|
|
|
في المشارق والمغارب |
|
جنوب
شرقي آسيا |
|
الشيخ عبد الله بن أحمد قادري |
|
عميد كلية اللغة العربية |
|
|
|
في شاطئ البحر: |
|
جاء إلينا الأخ محمد فذهبنا بعد صلاة الفجر إلى شاطئ البحر
واستغرق مسيرنا إليه ساعتين إلا ربعا تقريبا، وهذا البحر الذي كنا في شاطئه هو
المسمى بمضيق ملقة، وهو من المحيط الهادي، وملقة اسم يطلق على ماليزيا وهذا البحر يفصل بين ماليزيا
وبين سومطرة إحدى الجزر الأندونسية
الغربية. |
|
وكان البحر هادئا في هذا الوقت فقعدنا
على الشاطئ والأخ محمد يثير كثيرا من الأسئلة التي كنا نحاول الإجابة عليها
والمذاكرة في شأنها. |
|
وقبيل الساعة التاسعة تحركنا إلى العاصمة، وكنت في الذهاب
راكبا في المقعد الأمامي مربوطا كالسائق بحزام الأمان، لأن القانون هناك يوجب
ذلك على القائد ومن بجواره وكنت متضايقا طيلة السير الذي لا يقل عن مائة كيلو وعند الرجوع قلت للشيخ
عبد القوي لابد أن تكون أنت الآن في الأمام مظهرا له الإيثار وكنت أريد أن أتمتع
برؤيته مربوطا لا يحرك إلا رأسه، وكنت أقول له انظر يمينا –لبعض المناظر- أو
يسارا فيقول أنا مربوط. |
|
دعوة زعيم البوذيين في داخل معبده: |
|
وعندما دخلنا المدينة أشير إلى المعبد بوذى
وعرض علينا الأخ محمد زيارته للاطلاع. فقلت: نحن
مسلمون لباسنا ينبئ الناس أننا من الجزيرة العربية وفيها الكعبة بيت الله الذي
يتجه إليه ملايين المسلمين لعبادة الله الواحد وأخشى أن يكون في حضورنا إليه ما
يدعو بعض الجهال إلى اعتقاد شيء لا يليق قالوا
فلنقترب لنراه من الخارج ثم نعود وعندما اقتربنا شاهدنا خارج المعبد رجلا قاعدا
تحت شجرة بجوار المعبد وهو يلبس مثل لباس الإحرام عندنا إلا أن ثيابه تميل إلى
الصفرة وهي رقيقة فسألت من يكون هذا؟ فقالوا هذا هو السادن المعظم عند البوذيين
وهو المسئول عن المعبد قلت: يجب إذن أن نبلغه دعوة التوحيد وعندما نزلنا اتجه هو
إلى داخل الدير الذي نصب فيه الوثن فدخلنا بعد أن خلعنا نعالنا ترجيحا لجانب
تبليغ عقيدة لا إله إلا الله وإلا فقد كنت عازما على
الدخول بالنعال. |
|
وعندما دخلنا رأينا المبنى كله قاعة واحدة من الداخل وبجانب
الجدار الواقع أمام الداخل – أي في أقصى القاعة - بنيت دكة
مرتفعة من الحجارة وعليها نصب التمثال الذي يرمز لبوذا والناس يدخلون وقد وضعت
أمامهم أعواد الند (بخور) وملئت أحواض بتربة وكان الواحد منهم يشعل النار في عود
البخور ثم يتجه إلى الوثن مشيرا إليه برأسه ويديه وفيها البخور ثم يغرز عود
البخور في التربة وينصرف وبعضهم يرفع العودين في يديه فوق رأسه مشيرا بهما وبرأسه سواء إلى الوثن. |
|
قلت للرجل مشيرا إليه بيدي – أي السادن - تعال فجاء حتى وقف
بجواري وعليه علامة الاضطراب عندما رآنا نقف وقوف المستهترين بإلهه وبعبادته
رافعين رؤوسنا نحس بالعزة وقلت له – وكان يترجم بيني وبينه الأخ عبد الله باهرمز ويساعده محمد أمين - ما سبب عبادتكم لهذا الحجر ومن
أين جئتم بأصل هذه العبادة؟ فقال: هذه عبادة أصلها من الهند وهو من توجيهات
بوذا. قلت: ولكن هذا حجر منحوت
أعطيتموه صفة الألوهية وعبدتموه من دون الله فلماذا؟ قال: لأنه يرمز لبوذا. |
|
قلت: وبوذا هذا إله عندكم أم نبي؟
قال: نبي، قلت: أنتم إذن تعبدون رمز النبي وليس
الخالق. فقال: هكذا تعاليم بوذا. |
|
قلت: الأنبياء كلهم دعوا إلى عبادة الله وحده مباشرة بدون
واسطة ونهوا الناس عن عبادة غيره وهذه الأوثان لا تضر ولا تنفع والذي يستحق
العبادة هو الله الخالق ونحن ندعوك إلى الإسلام الذي لا يوجد في الأرض دين يرضاه
الله سواه. فقال: هذا صحيح ونحن نعتقد أن الإله واحد وهذه الأوثان ما هي إلا
وسائط تقربنا إليه فبينت معنى لا إله إلا الله وأنها هي السبيل الوحيد للدين
الحق وأنه لا يجوز عبادة غير الله بأي شكل من الأشكال وأن الرسول صلى الله عليه
وسلم حارب مشركي قريش الذين كانوا يقولون مثلكم ما
ندعوهم إلا ليقربون إلى الله زلفى فقال هذه تعاليم بوذا، وكان يبدو عليه الخوف
والوجل والعجز أمام الحجة حتى أن ريقه جف ووجهه انتقع
قلت: هكذا كان أهل الشرك حجتهم على شركهم: {إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}.
قلنا له بعد ذلك لقد أقمنا عليك الحجة. |
|
ثم ذهبنا إلى مطعم يقال عنه أنه إسلامي: تناولنا فيه طعام
الإفطار ووجد فيه الشيخ عبد القوي بغيته فاكهة ( ليتشي
) إلا أنه معلب كما وجدنا فاكهة أخرى لذيذة تسمى باباي،
واسمها في اليمن (عمبرود) وكنت في غاية الشوق إلى
تناولها فقلت للشيخ: تلك بغيتك وهذه بغيتي. |
|
رجعنا إلى الفندق واتفقنا أن ننام (شوية
) حسب اصطلاح الشيخ عبد القوي –وكان ذلك من الساعة الثانية عشرة ظهرا إلى أذان
العصر حيث قمنا فصلينا الظهر والعصر. |
|
لا تقف كالقرد عند القشرة: |
|
أحضر لنا الأخ عبد الله بن سعيد باهرمز
فاكهة عجيبة تسمى: (منجز) يحيط بها غلاف (قشر) يميل إلى السواد وفي أحد طرفيه –الطرف
الأسفل نتوءات مصفوفة تارة تكون خمسة وتارة تكون ستة، فإذا أزيل القشر وجد
بداخله حبات مصفوفة من جوانبه المختلفة بعدد النتوءات الموجودة في طرفه وهذه
الحبات مستطيلة مع شيء من الاستدارة وهو التي تؤكل
بعد إزالة القشرة وبداخل كل حبة نواة صغيرة تلفظ أما قشره فإنه مر. |
|
قال الأخ عبد الله إن قردا
أعطى هذه الفاكهة فذاق قشرها فوجده مرا فرمى الفاكهة فصار يضرب به المثل للإنسان
الذي لا يسبر غور الأمور ولا يفكر فيها فيقال لا تكن كالقرد يرمي المنجز لمرارة
قشره. |
|
أما طرف هذه الفاكهة
الأعلى – وهو الذي يكون معلقا بالشجرة فإن فيه ثلاث نتوءات أحدها كبير واثنان
صغيران وتوجد إحدى الحبات في الداخل كبيرة. |
|
اجتهاد هو أم انحراف: |
|
التقينا في الفندق برجل سلم علينا وخاطبنا باللغة العربية
عندما رآنا نلبس اللباس العربي وعندما بدأنا التعارف ظهر أنه الأستاذ يوسف كمال
أحد كتاب جريدة الدعوة المصرية، وبدأ الأخ يوسف يشكو من انحراف فكر بعض من
يزعمون أنهم من الدعاة إلى الإسلام الذين يتنكرون للفقه الإسلامي الذي وصل إلينا
عن طريق علماء السلف الصالح. |
|
وقال: إن هؤلاء أحلوا عقولهم محل النصوص الإسلامية كما هو
شأن المعتزلة وحذر من خطرهم على الدين الإسلامي بدعوى الاجتهاد وتحريف المفاهيم
الإسلامية وحثنا على أن نبلغ علماء المملكة العربية السعودية بأن يتصدوا لهذه
التيار الجارف في كثير من بلدان العالم الإسلامي، لأن كلمة علماء المملكة
العربية السعودية لها وقع في نفوس كثير من المسلمين وضرب بعض الأمثلة على هذا
الانحراف منها ما زعمه بعض الناس من أن المعاملات التجارية والاقتصادية ونحوها
لا داعي لتقييدها بالفقه الإسلامي بحجة أن الفقهاء السابقين اجتهدوا في قضايا
عصرهم ونحن يجب أن نجتهد في قضايا عصرنا دون حاجة إلى التقيد
بآرائهم في ذلك. |
|
ومنها ما زعمته طائفة أخرى من أن
أخبار الآحاد في السنة لا تثبت بها عقيدة ولا شريعة وإنها كانت مجرد تجارب
للرسول صلى الله عليه وسلم في قضايا معينة ولا يلزم اطراد أحكامها والتقيد بها محتجين ببعض قضايا اجتهادية حصلت من بعض
الصحابة كقضاء عمر في طلاق الثلاث ونحوها قالوا: فإذا تخطى الصحابة تلك الأحكام
في عهدهم دل على جواز اجتهاد من بعدهم ولو خالف هذا الاجتهاد أخبار الآحاد. |
|
قلت: وهؤلاء المنحرفين، وأمثالهم هم بلاء على الأمة
الإسلامية لأنهم يظهرون برجال دعوة ويلجون من باب مسلم به، وهو باب الاجتهاد
المفتوح، لأهله لا أمثالهم من الجهلة المنتسبين إلى العلم ويلزم على آرائهم هذه
أن تنبذ أغلب النصوص الإسلامية ويأتي من أراد بما يهوي من بدع وانحرافات فليحذر
شباب الإسلام المتحمس لدينه من هؤلاء الجهلة، وليحذر الصالحون الذين يرغبون في
تقدم الفقه الإسلامي لإيجاد الحلول للمشكلات المعاصرة، من دعوى هؤلاء فإنهم قد
يكونون رسل هدم لحصوننا من داخلها. |
|
وجاء الأخ دخلان –الأمين
المساعد لحركة الشباب الإسلامي الماليزي- وذكر لنا أن عندهم مشروع إنشاء مدرسة
لتحفيظ القرآن الكريم، وإن المدرسة قائمة في مبنى أعارهم إياه بعض الصالحين، وقد
بلغ عدد الطلبة الموجودين فيه أكثر من أربعمائة طالب. وهو
يرغبون في شراء أرض يقيمون عليها مبنى لهذه المدرسة، ولكنهم لا يملكون ما يكفي
لذلك، وأنهم يرغبون في المؤسسات الإسلامية أن تساعدهم. فقلنا لهم: لا مانع عندنا
من إبلاغ المؤسسات الإسلامية الموجودة في المملكة العربية السعودية وإذا شئتم أن
تكتبوا خطابات بهذا الشأن فسنحملها ونبلغ هذه المؤسسات. |
|
إلى سنغافورة (15 /8 /1400 هجري): |
|
ذهب الأخ عبد الله با هرمز
والابن عبد البر فحجزوا لنا على الخطوط الماليزية إلى سنغافورة، كما حجزوا لنا
كذلك إلى أندونيسيا .. من سنغافورة صباح غد الأربعاء وطلب منا الأخ دخلان أن
نستعد لنذهب للمركز، لأن الأخ أنور إبراهيم في انتظارنا يود مقابلتنا لأنه
لانشغاله لم يستطع مقابلتنا، ومن المركز نذهب إلى المطار فذهبنا إلى المركز
واتقينا بالأخ أنور، الذي قدم لنا طعام الغداء واعتذر لتقصيره –كما قال- في عدم
استطاعته لقاءنا فقلنا له: أنت في جهاد ونرجو لك التوفيق. |
|
والأخ أنور من شباب الدعوة
النوادر، الذين يمنحهم الله صفات نادرة من الصبر والحماس والتأثير على الناس
وإقناعهم بالدعوة والتضحية بالوقت، والقدوة الحسنة. هكذا نظنه
ولا نزكي على الله أحدا. |
|
غادرنا المركز إلى المطار وفي الثانية والربع بعد الظهر
صعدنا إلى الطائرة خطوط ماليزيا –وبعد إقلاعها (في الساعة الثانية والنصف) بثلاث
وعشرين دقيقة أعلن المضيف أننا دخلنا سنغافورة فلم أرها فيما ظهر لي تختلف عن
أرض ماليزيا في مونها مكسوة بالأشجار والغابات
والمزارع. وكنت في هذه اللحظات أتمتع بجمال خلق الله: غابات تكسو الجبال والوهاد، وبحر تنعكس زرقته على أشعة الشمس وسحاب شديد
البياض مثل قوافل يتبع بعضها بعضا وباجتماع ذلك كله أصبح ضوء الشمس يشبه غسق
الفجر أو الليل المقمر. |
|
هبطت بنا الطائرة في مطار سنغافورة في الساعة الثالثة
والدقيقة السابعة- فرأينا باحة المطار وممراته وقاعاته غاية في النظافة والتنظيم والجمال. |
|
فك الارتباط: |
|
كان الأخ عبد الله بن سعيد باهرمز،
قد فهم من الخطوط الماليزية أن نزولنا في أحد فنادق سنغافورة سيكون على حساب
الخطوط المذكورة، لأن الحجز تم عن طريقها من سنغافورة إلى جاكرتا، وعندما طلب من
الموظفة المختصة أن تعطيه بطاقة للفندق قالت له أنتم لا تستحقون ذلك، لأنكم
حجزتم ليوم غد وكان في إمكانكم السفر اليوم لأن
الرحلات موجودة –وكانت على حق في ذلك- ولكن صاحبنا باهرمز
أخذ يراجع ويحاجج وبدأت الموظفة ترتفع درجة حرارتها لتدافع عن رأيها واقتربنا من
الخصمين وسألت عبد الله عما يجري فأخبرني فقلت له: الحق معها وبذلك فك الارتباط
والحمد لله. |
|
وفك مثل هذا الارتباط
محمود، أما غيره فأهله أدرى به. |
|
ثم ذهبنا إلى مكان آخر أودعنا فيه عفشنا الذي لا حاجة لنا
به بأجرة محدودة. |
|
جمال المظهر: |
|
ركبنا سيارة أجرة صغيرة إلى داخل المدينة (سنغافورة)،
فرأينا إعلانا في مقدمة السيارة: ممنوع التدخين، وكنا رأينا ذلك في جميع الأماكن
داخل قاعة المطار، فقلنا للسائق هل التدخين ممنوع في سنغافورة كلها، فقال: ممنوع
في كل مرفق عام يشترك فيه عامة الناس، ويضطرون للاختلاط كالسيارات والقطارات
والطائرات والسفن والأماكن العامة كالقاعات ونحوها. |
|
قلت: يا ليت قومي يعلمون فيعملون، والحكمة ضالة المؤمن أنى
وجدها أخذها، أننا نكاد نختنق في وسائل نقلنا العامة وفي قاعات مطاراتنا وفي بعض
قاعات اجتماعاتنا ومحاضراتنا، ويعود الإنسان منا إلى أهله وقد انبعثت عليهم من
ثيابه رائحة الدخان حتى ليشك فيه أنه أصبح من المدمنين، وأن المؤمنين لأولى بمنع
هذه المضرات التي بين ضررها المختصون فأين الجهات المسئولة وأين المتجاوبون
معها؟ |
|
وكان السائق مسلما يسمى موسى بن دحلان
وكان لطيفا في قيادته ومعاملته. |
|
وصلنا إلى فندق نيجارا في داخل
المدينة في الساعة الرابعة والنصف أخذنا راحتنا ثم تجولنا في بعض الأسواق،
ويقتضي النظام هناك أن تقفل الدكاكين في الساعة التاسعة مساء، إلا بعض الأماكن
التجارية الخاصة وبحثنا عن مطعم إسلامي فلم نجد إلا بعد مشقة مطعما يقوم بإدارته
والطبخ فيه بعض مسلمي الهند، وعندما رأونا استقبلونا استقبالا حارا وقدموا لنا
أيضا طعاما حارا بالفلافل فشكرناهم بألسنتنا ودموعنا التي أسالها الفلفل. ثم رجعنا إلى الفندق
فنمنا، ويسود مدينة سنغافورة إضافة إلى النظافة والجمال الهدوء. |
|
إلى أندونيسيا |
|
وفي الساعة العاشرة تحركنا من الفندق على مطار سنغافورة
فتسلمنا الأثاث وأنهينا الإجراءات وأقلعت بنا طائرة الخطوط السنغافورية
في الساعة الحادية عشرة والدقيقة العاشرة، وبعد الإقلاع مباشرة أطللت من النافذة
–كعادتي- فرأيت البحر وقد انتشرت فيه البواخر والقوارب، ثم ظهرت بعد قليل الجزر
المكسوة بالخضرة وهي منتشرة في البحر بأشكال هندسية مختلفة. |
|
وبعد ساعة وثمان دقائق أعلن المضيف دخولنا الأراضي الأندونيسية وهي كذلك مكسوة بالخضرة إلا أنها أقل كثافة –فيما
بدا لي من ماليزيا وسنغافورة كما ظهرت بعض الأنهار المتعرجة التي تكتنفها
الأراضي الزراعية وتنتشر القرى التي تستظل بيوتها بالأشجار، وفي الساعة الثانية
عشرة والدقيقة الثالثة والعشرين هبطت بنا الطائرة في مطار جاكرتا. |
|
فطرة الأخوة الإسلامية في صمود أمام أعدائها: |
|
مررنا بموظف الجمرك وكان التفتيش دقيقا إلا أنه عندما رآنا
بلباسنا العربي قابلنا بالترحيب ولم يمس أثاثنا فغادرنا المطار وأخذنا سيارة
أجرة صغيرة لم يتسع صندوقها الذي في المؤخرة للأثاث فرص ما بقي في المقعد
الأمامي بجانبه ورصنا الأربعة في المقعد الأخير، قلت للأخوة أترون لو كان هذا في
إحدى مدن بلادنا يرضى قائد السيارة أن يفعل هذا مع المبالغة في أخذ المزيد من
المال، وهذا القائد لا يأخذ إلا ما حكم له به عداد سيارته. |
|
ونزلنا في فندق كرتيكا (بلازه) وكان مزدحما بالنزلاء وفيه من ينتظر غيرنا ولم يحصل
على مكان ولكن صاحب الفندق عندما رآنا سألنا باللغة العربية كم غرفة تريدون –وكان
عبد الله باهرمز يجادل مع الموظفين وهم يقولون له لا
توجد عندنا غرف فاضية- قلنا نريد غرفتين فقال: تفضلوا
وأمر الموظفين أن يهيئوا لنا حجرتين فهيئوهما بسرعة ونزلنا مطمئنين والحمد لله. |
|
وهذا الذي حصل في الفندق، وما حصل من موظف الجمرك في المطار
يدل على أن عواطف المسلمين في الشعوب الإسلامية مؤتلفة ملتحمة ولم يفرق بينها
إلا أعداء الله الذين نفخوا في أبناء الشعوب الإسلامية روح التعصب والعنصرية حتى
أصبح كل شعب معزولا عن الآخر وأصبح الفرد المسلم من شعب مسلم يشعر بالغربة وبأنه
أجنبي في شعب مسلم آخر ولكن فطرة الإخاء الإسلامي لا زالت موجودة إذا هبت ريح
الإيمان على رماد الأعداء الذي دفنوا تلك الفطرة به ذهب هباء وبرزت فطرة الأخوة
الإسلامية على رغم أنف أعداء المسلمين حية ملتهبة. |
|
وفي المساء زارنا بعض طلبة الجامعة الإسلامية من الأندونيسيين وتذاكرنا معهم منهاج زيارتنا وضربنا بعض
المواعيد مع بعض علماء أندونيسيا لزيارتهم والتشاور
معهم في منهاج الزيارة. |
|
في المجلس الأندونيسي الأعلى (27
/8 /1400 هجري) |
|
في الساعة الحادية عشرة صباحا قمنا بزيارة المجلس الأعلى الأندونيسي للدعوة الإسلامية، فوجدنا فيه بعض الذين تخرجوا
من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. |
|
ورئس هذا المجلس هو الدكتور محمد ناصر رئيس الوزراء الأسبق
ورئيس حزب ماشومي سابقا (وقد حل هذا الحزب). |
|
ولم يكن الدكتور موجودا في
هذا الوقت، وعندما علم عنا أبلغنا عن طريق موظفي مكتبه أن الموعد معه بعد العصر. |
|
وجدنا في المكتب الدكتور محمد رشيدي عضو المجلس التأسيسي
لرابطة العالم الإسلامي وعضو المجلس الفقهي في الرابطة ومساعد مدير مكتب الرابطة
في جاكرتا (ومدير المكتب هو الدكتور محمد ناصر). |
|
تذاكرنا نحن والدكتور رشيدي –وهو يتكلم اللغة العربية-
أحوال المسلمين في أندونيسيا والجهود التي يقوم بها
دعاة الإسلام هناك والجهود المضادة من أعداء الإسلام هناك، والمحاولات الجادة
لتحريف معاني الإسلام وتقوية المعاني الخرافية وإيجاد طائفة باطنية وغير ذلك من
الانحرافات الشخصية، وخطر المدارس النصرانية على أبناء المسلمين الذين يضطرون
للدخول فيها لعدم وجود مؤسسات إسلامية تستوعبهم لقلة الإمكانات . |
|
أظهرت أم الخبائث حقده: |
|
وعندما رجعنا إلى الفندق (بلازه)
قابلنا عند المصعد رجل أوربي كبير الجثة طويل القامة متجهم الوجه، وأخذ يتكلم
كلاما يظهر منه أنه غاضب وما كنت أفهم منه إلا كلمة عرب، وهيد،
وبيق، (أي رأس كبير) وكان يوجه خطابه إلي ويمس رأس
الابن عبد البر فعرفت بسرعة أنه قد خلط كمية كبيرة من الخمر بمخ رأسه حتى أصبح
يهذي بما لا يدري فقلت للأخوة أنه سكران، فأشاروا إلي بالسكوت، وصعد معنا إلى
الطابق الذي نحن فيه وهو يرغي ويزبد، وخرجنا من المصعد فخرج معنا وهو على حالته
ومشى معنا، حتى قارب باب حجرتنا، ثم رجع إلى المصعد يردد كلمة ( آم - سوري) أي آسف
ويذكر هوتيل أي فندق فسألت الأخوة عن كلامه فقالوا كان
يقول أن العرب متكبرون رؤوسهم كبار وعند رجوعه كان يقول أنا آسف وأنا سكنت معكم
في فندق واحد وسأطلب من صاحب الفندق أن يخرجكم منه، وظهر أنه كان يسكن في غير
الطابق الذي نسكن نحن فيه وصعوده معنا كان بدون شعور. |
|
28 /8 /1400
هـ: |
|
في الساعة السادسة إلا عشر دقائق صباحا طرق باب الحجرة فقام
الشيخ عبد القوي ليفتح فقلت له محذرا: لا تفتح حتى تعرف من بالباب لأن الوقت
مبكر، وكنت أخشى أن يكون الأوروبي الذي شبهته بالثور الهولندي هو الذي طرق الباب
في حالة تشبه حالته في الليلة الماضية وتحفزت في نفس الوقت وراء الشيخ عبد القوي
استعدادا لأي طارئ، فقال الشيخ: ((هو)) أي من فإذا هو أحد الخدم يحمل إلينا طعام
الإفطار فقال له الشيخ نحن لم نطلب طعاما في هذا الوقت فأراه الورقة وفيها رقم
غرفتنا فعرفنا أن الأخ عبد الله باهرمز هو الذي طلب
ذلك من الليل ليجمع بين الأمرين: |
|
الأول: إحضار الإفطار |
|
الثاني: إيقاظنا مبكرين على موعد مع المسئولين عن المدرسة
الشافعية لزيارتها في الساعة الثامنة صباحا، وكان اليوم يوم جمعة يجب أن نستعد
للصلاة، بعد ذلك نقلنا أثاثنا إلى الفندق (برزونت)
بعد أن تناولنا طعام الإفطار. |
|
في الطريق إلى المدرسة الشافعية: |
|
وفي طريقنا إلى المدرسة الشافعية مررنا بالأسواق الشعبية في
جاكرتا على شاطئ البحر، وبدت شوارعها غير نظيفة ولا منظمة بخلاف ما هو الحال في
الشوارع العامة والأسواق الحديثة، ومررنا بإحدى الحارات فقال عبد الله باهرمز: هنا بيت عمتي وكان مصوبا نظره إلى جهة البيت حتى
ابتعدت السيارة عن المكان وكأنه بذلك يستعطفنا لإعطائه فرصة زيارتها وقد أعطيها
فعلا بعد ذلك. |
|
ثم قال عبد الله: أرى أن تروا
ميدان الجنرالات السبعة. فقلنا: وما معنى الجنرالات السبعة
هؤلاء؟ قال: عندما قام الشيوعيون بالمحاولة الانقلابية قتلوا بعض العلماء وبعض
الضباط وكان منهم سبعة جنرالات أخذوهم وقتلوهم ورموهم في بئر وقد بنى حولها دكة ليست مرتفعة، وإذا أراد أحد أن يصعد إلى الدكة ليرى البئر فعليه أن يخلع نعليه مبالغة في تقديس هذا
المكان فرفضت أن أخلع نعلي ولم أصعد واكتفيت بمعرفة أنها بئر وهكذا فعل الشيخ
عبد القوي، وأخونا عبد الله والابن عبد البر. وبجانب البئر بني جدار عال وأقيمت
عليه صور الجنرالات السبعة مجسمة وهم يمدون أيديهم مشيرين بأصابعهم إلى البئر
إشارة إلى أن أعداءهم وضعوهم في هذه البئر بعد أم قتلوهم ورفع على نفس الجدار
الذي أقيم عليه السبعة، الشعار الذي يحمل المبادئ الخمسة: (نتشاسيلا).
وسيأتي إن شاء الله شرح هذا الشعار وبيان الهدف منه. |
|
والصور المجسمة في أندونيسيا أمر
طبيعي توجد في كل مكان وهي من آثار الوثنية التي لم تمح إلى الآن. |
|
في المدرسة الشافعية: |
|
هكذا تسمى هذه للمؤسسة، إذ أطلق اسم الشافعية في أندونيسيا فهي المقصودة وهي منسوبة إلى مؤسسها الشيخ عبد
الله الشافعي، وهي تشمل الإعدادية والثانوية والعالية والجامعة وبها معهد
للأيتام لا يقل عددهم عن أربعمائة يتيم ويتيمة، وعدد طلبة المؤسسة كلها لا يقلون
عن خمسة آلاف طالب وطالبة، وكثير منهم يسكنون في القسم الداخلي، ولها فروع في
مدن أخرى، ومع الدراسة المنهجية توجد تدريبات مهنية: خياطة، تطريز، وطباعة،
وصباغة، وغيرها، وكان المؤسس قد ورث أرضا واسعة من والده، فأوقف هذه الأرض لهذه
المؤسسة وبنى عليها المرافق اللازمة تدريجيا ولا زال الشيخ عبد الله الشافعي
يسعى للتوسع في الأرض والبناء واستيعاب أعداد كثيرة من أبناء المسلمين الذين هم
في أمس الحاجة إلى الرعاية والتعليم ولا يعرف قدر جهوده وجهود أمثاله من
المهتمين بإقامة المدارس والملاجئ لأبناء المسلمين إلا من رأى الجهود القوية
التي يبذلها أعداء الله لإبعاد شباب المسلمين عن دينهم من المبشرين بالدين وغيرهم
من داخل البلاد ومن خارجها. |
|
وصلنا مقر هذه المؤسسة واستقبلنا المسؤولون
الموجودون بها –وكانوا في أيام إجازة- وكان الاجتماع في قاعة المحاضرات بمعهد
اليتامى، واليتامى موجودون كلهم في مساكن معهدهم، لأنهم مضطرون للبقاء لعدم وجود
من يعيلهم وكان هؤلاء اليتامى قد اجتمعوا في القاعة، بين وبنات وغالبهم من سن
السادسة عشرة فأقل، البنون في جهة، والبنات في جهة
أخرى، ويلبس البنات لباسا ساترا لما عدا الوجه والكفين وكانوا عند قدومنا ينشدون
بعض الأناشيد الإسلامية وهي تتضمن ترحيبا بالقادمين والظاهر أنها معدة لكل ضيف
يستحق أن يحتفى به عندهم وكان الشيخ عبد الله الشافعي
غائبا في مهمة وحضر نائبه واعتذر له. |
|
وعندما دخلنا القاعة طلبوا من الأخ عبد الله باهرمز أن يعرف الحاضرين بنا وبمهمتنا ففعل. ثم قرأ أحد الطلبة من اليتامى ما تيسر من القرآن، وهو
بالإضافة إلى كونه يتيما مقعد وكانت قراءته مجودة جيدة. وقام
أحد الطلبة بكلمة ترحيب وإشادة بما يقوم به المؤسس من مساعدة الأيتام، وتلته
إحدى الطالبات كذلك ثم قرأت إحدى الطالبات سورة الصف من حفظها. |
|
ثم طلب مني أن ألقي كلمة فألقيت
كلمة تضمنت. تهنئة المؤسس بهذا الفضل العظيم المبارك والدعاء له بالتوفيق للمزيد
من الخير والإخلاص في العمل. ودعوة أغنياء المسلمين للاقتداء
به في أعمال الخير. |
|
وتهنئة طلبة هذه المؤسسة بما يسر الله لهم من العناية ولا سيما هؤلاء الأيتام وأن عليهم أن يشكروا الله ويدعوا للمؤسس
ليكافئوه على عمله وأن على الجميع شكر الله الذي لولاه ما تيسر مثل هذا العمل
المبارك. |
|
وذكرت هؤلاء اليتامى بحالة
غيرهم ممن يقعون في أيدي الكفار كالنصارى وغيرهم فإنهم ينفقون عليهم ليخرجوهم من
دينهم ويجعلوهم أعداء له مع ضرب بعض الأمثلة لذلك. قام بعد ذلك نائب رئيس
المؤسسة فألقى كلمة ترحيب وشكر على الزيارة وأشار إلى حاجة هذه المؤسسة إلى
الدعم والمساعدة لا سيما المدرسين للغة العربية
والمنح الدراسية، وأشار إلى أنهم سيبعثون للجامعة المنهج لمعادلته. |
|
ثم تجولنا بعد ذلك للاطلاع على
التدريبات المهنية للبنين والبنات من خياطة وتطريز
وطباعة وغيرها. |
|
وللشيخ عبد الله الشافعي أخ يدعى: الشيخ طاهر رحيلي: أسس
مثله المدرسة الطاهرية وهي شبيهة بالشافعية ولم يتيسر
لنا زيارة هذه ولكننا دعونا الله للجميع بالإعانة والتوفيق ورجونا للأخوين أن
يحقق الله فيهما لأبويهما: علما ينتفع به وولدا صالحا يدعو له، وأن يحقق لهما
كذلك من بعدهما هذا المعنى. |
|
في الأزهر: |
|
وفي الساعة العاشرة صباحا
غادرنا المدرسة الشافعية إلى الأزهر وهو جامع كبير سمى
بالأزهر حبا في أن يكون له ما للأزهر في مصر من أثر في العالم الإسلامي. |
|
استقبلنا الشيخ عبد الله سالم وهو أمين عام جامعة المعهد
الإسلامي، وهي مؤسسة جامعية على الطراز الإسلامي –كما يقول الشيخ عبد الله سالم-
ويرأس المؤسسة الدكتور همكا، وتتكون من أقسام منها:
قسم التعليم من روضة الأطفال إلى العليا التي يدخل
المتخرج فيها الجامعة. وقسم الصحة ويتولى معالجة
الموظفين والطلاب مجانا، ويعالج غيرهم من خارج المؤسسة بأجر رمزي، وقسم الشباب
ويقوم بنشاطات رياضية وثقافية واجتماعية، وبعض نشاط الفتوة، مثل الدفاع عن النفس
ونحوها. |
|
ومن النشاطات الثقافية إلقاء محاضرة أسبوعية لطلبة الجامعات
والمدارس في جاكرتا حيث يحضرها منهم ما لا يقل عن ألف طالب يلقي هذه المحاضرة
بعض كبار العلماء هناك مثل الدكتور محمد ناصر والدكتور رشيدي. |
|
ومن نشاطاتهم تعليم الموسيقى الحربية وضرب الدفوف (والأندونيسيون) مغرومون
بالموسيقى والأغاني والدفوف والرقص، وقد ينسبون بعض هذه الأنشطة إلى الدين
فيقولون الموسيقى الدينية ولذلك قال الشيخ عبد القوي: يخشى أن يصبح كل شيء دينا
فيقال: أغنية دينية موسيقى دينية ورقص ديني وطبل ديني وهكذا. |
|
وقسم المكتبات، ويوجد في مكتبة المؤسسة خمسة آلاف كتاب
باللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة الأندونيسية،
ولكن رواد المكتبة قليلون. |
|
ويتبع التعليم شعبة تعليم اللغة
العربية وقد تخرج فيها اثنان وأربعون شخصا. وتدرس
القراءة والكتابة صباحا ومساء للرجال والنساء وقسم الدعوة وتصدر عنه مجلة وهي
نصف شهرية يوزع منها أكثر من خمسين ألف نسخة وغير ذلك من الأقسام التي لا تخرج
عن النشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي والفتوة. |
|
وقال الشيخ عبد الله سالم
إن أول ما زار المملكة العربية السعودية (سنة 59 م) وأنه قد زار المملكة سبع
مرات. |
|
دخلنا بعد ذلك هذه المذاكرة إلى المسجد الذي قام بخطبة
الجمعة والصلاة بالناس الدكتور همكا وكانت الخطبة –كما
فهمت من النصوص العربية التي كان يستشهد بها في صيام رمضان وفوائده وآدابه- وبعد
صلاة الجمعة ألقيت كلمة كانت تعبيرا عن شعورنا بالغبطة والسرور بهذه الجموع
والعواطف الإسلامية وتذكيرا للمسلمين بأن هذا الدين أمانة عندما سلمنا إياه الأباء والأجداد وإن علينا أن نؤدي هذه الأمانة ونحفظها
وأنه لا عزة لنا إلا بهذا الدين وإن كل من يحاول أن يصرفنا عنه فإنه خائن ظالم
علينا أن نحذره وأن كل مبدأ غير الدين الإسلامي قد جرب فكان خسارة علينا ووبالا. |
|
أعفونا من هذه التحية: |
|
ثم ذهبنا بعد ذلك إلى أحد المطاعم –يسمى مطعم الشرق الأوسط-
وأصل أهله حضارم وعندما رأونا بملابسنا العربية قدموا
لنا تحية غير مرغوبة عندنا، وما كانوا على علم بذلك، وهي أغنية عربية –قال بعضنا
إنها سعودية- فطلبنا منهم أن يعفونا من هذه التحية بإيقافها. فأوقفوها فورا،
وكان هذا الإيقاف دليلا على أنهم ما أرادوا إلا احترامنا، ويؤسفنا
أن هذا الطلب قد لا يلبى في كثير من مطاعمنا في البلاد العربية إصرارا على المعصية
وعنادا للطالب. |
|
وكانت وجوه أصحاب المطعم وجوها عربية واضحة وإن كانت
ألسنتهم أندونيسية وكانوا مسرورين جدا بوجودنا ظهر
ذلك في عنايتهم بنا أكثر من غيرنا وبطلاقة وجوههم
معنا. |
|
في منزل الدكتور محمد ناصر: |
|
زرنا في الساعة الرابعة والنصف مساء الدكتور محمد ناصر في
منزله حيث كنا على موعد معه، وكنا نتذاكر شئون الدعوة الإسلامية ووسائلها
ومعوقاتها، وكيف يمكن التغلب عليها، ومما ذكره في هذا المجال ربط العلوم الكونية
بالعقيدة الإسلامية في الجامعات والمعاهد المعنية بهذه العلوم، لأن هذا الربط
يؤثر في نفوس الطلبة ويجعلهم أكثر إيمانا وحماسا للإسلام ثم أنهم هم الذين
يتقلدون مناصب الشعوب الإسلامية، وهم الذين سيكونون خنجرا في نحور أعداء الإسلام
الذين يحاولون تثبيت العلمانية في الشعوب الإسلامية عن طريق الأفكار والنظريات
وعن طريق التطبيق العملي بالقوة التي مكنوا منها، ولذلك لا بد من وضع مناهج تقطع
الطريق على هؤلاء الأعداء. |
|
وذكر الدكتور محمد ناصر أن محاولة ربط العلوم بالعقيدة قد
بدأت فعلا من سنة 1972 م على هيئة دورات تدريبية حيث تخصص ثلاث أيام في الأسبوع ويشتغل اليوم بأكمله من صلاة الفجر إلى الليل ثم بعد كل ستة
أشهر ثلاثة أيام، ثم انتشرت الفكرة وأصبح كثير من المثقفين يطلبون المزيد فأثمر
ذلك. |
|
وممن لهم اهتمام بهذا الأمر من العلماء: |
|
1_ الأستاذ
يوسف فيصل - متخصص في العلوم الاجتماعية |
|
2_ الأستاذ
الشاذلي – تكنولوجيا |
|
3_ دارودي شريف – طب |
|
4_ د. فريد
مفتاح – تكنولوجيا |
|
5_ د. عبد
الرحمن – الاقتصاد |
|
6_ د. رودي – طب |
|
وقد حرصت على كتابة أسماء هؤلاء العلماء المهتمين بهذا
السبيل ليتعرف عليهم أمثالهم من زملائهم في العالم الإسلامي ويستفيد بعضهم من
بعض، لعلمي بأن أمثالهم موجودون وقد كتبوا وحاضروا ولهم أثر ملموس، وعن طريق
المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية في أندونيسيا الذي
يرأسه الدكتور محمد ناصر ونائبه الدكتور رشيدي يستطيع من أراد الاتصال بهؤلاء
العلماء أن يتصل بهم. |
|
وقد حملن سلسلة من الكتيبات التي أعدت لطلاب المدارس حسب
منهج كتبهم التي ألفت في العلوم وربطت فيها تلك العلوم بالعقيدة الإسلامية وهي
من إعداد الدكتور محمد ناصر جملتها إلى الجامعة الإسلامية لدراستها وطبعها
وتوزيعها في أندونيسيا إن أنكن. |
|
وقال الدكتور محمد ناصر إن محاولات جادة قد بذلت لإنشاء
مساجد في الجامعات لإقامة الصلاة فيها وربط الطلاب الأساتذة بها وإن تلك
المحاولة لقيت استجابة شعبية وقد أقرت بندا في ميزانية الجامعات يدعم هذا النشاط
إلا أن ذلك أغاظ من تربوا في أحضان الغرب ممن لهم صلاحيات في هذه الجامعات وهزهم
هذا النشاط الإسلامي فألغوا البند الخاص بذلك. وكان طلبة المدارس الحكومية –كالأهلية-
يمنحون إجازة في شهر رمضان ويستغل ذلك علماء أندونيسيا
والدعاة إلى الله فيقومون بتدريس طلبة المدارس الحكومية والجامعات في المدارس
والجامعات الإسلامية طيلة شهر رمضان ويفد أبناء المسلمين لتلقي العلم والدعوة من
كل مكان وتمتلئ بهم تلك المؤسسات، ولكن الحاقدين على الإسلام ألغوا إجازة شهر
رمضان ليحرموا طلبة هذه المدارس من تلقي العلوم الإسلامية التي لا يجدونها في
مدارسهم.. وعلى الرغم من ذلك فإن هؤلاء الطلبة يفدون إلى المساجد والمدارس في
المساء الذي هو وقت راحتهم وبعد صلاة الفجر –بل وقبل صلاة الفجر كما شاهدت ذلك
بنفسي في الجامع الكبير في باندونج وسيأتي ذكره إن
شاء الله- وقد كان رد فعل أولياء أمور الطلبة عنيفا ضد هذا القرار الذي اعتبروه
ظالما، لأنه يحول بينهم وبين تعلم أبنائهم أمور دينهم التي لا ينالونها في
المدارس الحكومية.. |
|
أخطار تهدد الإسلام في هذا
الشعب: |
|
الأول: محاولة إقناع الجيش بموالاة بعض الأحزاب التي تقف ضد
الإسلام، والأصل في الجيش حسب العرف السياسي العام أن يكون محايدا يحافظ على أمن
البلاد في الداخل ويرد عنها الأخطار من الخارج، كما أن الأصل في الجيش حسب العرف
الإسلامي أن يعد نفسه لرفع راية الإسلام "من قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا فهو في سبيل الله". |
|
الخطر الثاني: إن هنالك محاولة جادة لدعم جماعات
التخريف وتعميق العقيدة الباطنية في نفوس هذه الجماعات وجعل هذه الجماعات حزبا
باطنيا معترفا به ليقوي به ذوو الاتجاه العلماني في البلاد وقد شعر العلماء
بهذين الخطرين ولهم مواقف يشطرون عليها أعانهم الله وهدى بهم عباده. |
|
وهناك خطر ثالث: وهو الإبقاء على الصفة الوثنية بين
الوثنيين وتشجيع ذلك بشتى الوسائل والحول بين هؤلاء الوثنيين وبين الدخول في
الإسلام بأساليب شتى. |
|
ومن الأمور التي تبشر بخير نجاح محاولة ربط الشباب بالمساجد
وقد رأينا هذا عندما كنا نصلي في أي مسجد العشاء والفجر وكذلك التراويح فإن
المساجد والأماكن التي تحيط بها تمتلئ بالشباب من بنين وبنات من طلبة الجامعات والمدارس
وإن الشوارع المؤدية إلى المساجد لتقف فيها حركة السير لكثرة الوافدين إلى
المساجد أو الخارجين منها بعد انتهاء الصلاة وكأن المدينة – جاكرتا أو غيرها -
قد أعدت مظاهرة عامة خرجت من كل بيت ينادي الجميع فيها – بلسان حالهمل - بسقوط
الكفر. |
|
رأينا هذا في شهر رمضان. أما في غيره فالظاهر أن قصاد المساجد أقل وهذا مع جهل كثير من الناس بدينهم وسيأتي
تعليقي على هذا فيما بعد إن شاء الله. |
|
مع الشيخ عبد الله الشافعي (29 /8 /1400 هجري) |
|
في صباح هذا اليوم زارنا في الفندق الشيخ عبد الله الشافعي
مؤسس المدرسة الشافعية، وشرح لنا ما تقوم به مدارسه المتعددة واعتذر لنا عن عدم
حضوره أمس عندما زرنا المدرسة وألح علينا في نقل رغبته في أن تساعد الجامعة
مدارس الشافعية بتخصيص منح دراسية ومدرسين للغة العربية فوعدناه أننا سنبلغ المسؤولين في الجامعة وطلبنا منه أن يبعث للجامعة الإسلامية
منهج المدرسة ويطلب معادلته لأن المنح إنما تخصص بناء على المعادلة. |
|
إفراط وتفريط (1 /9 /1400
هـ) |
|
كان هذا اليوم هو يوم الأحد، وهو يوم إجازة في أندونيسيا. على عادة النصارى مع
أن الشعب شعب مسلم ينبغي أن يأخذ يوم راحته يوم الجمعة الذي يحتاج فيه إلى
الاستعداد لصلاة الجمعة. |
|
ونحن وإن كنا لا نرى تعطيل العمل لا في يوم الجمعة ولا في
غيره لأن الإسلام يحث المسلم على العمل في كل وقت وعمل المسلم عبادة لله سواء
كان من الشعائر التعبدية أو من الأمور المباحة مادام يقصد به وجه ربه تعالى،
والآيات القرآنية تدل على عدم تخصيص يوم الجمعة بالتعطيل –وإن كان يوم عيد يجتمع
فيه المسلمون في كل أنحاء الأرض للصلاة وسماع الخطبة- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ
مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}
وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ
فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}. وكان
أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يعملون يوم الجمعة في مزارعهم إلى أن يحين وقت
الصلاة، كما في حديث عائشة قالت: "كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن
العوالي فيأتون في العباء
فيصيبهم الغبار والعرق فتخرج منهم الريح فأتى النبي صلى الله عليه وسلم إنسان
منهم وهو عندي فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"
لو أنكم تطهرتم يومكم هذا". |
|
فالآيات القرآنية دلت على جواز البيع والشراء إلى وقت
النداء ودلت على مشروعية الابتغاء من فضل الله بعد الصلاة وهذا الحديث دل على أن
الصحابة منهم من يأتي من منزله ومنهم من يأتي من العوالي.
والظاهر أن المقصود من بساتينهم التي يذهبون إليها يوم
الجمعة وما ذلك إلا للعمل والله أعلم. |
|
ولكن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبكير والاغتسال
والتطيب يؤخذ منه إعطاء فرصة لمن أراد ذلك مبكرا، والمسلمون –إذا كان لابد من
يوم تعطيل- أحق بيوم الجمعة وإعطاء فرصة للنصارى في بلد، هو أقلية فيه، دليل عن
الانحراف عن الدين الإسلامي وموافقة أعداء الله في أعيادهم وهذه الموافقة فيها
معنى الموالاة التي قد تصل إلى الكون من أهل الكفر: {وَمَنْ
يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}. |
|
لهذا تجد المسلمون يضيقون ذرعا في بلادهم عندما يعطي حكامهم
عيدا للنصارى وهو قلة تعطل فيه جميع الدوائر الحكومية والمحلات التجارية كل
أسبوع وهو لا يؤدون في هذا اليوم إلا لحظات في الكنيسة قلة قليلة منهم وهم كفار
وعباداتهم كفرية وبقية الوقت يقضونه في لهو ولعب أما المسلمون وهم الأغلبية
فيومهم يوم عيد مشروع ويؤدون عبادة مشروعة تحتاج إلى الوقت للاستعداد قبل الصلاة
ثم يحال بينهم وبين هذا العيد المشروع، يضق المسلون ذرعا بهذا الوضع وبعض
البلدان قد لا يعطى المسلم فيها فرصة للصلاة إلا إذا فاتت بعض مصالحهم كأن يكون
طالبا في كلية علمية كالطب والهندسة والدراسة مستمرة وقت الصلاة.. فأين إسلام
هؤلاء الذين يضايقون المسلمين في أوقات عباداتهم
ويحققون للكافرين مآربهم. |
|
وهنا لابد من كلمة حق أقولها للمسلمين وأعدائهم على السواء
الأصل في يوم الجمعة أن يكون يوم عمل –غير إجباري- لأن عمل الصحابة جرى على ذلك
كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وقد سبق بعضها، ولزيادة
الإيضاح أسوق هذه الأحاديث الصريحة في العمل يوم الجمعة: |
|
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة
من منازلهم من العوالي فيأتون في العباء
ويصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم الريح فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
إنسان منهم هو عندي فقال: "لو أنكم تطهرتم يومكم
هذا" وفي رواية كان الناس مهنة أنفسهم فكانوا إذا راحوا إلى الجمعة
راحوا في هيئتهم فقيل لهم: "لو اغتسلتم" |
|
وفي رواية كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاه فكانوا يكون
لهم تفل فقيل لهم: "لو اغتسلتم يوم الجمعة"
أخرجه البخاري ومسلم، وللبخاري قالت كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
عمال أنفسهم فكان يكون لهم أرواح فقيل لهم: "لو
اغتسلتم" وفي رواية أبي داود قالت كان الناس مهان أنفسهم فيروحون
إلى الجمعة بهيئتهم فقيل لهم: "لو اغتسلتم"[1]. |
|
هذه الأحاديث مع قوله تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْع}، وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ
وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}. تدل
دلالة واضحة، أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في عهده كانوا يعملون يوم الجمعة. |
|
وعلى هذا لا ينبغي أن يشدد على التعطيل يوم الجمعة، لإمكان الجمع بين قضاء المصالح العامة، وهي من رضا الله،
وبين الاستعداد للصلاة وهذا هو ما جرى عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو واضح من النصوص السابقة. |
|
وينبغي أن يعطى المسلم الحريص على التفرغ للعبادة هذا اليوم
فرصة للتنظيف والتطيب والتبكير إلى المسجد وأن توقف الوظائف العملية التي تحول
بين المسلم وبين هذا الحق مثل الدراسة والتدريس والعمل في المصانع وما أشبه ذلك
مما يجبر المسلم على التأخر عن التبكير وما يلزمه وإذا كان لابد من التعطيل
فينبغي أن يكون يوم الجمعة لا يوم السبت ولا الأحد اللذين هما من أعياد
الكافرين. |
|
هذا استطراد رأيت أن إيضاح هذا
المعنى فيه مفيد، فأرجو من القارئ المعذرة. |
|
في هذا اليوم –يوم الأحد الذي هو إجازة في أندونيسيا مجاراة لأعياد النصارى- ذهبنا في الساعة العاشرة
والنصف للصعود في برج الاستقبال في جاكرتا والذي يمكن منه رؤية المدينة لارتفاعه
وبعد أخذ البطاقات وجدنا صف الانتظار للصعود طويلا والمصعد واحد وليس واسعا مثل
مصعد عمارة نيويورك فقررنا الانسحاب من هذا الصف
لنرجع في وقت أقل ازدحاما ومررنا على الحجرات المحيطة بالبرج وفيها الآثار
التاريخية الأندونيسية التي تحكي تاريخ أندونيسيا من عصورها الهمجية القديمة إلى عصر الاستقلال
بالصور المجسمة. |
|
ثم ذهبنا إلى شاطئ البحر، وفي طريقنا رأينا أنهارا في وسط
المدينة قذرة، وروائحها كريهة، فسألنا ما هذه الأنهار القذرة التي تخترق جاكرتا
العاصمة فقيل هذه هي المجاري يشق لها هذا المجرى الواسع ليصب في البحر. |
|
لكل ساقطة لاقطة: |
|
ومن المناظر الغريبة وجود بعض الأشخاص يستحمون في مثل هذا
المجرى. رأى الشيخ عبد القوي رجلا وهو يستحم فاستغرب ذلك فقال بعض الأخوة الأندونيسيين ما أظنه يستحم ولكن
يمكن أن يكون عاملا يحفر بعض المجاري الفرعية وكان ذلك فيه شيء من الاحتمال عندي
ولكن بعد قليل رأينا آخر وهو في وسط هذا البحر يدلك جسمه عند ذلك قلت للأخوة لا
تستغربوا فلكل ساقطة لاقطة كما قال الإمام الشافعي رحمه الله. |
|
وعندما وصلنا إلى ساحل البحر وجدنا المكان أشد ازدحاما من
برج جاكرتا، مع سعة الساحل، وكان أهل جاكرتا قد اجتمعوا في هذا المكان فلم نطق
النزول به لما فيه من المنكر والصخب. |
|
ركشة الأندوبيسيين: |
|
ومرت بنا قاطرة من العربات عددها عشر محملة بالمتنزهين
ومكنتها شبيهة بمكنة الدراجة النارية إلا أنها أقوى منها قليلا قلت هذه ركشة الأندونيسيين لأن الركشة الباكستانية أو البنغالية
لا تتسع لعالم الذر ولا تتسع شوارع أندونيسيا لها مع
أهلها. |
|
ثم تشاور عبد الله باهرمز مع
قائد السيارة بلغتيهما وكر السائق راجعا إلى البحر من جهة أخرى بعد أن قال له
عبد الله ترى مقاسي قلنا خيرا إن شاء الله إلى أين؟ فقال
عبد الله ذكر السائق أن هذه الجهة التي نسير إليها الآن لا يوجد بها مرتادون
لعدم وجود ظلال بها. |
|
المواساة |
|
المواساة للمؤمنين أنواع: مواساة
بالمال. ومواساة بالجاه. ومواساة
بالبدن والخدمة. ومواساة بالنصيحة والإرشاد. ومواساة
بالدعاء والاستغفار لهم. ومواساة بالتوجع لهم. وعلى
قدر الإيمان تكون هذه المواساة فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوى قويت
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله. فلأتباعه
من المواساة بحسب اتباعهم له. |
|
|
|
[1] جامع الأصول (7 /327 /328) وراجع مجمع الزوائد. |