طباعة

 توثيق النص

 

 

 

كلمة التحرير

لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه.

أما بعد. فإن الخير والشر ضدان لا يجتمعان، والخير حق والشر باطل، وهما في الضدية في صراع لا يهدأ، وتصير الغلبة لأحدهما على الآخر دوليك، وإنما تحصل هذه الغلبة على أيدي البشر أنفسهم لكن الحق يمتاز بالغلبة على الباطل بأن الله تبارك وتعالى يكون مع أهله ما صدقوا معه، فلا يخضع النصر للقوة المادية بالمقاييس البشري، بخلاف الباطل فإنه لابد لتفوقه من أمرين: القوة المادية الكاسحة وغفلة أهل الحق عن الأخذ بما أمر به الله من الأسباب الإيمانية والقوة المادية التي أمر الله عباده أن يهيئوا لأعدائهم بالإعداد لهم بحسب الاستطاعة.

وبهذه المقدمة يتبين أن واقع المسلمين اليوم مع أعدائهم إنما هو محصلة لهذين السببين.

وما حصل من خلل في بنية المجتمع البشري إنما المسؤول عنه غيبة الإسلام عن حكم واقعهم.

إن الإسلام لا يقر الظلم بجميع صوره وأشكاله يمارس ضد أحد، فالظلم حرام سواء كان ذلك بطريق مباشر أو بغير طريق مباشر، ومن أجل ذلك تأسست الحدود الشرعية لمنع الظلم وكبح جناح الظالمين الذين يزاولون الظلم ضد أمن البشرية في دينها وفي كيانها وفي عقولها وفي كل ما يتصل بحياتها.

ومن ذلك أن الله تبارك وتعالى خمر الخمر تحريما قاطعا بحيث لا يقرب الإنسان حماها، لأنها فضلا عن إصابتها العقل – مناط الإدراك في الإنسان – بالشلل بحيث يعيش منقادا لغيره عديم الإرادة كالحيوان، فإنها توقع العداوة والبغضاء بين الذين سقطوا في تعاطيها، وتصدهم عن الله صدا كبيرا، يقول جل ذكره {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}.

وبينت السنة النبوية المطهرة العقوبة الواجبة التي يستحقها من يشرب الخمر حماية لعقول الأمة وتجنيباً للعلل والأسقام عن الفتك بصحة أجسامها وأخلاقها بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل من ساهم في إبراز الخمر إلى حيز الوجود وإعدادها لتكون في متناول الشاربين، فلعن عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها، ومعنى هذا أن كل من يسهم بنصيب في تيسير أمر تعاطيها تنسحب عليه لعنة الله التي تتضمن طرده من رحمته.

وإن أخطر من ينالهم شر هذه الخمر المتوهج، إنما هو الشباب الذي تعلق عليه الأمة عريض أمالها وتعهد إليه فيما بعد جسام مسؤولياتها، إذا لو أن الخمر ملكت عليه نفسه وأصرت لبه وتمكنت من قلبه لأفسدت عليه حياته وقوضت عليه أركانه ومن ثم ضاعت ما كانت الأمة تأمله فيه من خير.

ويلحق بالخمر في حكمها وآثارها الخطيرة كافة المخدرات والمفترات ومشتقاتهما من بيرة وحشيش وأفيون وكوكايين وقات وما شاكل ذلك بأي اسم وبأي لون مما يعد من أكبر المعاول في تدمير صرح الأمة والقضاء على كيانها.

والله تبارك وتعالى حين كلف المكلفين خاطب فيهم العقل الواعي، فإذا أهلك هذا العقل فبأي شيء يعي الإنسان ويعقل عن الله؟ ألا إنه يصير في تلك الحال كالحيوان الأدنى {أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}.

ويجب أن يعلم أن إقامة الحد واجب الدولة الإسلامية، ولا ريب أنه يجب على العلماء والمفكرين بيان شرع الله في الحل والحرمة المتعلقين بحياة الناس مما تكفل كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بإيضاح أحكامها وإنما مؤتمر مكافحة المخدرات والمسكرات التي تقيمه الجامعة الإسلامية في 27/5/1402هـ إن شاء الله بالتعاون مع مقام وزارة الداخلية إنما هو تكريس لأفكار العلماء والباحثين المسلمين وغيرهم في بيان حكم الله في هذه الجرثومة الضارة للعقل والبدن وإقتصاد الأمة وأخلاقها والكشف عن هذا الخطر الداهم الذي يجعل من أفراد الأمة دمى لا روح فيها ولا حياة، فيسهل حينئذ على أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة وأعوانهم أن يملكوهم ويلتهموا ثرواتهم ويسخروهم كالآلات في خدماتهم ويشكلوهم أشكالا منوعة حسب ما يريدون مع الإستفادة بالاستشهاد بما توصل إليه إنسان هذا القرن بما هيأ الله له من وسائل التقنية (والتكنلوجيا) في تقرير حقائق هذه المسكرات والمخدرات، عسى أن يكون في ذلك مساهمة نافعة يفيئ بها الإنسان المنهمك في تناول هذه الأوبئة إلى رشده ويعرف موضع الخطر ويدرك عمق الهاوية التي يتردى فيها من ينزلق إلى حمأة هذه الرذيلة، فلعله أن يرعوي، ويقلع عن مقارفة هذه الجريمة التي تنطلق منها الجرائم جميعا.

وإذا كانت الجامعة الإسلامية تقيم هذا المؤتمر فإنها إنما تؤدي واجباً هو من طبيعة وظيفتها في الدعوة والتبصير، فقد حدد نظامها الأساسي أنها مؤسسة علمية ودعوية كذلك وأن عليها أن تتخذ كافة الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الهدف على هدي من الكتاب والسنة، وهي في ذلك تتأسى بالداعي الأول، إمام الهدى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أمره ربّه أن يعلن على العالمين منهج دعوته بقوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}.

بيد أنها بما تشتمل عليه من قدرة بشرية وإمكانات معنوية ومادية مؤهلة للقيام بهذا الواجب أصلاً، الذي يعد من صميم ما نيط بها لتقوم به نحو العالم الإسلامي خاصة، ونحو العالم بأسره عامة، فرسالة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إنما هي للناس جميعاً {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً }، وما كانت كذلك إلا رحمة لهم لاستنقاذهم من وهدات الضلال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

هذا وقد دعت الجامعة لحضور هذا المؤتمر الهام حشدا من العلماء والمفكرين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي الذين نهلوا من علوم الشريعة، وجمعوا من خبرات الحياة ما يمكنهم من الإسهام في التوجيه في هذا المؤتمر، ليتوفر للبحث الذي يقوم عليه المؤتمر ما يجعله جديراً بالوفاء بكل مقومات البيان والإقناع بإذن الله عز وجل.

وإنني بهذه المناسبة لأتقدم بالشكر لله عز وجل ثم لقادة هذه المملكة المسلمة، فقد توفر على أيديهم للمسلمين في كل مكان كل أسباب التمكين والنماء لجامعتهم الإسلامية، ولا نستطيع أن نفيهم حقهم كفاء ما قدموا للمسلمين في هذه الجامعة العتيدة سوى الدعاء بأن يديم الله على هذه البلاد عزها وأمنها في ظل عقيد الإسلام وشريعته بقيادة جلالة الملك المعظم وصاحب السمو الملكي ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الأعلى للجامعة الإسلامية حفظهما الله وأيدهما ونصر بهما الحق وأهله.

وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.