طباعة

 توثيق النص

 

 

 

حول الشعر التعليمي (2)

للدكتور صالح آدم بيلو

الأستاذ المساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة

 

 

في ميدان النحو والفلك:

لمحمد بن إبراهيم الفزاري قصيدة مزدوجة في علم الفلك، يقول عنها ((ياقوت الحموي)) إنها تقوم مقام زيجات المنجمين، وهي طويلة يدخل في تفسيرها - هي وشروحها - عشرة أجلاد، أولها:

الحمد لله العلي الأعظم

ذي الفضل والمجد الكريم الأكرم

 

الواحد الفرد الجواد المنعم

 

الخالق السبع العلى طباقا

والشمس يجلو نورها الأغساقا

 

والبدر يملا نوره الآفاقا

 

الفلك الدائر في المسير

لأعظم الخطب من الأمور

 

يسير في بحر من البحور

 

فيه النجوم كلها عوامل

منها مقيم دهره وزايل

 

فطالع منها ومنها نازل

 

وهي هكذا ثلاثة أقفال ثلاثة أقفال[1]

وفي ميدان النحو استخدم الشعر التعليمي الإلمام به وتحخبيب دراسته، يقول إسحاق بن خلف البهراني:

النحو يبسط من لسان الألكن

والمرء تكرمه إذا لم يلحن

وإذا طلبت من العلوم أجلها

فأجلها منها مقيم الألسن[2]

ويقول الكسائي ((ت 183 أو 189 هجري)) في المعنى نفسه:

إنما النحو قياس يتبع

وبه في كل أمر ينتفع

فإذا ما أبصر النحو فتى

مرّ في المنطق مرّا فتّسع

فاتقاه كل من جالسه

من جليس ناطق أو مستمع

وإذا لم يبصر النحو فتى

هاب أن ينطق جبنا فانقطع

فتراه ينصب الرفع وما

كان من خفض ومن نصب رفع

يقرأ القرآن لا يعرف ما

حرّف الإعراب فيه وصنع

والذي يعرفه يقرؤه

فإذا ما شكّ في حرف رجع

ناظرا فيه وفي إعرابه

فإذا ما عرف اللحن صدع

فهما فيه سواء عندكم

ليست الألسن فينا كالبدع

كم وضيع رفع النحو وكم

من شريف قد رأيناه وضع[3]

 

في ميدان اللهو والمجون:

وإن تعجب فعجب لما بذله شعراء هذا العصر من جهد لاستخدام الشعر التعليمي في موضوعات اللهو والمجون الذي أصاب جانبا من جوانب ذلك المجتمع متأثرا بأمراض الفكر الوافد، والثقافة الدخيلة وأدوائهما... فراحوا يضعون للهو والمجون أصولا وقواعد تجب مراعاتها، وقوانين ومراسم ينبغي أن تراعى وتلتزم[4].

من ذلك أرجوزة الرقاشي المزدوجة التي تحدث عنها ابن المعتز في طبقاته، قائلا عن ناظمها: ".... وهو يزعم كما ترى: أنها تدخر لوقت الموت، مجونا وخلاعة، وأولهما:

أوصى الرقاشي إلى خلاّنه

وصية المحمود في إخوانه

وهي مشهورة وموجودة"[5]... ولكن لم يصل منها غير هذا الذي أشار إليه ابن المعتز.

كما قام ((حمدان بن أبان اللاحقي)) بوضع أرجوزة طويلة في الحب وحيل المحبين اختار منها أو بكر الصولي ثمانية أبيات ومائة بيت أثبتهما في كتابه ((الأوراق)) بدئت بقوله:

ما بال أهل الأدب

منّا وأهل الكتب

قد وضعوا الآدابا

واتبعوا الأصحابا

لكل فن دفتر

منقط محبر

ففرقت أجناسا

وعلموها الناسا

بالحيل الرقيقة

والفطن الدقيقة

فارشدوا الضلالا

وعلموا الجهالا

سوى المحبين فلم

يرعوا لهم حق الذمم

في علم ما قد جهلوا

وما به قد ابتلوا

ويمضي حمدان اللاّحقي إلى أن يقول في آخر منظومته:

قد تم مني الوصف

ولم يخني الرصف

وانقضت القصيدة

محبوبة حميدة

والحمد للرحمن

ذي العزّ والسلطان

والذم للشيطان

ذي الذم والطغيان[6]

ومن أروع ما جاء في هذا اللون من الشعر التعليمي ما أورده ابن المعتز في أرجوزته الطويلة ((ذم الصبوح))... إذ يصور شارب الخمر في أتعس حالاته وأبأس أوضاعه، فيقول في آخر قصيدته:

فمن أدام للشقاء هذا

من فعله والتذه التذاذا

لم يلف إلا دنس الأثواب

مهوّسا مهوّس الأصحاب

فازداد سهوا وضنى وسقما

ولا تراه الدهر إلا فدما

ذا شارب وظفر طويل

ينغص الزاد على الخليل

ومقلة مبيضة المآقي

وأذن كحقة الدباق

وجسد عليه جلد من وسخ

كأنه أشرب نفطا أو لطخ

تخال من تحت إبطه إذا عرق

لحية قاض قد نجا من الغرق

وريقه كمثل طوق من أدم

وليس من ترك السؤال يحتشم

في صدره من واكف وقاطر

كأثر الذرق على الكنادر

هذا، كذا، وما تركت أكثر

فجربوا ما قلته وفكروا[7]

 

في ميدان السير والتاريخ:

لعل أهم عملين كبيرين في هذا المجال مزدوجتان: مزدوجة علي بن الجهم[8] ومزدوجة عبد الله بن المعتز في السير والتاريخ..

أما ابن الجهم (188 –249 هجري) فله مزدوجة تسمى ((المحبّرة)) شديدة الطول، تقع في ثلاثمائة وثمانية أبيات، ذكر فيها ابتداء الخلق والأنبياء والخلفاء إلى أيامه –أيام الخليفة المستعين العباسي 248 هجري- وبدأ حديثه بحمد الله والصلاة على نبيه، ثم أخذ يجيب من يسأله عن بدء الخليقة:

الحمد لله المعيد المبدي

حمدا كثيرا، وهو أهل الحمد

ثم الصلاة أولا وآخرا

على النبي باطنا وظاهرا

يا سائلي عن ابتداء الخلق

مسألة القاصد قصد الحق

أخبرني قوم من الثقات

أولو علوم وأولو هيئات

تقدموا في طلب الآثار

وعرفوا حقائق الأخبار

وفهموا التوراة والإنجيلا

واحكموا التنزيل والتأويلا

أن الذي يفعل ما يشاء

ومن له العزة والبقاء

أنشأ خلق آدم إنشاء

وقد منه زوجه حواء

مبتدئا ذلك يوم الجمعة

حتى إذا أكمل منه صنعة

أسكنه وزوجه الجنانا

فكان من أمرهما ما كانا

وراح يتحدث عن إغراء إبليس آدم وزوجه، واستجابتهما له، وكيف أهبطا من الجنة إلى الأرض في جبل بالهند يسمى ((واسم))... واستمر يتحدث عن أبناء آدم وأحفاده، إلى أن جاء إلى نوح عليه السلام، فقال:

فأرسل الله إليهم نوحا

عبدا لمن أرسله نصوحا

فعاش ألفا غير خمسين سنة

يدعو إلى الله وتمضى الأزمنة

يدعوهم سرا ويدعو جهرا

فلم يزدهم ذلك إلا كفرا

وانهمكوا في الكفر والطغيان

وأظهروا عبادة الأوثان

وهكذا يمضي الشاعر في أرجوزته يتحدث في استفاضة، ودقة متناهية عن قصة أبي البشر الثاني مع قومه، وما أعقب ذلك من أحداث. وتحدث عن الأنبياء والرسل نبيا نبيا، ورسولا رسولا، وعن الأمم والشعوب من عرب وعجم قبل مطلع النور –الإسلام

 فيقول:

فهذه جملة أخبار الأمم

منقولة من عرب ومن عجم

وكل قوم لهم فكير

وقلما تحصل الأمور

وعميت في الفترة الأخبار

إلا التي سارت بها الأشعار

والفرس والروم لهم أيام

يمنع من تفخيمها الإسلام

وإنما يقنع أهل العقل

بكتب الله وقول الرسل

وجاء الإسلام بنوره الوهاج:

ثم أزال الظلمة الضياء

وعاودت جدتها الأشياء

ودانت الشعوب والأحياء

وجاء ما ليس به خفاء

أتاهم المنتخب الأوّاه

محمد صلى عليه الله

وانساب الشاعر يصور الأحداث حدثا حدثا، والخلفاء خليفة خليفة إلى أيام المستعين الذي عاصره الشاعر، واختتم أرجوزته قائلا:

فنحن في خلافة مباركة

خلت عن الأضرار والمشاركة

فالحمد لله على إنعامه

جميع هذا الأمر من أحكامه

ثم الصلاة أولا وآخرا

على النبي باطنا وظاهرا[9]

وبذا يكون علي بن الجهم أول شاعر يقوم بعمل متكامل وصل إلينا كاملا في هذا الباب[10].

أما عبد الله بن المعتز ((247 -296 هجري)) فقد نظم في أرجوزته حياة الخليفة العباسي المعتضد ((279 -289 هجري)) وسيرته وما قام به من أعمال كبيرة وعظيمة، فرفع من شأن الخلافة بعد اتضاع، وأخذ على يد الأتراك بقدر المستطاع، وشرح الشاعر فيها الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفسادها، وتحدث عن القضاء على الثائرين والمتمردين!..

وهذه الأرجوزة يحسبها كثير من النقاد والباحثين مظهرا من مظاهر الشعر القصصي[11]، ويقول الأستاذ أحمد أمين: "... هي صورة مصغرة لنمط الملاحم كالإلياذة والشاهنامة سدت بعض النقص في الشعر العربي من هذا النوع"[12].

يفتتح الشاعر أرجوزته على الطريقة التي سلكتها المتون في الأزهر القديم:

باسم الإله الملك الرحمن

ذي العز والقدرة والسلطان

الحمد لله على ألائه

أحمده والحمد من نعمائه

أبدع خلقا لم يكن فكان

وأظهر الحجة والبرهانا

وجعل الخاتم للنبوة

أحمد ذا الشفاعة المرجوة

الصادق المهذب المطهرا

صلى عليه ربنا فأكثرا

مضى وأبقى لبني العباس

ميراث ملك ثابت الأساس

برغم كل حاسد يبغيه

يهدمه كأنه يبنيه

ثم يذكر أنه ألف هذه القصيدة في سيرة أبي العباس المعتضد، ويعرض لحال الخلافة قبله، والفوضى السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة، وأعمال أبيه ((الموفق)) والقضاء على فتنة الثائر العلوي 270 هجري، فيقول:

قام بأمر الملك لما ضاعا

وكان نهبا في الورى مضاعا

تذللا ليست لـه مهابة

يخاف إن طنت به ذبابة

وكل يوم ملك مقتول

أو خائف مروع ذليل

أو خالع للعقد كيما يغني

وذاك أدعى للردى وأدنى

وكم أمير كان رأس جيش

قد نغصوا عليه كل عيش

وكل يوم شغب وغصب

وأنفس مقتولة وحرب

وكم فتى قد راح نهبا راكبا

إما جليس ملك أو كاتبا

فوضعوا في رأسه السياطا

وجعلوا يردونه شطاطا

وكم فتاة خرجت من منزل

فغصبوها نفسها في المحفل

وفضحوها عند من يعرفها

وصدقوا العشيق كي يقرفها

وحصل الزوج لضعف حيلته

على نواحه ونتف لحيته

وكل يوم عسكر فعسكرا

بالكرخ والدور مواتا أحمرا

كذاك حتى أفقروا الخلافة

وعودوها الرعب والمخافة

فتلك أطلال لهم قفارا

ترى الشياطين بها نهارا

ويصور الشاعر الفظائع التي كانت تنصب على أفراد الأمة من مصادرات لأموالهم بعد انتهاك حرماتهم، فيقول: