طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار

الدكتور أحمد طه ريان

أستاذ مساعد بجامعة الأزهر

 

 

وإتماما لما سبق نشره في حلقتين سابقتين في موضوع (رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليه من آثار) بسوق هذه الحلقة الثالثة فيما يلي:

 

رأي جمهور الفقهاء:

يرى جمهور الفقهاء وهو عدا من ذكرنا في الرأي السابق أن الفطر في السفر خلال شهر رمضان رخصة يجوز الأخذ بها ويجوز تركها والصيام عملا بالعزيمة..

وأهم الأدلة التي استند إليها هذا الفريق ما يلي:

الأول: قوله تعالى: {.. وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}..الآية وقد تقدم أن تقرير الآية على رأي هذا الفريق: ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر..

كما سبقت الإشارة إلى أن الفريق الأول: يرى أن هذا التقرير من شأنه تخصيص الآية، وليس خناك دليل على التخصيص، بل يجب أن تبقى الآية عامة كما جاءت، وقد سبق الرد عليه مفصلا..

الثاني: حديث ابن عباس المتقدم في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح حتى بلغ الكديد ثم أفطر. ثم قول ابن عباس تعليقا عليه: "لقد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر"..

 

وجه الدلالة فيه من وجهين:

الوجه الأول: أن رسول الله ابتدأ السفر صائما واستمر كذلك حتى لم يبق من انتهاء الرحلة إلا مرحلتين، فلو لم يكن الصوم في السفر جائزا لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول سفره حتى بلوغه عسفان أو ما حولها..

الوجه الثاني: أن السفر كان ديدنه صلى الله عليه وسلم قبل هذه الرحلة وبعدها: ففي حديث أبي الدرداء المتقدم "..وما منا من أحد صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة"[1]..

وما قيل، من أن فطره في هذه الغزوة، كان ناسخا لجواز الصيام في السفر قبل ذلك.. استنادا إلى ما قيل: من أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر، فغير مسلم. وقد تقدم الرد عليه مفصلا..

وما جاء من حديث أبي سعيد..من قوله: "ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر"[2] واضح في حدوث الصوم بعد هذه الواقعة منه صلى الله عليه وسلم أو من أصحابه مع اطلاعه عليهم وهم صائمون، وهو ما يستفاد من ذكر لفظ ((مع)) في الحديث.

كما هو واضح في بيان أن الفطر الذي حدث منه صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة؟ إنما هو من قبيل أخذه بالرخصة، وليس من قبيل نسخ الجواز.

الدليل الثالث: بيانه صلى الله عليه وسلم أن الفطر في السفر رخصة، وأن الرخصة يجوز الأخذ بها ويجوز تركها والأخذ بالعزيمة، وذلك في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي المتقدم.. حيث جاء فيه "..هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"[3].

ولقد جاء في رواية لهذا الحديث أخرجها الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى وأبي داود وسكت عنها عن طريق حمزة بن محمد بن حمزة حفيد السائل تبين أن السؤال كان عن صيام شهر رمضان في السفر، إذ جاء فيه "قلت يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر، يعني شهر رمضان وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أؤخره فيكون دينا أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر، قال: أي ذلك شئت يا حمزة"[4]..

فهذا الحديث يوضح أن السؤال كان عن صيام شهر رمضان وهو وإن كان ابن حزم وابن حبان، قد ضعفا رواية حمزة بن محمد بن حمزة[5]. إلا أن له شاهدا من حديث حمزة بن عمرو المخرج في الصحيحين وغيرهما..

وأما على رأي من يقول: إن سؤال حمزة كان عن صيام التطوع فإنه ليس في الحديث ما يشير إلى تخصيص السؤال بذلك 

وعلى فرض أن السؤال كان في صيام التطوع؟ فإن العبرة برد الرسول عليه الصلاة والسلام الذي جاء بصيغة عامة تشمل جميع أنواع الصيام سواء كان صيام فرض أو تطوع.

وحتى لو كانت الإجابة تخصص بنوع السؤال وهذا على افتراض أن السؤال كان عن صيام التطوع، فإن هذا الحكم يشمل صيام شهر رمضان من باب أولى، لأنه إذا تكبد الإنسان صيام التطوع في السفر وليس عليه في تركه شيء فإن تكبده الصيام الواجب من باب أولى، لأنه إن تركه سيكون دينا عليه..

وقد نوقش هذا الحديث، بأن الرخصة المشار إليها فيه قد خرجت من باب التخيير للعبد، إلى وجوب الالتزام بها، إذ جاء في نهاية الحديث "ليس البر أن تصوموا في السفر" زيادة توجب قبولها، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم"[6]

يجاب عن ذلك، بأنه جاء في صحيح مسلم ما يفيد أن هذه الزيادة غير محفوظة، إذ قال شعبة: "وكان يبلغني عن يحي بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث ليس البر.. الخ وفي هذا الإسناد أنه قال: عليكم برخصة الله الذي رخص لكم. قال: فلما سألته لم يحفظه[7].

وعلى فرض صحة هذه الزيادة، فإنه يجاب عنها بأن الأمر هنا خاص بمثل هذا الرجل الذي ترك الرخصة وفضل عليها إهلاك نفسه أو بمن ترك الرخصة رغبة عنها. ((والله أعلم)).

الدليل الرابع:

عدم إنكاره صلى الله عليه وسلم على من كان يصوم في سفره معه، فقد جاء في حديث أبي سعيد قوله: "كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره"[8].

ومعلوم أن القصد: من ذكر ما يفيد المعية هنا وإيراد: يعاب بصيغة، البناء للمجهول: تأكيد اطلاع الرسول عليه الصلاة والسلام على حالهم وأنه مع ذلك لم يعب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره..

ثم إن ذكر أبي سعيد هذا الحديث بلفظ كنا نشعر، بأن ذلك الحال كان دائما، حتى وفاته صلى الله عليه وسلم لأنه صرح بهذا القول بعد وفاته عليه الصلاة والسلام..

الدليل الخامس: فهم الصحابة رضي الله عنهم رخصة الفطر في السفر وأنها تعني الإباحة لا الوجوب واستمرارهم على هذا الفهم، سواء في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام أو بعد وفاته، فمن ذلك:

حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم قالا: "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض.. "[9].

وحديث أبي خالد الأحمر عن حميد قال خرجت فصمت فقالوا لي أعد قال: قلت: "إن أنسا أخبرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، فلقيت ابن أبي مليكة، فأخبرني عن عائشة رضي الله عنها بمثله"[10].

الدليل السادس: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت، فقال: أحسنت يا عائشة" رواه الدارقطني وقال هذا إسناد حسن وأخرجه النسائي ولم يذكر فيه: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان (( وجاء في نهايته )) لفظ "وما عاب علي"[11]. ونقله النووي في المجموع واحتج به[12].

وقد ضعف العلماء هذا الحديث: لأن في إسناده العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي عنها، وقد قال ابن حبان في العلاء بن زهير: أولا أنه ثقة. ثم تناقض فيه بعد ذلك فقال: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات. وقال ابن حزم: مجهول وقال ابن معين: ثقة وقال عبد الحق: إنه ثقة مشهور والحديث الذي رواه في القصر صحيح، ورجح الذهبي توثيق ابن معين له وأما عبد الرحمن بن الأسود، فقد اختلف في سماعه منها، فقال الدارقطني: أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق. قال الحافظ ابن حجر: وهو كما قال، ففي تاريخ البخاري وغيرها ما يشهد لذلك. وقال أبو حاتم: أدخل عليها وهو صغير لم يسمع منها, وادعى ابن أبي شيبة الطحاوي ثبوت سماعه منها.

فظهر من أقوال رجال الجرح والتعديل: أن الحديث لا بأس به من جهة السند لأن العبرة كما قال الذهبي: بتوثيق ابن معين للعلاء بن زهير.

كما ثبت سماع عبد الرحمن بن الأسود من عائشة، إذ جاء في تاريخ البخاري أنه كان يدخل عليها وهو صغير دون استئذان فلما احتلم استأذن فعرفت صوته فقالت يا عدو نفسه؟ أفعلتها. قال: نعم يا أمتاه قالت ادخل[13].

وقال البعض: إن حديث عائشة هذا فيه نكارة من جهة المتن، إذ فيه أن عائشة خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان مع أن الثابت أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر ليس منها في رمضان شيء..

وقد أجيب عن ذلك: بأن هذه العمرة لعلها حدثت في شوال وكان الخروج إليها في رمضان في غزوة الفتح[14] والله أعلم بالصواب.

ونكتفي بهذا القدر من الأدلة المأخوذة من السنة على رأي الجمهور في جواز الأمرين، الصوم والفطر في السفر خلال شهر رمضان.

 

أما الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم فكثيرة نكتفي بأمثلة عنها:

أ_ ما رواه البيهقي بسنده إلى أبي الفيض، قال: كنت في غزوة الشام فخطب مسلمة ابن عبد الملك، فقال: من صام رمضان في السفر فليقضه، فسألت أبا قرصافة رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو صمت ثم صمت حتى عد عشرا لم أقضه"[15]..

ب_ ما نقله صاحب الفتح عن الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة : سألت أنس ابن مالك عن الصوم في السفر فقال: "لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال: قلت له فأين هذه الآية {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعا وننزل على غير شبع وأما اليوم فنرتحل شباعا وننزل على شبع"

قال الحافظ ابن حجر تعقيبا على ذلك: "أشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم" [16]

وأقول: إن أمر أنس لغلامه بالصوم، من أوضح الأدلة على جواز الصيام في السفر في شهر رمضان، لأن أنس أكثر الصحابة التصاقا برسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة بشأنه..

ج_ ما أخرجه البيهقي بسنده إلى ابن سيرين عن عثمان بن أبي العاص قال: "الصوم في السفر أحب إلي" كما روي عن ابن مسعود بمعناه[17].

 

أما ما روي عن التابعين:

فقد روى النسائي عن حميد بن مسعدة عن سفيان عن العوام بن حوشب قال قلت لمجاهد: الصوم في السفر، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ويفطر"[18].

كما روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: "إذا أهل الرجل رمضان في أهله وصام منه أيام ثم سافر فإن شاء صام وإن شاء أفطر"[19]..

 

الرأي المختار:

بعد هذا العرض الموجز لأهم الأدلة التي استدل بها الفريقان، وما أثير حولها من المناقشات، نرى أن المختار هو رأي الفريق الثاني وأنه أقربها للسنة المحكمة وذلك لما يلي:

أ_ إن العمل بالرأي الأول: يقتضي طرح العمل بكثير من النصوص الصحيحة الثابتة التي تفيد أن الفطر في سفر رمضان رخصة يترك العمل بها لاختيار المسلم، بخلاف العمل بالرأي الثاني فإنه يقتضي العمل بكل النصوص وذلك بإمكان الجمع بين أدلة الفريقين. والجمع بين الأدلة والعمل بها كلها واجب ما أمكن..

ب_إن القول بوجوب الفطر في السفر قد يكون فيه مشقة لمن كان دائم السفر كالسائقين والمضيفين في الطائرات وكل العاملين في مجال المواصلات من سيارات وطائرات وسفن وغيرها إذ هؤلاء وأمثالهم لو ألزموا بالفطر في سفرهم خلال رمضان لصار صوم الشهر دينا ثابتا يتراكم عليهم عاما بعد عام بل ربما يموتون وعليهم صيام سنين، وقد وضح ذلك من خلال قصة حمزة بن عمرو الأسلمي..

ج_ في هذا العصر وبعد التقدم الكبير في وسائل المواصلات والذي جعل السفر الآن لدى قطاعات كبيرة من المسلمين أقرب للمتعة منه إلى المشقة التي شرع الفطر من أجلها. فإن المسلم قد يرى الصائم أيسر عنده من الفطر، أولا: لعدم إحساسه بالمشقة التي تضعفه عن تحمل الصيام..، وثانيا: لأن الفطر سيترتب عليه أن تظل هذه الأيام دينا في رقبته ويطالب بقضائها بعد انتهاء السفر.. والله أعلم..

 

أيهما الأفضل: الصيام أم الفطر للمسافر القادر على الصيام دون مشقة؟

بعد أن بينا بوضوح حكم الصوم والفطر للمسافر خلال شهر رمضان وهو جواز الأمرين. نبين الآن، مدى هذا الجواز بالنسبة للشخص القادر على الصيام بدون ضرر عليه، وبمعنى أوضح، هل هذا الجواز يقف عند حده الأدنى، أي أن الصوم والفطر يستويان في الفضل بدون زيادة لأحدهما على الآخر فيه، أو أن أحدهما أكثر فضلا من الآخر، فينبغي المصير إليه، ندبا أو استحبابا؟ لبيان ذلك نقول:

 

من يرى أفضلية الصوم عن الفطر:

نقلت أفضلية الصوم عن الفطر للمسافر القادر على الصوم بدون مشقة عن عدد كبير من الصحابة والتابعين وفقهاء الإسلام، نذكر منهم على سبيل المثال:

من الصحابة: حذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص، وابن مسعود، وأبو قرصافة.

ومن التابعين: عروة بن الزبير، والأسود بن يزيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث، وسعيد بن جبير، والنخعي، والفضيل بن عياض

ومن الفقهاء: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبو ثور، وآخرون[20].

 

من أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:

1_ حديث أبي الدرداء المتقدم وفيه "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة"[21].

فإدامة الرسول صلى الله عليه وسلم الصيام في السفر مع وجود الرخصة في الفطر، والتي أخذ بها أصحابه رضي الله عنهم، إرشاد إلى أفضلية الصيام لمن قدر عليه بدون ضرر.

ويناقش هذا الاستدلال، بأن السفر المشار إليه في هذا الحديث، كان قبل غزوة الفتح التي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر فيها واستمر على الفطر في السفر بعدها، لحديث: "إنه كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم" والعبرة بما كان عليه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته..

وإنما قلنا إن هذا السفر كان قبل غزوة الفتح، لأن عبد الله بن رواحة، قتل في مؤتة وكان ذلك قبل غزوة الفتح، وإن كانتا في سنة واحدة كما يذكر ذلك كثير من أصحاب المغازي.ويجاب عن هذه المناقشة، بأنه يكفي في ثبوت الاستدلال: وجود الرخصة في الفطر التي أخذ بها كل الأصحاب ما عدا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه.

كما ثبت من خلال دراستنا للمسألة السابقة، أن فطر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، إنما كان عملا بالرخصة تشجيعا لأصحابه على الفطر بعد أن تردد أكثرهم فيه لما يرون من صيامه صلى الله عليه وسلم وقد جاء ذلك واضحا في رواية لحديث جابر بن عبد الله عن طريق قتيبة بن سعيد عن الدراوردي عن جعفر "فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر"[22].

2_ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتقدم وقد جاء فيه: "..لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر"[23].

يشير تصريح أبي سعيد باستئناف الصيام بعد غزوة الفتح، إلى أن الفطر في هذه الغزوة كان لظروف معينة، وهي شدة الحر وشعور الناس بمشقة الصيام، ثم للتقوى استعدادا لملاقاة الأعداء وأخيرا لإزالة الأحجام والتردد عن بعض النفوس التي توقفت عن الأخذ بالرخصة لعدم أخذه صلى الله عليه وسلم بها واستمرار صيامه. أما بعد أن زالت هذه الظروف أو تغير أكثرها فإنهم رجعوا إلى الصيام في السفر، وما ذلك إلا لأفضليته على الفطر فيه..

3_حديث عائشة رضي الله عنها "قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال لها صلى الله عليه وسلم أحسنت يا عائشة" وقد تقدم الحديث وما قيل فيه..

4_ وقد أشار بعض العلماء هنا إلى دليل عقلي، مؤداه: إذا كان ولا بد من الصيام، أداء في رمضان أو قضاء في غيره، فأداؤه في رمضان أفضل من قضائه في غيره وذلك لأفضلية الأداء على القضاء بصفة عامة ولأن رمضان أفضل الوقتين، وحتى لا تشتغل ذمته به فترة من الوقت ولا يدري ما يطرأ عليه فيها[24].

 

من يرى أفضلية الفطر على الصيام:

من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر. ومن التابعين: ابن المسيب، والشعبي و. ومن الفقهاء: الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبد الملك بن الماجشون المالكي..

 

من أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:

1_ حديث جابر المتقدم وفيه: "..ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له: بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة"..

فإن فطره صلى الله عليه وسلم بمرأى من الناس ثم وصفه بعد ذلك للصائمين، بالعصاة، يشعر بأفضلية الفطر عن الصوم في السفر

ويناقش هذا الاستدلال بأن فطره صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة بالذات وبمرأى من الناس كان لظروف خاصة بها وقد أشرنا إليها قريبا أما وصف الصائمين بالعصاة فإنما كان للمخالفة في تنفيذ أمر الفطر الذي أصدره صلى الله عليه وسلم والذي أوضحه حديث أبي سعيد رضي الله عنه "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال؟ إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا وكانت عزمة فأفطرنا"[25].

2_ حديث جابر بن عبد الله أيضا "ليس البر أن تصوموا في السفر" فنفى الرسول عليه الصلاة والسلام البر عن الصيام في السفر يريد أن الفطر أفضل منه.

ويناقش هذا الاستدلال بأن الصوم المنفي عنه البر: هو الذي يقوم به شخص لا يقدر عليه، وبالتالي يؤدي إلى إتلافه، فمثل هذا يكون الفطر في حقه أفضل. وليس المراد نفي البر عن عموم الصوم في السفر..

3_ حديث ابن عباس رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر قال: وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره"[26]..

فالفطر كان هو أحدث الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتباعه فيه أفضل من الصيام..

ويناقش، بأن فطره في هذه الغزوة كان لأسباب خاصة أوضحناها قريبا كما سلفت الإشارة إلى أن عبارة "وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم..الخ" مدرجة في الحديث من كلام ابن شهاب..

4_ حديث حمزة بن عمرو الأسلمي وقد جاء فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"..

فتحسينه صلى الله عليه وسلم لجانب الفطر، واكتفاؤه بنفي الجناح عن الصوم، إشارة واضحة إلى أفضلية الفطر على الصوم..

وقد نوقش هذا الاستدلال، بأن التحسين هو بالنسبة لمن كان لا يتيسر له الصيام بحيث يشعر معه بمشقة أو ضرر، فمثل هذا الفطر في حقه حسن. أما من كان يحتمله مع شيء من المشقة، ومع ذلك ترك الرخصة وصام فإنه لا جناح عليه..

5_ ما جاء في حديث جابر "ليس البر أن تصوموا في السفر" من زيادة عن طريق يحي بن أبي كثير بلفظ: "عليكم برخصة الله الذي رخص لكم".

فهذا الأمر وإن لم يكن مقتضيا للوجوب، لكنه يعتبر إرشادا واضحا من الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى أفضلية الأخذ بالرخصة التي تقتضي الفطر. وعليه فيكون الفطر أفضل من الصيام.

ويناقش هذا الاستدلال، بما قلنا سابقا نقلا عن الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه، من أن هذه الزيادة غير محفوظة.

ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة، بأن هذه الزيادة قد رواها النسائي عن طريق الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير أيضا بلفظ "وعليكم برخصة الله الذي رخص لكم فاقبلوها"[27] وقد قال ابن القطان: إسنادها حسن متصل، كما رواها ابن حزم واحتج بها[28] فالله أعلم بالصواب.

 

من يرى أن أيسر الأمرين أفضلهما:

نسب إلى مجاهد وعمر بن عبد العزيز وقتادة القول: بأن الأفضل من الصيام أو الفطر هو الأيسر والأسهل، أي أن من وجد لديه قوة على الصيام ولم يتضرر منه، فإن الصيام في حقه أفضل.

ومن كان يشق عليه أو يترتب عليه ضرر منه، فإن الفطر في حقه أفضل. وقد اختار هذا القول ابن المنذر[29].

 

ومن أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:

1_ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فذلك حسن"[30].

واضح من الحديث: أن كلا الأمرين وصف بالحسن لكونه يتناسب مع حال فاعله.

2_ عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له، فقال اشربوا أيها الناس، قال: فأبوا، قال: إني لست مثلكم إني أيسركم، إني راكب، فأبوا فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب" رواه أحمد في مسنده[31].

فقد علل صلى الله عليه وسلم امتناعه عن الفطر أولا بكون الصيام كان ميسرا له كما علل أمره لهم بالفطر بوجود المشقة لديهم.

وإنما خالف ما يناسب حاله وأفطر مثلهم لإزالة ترددهم عن الفطر الذي كان يناسب حالتهم وذلك من قبيل رأفته ورحمته بأمته صلى الله عليه وسلم.

3_ قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[32].

فقد علل الله سبحانه وتعالى رخصة الفطر بالتيسير على المسلمين. وعليه: فمن كان الفطر أيسر له؟ فإن الأفضل له الفطر عملا بالرخصة، ومن كان الصوم أيسر له، فإن الأفضل له الصيام.

 

من يرى أفضلية الصوم إذا خلا من الآفات المحبطة لفضله:

ذهب بعض العلماء إلى أن الصوم أولى في السفر إذا لم تصحبه لآفة من الآفات المحبطة لفضله كالرياء والعجب والسمعة وقيام الناس على خدمته وإلا فإن خشي دخول شيء عليه من هذه الآفات فإن الفطر في حقه أولى[33].

وقد استدل لهذا الرأي الذي لم يعرف من قال به من الفقهاء القدامى وإن كان قد حظي باختيار الشوكاني صاحب نيل الأوطار وقد استدل له بما يلي:

أ_ عن أنس رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر، قال فنزلنا منزلا في يوم حار أكثرنا ظلا صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده قال: فسقط الصوام وقال المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب المفطرون اليوم بالأجر"[34].

ب_ نقل صاحب الفتح ما رواه الطبري عن طريق مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " إذا سافرت فلا تصم فإنك إن تصم، قال أصحابك: اكفوا الصائم ارفعوا للصائم وقاموا بأمرك، وقالوا فلان صائم فلا تزال يذهب أجرك "[35].

فحديث أنس وأثر ابن عمر واضحان في دلالتهما على تأثير هذه الآفات على الصيام لكن من الممكن السلامة من ذلك: إذا خدم الإنسان نفسه وقام بما يجب عليه من المشاركة في الخدمات العامة للرفقة المسافرين معه وأخلص نيته في صيامه.

 

المختار من هذه الأقوال:

أرى أن الرأي الذي يذهب إلى أن أيسر الأمرين هو أفضلهما: هو الأولى بالاختيار لما يلي:

أ_ أنه يترتب على الأخذ بهذا الرأي تحقق الحكمة التي جاء الترخيص في الفطر من أجلها، وهي اليسارة والسهولة. قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}

ب_ يتجلى تحقق هذه الحكمة من مطابقة هذا الرأي لطبائع الناس واختلاف قدراتهم، فمنهم من يتيسر له الصوم ولا يرى فيه كلفة أو مشقة، بل ربما كان يرى فيه راحته وصحته فطلب الفطر من مثل هذا فيه مشقة له، ومنهم من لا يتيسر له الصوم إلا إذا كان مقيما مستريحا لا يقوم بأي عمل أو يقوم بأعمال يسيرة غير مجهدة وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم البر عن صوم مثل هذا في السفر.

ج_ المعيار في هذا الرأي، فيه مرونة حيث وكّل أمر الفطر أو الصوم إلى شعور الشخص نفسه، إذ هو المكلف وهو أمين نفسه، والتكليف أمانة، فإن وجد من نفسه القوة والقدرة على تحمل الصيام دون مشقة أو مشقة معتادة صام وإلا فلا.

د_ وأخيرا فإن هذا الرأي يتناسب مع ظروف المواصلات في هذا العصر وتنوعها فمن الناس من يتيسر له سبل مواصلات مريحة تخفف عنه كثيرا من معاناة السفر، فمثل هذا يكون الصوم أيسر له.

ومنهم من لم تتيسر له سبل مواصلات أصلا أو تتيسر له مواصلات مرهقة ومجهدة فمثل هذا يكون الفطر أيسر له.

ويجاب على استدلال الجمهور القائلين بأفضلية الصوم مطلقا لمن أطاقه بأن استمرار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصوم، ربما كان هو الأيسر بالنسبة له، وكان يأمر أصحابه بالأخذ بالرخصة لأنه كان يرى أن الفطر هو الأيسر بالنسبة لهم، وحديث أحمد المتقدم من أوضح الأمثلة على ذلك حيث جاء فيه قوله صلى الله عليه وسلم مبينا الحكمة من رغبته في استمرار صومه وأمره لهم بالفطر.. "إني لست مثلكم؟ إني أيسركم؟ إني راكب، فأبوا فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه، فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب".

أما أدلة الفريق الذي يرى أفضلية الفطر مطلقا فقد أجيب عنها في مواضعها فلا حاجة إلى إعادتها مرة أخرى.

أما القول الذي يرى أفضلية الصوم إذا لم تصحبه آفة تحبطه؟ فيمكن أن نضيف إلى ما قلناه سابقا، إن هذه الآفات من الرياء والسمعة ونحوهما، أمور قلبية أي أن مدارها على نية الإنسان وقصده فإذا جرد الإنسان نيته، وكان صومه خالصا لله، فلا يضره ما قيل عنه.

وأما قيام الغير بخدمته، فلا يخلو حال الصائم من أحد أمرين: إما أن يكون قادرا على خدمة نفسه والمشاركة بجهد فعال مع بقية رفاقه في الرحلة مع صومه، فينبغي له ألا يسمح للغير بالقيام بهذه الأعمال نيابة عنه. وإما ألا يكون قادرا على ذلك مع الصوم فينبغي له الفطر أخذا بالرخصة.

وعلى ذلك: فيمكن القول: بأن الفريق الذي كان مصاحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم صائما وعجز عن القيام بالأعمال التي قام بها المفطرون، فإنه قد خالف مقتضى الرخصة، حيث ترك الأخذ بها مع أنه كان من أهلها، لذلك استحق المفطرون الأجر دونهم..

والله أعلم

 

 

 


[1] صحيح مسلم ج3ص145.

[2] صحيح مسلم ج3ص144.

[3] صحيح مسلم ج3ص145.

[4] أبو داود ج 7ص 40 مطبوع مع شرحه عون المعبود والسنن الكبرى ج 4 ص 241 والمستدرك ج1 ص 433 .

[5] تهذيب التهذيب ج3ص32 دار صادر بيروت قال ابن حجر: ضعفه ابن حزم وقال عنه ابن حبان مجهول ولم أجد فيه كلاما لأحد المتقدمين. تهذيب التهذيب.

[6] النسائي ج4ص176 المحلى ج6ص384.

[7] صحيح مسلم ج3ص142.

[8] صحيح مسلم ج3ص143.

[9] صحيح مسلم ج3ص143.

[10] صحيح مسلم ج 3 ص 143.

[11] النسائي ج3ص122 ومنتقى الأخبار مع شرحه نيل الأوطار ج3ص230.

[12] المجموع ج6ص218.

[13] التاريخ الكبير للبخاري ج5ص63 دار الكتب العلمية بيروت، وتهذيب التهذيب ج8ص180 مطبعة دار المعارف الهندية. والميزان للذهبي ج3ص101 طبعة دار المعرفة ببيروت.

[14] نيل الأوطار ج3ص231.

[15] السنن الكبرى ج4ص244.

[16] فتح الباري ج5ص87.

[17] السنن الكبرى ج4ص245.

[18] سنن النسائي ج4ص184 من المجتبى.

[19] المصنف ج4ص269.

[20] السنن الكبرى للبيهقي ج4ص244، 245 وفتح القدير ج2ص351 مصطفى الحلبي، والمجموع ج2ص219، نيل الأوطار ج4ص252، شرح عبد الباقي الزرقاني على مختصر خليل ج2ص197.

[21] صحيح مسلم ج3ص145.

[22] صحيح مسلم ج3ص142.

[23] صحيح مسلم ج3ص144.

[24] أشار إلى هذا الدليل باختصار شديد صاحب فتح القدير ج2ص351 وقد قمنا بتوضيحه وشرحه.

[25] صحيح مسلم ج3ص144.

[26] صحيح مسلم ج3ص141.

[27] النسائي ج4ص176 من المجتبى.

[28] المحلى ج6ص384’ نيل الأوطار ج4ص252.

[29] نيل الأوطار ج4ص252 والمجموع ج6ص219.

[30] صحيح مسلم ج3ص143.