناً يحك رأسه حتى يثب نحوه مُعْملاً به كفيه، وهو يرسل مثل مواء الهر
المهتاج. وأكثر ما يقع عدوانه على الصغار الذين لا
يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. |
||
|
وكان لهدوئه كذلك وبعده عن العنف أثر آخر في نفسي إذ كنت
كثيرا ما أستشعر الأسى عليه فأتساءل: أليس لهذا الكعَّاك
من أم أو أب ؟ أليس له من زوج تنفض عنه غبار الوحشة ؟.
وكيف يستطيع العيش مع هذا الظلام الرهيب الذي يحتشد في جوف هذا الغار، ولاسيما
حين يستحكم الليل ؟!. |
||
|
*
وأعود إلى حانوت والدي كشأني بعد كل عصر
لأقرأ عليه ما تلقيته من دروس اليوم في المدرسة التركية، وألتقي الكعاك الكهل في الطريق، وهو يحمل فوق رأسه ذلك الطبق
المصنوع من قش الحنطة، وقد نُضدت عليه أطواق الكعك المحمار،
وانتشر من خلاله الأريج المحرك للرغبة، وجعلتْ حبوب السمسم تلتمع
على جوانبه كالعيون الصغيرة تطل عليك ضاحكة من كل مكان.. وعلى دأب الرجل يعرج
على حانوتنا ليضع لي الكعكة التي لابد منها ويُردفُها
بالصرة الممتعة التي تحتوي مسحوق السُّماق الشهي،
فيأخذ ثمنها القطعة النحاسية الصغيرة، ثم يمضي لغايته دون أن ينبس ببنت شفة، وأمضي
أنا في قضم كعكتي في نهم مهذب، ومن ثم أفرغ للتدرب
على تحسين الخط بمشاكلة القاعدة التي يكتبها لي والدي
برسمه الأنيق، وقلما تتجاوز الأبيات الثلاثة التي تركت طابعها عميقاً في حياتي
وجاهدت طويلا للتحرر من إيحائها: |
||
|
أنست بوحدتي ولزمت بيتي |
|
فطاب الأنسُ لي ونما السرورُ |
|
وأدَّبني الزمان فلا أبالي |
|
هُجرت فلا أزار ولا أزور |
|
ولستُ بسائلٍ ما دمتُ حياً |
|
أسار الجيشُ أم ركب الأميرُ |
|
ويتابع الكعاك
مسيرته ويستمر صوته في نغمه المتشابهة: ( كعك سخن… سخن يا كعك ). |
||
|
وما هي إلا ساعة أو بعضها
حتى يخفت ذلك الصوت، لأن الكعك كله قد أتت عليه أيدي المشترين حتى لم يبق منه
شيء.. ومن ثم تبدأ المرحلة الجديدة من يوميات صاحبه في موعدها، الذي قلما يعدو
مطلع الساعة الأخيرة من النهار، وإذا هو مقبل من أعماق الحي الجنوبي المغلق على
سكانه من النصارى، وقد سمّر بصره في الأرض كالكلب الذي استحكم فيه السُّعار ففقد
خاصة الانتباه، وأخذ طريقه كالسهم الذي لا يلوي على شيء ولا يسلم من إصابته شيء
صادفه، إلا أنه يختلف عنه في اضطراب مسيرته، فهو يترنح ذات اليمين وذات الشمال،
ويحرك يديه في استرخاء كأنه يدفع عن نفسه شيئا يخشاه… وما هي سوى خطوات حتى يحدق
به العفاريت الصغار وهم يهتفون: |
||
|
السكران.. السكران… الله يلعن
السكران. |
||
|
ولكن الكعاك لا يُغير وجهته ولا
يرد على الهتاف بكلمة، بل يستمر في انطلاقته المترنحة، على حين يتنامى موكب الهتافين من حوله، ويأخذ الصياح في التعالي، ثم
يقبل الفارغون من هنا وهناك ليزيدوا في كثافة الموكب، ولا يكتفون بالهتاف يزفونه
به، بل إن صمته ليغريهم بالمزيد من إيذائه، فهم يرمونه بالحصى، وبالأتربة،
وبالأوساخ يجمعونها من قمامة الطريق، ولا يَضنُّ عليه بعضهم بالنعل يقذفه به،
وبالبصاق يلطخ به رأسه ووجهه، فلا يملك إلا أن يضاعف من تحركه ابتغاء الخلاص،
ولكن أنَّى له الخلاص وقد أحيط به من كل جانب، وما كان له أن يستمر في صمته فإذا
هو يعمد إلى الصياح بصوت متشنج لا يفهم منه سوى زعيق
الاستغاثة ولا من مغيث. |
||
|
وهكذا يتواصل خط السير بالمسكين إلى أن يجد نفسه على شاطئ
البحر فلا يتمالك أن يقذف فيه بجسده المنهوك، ولكن مشّيعيه يأبون أن يكفوا عنه
عبثهم، فإذا هم يرجمونه بالحجارة، ثم لا يدعونه حتى يبعد عن مرمى أيديهم، وتحول
بينه وبينهم طلائع العتمة فيفترقون عنه وهم يتصايحون: السكران… السكران… الله
يلعن السكران. |
||
|
وبذلك تنتهي المرحلة الثانية من يوميات الكعاك
ليستأنف مسيرته الجديدة المزدوجة في يومه التالي. |
||
|
*
وتكر
الأيام والسنون ويسجل الزمن عامة التاسع عشر بعد المئة
التاسعة والألف، ويكبر العفاريت الصغار ويتغير واقع الناس بعد زوال شمس الخلافة
وانتشار ظلمات الاحتلال الفرنسي لديار الشام، ويغيب وجه السكران الوحيد الذي كان
الملهاة اليومية لأولئك الأشقياء في طرطوس، فلا يعلم
أحد منا مصيره ولا يدري من أمر هويته شيئاً غير الذي عرفناه من قبل. |
||
|
ومن ذلك العهد دخل الناس مرحلة جديدة من الحياة فقد جاء
جنود غورو، المتحدي لقبر صلاح الدين، بالسكر والأرز
والأمتعة التي ما كان الناس ليحملوا بها أثناء سني الحرب، وكان أبرز هداياهم
لذلك البلد وإخوته البنطال وربطة الرقبة ( الكرافات ) وألوان الخمور التي لم تعرفها طرطوس من قبل، إذ لم ينقص سوى أشهر قليلة على ذلك الاحتلال
حتى شرعت حوانيت الخمارين تطل برأسها هنا وهناك، بعد أن كانت الخمور أيام الكعاك من الأسرار التي لا يعرف مزظانها،
ولا يقدم على تناولها إلا المغامرون بأنفسهم وإنسانياتهم..
وتستمر الأحداث في التطور فإذا الحشيش والأفيون والكوكائين
وما إليها من ضروب المخدرات تأخذ سبيلها إلى أبناء الأعيان الذين وافتهم الحظوظ
بالمزيد من المال، فراحوا يشترون به أصناف المتع التافهة والمدمرة، ويجرون إلى مزالقهم الآخرين من الشباب الذين فُرغوا مثلهم من كل وعي
إسلامي، وسلبوا كل شعور بالمسئولية، فأصبحوا وليس لهم من صفات الأحياء إلا أنهم
يأكلون ويدخنون ويسكرون ويحششون ولا يستحيون أن يتسكعوا في الشوارع وهم متعتَعون ومقهقهون. |
||
|
إلا من
رحم الله... وقليل ما هم. |
||