|
|
|
المُـسْكـرُ والمُخَدَّرُ |
|
للشيخ سعد ندا |
|
المدرس بكلية الحديث
الشريف بالجامعة |
|
|
|
العقل جوهرة يتميز بها الإنسان عن الحيوان، وهو مناط
الإدراك فيه، فبه يفرق بين الخير والشر، ويميز به الخبيث من الطيب، ومن ثم حرص
الإسلام أعظم الحرص على المحافظة عليه، وجعله محل التكاليف الشرعية، إذ قد
أسقطها عمن فقده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رفع
القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ،
وعن الصبي حتى يحتلم " ( رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر
). |
|
وحين نستقرئ آيات القرآن الكريم نجد أن الإشارة إلى العقل
قد تكررت في صيغ مختلفة _ تسعاً وأربعين مرة
[1] _ ورد فيها الاستفهام التقريعي التوبيخي بصيغة " أفلا
تعقلون ؟ " خمس عشرة مرة
[2] في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ
النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ
أَفَلا تَعْقِلُونَ} ( البقرة آية 44 ). |
|
وكذلك في الآيات رقم 76 البقرة، 65 آل عمران، 32 الأنعام،
169 الأعراف، 16 يونس، 51 هود، 109 يوسف، 10 الأنبياء، 67 الأنبياء، 80
المؤمنون، 60 القصص، 62، 68 يونس، 138 الصافات
[3]. |
|
والاستفهام بقوله جل وعلا " أفلا
تعقلون ؟ " يوبخ أولئك المخاطبين، لأن الله منحهم
قولا تدرك، ومع ذلك أبوا إلا أن يطمسوها طمساً تعطل به ولا تستعمل فيما أعدَّها
الله تعالى له، فبدلوا هذه النعمة الجليلة التي أنعم الله بها عليهم كفراً، فلم
ينتفعوا بها شيئا. |
|
وسوف يدركون هذه الحقيقة في الدار الآخرة فيقولون وهم
يتلظون بالنار، كما أشار إليهم الله تعالى في قوله:
{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ
السَّعِيرِ} ( الملك آية 10 ) فهؤلاء أعطاهم الله أسماعاً، وأعطاهم
عقولاً، ولكنهم لم يستعملوا أسماعهم ولا عقولهم في إدراك الحق الذي أنزله الله
تعالى، فكانوا بمثابة الذين انعدمت أسماعهم وعقولهم ولم تغن عنهم شيئا. |
|
* وجاءت
الإشارة إلى العقل بصيغة " لعلكم تعقلون " ثماني مرات
[4] وذلك في قوله تعالى: {كَذَلِكَ
يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (
البقرة آية 73 )، وقوله تعالى: {كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (
البقرة آية 242 )، وكذلك في الآيات رقم 151 الأنعام، 2 يوسف، 61 النور، 67 غافر،
3 الزخرف، 17 الحديد
[5]. |
|
وفي هذه الصيغة يتبين أن
ما سبقها علة لكي يعقل الإنسان ويتدبر، ليفهم عن الله عز وجل ما يلفته إليه. |
|
* وجاءت
الإشارة كذلك إلى العقل بصيغة " لا يعقلون " إحدى عشرة مرة
[6] في قوله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ
آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} ( البقرة آية
170 )، وفي قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا
يَعْقِلُونَ} ( البقرة آية 171 )، وفي الآيات رقم 58 المائدة، 103
المائدة، 22 الأنفال، 42 يونس، 100 يونس، 63 العنكبوت، 43 الزمر، 4 الحجرات، 14 الحشر
[7]. |
|
وقد نعى الله تعالى على من
عناهم في هذه الآيات أنهم لا يستعملون عقولهم بل عطلوها تماما فلم يستفيدوا
بوجودها لديهم، فكأنها منعدمة لا قيام لها فيهم، ومن ثم لم يفهموا ولم يدركوا عن
الله شيئا. |
|
* وجـاءت
الإشارة كذلك إلى العقل بصيغة " يعقلون " ثماني مرات
[8]، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا
يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا
بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ
الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ( البقرة آية 64 ). |
|
ونرى في هذه الصيغة أن الله
تعالى ساق قبلها آيات كونية بثها في أرجاء الكون، أو عبرا من صور الناس، ثم يجعل
هذه الآيات محلا لتسليط العقل عليها للتدبر والاعتبار لمن استخدم عقله للاستفادة
مما لفت إليه تبارك وتعالى. |
|
وقد كررت هذه الصيغة في الآيات رقم 4 الرعد، 12، 67 النحل،
44 الفرقان، 35 العنكبوت، 24 الروم، 28 الروم، 5 الجاثية
[9]. |
|
* وجاءت
الإشارة إلى العقل بصيغة " إن كنتم تعقلون " مرتين
[10] الآية الأولى هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً
مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ
الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ
بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} ( آل عمران آية
118 ) _ ومعنى ( إن كنتم تعقلون ) هنا أي إن كنتم عقلاء، وهذا على سبيل الهزَّ
والتحريك للنفوس كقولك: إن كنت مؤمنا فلا تؤذ الناس. وقال ابن جرير: المعنى: إن
كنتم تعقلون عن الله أمره ونهيه
[11]. |
|
والآية الثانية: هي قوله تعالى: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ
تَعْقِلُونَ} ( الشعراء
الآية 28 ) ومعنى ( إن كنتم تعقلون ) هنا: أي إن كان عندكم عقول لأدركتم أن شروق
الشمس وغروبها في المغرب _ وهو أمر يبصره العاقل والجاهل _ أمر لا يقدر عليه إلا
الله رب العالمـين
[12]. |
|
* وجاءت
الإشارة إلى العقل بصيغة ( عقلوه ) مرة واحدة
[13] في قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ
أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ
اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
( البقرة آية 75 ) والمراد أن اليهود غيروا آيات التوراة بالتبديل والتأويل بعد
أن عقلوها أي بعد أن أدركوها بعقولهم أي فهموها وعرفوها
[14]. |
|
* وجاءت
الإشارة إلى العقل بصيغة ( يعقلها ) مرة واحدة
[15] في قوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ} (
العنكبوت آية 43)، والمراد أن الأمثال التي يبينها الله للناس في القرآن الكريم
لتقريبها إلى أذهانهم لا يدركها ولا يفهمها إلا العالمون الراسخون الذين يعقلون
عن الله عز وجل مراده
[16]. |
|
* أقول:
هذه لمحة موجزة عن الآيات التي وردت فيها الإشارة إلى العقل في القرآن الكريم.
وإذا كانت الإشارة إلى العقل قد تكررت بهذا العدد الوفير، فإن ذلك إن دل على شيء
فإنما يدل على الأهمية العظمى للعقل لأنه مناط الإدراك في الإنسان، ومحل
التكاليف الشرعية التي كلفه الله تعالى بها. |
|
وإذا كان العقل بهذه
المثابة، وله هذه المكانة، وهذه الأهمية، فقد أمر الشارع بالمحافظة عليه ضمن
الكليات الخمس ( الدين _ والنفس _ والعقل _ والمال _ والنسل ) التي
بحفظها يجمع الخير لحياة الإنسان. |
|
ومن ثم فإن اعتداء الإنسان
عليه لتعطيله ووقف عمله، يُعدُّ جريمة يرتكبها الإنسان على بعض نفسه، وعلى إحدى
كلياته وهو العقل، دون أن يجْرم هذا العقل في حق صاحبه شيئا، وعلى ذلك يستحق هذا
المعتدي أن يعاقب تأديباً له على إجرامه. وحين ننظر إلى المسكرات والمخدرات التي
يتعاطاها الإنسان نجد أنها من صور الاعتداء البشعة على عقله، لأنها تخامره
وتخالطه، فتذهب وعيه، وتبدد إدراكه، ويصبح صاحبه المعتدي على نفسه، كالحيوان أو
أضل، لا يفرق بين الخير والشر، لأن أداة التفريق قد أفسدت وعطلت، وانعدمت فيها
قدرة التمييز. |
|
والسكر بالخمر يخامر العقل، ويتخلل جوانبه، فيفسده،
والتخدير بالمخدر يشل العقل، ويوقف عمله. |
|
فهل لعاقل أن يقدم _
باختياره _ على تعطيل آلة غاية في الدقة وهي عقله تسجل له الماضي تسجيلاً دقيقا،
وتساير له الحاضر مسايرة منتظمة، وتتصور له المستقبل تصوراً معقولا ؟ هل لعاقل أن يفسد مثل هذه الآلة في روعة دقتها ؟ وقد فطرها على هذا
الإبداع الفريد الخلاق العظيم ؟ |
|
إن الذي يقدم على إفساد عقله يدل
بفعله هذا على أنه مستغن عن عقله، وليس في حاجة إليه، وأنه يريد أن يكون هكذا
بدون عقل كالحيوان الذي لا يميز، أو كالجماد الذي لا يدرك مما حوله شيئا. |
|
وبين يدي هذه الصورة البشعة تتضح وقفة الشرع الحاسمة في منع
هذا الاعتداء على العقل بالأمر الجازم بعدم قربان حمى المسكر ولا الاقتراب منه،
فقال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا، فإن وَأَطِيعُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا
أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} ( المائدة آية 90 _
92 )، وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات هي جزم قاطع بتحريم الخمر _ وكل مسكر خمر
_ واستدلوا على التحريم القاطع بما يأتي: |
|
1 _ تصدير الآيات بلفظ
( إنما ) وهي تدل على التخصيص والحصر. |
|
2 _ قرن
الخمر والميسر بعبادة الأصنام وهي ( الأنصاب ). |
|
3 _ جعل الخمر والميسر رجسا أي نجسا _ مثل قوله تعالى: { فَاجْتَنِبُوا
الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ}. |
|
4 _ جعل
الخمر والميسر من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه
إلا الشر البحت. |
|
5 _ الأمر بالاجتناب _ أقول: والاجتناب معناه أن يكون المؤمن في
جانب، والمأمور باجتنابه في جانب آخر، ومفهوم هذا أنه لا يأتي قريبا من حماه. |
|
6 _ جعل
الاجتناب من الفلاح. ومفهوم المخالفة أن عدم الاجتناب
خيبة وخسارة. |
|
7 _ ناتج
الوقوع في الخمر والميسر التعادي والتباغض بين الواقعين فيهما، والصد عن ذكر
الله وعن الصلاة. |
|
8 _ قوله
تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}
وهو استفهام تقريع وتوبيخ، فيه زجر بليغ يؤكد التحريم. لهذا
لما سمع عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم قالوا: ( انتهينا ). |
|
9 _ قوله
تعالى بعد هذا الاستفهام {وَأَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا}. |
|
وهذا الأمر وإن كان أمراً مطلقاً، فإن المجيء به في هذا
الموضع يفيد تأكيد التحريم، وقوله تعالى ( احذروا ) أي احذروا مخالفة الله
ورسوله فيما جاء عنهما. |
|
10 _ قوله
تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا
أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}، معناه: إن أعرضتم
عن الامتثال، فقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم الواجب عليه من البلاغ الذي فيه
رشادكم وصلاحكم، ولم تضروا بالمخالفة إلا أنفسكم، وفي هذا من الرجز ما لا يقدرُ
قدره ولا يبلغ مداه
[17]. |
|
والخمر يأخذ حكمه كل مسكر بأي
اسم كان، فقد روى البخاري _ بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: " كل شراب أسكر فهو حرام ".
|
|
* شبهة أولى وردها: |
|
أقول: وقد يعترض بعضهم بأنه يشرب زجاجة من الخمر أو
النبيذ أو البيرة ولا يسكر، ويبني على ذلك أنه يصير _ بعدم إسكاره _ غير محرم. والجواب عن ذلك: أن هذه النظرة قاصرة جاهلة، لأن هذا
الذي يشرب زجاجة واحدة فلا يسكر، لو أنه شرب زجاجتين أو ثلاثا أو أربعا أو خمسا
فإنه يسكر قطعا، وما دام أنه قد سكر من كمية كثيرة، فإن أقل كمية تكون محرمة.
فقد أخرج الترمذي وأبو داود عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول صلى
الله عليه وسلم قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام
"
[18]. |
|
ومن ثم فإن أي شراب يسكر
الكثير منه، يكون القليل منه حراما، وحكم القليل حكم الكثير. |
|
* شبهة ثانية
وردها: |
|
أقول: وقد يعترض البعض بأن المخدرات لم يرد في
القرآن النهي عنها، وكذلك الدخان لم يرد النهي عنه كذلك. |
|
وهذا الاعتراض مردود على صاحبه لما يأتي: |
|
أ _ المخدرات: تتخلل العقل وتخدره،
بل إنها تشله وتذهبه تماما إذا كثرت الكمية المتناولة، وما دام أنها خامرت العقل
وأذهبته، فإن حكمها حكم الخمر، وتكون حراما. |
|
فقد أخرج الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة
رضي الله عنهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مسكر حرام ". |
|
وعن عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
كل مـسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب
منها، لم يشربها في الآخرة ". |
|
رواه البخاري ومسلم ( في باب الأشربة )، وغيرهما. |
|
ومن ثم فإن الحشيش
والأفيون والهروين والقات وغير ذلك مما يذهب العقل كليا أو جزئيا حرام قطعا،
حكمه حكم الخمر. |
|
ب _ أما الدخان: فهو وإن كان غير مسكر
إلا أنه مفتر للجسم، والمفتر هو ما يرخي الجسم، ويضعف الجفون، ويكسر الطرف. وهو
منهي عنه شرعاً. |
|
فعن أم سلمة _ زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم _ رضي الله
تعالى عنها قالت: " نهى رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن كل مسكر ومُفتِر "
[19]. |
|
وبعض الناس يفتون بكراهية الدخان، ولكنه _ فيما يبدو لي _
أنه حرام للأدلة الآتية: |
|
أن الله تعالى قال في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم:{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ
وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ( الأعراف آية 157 ). |
|
أقول: والمأكولات والمشروبات في نظر
الإسلام إما طيبة وإما خبيثة، والطيبات حلال، والخبيثة
حرام. |
|
ونحن إذا سألنا شارب
الدخان: هل هو خبيث أو طيب ؟ ما وجد جوابا إلا أن
يقول: إنه خبيث. ما يختلف في هذا الجواب عاقلان. |
|
حقاً إن الدخان خبيث: |
|
1 _ خبيث لأنه يفسد الأسنان فيحطم أساسها وشكلها. |
|
2 _ خبيث لأنه يضر الفم وينشر فيه الالتهابات الخبيثة. |
|
3 _ خبيث لأنه يضر بالحلق فينشر فيه التقرحات المتنوعة. |
|
4 _ خبيث لأنه يفسد الجهاز التنفسي. |
|
5 _ خبيث لأنه يفسد الجهاز الهضمي. |
|
6 _ خبيث لأنه يفسد الجهاز الدموي. |
|
7 _ خبيث لأنه يفسد الجهاز العصبي. |
|
8 _ خبيث
لأنه يؤثر في محتويات الرأس فيفسد التفكير ويضعف الإدراك. |
|
9 _ خبيث
لأنه يؤدي إلى أمراض خطيرة أعظمها السرطان والعياذ بالله. |
|
10 _ وفوق
ذلك فهو خبيث لأنه يؤدي إلى قتل النفس وإهلاكها وقد أمرنا الله تعالى بأن
لا نقتل أنفسنا، فقال سبحانه: {وَلا تَقْتُلُوا
أَنْفُسَكُم} ( النساء آية 29 )، كما أمرنا بأن لا نهلك أنفسنا فقال
سبحانه: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
التَّهْلُكَةِ} ( البقرة آية 195 ). وسواء قتل الإنسان نفسه حالا أو
على مراحل، كمن يمسك السكين ويطعن نفسه طعنة واحدة قاتلة، أو من يطعن نفسه عدة
طعنات في مواضع مختلفة من جسمه ثم في النهاية تكون الطعنة القاتلة، فإن النتيجة
أنه قاتل لنفسه. وشارب الدخان مثله في قتل نفسه كمن
يطعن نفسه عدة طعنات مرة في ساقه ومرة في ذراعه، ومرة في يده ومرة في قدمه،
والطعنه الأخيرة في صميم قلبه. فهو على أي الأحوال
قاتل لنفسه، وملقٍ بها إلى التهلكة. |
|
11 _ فضلا عن ذلك فإن الدخان خبيث لإتلافه المال، فهذا
الذي يشتري علبة الدخان بريال مثلا ويحرقها كأنه أشعل في الريال وأحرقه _ وقد
نهينا عن إضاعة المال وإتلافه. |
|
12 _ زيادة على ما ذكرت فإن الدخان خبيث في رائحته، فنتن
رائحته التي تنبعث من فم المدخن خبيثة للغاية. وإذا كان الرسول صلى الله عليه
وسلم قد منع آكل البصل والثوم والكراث _ وهذه شجرات غير محرمة _ من قربان المسجد
واعتزاله لخبث رائحتها، فما بالنا بمدخن الدخان ورائحته أشد نتنا وأكثر خبثاً،
مما ينبغي معه أن يعتزل المسجد ويمنع من دخوله؟ |
|
وبناء على ما ذكرت فإنه يبدو
لي أن الدخان حرام قطعاً لأنه من الخبائث، والخبائث كلها ( محرمة ) وليست مكروهة
كما يزعم بعض الذين لا يعلمون. |
|
خطورة المسكرات والمخدرات على الفرد والأمة: |
|
بعد هذه العجالة، أحب أن أتساءل،
لأبرز مدى خطورة المسكرات والمخدرات على الفرد والأمة. |
|
هب أن حريقا شب في منزل مجاور لك، وأحسست بلهبه،
فعجلت إلى جيرانك لتنبههم إلى شبوب الحريق واندلاعه في منزلهم، فوجدت أفراد
المنزل سكارى، ففتح أحدهم لك بابه ثم أغلقه في وجهك، والنار تشتعل في داخل المنزل
_ فماذا تكون النتيجة .؟ |
|
النتيجة أن النار تلتهم المنزل
بما فيه من السكارى، فلا تبق على أحد منهم ولا تذر. |
|
وبالمثل لو أن حريقا هائلا شب
في منازل الأمة، وحاولت أن تنبه إليهم أفرادها، فإذا هم جميعا سكارى ؟ فماذا
تكون النتيجة .؟ |
|
النتيجة أيضا أن الحريق يقضي
على الأمة بأسرها لا يبقى منها على شيء. |
|
وهكذا إذا سكرت العقول
وتخدرت، تعطلت، وشُلت، فزحفت عليها زواحف الشر والطغيان، فأهلكتها وقضت عليها،
وأفرادها لا يدرون ولا يحسون، بل يتحركون كالأنعام حركات آلية، عديمة الإدراك،
يلقون حتفهم بأظلافهم. |
|
إن الأمر جد خطير، وينبغي أن يوضع لتلك المبيدات حد
من أولى الأمر في كل دولة، فالله يزع بالسلطان مالا يزعُ بالقرآن. |
|
اللهم أرشدنا إلى الحق، وخذ
بنواصينا وقلوبنا إليه، إنك جواد كريم، وأنت ولينا وأنت نعم النصير، وصلى الله
على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |
|
زيادة
نسبة الأمراض بسبب التدخين |
|
أهم الأمراض التي تزيد
نسبتها في التدخين هي سرطان الرئة، أمراض الشرايين الإكليلية، أمراض تضيق
الشرايين، سرطان الشفة واللسان والفم و الحنجرة و اللهاة و المرئ و المثانة و
القرحة و الإنثي عشرية. |
|
|
|
[1]
المعجم المفهرس. |
|
[2] المرجع السابق. |
|
[3] المرجع السابق. |
|
[4] المعجم المفهرس. |
|
[5] المرجع السابق. |
|
[6] المرجع السابق. |
|
[7] المرجع السابق. |
|
[8] المرجع السابق. |
|
[9] المعجم المفهرس. |
|
[10]
المعجم المفهرس. |
|
[11]
صفوة التفسير المجلد الأول ص |
|
[12] المرجع السابق
المجلد الثاني 377. |
|
[13] المعجم المفهرس. |
|
[14]
صفوة التفسير المجلد الأول ص 7. |
|
[15] المعجم المفهرس. |
|
[16] صفوة التفسير. |
|
[17]
فتح القدير الجزء الثاني ص 73 _ 74 _ ببعض تصرف. |
|
[18]
رواه الترمذي في الأشربة باب ما أسكر كثيره فقليله حرام، ورواه أبو
داود في الأشربة باب النهي عن المسكر: ورجال إسناده ثقات، وحسنه الترمذي. |
|
[19] أخرجه أبو داود في الأشربة باب ( النهي عن المسكر ) وفي سنده ضعف. وقد حسنه الحافظ في الفتح _ انظر: جامع الأصول ج5 ص 93. |